الماركسية والدين - تعقيب على مقال مايكل لوف


عواد احمد صالح
2006 / 3 / 29 - 09:10     

أن مقالة (مايكل لوف) المعنونة (الماركسية والدين) (المنشورة في مجلة القاهرة 1998 والتي اعيد نشرها في الحوار المتمدن في 5- 2- 2006 ..تحاول في القسم الأول منها تقديم نظرة تاريخية عن تطور موقف مؤسسي الماركسية ماركس وانجلز من الظاهرة الدينية استنادا إلى معطيات فكرية واجتماعية ظهرت في الغرب المسيحي.. ومن جهة ما يتعلق بالنظرة الفلسفية فقد أخذ ماركس عن فيورباخ والهيجليين اليساريين فكرة نقد الدين واعتبره أساس كل نقد في شروط المانيا حينها ، يقول ماركس في كتابه نقد فلسفة الحق عند هيجل ((إن الشقاء الديني هو من جهة تعبير عن الشقاء الواقعي ومن جهة ثانية احتجاج على هذا الشقاء ، إن الدين هو الزفرة يصعدها الإنسان الذي هده الشقاء هو الروح في عالم بلا روح والفكر في عصر لا فكر له إنه أفيون الشعب)) (أنظر عفيف فراج دراسات يسارية في الفكر اليميني ، ص 143 دار الطليعة بيروت1970 ) ونص ماركس الذي أورده مترجم مقال لوف يفتقر إلى الدقة في الصياغة ، وعلى أية حال لم تتشكل النظرة الماركسية عن الدين بشكل نهائي قبل أن (تكتمل) الأيديولوجيا الماركسية بوصفها نظرية اجتماعية تاريخية لتحرير الطبقات المضطهدة وقد تضمنت في ذلك تحليلا للدين كونه أحد الأشكال المتعددة للأيديولوجيا المرتبطة بالواقع المادي والفكري السائد وقد لاحظ انجلز ان الأديان مثلت تعبير (عن تطور المراحل التاريخية لشعوب مفردة أو مجتمعة ).
، وفيما بعد ربط انجلز الظاهرة الدينية بالصراع الطبقي من خلال معاينته للحركات والثورات الاجتماعية والاحتجاجات التي حصلت في اوروبا عقب انهيار الاقطاعية وصعود الطبقة البرجوازية إلى سدة السلطة ملاحظا الطابع المزدوج للظاهرة الدينية أي كونها تعطي الشرعية للنظام الاجتماعي والسياسي القائم من جهة وتبرره من جهة أخرى ودورها الانتقادي الاجتماعي والاحتجاجي كونها في بعض الحالات أداة في يد الطبقات الاجتماعية المسحوقة لمناهضة الظلم والتعسف كما حدث في حركات الفلاحين وفي الاحتجاجات والثورات ضد اساليب وممارسات الكنيسة . وكان جوهر النظرة الماركسية في ذلك منصبا بشكل رئيسي على تحليل الدور الذي لعبته الديانة المسيحية في أوروبا والقوى الأجتماعية التي استندت إليها وقد دعت الماركسية الى الفصل بين الدين والدولة الحديثة البرجوازية الديمقراطية كونها دولة مدنية أي دولة مواطنة .. يقول ماركس بهذا الصدد (أما الدولة الديمقراطية، الدولة الحقيقية فهي لا تحتاج إلى الدين من أجل اكتمالها السياسي. و أكثر من ذلك فهي تستطيع أن تطرح جوانب كثيرة من الدين لأن الأساس الإنساني للدين متحقق فيها بطريقة دنيوية.. )(حول المسألة اليهودية ) الحوار المتمدن 19-7 -2004
وقد أجمع الماركسيون فيما بعد كاوتسكي ، لينين ، روزا لوكسمبورغ ومعهم منظري الصف الثاني الذين لم يكونوا يدينون بفكرة الولاء للدين ، وكما لخص مايكل لوف ذلك بشكل دقيق (( إن المعركة ضد الإيديولوجيا الدينية يجب أن تخضع لمتطلبات الصراع الطبقي الذي يتطلب بدوره الوحدة بين العمال الذين يؤمنون بالرب وأولئك الذين لا يؤمنون به)) . وفي الحقيقة فأن لينين وهو الوريث الشرعي والثوري لماركسية ماركس وانجلز هو افضل من قدم نظرة متماسكة حول الدين في مقالته (الاشتراكية والدين) عام 1905 إذ يقول ((الدين هو احد مظاهر القمع الروحي الذي يرهق دائما وفي كل مكان الجماهير الشعبية المسحوقة بالعمل الدائم في خدمة الغير وتحت اعباء البؤس والعزلة. الأيمان بحياة اخرى افضل فيما بعد الموت يلد حتما من عجز الطبقات المظلومة في نضالها ضد ظالميها تماما كما يولد الأعتقاد في الألهة ، الشياطين وفي المعجزات من عجز الأنسان الوحشي في نضاله ضد الطبيعة.. .)) وفي مكان اخر..((الدين بالنسبة لحزب البروليتاريا الاشتراكية ليس قضية خاصة... وإن الدين يجب أن يصبح قضية خاصة بالنسبة للمجتمع ...))..و (( إننا دائما من انصار المفهوم العلمي للعالم ... ومن الضروري أن لا نضع المسألة الدينية في المقام الأول)) ... أي قبل النضال السياسي والاقتصادي للطبقات الكادحة. ( لينين :نصوص حول الموقف من الدين دار الطليعة بيروت 1972 ) .
إن مقالة مايكل لوف رغم إنها اجتزأت بعض المفاهيم والنصوص بشكل متعسف في بعض الأحيان إلا إنها مفيدة للغاية لفهم تطور النظرة الماركسية عن مسألة الدين وهي تقدم تحليلا تطوريا متوازنا وتوفيقيا في نفس الوقت للنظرة تجاه الدين .
===================
