رسالة مواطن عراقي إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية في العراق


عباس علي العلي
الحوار المتمدن - العدد: 5988 - 2018 / 9 / 8 - 18:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

خارطة طريق لمعالجة حرائق العراق السياسية
شكلت أنتفاضة البصرة الحالية أعلانا مهما وموقفا واضحا وصريحا جدا من مجمل ما أنتجته جمهورية بريمر وما تلاها من تطورات وأحداث وبناء سياسي منحرف وفاسد، فيها قال الشعب البصري بلسان كل العراقيين ((أن الوقت حان للحساب)) ولا بد أن نعيد قراءة كل ما مضى بعين النقد والتشخيص والمحاسبة، دون أن نترك للعواطف والأنفعالات الولائية لهذا الطرف أو ذاك أي مجال للحكم على الواقع بكل ما فيه، لذا فإن دراسة واقع الأنتفاضة وممارسة عملية الأستكشاف المبطن والظاهري لما أنجبته وطرحته يأخذ منا الواجب الأهم لرسم الخريطة السياسية الجديدة إذا أردنا أن نتعبر مما جرى وأن نصحح لأخطائنا الماضية بكل واقعية وشجاعة.
هذه الحقيقة يجب إدراكها وتداركها قبل أن تذهب الأمور صوب المحذور حينها لا تنفع الكلمات ولا النصح ولا الرشد في أعمار ما خربته سني التحول ما بعد 2003، لذا أدعو بكل أخلاص ووطنية كل من يهتم ويعمل جاهدا نحو بناء واقع سياسي أكثر عراقية وأوجب من حيث العمل لأنقاذ العراق وشعبه من متاهة الواقع المضطرب، ولنكون أكثر شجاعة وصدق في قول الحقيقة مهما كانت مرة ومؤلمة، أنتفاضة البصرة اليوم ليست وليدة ساعة غضب ولا مجرد واقع نشأ عن تململ آني لنقص مؤقت أو طارئ للخدمات والواجبات المترتبة على السلطة تجاه مواطنيها، وإنما هي حصيلة تراكم فشل مزمن ومنحرف ناتج عن بناء مشوه وغير قانوني ولا دستوري تحت مسمى العملية السياسية، وعليه فالبحث عن الحلول من هذه الزاوية ومعالجتها هو الطريق الأصوب والجاد لمعالجة الواقع ولنبدا من مكان شرارة الأنتفاضة على أن تعمم على الواقع العراقي بمجمله بروح النقد البناء.
نبدأ عمليا بالمعالجة من خلال تفكيك أواصر الأزمة من أصولها الفاعلة والتي تكمن في غياب دور الدولة الواضح والمهمش لصالح الأحزاب ومناطق نفوذها ومصالحها المحمية مرة بقوة السلاح الخارج عن سيطرة القيادة العسكرية المركزية وفوق أعتبارات الأمن الوطني للعراق دولة وشعب، ومرة تحت شعارات مذهبية وطائفية تتعارض مع كون الدولة سقف لكل الشعب دون تفريق أو تمييز بين فرد وفرد،هذا العنصر الأساسي هو من قاد إلى الفشل المزمن والمتراكم في أثاره على قوة أجهزة الدولة وفاعلية واجبها الأساسي في إدارة دفة المجتمع وفق ما هو مرسوم دستوريا وقانونيا، فكلما حضرت الدولة بهيبتها والقانون الذي منحها السلطة والمشروعية ووفق قواعد العمل الرسمي تضائلت فرصة الفساد والفاسدين في العبث بالمصير الوطني والأجتماعي لعموم الشعب العراقي، وحيث أن الواقع يظهر هذا الضعف ويبرزه نتيجة قوة وسطوة الأحزاب وما ورائها من دعم من جهات فئوية وطائفية ولها أرتباطات توجيهية من خارج الحدود لا يمكن لأجهزة الدولة ومؤسساتها أن تمارس دورها دون أن تحسب ذلك وتحتاط له بما يجعلها عاجزة تماما أن تمارس واجباتها أصوليا وهنا تكمن علة الواقع وخلله.
