بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ والإشتغال على الأفكار والبحث عن الحقيقة: تأمّل فى القيادة الثوريّة والسيرورة الفكرية - الباب الثاني من - العلم و الثورة الشيوعية -


شادي الشماوي
2018 / 7 / 7 - 03:05     

بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ والإشتغال على الأفكار والبحث عن الحقيقة: تأمّل فى القيادة الثوريّة والسيرورة الفكرية
- الباب الثاني من " العلم و الثورة الشيوعية "
مقدّمة الكتاب 31 :

ما من شكّ في أنّ الغالبيّة الغالبة من القرّاء سيثيرون بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة ، عاجلا أم آجلا ، سؤال من هي أرديا سكايبراك التي ترجم لها شادي الشماوي هذه الفصول و المقالات و يقدّمها إلى القرّاء باللغة العربيّة ، لهذا لتكوين فكرة عن هذه المنظّرة الشيوعية ، أوّلا و قبل كلّ شيء ، نعيد إلى الأذهان ما صغناه بإقتضاب كتقديم لها في سبتمبر 2016 ضمن كتابنا عدد 25 المتوفّر بمكتبة الحوار المتمدّن و الحامل لعنوان " عن بوب أفاكيان و أهمّية الخلاصة الجديدة للشيوعية تحدّث قادة من الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية " : " أرديا سكايبراك من القيادات النسائيّة لهذا الحزب منذ عقود ... هي ذات خلفيّة علميّة بمعنى أنّ تكوينها و دراستها الأكاديميين مجال إختصاصهما هو البيولوجيا كما تخبرنا بنفسها فى حوارها الصحفي المطوّل لسنة 2015 فى جريدة " الثورة " . و قد ألّفت عديد المقالات و الكتب الهامة و منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب " عن الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة : بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر " ( و قد ترجمنا و نشرنا فصلين منه هما الفصل الثالث و الفصل الرابع) و كتاب " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا " و كتاب " العلم و الثورة عن أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة و قيادة بوب أفاكيان- حوار صحفي مع أرديا سكايبراك " هو مضمون الحوار الصحفي المشار إليه أعلاه ."
و إلى ذلك نضيف تعريفا نوعا ما رسميّا بالكاتبة ورد فى مؤلّفها ، " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا " المنشور سنة 2015 :
" كانت أرديا سكايبراك تتدرّب رسميّا لتصبح بيولوجيّة مختصّة فى البيولوجيا التطوّرية والبنية الإجتماعية. و قد كانت ألزمت نفسها بنشر العلم و المنهج العلمي على أوسع نطاق ممكن إذ كانت ينتابها شعور قويّ بأنّه عندما يُحرم الناس من المقاربة العلمية للواقع ، يُسلبون كلاّ من التقدير التام لجمال العالم الطبيعي و ثرائه و وسائل الفهم الحقيقي لديناميكيّة التغيّر فى الطبيعة و المجتمع .
و تنحدر سكابراك من خلفيّة عالميّة فقد سافرت كثيرا و تفاعلت مع أناس من ثقافات عديدة . و منذ أن كانت طفلة تلقّت تشجيعا على أن تصبح مفكّرة نقديّة و دُرّبت منهجيّا كمثقفة حسب التقاليد الأوروبيّة . و قد شمل هذا مروحة واسعة ومتنوّعة من الإهتمامات و الهوايات فى الكثير من المجالات المتنوّعة ، لكلّ من الفنون و العلوم .
و قد تأثّرت سكايبراك تأثّرا عميقا ، أثناء دراستها فى المعاهد و الكلّيات ، بالهزّات الكبرى لستّينات القرن العشرين و كيف أنّ " الثورة كانت فى الجوّ ". و تأثّرت كبير التأثّر بحرب الفتنام و مالكولم أكس و الفهود السود و الحركة الراديكالية لتحرير النساء و الصين و الثورة الثقافيّة و ماو – بالنسبة لها كما بالنسبة لآخرين كثر .