وفيما يتعلق بمحاولة تكوين موقف (ماركسي ) من الظاهرة الدينية في مجتمعنا فأن ذلك يتطلب معاينة الظرف السياسي والاجتماعي في المرحلة التاريخية الراهنة في سياق نظرة تأخذ بالحسبان متطلبات وأولويات العمل السياسي وطبيعة القوى المؤثرة دون الاستسلام للتأثيرات المتخلفة والرجعية.
ويجب ملاحظة مختلف التجليات والظواهر الجديدة التي برزت في العقود الأخيرة المتمثلة بظاهرة الإسلام السياسي المعتدل والمتطرف الذي بدأ يغطي مساحة واسعة في الشارع ويستحوذ على عقول الجماهير بواسطة الديماغوجية الدينية والتعصب المذهبي والطائفي والشعارات البراقة وتحليل الظاهرة الدينية السياسية وفق منظور اجتماعي وطبقي والأخذ بنظر الاعتبار ثقل التراث الفكري والثقافي والاجتماعي الذي انتجة الموروث الديني ومساحة التقديس التي يتخذها ولا بد من نقد مختلف التفسيرات الرجعية والضارة والمضادة لحركة التطور التاريخي التي تروج لهل أيديولوجيا حركات الإسلام السياسي الرجعية والمحافظة والطائفية المغلقة في محاولتها لإخضاع الواقع لتفسيراتها الزائفة والمغرضة المتمثلة بالعودة عن المكتسبات العصرية وتقييد الحريات وخلق أشكال جديدة ومتعددة للتمييز بين البشر والتشبث بمفاهيم خرافية لم تعد تتوائم مع معطيات ومتطلبات عصرنا الراهن.
لقد ركبت قوى الاسلام السياسي موجة الديمقراطية المدفوعة من الأدارة الأمريكية ليس بسبب ايمان حقيقي بالديمقراطية باعتبارها ممارسة وسلوك حضاري يقوم على مبادئ الحرية والمساواة واحترام حقوق البشر بل اتخذتها وسيلة للوصول الى كراسي الحكم والتشبث به تحت شعارات الشرعية وما يسمى الاستحقاق الانتخابي .. ولتطبيق افكار ومبادئ ظلامية توقع الجماهير في براثن الجهل والحماقة والانقسام الطائفي والمذهبي وتؤدي الى استعباد ملايين البشر ومنهم جماهير النساء والشباب والشرائح المثقفة والمستنيرة من المجتمع .
.. ولابد ان تدرك الجماهير غير الواعية وهي الغالبية في المجتمع ، ان المشاريع السياسية لقوى الاسلام السياسي والتي في جوهرها ذات نزوع ومنحى طائفي هي مشاريع طوباوية .. لا تهدف الى اقامة مجتمع متطور وحداثي كونها تبحث عن المثال في الماضي وتحرف وعي الجماهير عن إدراك ان مشاكلها الحقيقية لا تحل عن طريق الأسراف والمبالغة والأستغراق في الطقوس والشعائر وهي ليست ناجمة عن صراع معتقدات ومذاهب واديان وطوائف مختلفة او بتغيير بعض مظاهر الحياة الاجتماعية وانماط السلوك والعودة بها الى الوراء .. بقدر ما هي ناجمة عن بنية النظام الرأسمالي المتعفن الاقتصادية والسياسية الذي يخلق الفوارق الطبقية والأزمات الاجتماعية والحروب والصراعات ويخرب النسيج الاجتماعي والحياتي ويكرس الوعي الساذج والبدائي للبشر في كل مكان .. وان الشعوب الإسلامية ليست بمنأى عما يدور حولها من تطورات وصراعات وهي خاضعة لآليات اشتغال النظام الرأسمالي العالمي وشكله العدواني الراهن نظام العولمة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية .
اما الموقف الماركسي من الدين في الأطار السياسي لحركة الطبقة العاملة فهو موقف جدلي متحرك لا يأخذ منحا ثابتا وخطا مستقيما دائما في جميع الظروف فهو يخضع لمتطلبات الصراع الطبقي الذي يتطلب الوحدة بين العمال والكادحين المتدينين وغير المتدينين باختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والقومية .. واما الدين في اطاره الاجتماعي والشخصي أي ممارسة طقوس وشعائر العبادة وفروضها من قبل سواد المجتمع فهو مصان ومحفوظ ويحظى بالاحترام والصيانة خارج الأطر السياسية ويجب ان يظل بمنآى عنها . لآن من اول اشتراطات النظرة الديمقراطية والإنسانية احترام معتقدات الناس الدينية والمذهبية والفكرية .
وفي سياق نقد الظاهرة الدينية السياسية المعاصرة وللتخفيف من غلواء الاسلمة والتعصب الديني والمذهبي فان من الضروري فصل الدين والمؤسسات الدينية عن سلطة الدولة وعدم تبني الدولة لدين او مذهب الغالبية السكانية في اطار نظرة متساوية ازاء جميع الأديان واستبدال الهويات الدينية والطائفية بالهوية الأنسانية والوطنية الشاملة ، وإشاعة الفكر العقلاني والديمقراطي وتثوير الثقافة إذ لا يمكن تغيير الوعي والقناعات من دون اشاعة المفاهيم الديموقراطية والعقلانية والفكر العلمي ولا بد ان يترافق ذلك التثقيف مع تطوير القاعدة المادية (الاقتصادية ) فمثل هذه التغيرات في البناء المادي والفكري والحضاري سوف تحد من الشروط التي تكرس سلطة وتأثير الدين والأيديولوجيا الدينية . وهذه مهمة ديمقراطية حاسمة .