حتى لا نكون طوبايين في طرحنا ونطلب ما هو غير ممكن حاليا بسبب طبيعة بناء المنظومة السياسية وأساسها الدستوري علينا أن نقر أولا أن هذا البناء بحاجة إلى أصلاح حقيقي يبدا من العمل الجاد والحقيقي لأصلاح الدستور أولا، ومن ثم وضع تصورات كاملة ومنظومة عمل لأنجاز مشروع التغيير وفقا لما ظهر وبان بالتجربة العملية، وهذا لا يعني أن نقف مكتوفي الأيدي الآن لحين أنجاز عملية الأصلاح والتغيير ولكن نبدأها من باب المحاسبة الشاملة ومحاكمة كل الواقع وتفعيل دور القضاء والأجهزة الرقابية في البحث عن كل مظاهر الفساد والتخريب والسرقات والجرائم التي أرتكبتها المنظمة السياسية أحزاب وأفكار ومفردات دون هوادة وتحت شعار القانون سيد المتكلمين وبفاعلية قضائية مهنية ومحايدة ومسؤولة.
أولا نبدأ من الجانب العملي للأستجابة للمطلب الرئيسي الذي فجر شرارة الغضب العراقي والذي كان مع وجود ظاهرة غياب أجهزة الدولة الرسمية وهو تغلغل الأذرع السياسية والعسكرية الميليشياوية لبعض الكتل والأحزاب السياسية في الشأن الحكومي، ويتمثل هذا أولا بحذر عسكرة الأحزاب تحت أي مسمى وبأي عنوان وتسليم الملف الأمني للأجهزة المختصة، وتجريم حمل السلاح خارج المقرات العسكرية والأمنية وفي داخل مقار الأحزاب وفروعها وأماكن تواجدها أستجابة لما أشترطه قانون الأحزاب والعمل السياسي النافذ، وبالتالي حصر قيادة وتوجية وإدارة الحشد الشعبي بالقيادة العسكرية العليا في الدولة وفي مقار معلومة كباقي القطعات العسكرية والأمنية، وتكون حماية المقرات السياسية للأحزاب والحركات المرخصة من واجب وزارة الداخلية حصرا وبموجب تكاليف رسمية ووفق السياقات التي تتعامل بها الوزارة في حماية المؤسسات العامة والخاصة، وأن لا تتكفل هذه المنظمات والأحزاب بحماية أنفسها بواسطة عناصرها المسلحين بأعتبارهم غير مخولين قانونا بذلك.
الخطوة التالية والتي تعزز ما جاء في الطرح الأول هو الفصل بين العمل السياسي والعسكري للقوى السياسية والأحزاب والحركات وتفعيل قانون الأحزاب والعمل السياسي النافذ من خلال البحث عن مصادر التمويل وأوجه الأنفاق ومراقبة ذلك من خلال الجهاز المركزي للرقابة المالية كما هو مطروح بالقانون، وأجراء المحاسبة المشددة على كل تنظيم خارج عن أساسيات وشروط العمل السياسي وأغلاق كل المقرات التي لم تحصل على أجازة العمل السياسي لحين أكمال المتطلبات القانونية لها، وبذلك نضيق تماما على ظاهرة المكاتب والمقرات التي تمارس عملها الفوضوي دون رقابة قانونية وخارج الطرق القانونية والدستورية وضبط واجهة العمل السياسي وتفعيل القانون لمصلحة الأمن الوطني العام.