و متابعة لشغفها بالبيولوجيا ، فى بدايات سعينات القرن العشرين و أواسطه ، راكمت سكايبراك تجربة هامة فى البحث فى المخابر و على أرض الميدان . و كمكتشفة حقيقيّة ، كانت فى غاية السرور لمّا كانت تستطيع المزج بين نقاش آخر المفاهيم النظريّة مع زملائها البيولوجيّين و التوغّل فى الغابات الإستوائيّة الرطبة أثناء بعثات بحث على أرض ميدان ما . وقد درّست العلوم على مستوى المعاهد و نشرت مقالات فى مجلاّت مختصّة ، و تحصّلت على شهادة الماجستير ، و كانت فى سبيلها نحو الحصول على دكتوراه بيولوجيا .
و كعاملة شابة بمجال العلم ، كانت سكايبراك تعيش بالضبط الحياة التى أرادت عيشها ، لكن فى نفس الوقت ، ظلّت تشعر بفظاعة الظلم الإجتماعي و شعرت بالحاجة الماسة إلى التغيير الثوري للعالم . و قبل مناقشة أطروحة دكتراها ، إتّخذت القرار الصعب بترك برنامج الدكتوراه لتكرّس نفسها كلّيا للإلتزامات الإجتماعية و السياسيّة الأوسع . و مع ذلك ، لم تفقد أبدا شغفها بالبحث العلمي و عشقها للمغامرة و حماسها لتطبيق المناهج العلميّة و نشرها فى صفوف الشعب إذ شعرت أنّه دون ذلك لا يمكن أنيوجد فم سليم للواقع أو لكيفيّة تغييره .
و شملت تجارب حياة أرديا وعملها كلاّ من المناطق الدينيّة الكبرى عبر العالم و الأماكن البرّية الغريبة ، كلاّ من التدريس الأكاديمي و العمل فى المصانع مقابل أجر أدنى . وهي مرتاحة كذلك فى النقاش مع الفنّانين و المثقّفين أو الجلوس مع سكّان حيّ حول طاولة المطبخ للحديث عن الحياة و الفلسفة .
و ككاتبة ذات أفق شيوعي ثوري ، بحثت جملة من المواضيع الإجتماعية و السياسيّة و العلميّة و الفلسفيّة – و تشمل كتاباتها " عن الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة : بحث فى ظهور الإنسان و مصدر إضطهاد النساء و طريق التحرّر " ؛ و" بعض الأفكار حول الدور الإجتماعي للفنّ "؛ و" ليس فى جيناتنا وخوض الهجوم المضاد الإيديولوجي "؛ و " تذكّر ستفان جاي غولد " ؛ و " الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية " .
و كقارئة نهمة تلتهم الكتب إلتهاما و كمتابعة للثقافة الشعبيّة ، تعتمد على التاريخ و الفلسفة و الأنتروبولوجيا و العلوم السياسيّة و الفنّ و الموسيقى و الأفلام – مثلما تعتمد العلوم الطبيعيّة – لتجعل من الموضوع التى تتطرّق إليه موضوعا ينبض حيويّة . و فى موقع الجوهر فى ما تكتبه ، و ما يُبلغه كتابها الأخير بصفة قويّة ، أهمّية " معرفة ما هو حقيقي – و لماذا يهمّنا ".