استطراد
في مقالة بعنوان " من اجل فهم متجدد للظاهرة الدينية في مجتمعنا " في مجلة أوراق فكرية العدد9 كانون الثاني 2005 التي تصدر عن الحزب الشيوعي العراقي.. حاول الكاتب هادي محمود تفسير مقولة " الدين افيون الشعب " بشكل (ايجابي) ولصالح الدين بالأعتماد على ترجمة غير دقيقة للنص .. وقال " انه بمثابة الأفيون الذي يجعل ذلك الأنسان يحلم بالغد وبالأماني المتحققة في الأحلام !! انه يمثل الحلم بالعدالة على الأقل على صعيد الخيال بعد ان لم يجدها او يحققها على ارض الواقع ، وبالتالي فهو يحتاجه كعزاء نفسي لكي يستمر في الحياة " ...هذا التفسير البسيط والمدرسي لا يليق بكاتب ومفكر فضلا عن كونه اساءة وتاويل انتهازي لفكر ماركس وتجريده من حسه النقدي والثوري !!.. لقد قصد ماركس غيرما اورده الكاتب بكل تأكيد . فالدين شكل التعبير الأساسي للفكر الأنساني قبل تطور العلوم والفلسفة وهو يمثل تفسير وتبرير للشقاء الواقعي وانعكاس له .. بشكل ادق الشقاء الديني مصدره الشقاء الواقعي الأرضي نظام القهر والاستغلال والتفاوت الطبقي وهو بمثابة افيون أي مخدر ومروض وليس بالمعنى الذي قدمه الكاتب " الحلم بالعدالة على صعيد الخيال " انه عزاء روحي ونفسي يوفر نوعا من الاطمئنان للجماهير بان الثواب في الآخرة مقابل شقاء الدنيا ..وبديل عن الاحتجاج والاعتراض والثورة على الظلم والواقع الفاسد ..هذا ما اراه وربما قصدت النظرة الماركسية ذلك بهذا القدر او ذاك ..استنادا الى انها لم تكن تقصد تفسير العالم فقط بل تدعو الى تغييره ..
وعلى اية حال لم يكن هدف الماركسية معاداة الدين كما هو رائج عندنا خارج إطار الشروط الواقعية أي الشروط التي يلعب فيها الدين دورا سلبيا او ايجابيا في المجتمع .. فقد سخر انجلز في مؤلفه الشهير "ضد دوهرنغ " من ثورية هذا الأخير حين طالب بإلغاء الدين في المجتمع الاشتراكي ، فبقدر ما يلعب الدين او شكله المسيس دور العائق امام التغيير والتقدم الاجتماعي الى الأمام وبقدر ما يمسخ ويبلد أذهان الجماهير ويؤدي الى تقسيمها على اساس مذهبي متعصب ويكون اداة في يد الطبقات المالكة لتبرير القمع والبؤس والقدرية ولا يدع مجالا للتفكير العقلاني والديمقراطي يكون دوره سلبيا ورجعيا ويقف عائقا أمام التحرر والتقدم والوحدة الانسانية لعموم البشر.
إن مستقبل الأديان مرهون بدرجة اساسية بمستوى التطور الثقافي والاجتماعي والعلمي المستقبلي للبشرية وما سوف تصل اليه من تقدم وتغير في النظام الاقتصادي والاجتماعي .

18-2-2006




تعليقات الفيسبوك