ما زال العالم يعيش عصر الثورة الإشتراكية - 3


فؤاد النمري
2018 / 7 / 10 - 15:46     

أهم أطروحة شيوعية تطرح اليوم هي أن ثورة أكتوبر الإشتراكية العالمية لم تفشل ولم تمت كما يزعم عامة الشيوعيين المفلسين . لم يجرؤ أحد منهم أن يتداخل على هذه الأطروحة في مقال بجزئيه الأول والثاني وما ذلك إلا بسبب إفلاسهم الفكري .

لم تعانِ الحركة الشيوعية أية أزمة مثل الأزمة الحالية منذ أن نادى كارل ماركس وفردريك إنجلز إلى تأسيسها في البيان الشيوعي 1847 . السبب الوحيد لذلك هو إنقلاب البورجوازية الوضيعة السوفياتية بقيادة العسكر على الاشتراكية .

لم تشارك الحكومة السوفياتية في معاهدة فرساي 1919 ولم يكن لها أي دور في منع طريق التطور الرأسمالي على ألمانيا . قوى الإنتاج الألمانية الضخمة لم يكن أمامها طريق آخر بموجب فرساي وخيانة الحزب الاشتراكي الألماني في جمهورية فيمار وهو موئل الخيانة عبر تاريخه، سوى العسكرة، طريق النازية أو طريق الإمبراطوريات القديمة التي كانت تحصل ريوعها من غنائم الحرب . النازية العدوانية وهي توظيف قوى الإنتاج المتطورة في غير وظيفتها، في إنتاج الحرب، كانت من تأسيس بريطانيا وفرنسا في معاهدة فرساي وقد سلبت ألمانيا من كل مستعمراتها وفرضت عليها غرامات لا تحتملها حتى بلدان قوية في الإنتاج مثل ألمانيا فكان انهيار جمهورية فيمار في العشرينيات حتى وصل ثمن رغيف الخبز إلى 426 ألف مارك . الجريمة هي جريمة بريطانيا وفرنسا وآثام الجريمة تحملها الاتحاد السوفياتي وحده .
بريطانيا وفرنسا صالحتا هتلر في مؤتمر ميونخ فوهبتا هتلر النمسا بكاملها ومنطقة السوديت من تشيكوسلوفاكيا التي تساوي مساحتها مرة ونصف مساحة لبنان دون استشارة حكومتها، ومنحتا رفيق هتلر الفاشي موسوليني الحبشة والصومال .
النتيجة التي عمد الوصول إليها رئيس وزراء بريطانيا نفيل تشامبرلين والرئيس الفرنسي إدوار دالادييه في مؤتمر ميونخ هي أن العسكرية النازية لم يعد لها أن تغتنم أية غنائم في الإمبرطوريتين الإمبرياليتين بريطانيا وفرنسا والبحث عن أية غنائم أخرى لن تكون إلا في الاتحاد السوفياتي – طبعا المشروع النازي الهتلري، مشروع الرايخ لألف عام لن يعمّر بغير الإغتنام ونهب خيرات الشعوب الأخرى وكانت اشتراكية هتلر تتحقق بتوزيع الغنائم توزيعاً عادلاً على الشعب الألماني من الجنس الآري .
كان ستالين على علم تام بما يضمره الإمبرياليون في بريطانيا وفرنسا خاصة وأنهم رفضوا التحالف مع الاتحاد السوفياتي ضد النازية والفاشية وقد باتتا خطراً جدياً ليس على شعوب أوروبا فقط بل وعلى شعوب العالم قاطبة أيضاً .
لم يكن من خيار أمام ستالين لتعطيل المؤامرة الإمبريالية النازية على الإتحاد السوفياتي غير اتفاق عدم إعتداء مع هتلر . وافق هتلر على الاتفاق من أجل أن يحتل بولندا دون معارضة الاتحاد لسوفياتي وهو شرط مسبق لأية حرب على الإتحاد السوفياتي ولعل اقتراحه على مولوتوف أثناء المحادثات بعقد تحالف عسكري بين الطرفين يقوم باحتلال بريطانيا وتقاسمها مع مستعمراتها مناصفة كان للتغطية على هدف هتلر من احتلال بولندا . وقبل ستالين بالإتفاق من أجل استمرار الحياة السلمية لشعوب الاتحاد السوفياتي لسنتين أو ثلاثة على الأقل، ومن أجل أيضاً تعطيل التنسيق الامبريالي النازي في المؤامرة على الاتحاد السوفياتي حيث أن بولندا كانت في حماية الإنكليز والفرنسيين .