و نحن إذ بذلنا ما بذلنا من الكدح لتعريب المادة التي بين أيدى القرّاء و نسخها و إخراجها في شكل كتاب لا نقوم بالواجب الشيوعي الثورى فحسب بل ننهض بمسؤوليّة نراها راهنا واحدة من أوكد المهام العديدة الملقاة على كاهل الشيوعيين الثوريين و الشيوعيات الثوريات ألا وهي التعريف بالمنظّرات الشيوعيّات الثوريّات اللاتى شعرنا ، لا سيما عربيّا ، أنّهنّ مغمورات ولا يوفيها المهتمّون بالشيوعية عامة حقّها في الدراسة و التمحيص و النقد و التفاعل الإيجابي كأنّها دون المنظّرين الذكور مستوى أو تمكّنا من مواضيع النقاش و البحث عن الحقيقة و المسك بها و الدفاع المستميت عنها . و من هنا يأتي هذا الكتاب لبنة أخرى في ما قد يعتبر كسرا للطوق المضروب عن وعي او عن غير وعي على المنظّرات الشيوعيات الثوريّات و قد أنف لنا التعريف بجملة من أعمال نظريّة ماركسيّة في كتابنا السابق ، الكتاب عدد 30 الذى إخترنا له من العناوين " الماركسيّة و النسويّة " – تجميع و نشر شهرزاد موجاب . و بالمناسبة ندعو الشيوعيات الثوريّات و الشيوعيين الثوريين إلى إيلاء العناية اللازمة شيوعيّا لنشر مقالات و كتب منظّرات البروليتاريا العلمية جنبا إلى جنب مع نشر كتب و مقالات منظّرى البروليتاريا العالميّة .
و تقع المواضيع التي تناولتها أرديا سكايبراك في كتبها و مقالاتها موقع القلب من محاور الصراع العلمي و الإيديولوجي و الطبقي عبر العالم قاطبة فبحوثها العلميّة فى ظهور الإنسان و مصدر إضطهاد النساء و طريق التحرّر ، و في البيولوجيا و الوراثة و الجينات و الثقافة ، و في علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق ، و في الدور الاجتماعي للفنّ و الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة إلخ من صميم مواضيع السجالات بين الفكر العلمي و الفكر الخرافي ، بين القوى الرجعيّة و القوى الثوريّة عبر العالم بأسره و عليه ففائدتها بلا أدنى ظلّ للشكّ عظيمة بالنسبة للشيوعيين و الشيوعيّات الحقيقيين و الباحثين و الباحثات عن الحقيقة في البلدان العربيّة . فمن أمريكا و نظام ترامب / بانس الفاشي إلى أقطارنا العربية مرورا بعدّة بلدان أوروبية و آسيويّة خاصة ما فتأ المسيحيون الفاشيّون و الإسلاميون الفاشيوّن داخل الحكم أو خارجه إلى جانب قوى رجعيّة أخرى كثيرة يتلاعبون بثقافة الجماهير و يبثّون فيها سموما معادية للعلم و مشوّهة له و حتّى مطالبة بالحطّ من منزلته و تسويته بالخرافات المبتدعة و الأساطير الدينيّة التي تجعل الجماهير مغتربة عن الواقع المادي الموضوعي في المجتمع و الطبيعة و كيفيّة التعاطى معهما . هذا من ناحية ، و من الناحية الثانية ، يصمّ أذاننا دعاة القوى الدينيّة الإسلاميّة بشتّى ألوانها بإدعاء أنّ رجال الدين علماء فلا يكفوّا عن نعتهم بالعلماء على مدار الساعة في حين أنّهم أعداء العلم الحقيقي و منابع الفكر الخرافي و ما يروّجون له منهجا و مضمونا غريب في غربته عن العلم الحقيقي بمنهج بحثه الدقيق و بما هو بحث عن حقائق مادية موضوعية قائمة على الدلائل الملموسة من الواقع الملموس . و هذه بالتأكيد نقطة على كافة الشيوعيين و الشيوعيات الحقيقيين أن يبرزوها ضمن الصراع المحتدم لبثّ الفكر العلمي حقّا و محاربة الفكر الخرافي بما أوتوا من قوّة و طاقة . و إننّا لمن المقرّين بحقيقة وجوب خوض المعركة