الخطوة الثالثة والأهم هي مراجعة شاملة لملف الأموال والمشاريع وما أنفق منذ عام 2003 لليوم بلجنة محايدة من وزارة المالية بأعتبارها المسؤولة عن ضخ تلك الأموال للمحافظة وبمشاركة ديوان الرقابة المالية وبتحقيق مهني وشفاف من قبل أجهزة مجلس القضاء الأعلى وبمشاركة فعالة من هيئة رئاسة الأدعاء العام وممثلي عن مجلس النواب وجهاز المخابرات وممثلي الجهات الأقتصادية المسؤولة وبحضور ممثلي الوزرات والجهات التنفيذية، للوقوف على حقيقة الأداء الحكومي والتنفيذي للفترة السابقة، وبيان كيفية ضياع تلك الأموال المخصصة للمشاريع والخدمات وتحت سقف زمني لا يتجاوز الثلاثة أشهر، وتسهيل عمل اللجنة للوصول إلى كل الملفات الهامة والحساسة، وأعتبار أي عرقلة أو تأخير أو مناورة من أي طرف أدانة له بتهمة التستر على الفساد والتخريب الأقتصادي الممنهج، على أن يتبع ذلككله أصدار قرارات ملزمة للكل بمحاسبة الفاسدين وأسترداد الأموال المنهوبة وحظر كل نشاط أقتصادي أو مالي أو تدخل من قبل الأحزاب السياسية في عمل الأجهزة الحكومية أو محاولة الهيمنة على الموارد والمفاصل الأقتصادية والتشغيلية وخاصة في قطاعي النفط والموانيء والمنافذ الحدودية والمطارات.
الخطوة اللاحقة هو أعادة هيكلة الواقع الأمني في المحافظة وتعزيز دور القوى الأمنية ومنحها كافة الصلاحيات الضبطية والقانونية لتنفيذ واجبها الأساسي، وخاصة مع أنتشار ظاهرة السلاح المنفلت وفوضى العمل المليشياوية خارج أطار قانون الحشد الشعبي الذي جعل من هذا الكيان جزء من أجهزة الدولة، على أن يصار لاحقا إلى دمج كل عناصر هذا الكيان مع بعضها وأعادة بناءه ليس على أسس الحزبية والولائية الحالية وإنما على أعتباره مؤسسة عسكرية عراقية بأمتياز وواقعية، وهذا يعني الفصل التام بينها وبين الأحزاب والتنظيمات السياسية والدينية بما يضمن وحدته وتفعيل الروح الوطنية في عمله بعيدا عن ولائه للأحزاب والمنظمات التي تتحكم الآن في تحركاته ونشاطه دون وجود حقيقي ومؤثر للقانون الذي شرع لتنظيم عمله بما فيه مسألة القيادة والتوجيه من قبل القائد العام للقوات المسلحة.
تبقى مشكلة الخدمات الأساسية التي تعاني منها البصرة ككل المدن والمحافظات العراقية تحتاج إلى جهد وتعاون متكامل بين المواطن وبين أجهزة الدولة، خاصة وأن تفعيل هذا الجانب بحاجة إلى تنفيذ ما تقدم من خطوات عملية طرحناها هنا، ولا يمكن أن تكون هذه الخدمات حقيقية وموجودة في الواقع ما لم تنفذ بالتزامن والتساوق بين تنفيذ الخطة ومحاولة تحسين الواقع الخدمي والمعيشي للشعب العراقي، فالدولة لم تحرم المدن والمحافظات من التخصيص المالي اللازم، ولكن المشكلة في الفساد والسرقات التي تمارس من السياسيين وأذرعتهم الأدارية في أجهزة الدولة، مما حرم المواطن العراقي من أن تصله الخدمات والوظائف الحكومية كما هي مشرعة أصلا، فتحيد الفاسدين ومحاربتهم وعزلهم عن مفاصل التنفيذ العملي هو من يضمن للناس أن تنال ما هو حق أساسي لها، وهذا الأمر يعتمد كليا على مبدا المحاسبة الفاعلة والرقابة الدائمة والشفافية في الكشف والتنفيذ والمحاسبة القانونية.
إن تنفيذ هذه الخارطة العملية بكل تغاصيلها وبروح المسؤولية الوطنية والأخلاقية التي يجب أن تتوفر لدى صانع القرار السياسي في العراق كفيلة بالمعالجة والبناء السليم وترميم الوضع المتدارك حاليا، ويمنع أيضا من تدخل القوى الخارجية في الشأن العراقي وتخريبه أو تسخيره لمصالحها الخاصة مهما كانت المبررات والحجج، كما يضمن حسن الأداء الحكومي وبناء منظومة سياسية حقيقية تعمل لمصلحة الوطن وتحت مظلة القانون والدستور، وتحمي العراقيين وحقوقه السياسية والأقتصادية والأجتماعية الأساسية من الفساد والمفسدين.



تعليقات الفيسبوك