كان للعدوان الهمجي المباغت الواسع – 180 فرقة أي زهاء ثلاث ملايين جندياً – ووصوله إلى أطراف موسكو خلال ثلاثة شهور فقط والخسائر الهائلة التي تحملتها الشعوب السوفياتية لرد العدوان وحتى احتلال برلين، كان له آثار عكسية على المحتمع الإشتراكي خاصة وأن البروليتاريا السوفياتية وهي الطبقة الحاكمة كانت قد تحملت الجزء الأعظم من الخسائر .
الخلل في البنية الطبقية الذي اعترى المجتمع السوفياتي ساعد البورجوازية الوضيعة السوفياتية في إنقلابها على النظام الإشتراكي حال رحيل ستالين في العام 1953 .
عامة الشيوعيين في العالم باستثناء الصين وألبانيا ورومانيا قبلوا بالانقلاب والتحقوا بذلك بالطبقة البورجوازية الوضيعة دون أن يعوا ذلك .
البورجوازية الوضيعة بقيادة الجيش فرضت على الحزب الشيوعي السوفياتي أن يتخلى عن برنامجه التنموي الهائل في الخطة الخمسية الخامسة في سبتمبر ايلول 1953 لتوجيه كل مداخيل الدولة للعسكرة وإنتاج السلاح وهو ما أعلنه الإنقلاب . وعندما رفض ذلك أمين عام الحزب جيورحي مالنكوف استبدلوه في الحال بنيكيتا خروشتشوف وقد غدا رجل العسكر في الحزب كما اعترف بذلك في مذكراته.
من قواعد الستالينية هي أن العسكرة ضد الإشتراكية ولذلك لم تستطع البورجوازية الوضيعة أن تتنكر بأردية الشيوعية لأكثر من أربعة عقود فكان أن شلحت كل الأردية الشيوعية وتقاسم أعضاء المكتب السياسي للحزب جمهوريات الاتحاد السوفياتي لكل عضو جمهوريته التي مثلها باستثناء الرئيس غورباتشوف فكان من نصيبه التقاعد المجزي .

أزمة الثورة الشيوعية هي ليست فقط بسبب انقلاب البورجوتزبة الوضيعة السوفياتية على الإشتراكية في العام 1953 فهذه البورجوازية لن تحد مقعداُ تستريح عليه سوى القعود على الخازوق الذي زرعته بأيديها .
أزمة الثورة الشيوعية اليوم تتمثل بالشيوعيين الذين والوا الانقلاب البورجوازي على الإشتراكية في الخمسينيات وهم اليوم يصرون على أنهم لم يكونوا مخطئين في موالاتهم للإنقلاب . ومن أجل ألا يعترفوا بخيانتهم للثورة الشيوعية طيلة أربعين عاماً تراهم اليوم ينقسمون إلى فرق وشيع شتى ...
- فرقة ما زالت تؤكد خيانتها وموالاتها للإنقلاب البورجوازي على الاشتراكية بزعم أن الانقلاب كان يهدف إلى تطهير الحزب من الستالينية . وهي فرقة تشارك التروتسكيين في الخطاب دون أن تعلن ذلك .
- وفرقة أخرى ترجع إلى المرتد كاوتسكي ورفيقه بليخانوف ويؤمنون أن الثورة البلشفية كانت مغامرة لينينية قدرها الفشل منذ البداية، وهي تبحث اليوم عن اشتراكية أخرى غير الاشتراكية اللينينية الستالينية المدانة.
- وفرقة ثالثة وتضم معظم الشيوعيين في البلدان المتخلفة وقد طلقت هذه الفرقة نهائياً الإشتراكية والماركسية وتعلن اليوم بصفاقة أن استراتيجيتها الكلية اليوم هي بناء الديتموقراطية البورجوازية وحتى بدون بورجوازية – المعني هنا البورجوازية الدينامية .
- الفرقة الرابعة وهي فرقة التروتسكيين وقد زادت انتشارا بعد خطاب خروشتشوف السري الذي اعتمد أساساً على أباطيل تروتسكي رغم ثبوت ممارسته للتجسس لحساب مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي في العام 37 وتعاونه مع هتلر في العام 40 .
- الفرقة الخامسة التي تغطي خيانتها بدعوى مكافحة الإمبريالية التي لم تنهر في السبعينيات وازادت توحشاُ في نهب المستعمرات كما تدعي بالرغم من أن الأمم المتحدة كانت قد أعلنت في العام 1972 في بيان أذيع على العالم بأن الاستعمار انقرض ولم يعد له أثر في العالم وهو ما دعاها إلى حل لجنة تصفية الاستعمار التابعة لها .

(يتبع)



تعليقات الفيسبوك