ضد الأفكار الرجعيّة المعرقلة لإستيعاب أوسع الجماهير للعلم و للشيوعية كعلم سلاحا لتفسير العالم و تغييره شيوعيا ثوريّا . أمّا المتهرّبون بشكل أو آخر من ضرورة خوض هذه المعركة المصيرية فيحرّفون الماركسيّة و يطمسون الحاجة إلى النظريّة الثوريّة لبناء حركات ثوريّة الشعوب في حاجة ماسة لها من أجل القيام بالثورة و تحرير الإنسانيّة من الإستغلال و الإضطهاد سواء منهما الجندريين أو الطبقيين أو القوميين . بلا لفّ و دوران نقولها صراحة ، ثمّة مهادنة و حتّى تذيّل للقوى الدينيّة من طرف قوى تدّعى التقدّميّة و حتّى الثوريّة بتعلاّت و تبريرات متنوّعة تبلغ التلاعب بالماركسية و بالماديّة الجدليّة . و هذا الوجه من إدارة الظهر للعلم و للشيوعية كعلم يقابله وجه آخر هو الإنحراف الدغمائي الذى يجعل من علم الثورة البروليتارية العالميّة دوغما دينيّة تحنّط الماركسية و تقطعها عن حبل التطوّر ككلّ علم و هذا مرض مستشرى في صفوف الحركة الشيوعية العربيّة و العالمية ... و ليس إنتصارأرديا سكايبراك إلى الشيوعية الثوريّة نظريّة و ممارسة و الإستماتة في الدفاع عنها و تطبيقها و تطويرها إلاّ الوجه الآخر المكمّل لقائدة شيوعيّة تعلى راية العلم نظريّا و عمليّا لذا يجب أن تتبوّأ المكانة التي تستحقّ عن جدارة .
و قد بوّبنا ما إصطفينا من فصول و مقالات من كتابات قائدتنا الشيوعية الثوريّة في خمسة أبواب هي على التوالي :
I- الباب الأوّل : العلم و الثورة - مقتطف من " عن أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة و قيادة بوب أفاكيان - حوار صحفي مع أرديا سكايبراك "
- مقاربة علمية للمجتمع و تغيير العالم
- نظرة علميّة و فضول لا حدود له بشأن العالم
- تقييم علمي : العالم اليوم فظيع بالنسبة لغالبيّة الإنسانيّة – و يمكن تغييره تغييرا راديكاليّا
- التجربة والتطوّر الخاصين : التدريب الفكري و متعة السؤال العلمي
II- الباب الثاني: بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ والإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية
1- بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ
الجزء الأوّل : " الفنّ و تاريخ الإنسان "
توطئة الناشر :
حكايات شعب الكنغ سان !
" العمل الدائم و عدم اللعب يجعل جاك طفلا غبيّا " :
الفنّ كتعبير عن النظرة إلى العالم :
دور الفنّ فى المجتمع الإنساني :
الجزء الثاني : الفنّ و العلم
مقترح منحرف :
صياغة الجديد :
الجزء الثالث : الفنّ و السياسة و الدور الخاص للفنّ الثوري
الفنّ الثوري :
الجزء الرابع : الفنّ كتنبّئ بالمستقبل
هل يكون الفنّ أقوى عندما " يخفى الفنّانون آراءهم "؟
الفنّ بمستويات مختلفة :
أحمر و أخصّائي :
الوعي و العفويّة :
2- الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية
3- رسالة من أرديا سكايبراك إلى ندوة ذكرى شولاميث
III- الباب الثالث : الفصلان 3 و 4 من " عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية - بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر "
مقدّمة المترجم :
مقدّمة كتاب " الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية ..."
الفصل الثالث
الفصل الرابع
ملحق : لماذا كان إنجلز متقدّما بخطوة ؟
مراجع كتاب " عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية ..."
IV- الباب الرابع : تطوّر الكائنات البشريّة - الفصل السابع من " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا "
- من نحن؟ من أين أتينا ؟ كيف سيكون المستقبل ؟
- تطوّر الإنسان من أنواع غير إنسانيّة وجدت قبله :
- بعض الوقائع الأساسيّة عن التطوّر :
- ثمّ هناك الأحافير – الكثير من الأحافير :
- تلخيص مقتضب :
- ماذا يعنى عمليّا أن " تصبح إنسانا " ؟
نحن الطفل الصغير ضمن الكتلة -
- ظهور أنواع جديدة و تعزيزها :
- ظروف مفاتيح فى تطوّر الإنسان :
- الأدلّة الواضحة و المتراكمة عن التطوّر من قردة إلى إنسان :
- لماذا نوعنا من الهومينيد هو الوحيد الذى لا يزال منتصب القامة [ واقفا ] ؟
- ما الذى يجعلنا خاصّين جدّا ، و إن بالنسبة لأنفسنا ؟
- القفزتان الكبيرتان فى تطوّر الهومينيد :
- سلسلة مراحل إنتقاليّة من الملامح الأشبه بالقردة إلى ملامح أشبه بالإنسان :
- هل كان الهومينيد الأوائل" مجرّد قردة " دلالة تطوّر التنقّل على قدمين على طريق التحوّل إلى إنسان:
- لذا ، هل نحن مجرّد حادث ؟
- تلخيص و نظرة عامة :
- صلة بيئيّة ممكنة :
- نوع واحد – عبر العالم بأسره :
نوع يغيّر العالم تغييرا جذريّا
إضافات إلى الفصل السابع
الإنسان و الديناصورات ؟! فكرة عبثيّة أخرى لأنصار فكر الخلق .
الحمض النووي لدى الشنبنزي ولدى الإنسان : إلى أي مدى نتقارب ؟
هل كان توماي أحد أسلافنا ؟
ميف ليكي تمسك بآخر إكتشافاتها للأحافير
هل أن الهومو أركتوس أوّل أنواع الإنسان التى غادرت أفريقيا ؟
جميعنا أتينا من أفريقيا
ماذا يقول لنا علم التطوّر عن " الأعراق " الإنسانيّة ؟
ألا يزال الإنسان يتطوّر ؟
V- الباب الخامس: إطار نظري جديد لمرحلة جديدة من الثورة الشيوعية - مقتطفات من:
" العلم و الثورة - حول أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة للشيوعية و قيادة بوب أفاكيان "
إطار نظري جديد لمرحلة جديدة من الثورة الشيوعية
ما الجديد فى الخلاصة الجديدة ؟
الإختراقات النظريّة و التطبيق العملي للخلاصة الجديد
دستور الجمهورية الإشتراكية الجديدة – تطبيق ملموس لرؤية ثاقبة للخلاصة الجديدة
الخلاصة الجديدة : المضي صراحة صوب الحقيقة – و نبذ مفهوم " الحقيقة الطبقية "
بوب أفاكيان : مزيج نادر جدّا من – النظريّة العالية التطوّر و المشاعر و الصلات العميقة مع الذين يحتاجون بأكبر يأس إلى هذه الثورة
تهمة " عبادة الفرد " – جاهلة وسخيفة و فوق كلّ شيء تتجاوز المعقول
القيادة : هل تخنق المبادرة أم تطلق لها العنان ؟
لماذا من المهمّ جدّا التوغّ فى مؤلّفات بوب أفاكيان و ما يعنيه ذلك
رؤية آملة – على أساس علمي
التفاعل الجدّى مع الخلاصة الجديدة – و الفرق الذى يمكن أن تحدثه
هبّات كبرى فى العالم و الحاجة الكبيرة للمقاربة العلمية للخلاصة الجديدة
------------------------------------------------------------------------------------
ملحق : فهارس كتب شادي الشماوي








الباب الثاني :
بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ والإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية

1- بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ
أرديا سكايبراك
" العامل الثوري " عدد 1114 ، 12 أوت 2001
الجزء الأوّل :
" الفنّ و تاريخ الإنسان "
توطئة الناشر :
فى بدايات ثمانينات القرن العشرين ، تقدّم خطّ داخل الحزب الشيوعي الثوري يقول إنّ الدور الإجتماعي للفنّ يتعيّن أن يكون مميّزا على النحو التالي " الفنّ ترفيه " .و أدّى هذا إلى نقاش و جدال فى صفوف الحزب ، و من خلال هذه السيرورة وقع نقد خطّ " الفنّ ترفيه " و وقع لفظه . و مُذّاك ، تواصل نقاش ضمن أناس ، فى كلّ من داخل الحزب و خارجه ، حول الدور الإجتماعي للفنّ . و التعليقات التالية التى كُتبت قبل سنوات من الآن من طرف أرديا سكايبراك مؤلّفة كتاب " الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة ..." كانت مساهمة فى تلك السيرورة .
فى هذه التعاليق تتحدّث سكايبراك عن ما هو خاطئ فى مفهوم " الفنّ ترفيه " و تثير عددا من المسائل الهامّة المرتبطة بذلك و بصورة أعمّ ، بالدور الإجتماعي للفنّ . لم تكتب هذه التعاليق للنشر ، و بالفعل ، كانت أكثر فى شكل بعض الأفكار و التأمّلات الأوّليّة إلخ و نوعا ما غير الرسميّة . لكنّنا نشعر ، فى سياق التوزيع و النقاش الواسعين لمشروع البرنامج الجديد للحزب الشيوعي الثوري ، و كذلك بالمعنى الشامل و الجاري ، تظلّ النقاط المثارة فى هذه التعليقات صالحة جدّا و يمكن أن تساعدعلى حفز مزيد الصراع داخل الحزب و فى صفوف آخرينخارجه ، حول هذه المسائل و غيرها من المسائل الهامّة . لهذا و بهذا الهدف طلبنا إذن الكاتبة لنشر التعليقات و حصلنا عليه . و نأمل أن يحفز فعلا نشرها و بالمعنى الأفضل ، يدفع إلى مزيد الخوض فيها و مزيد النقاش و تبادل الآراء بشأن المسائل المتطرّق إليها و نرحّب بالمراسلات التى تبحث بنفس الروح عن المساهمة فى السيرورة القائمة و نشجّع عليها.
-------------------------
" و بالرغم من أنّ الحياة الإجتماعيّة للبشريّة هي المنبع الوحيد للأدب و الفنّ ، وأنّها ذات حيويّة وغنى لا يضاهيها الأدب و الفنّ من حيث المضمون ، إلاّ أنّ الشعب لا يقنع بهذه الحياة بل يريد الأدب و الفنّ . فلماذا ؟ لأنّه ، رغم أنّ كلتيهما جميلة ، إلاّ أنّ الحياة التى تنعكس فى الأعمال الأدبيّة و الفنّية ، يمكن بل يجب أن تكون على مستوى أرقى من الحياة اليوميّة الواقعيّة و أكبر قوّة و أكثر تركيزا و أروع نموذجيّة و أقرب إلى المثل الأعلى ، و بالتالى فهي أكثر شمولا منها ."
ماو تسى تونغ ، أحاديث فى ندوة الأدب و الفنّ بيانآن ، مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة ، المجلّد الثالث ، الصفحة 108-109 ( الطبعة العربية ، دار النشر باللغات الأجنبيّة ؛ بيكين 1970 ).
يظلّ موقف ماو هذا أحد أفضل الصياغات المبرزة لميزات الفنّ . قبل بضعة سنوات ، و فى إطار الصراع الضروري جدّا من طرف الحزب الشيوعي الثوري ضد نزعة مزج الفنّ بالتحريض و الدعاية السياسيين ، جرت محاولات لمزيد الخوض فى مسألة الدورالإجتماعي للفنّ . و قد توفّرت لى فرصة مراجعة بعض الوثائق التى تمّ تداولها فى صفوف الحزب كجزء من هذه السيرورة والتفكير فيها ، أودّ أن أصوغ بعض أفكاري الأوّليّة الخاصة بهذا المضمار ، آملة المساهمة فى مزيد دفع النقاش و الجدال بشأن المسائل الهامّة المعنيّة .
ظهرت نظرة داخل الحزب – لفظت فى النهاية – تقول صياغتها إنّ " دور الثقافة فى المجتمع فى ظلّ الظروف الحاليّة و المنظورة بما فيها المرحلة الإنتقاليّة إلى الشيوعية ، يمكن تلخيصه فى كلمة واحدة . إنّه ترفيه " .
هذا التوصيف للدور الإجتماعي للفنّ – " الفنّ ترفيه " – قُدّم على أنّه فى الأساس يحافظ على نظرة ماو للفنّ ، و مجرّد تعبير أعمق و تطوير لفهمنا للدور الإجتماعي للنّ ، وفق ذات الخطوط . مثلا ، فى الدفاع عن صيغة " الفنّ ترفيه " ، قيل إنّ ذات مقولة ماو ( المذكورة أعلاه ) " تعنى أنّ الناس يتمنّون الهروب من الحياة اليوميّة ( حتّى أحيانا لمّا تكون الحياة اليوميّة تمرّدا ثوريّا " حفلا للمضطهَدين " ) و أنّ الفنّ وسيلة للقيام بذلك . هذا هو الخطّ القاعدي " . كان هذا أساس محاولة التوفيق بين صيغة ماو وصيغة " الفنّ ترفيه " . لكن فى نقد هذه الصيغة " الفنّ ترفيه " ، أُشير على نحو صحيح إلى أنّه " لبلوغ فهم صحيح لعلاقة الفنّ بالسياسة ، من الضروري إمتلاك فهم صحيح للدور الإجتماعي للفنّ " وأنّ مصطلح " ترفيه "، حتى و إن جرى تحديده بصفة واسعة " لا يعبّر عن مجمل الدور الإجتماعي للفنّ : لا يكفى كشرح لذلك الدور الإجتماعي ، و إن كان ذلك كلّ ما نقوله عن الدور الإجتماعي للفنّ _ إنّه ترفيه – سنسقط فى بعض الأخطاء ذات الدلالة ( بصفة واسعة فى القطب المناقض لخطإ التعاطي مع الفنّ كتحريض و دعاية ) ".
أعتقد أنّ هذا فعلا صحيح جدّا . و ما سأسعى إلى القيام به فى ما يلى هو تطوير وجهة النظر هذه و وصف بعض إستكشافي الخاص لمسألة الدور الإجتماعي للفنّ – سيرورة قادتنى إلى إستخلاص حتى أقوى بأنّ محاولة القبض على الميزات الأساسيّة للدور الإجتماعي للفنّ فى صيغة " الفنّ ترفيه " حقّا خاطئة تماما ، و أنّ هذه الصيغة فى الواقع تقف فى تعارض حقيقي جدّا مع الذهن الواسع و النظرة الشاملة للفنّ مثلما كثّفها ماو فى الصيغة المذكورة أعلاه .
---------------------------
من المفيد أن نعود خطوة إلى الوراء لدقيقة ونفكّر فى التاريخ . ما هو الدور الذى لعبه الفنّ فى شتّى المجتمعاتعبر العصور ؟
لقد كان الفنّ على الدوام نشاطا إجتماعيّا تنخرط فيه الكائنات الإجتماعيّة ، فى إطار إجتماعي . و بالتالي قد تشبّع بالمعنى الإجتماعي عبر تاريخنا . لكن الإطارات الإجتماعيّة ( أنماط الإنتاج المهيمنة والأشكال المناسبة للتنظيم الإجتماعي ) قد شهدت تغيرات عميقة فى مسار التاريخ الإنساني و قد إنعكست هذه التغيرات بلا شكّ ( و أثّرت فى ) التغيرات فى الدور الإجتماعي و المعنى الإجتماعي للفنّ كنشاط إجتماعي. و دراسة هذه التغيّرات و مظاهر السيرورة الفنّية التى لم تغيّر ، ستغنى إلى حدّ كبير أيّة محاولة للمسك بالدور الإجتماعي للفنّ فى عالم اليوم . و فى حين أنّ إستكشافا واسع النطاق لهذا الموضوع بداهة ليس هنا مجاله ، فإنّ بعض الأشياء يمكن أن تقترح حتى إنطلاقا من نظرة سطحيّة عودة إلى الوراء فى الزمن .
هل إنخرط البشر دائما فى النشاط الفنّي ؟ أعتقد أنّنا فعلنا . أعتقد أنّ الفنّانين المحترفين – الذين يحتلّون أدوارا إجتماعيّة جدّ مختصّة – ظهروا فقط مع ظهور التراتبيّة الصارمة والإنقسامات الطبقيّة فى المجتمعات ، لكن الفنّ – كنشاط إجتماعي – يعودإلى زمن سابق بكثير . و من الهام الإشارة إلى أنّ الإشتراكي الروسي بليخانوف قد نقد بوتشر لإقتراحه أن " اللعب أقدم من العمل " و أن ّ" الفنّ أقدم من إنتاج الأشياء المفيدة ". لقد عارض بليخانوف ذلك بأنّه على المرء أن يعترف فى النهاية " بإرتباط الفنّ بالإقتصاد " عوض " إرتباط الإقتصاد بالفنّ " ( + ) و فى حين أنّه من الصحيح أن نشير إلى أنّ كافة النشاطات الإنسانيّة فى مجال البنية الفوقيّة تقوم فى آخر المطاف على القاعدة الإجتماعيّة للنشاط الإنتاجي الإنساني ، و لن تكون حتى ممكنة فى غياب مثل هذا النشاط ، فإنّ الإجابة التى وُجّهت لبوتشر تبدو مطبوعة بأكثر من القليل من الماديّة الميكانيكيّة . و هذا عمليّا يسدل مناطق ظلام على فهمنا للدور الإجتماعي للفنّ منذ بداياته كنشاط إجتماعي إنساني .
أفترض أنّ الإنسان قد إنخرط فى أشكال من التعبير الفنّي منذ بداية المجتمع الإنساني ، مرّة أخرى ، مدّة طويلة قبل ظهور الطبقات أو حتى التراتبيّة الأولى فى المجتمع . وينهض إعتقادى هذا على واقع أنّه ، مع بروز أساس مراكمة الإنسان لنوع من الفائض المادي ( لعلّه عبر مجرّد تخزين المواد الغذائيّة المجمّعة ) ، وُجدت القاعدة الماديّة لظهور النشاطات الإنسانيّة غير المرتبطةمباشرة ، بالمعنى الأكثر مباشرة ، بالنشاطات الهادفة لتوفير المتطلّبات الأساسيّة للببقاء على قيد الحياة و التوالد . إنّ مراكمة أدنى فائض مادي أكثر من الحاجة للإستهلاك المباشر قد يكون وفّر على الأقلّ أساسا للتجارب الأوّليّة لتقسيم للعمل فى صفوف البشر ، و وفّر أساسا جديدا نوعيّا لإستكشاف العالم الخارجي و تغييره .
و كان لهذا تأثيرا بارزا على تطوّر التنظيم و الوعي الإجتماعيين أيضا ! الآن توفّر أساس مادي لينخرط البشر فى نشاطات إنتاجيّة غير مرتبطة بالبقاء على قيد الحياة بالمعنى الأكثر مباشرة – تنوّع كبير الرحلات و البحوث التجريبيّة التى لم تكن نتائجها الملموسة مضمونة و يتم ّ الإنحراط فيها ( مثل الخروج فى رحلات صيد طويلة قد تكون منتجة و قد لا تكون فى طريقة صيد حيوانات أو تجربة بعض الأدوات الجديدة إلخ ) .
و مع الإبتعاد المتزايد لأجداد أجدادنا عن حدود وجود من اليد إلى الفم ، توفّرت لهم أيضا قاعدة لتجربة طرق جديدة لتأويل و تحليل المعلومات المعقّدة المتنامية التى تتأتّى من العالم الخارجي ( و من المجتمع الإنساني ذاته ) بالإنخراط فى أشكال من التعامل مع العالم الخارجي ، و مرّة أخرى ليس مرتبطا جدّا بالبقاء المباشر على قيد الحياة . وُجد إذن أساس للفنّ بشكل أو آخر .
ليس بوسعنا أن نجزم بأنّ الفنّ كنشاط إجتماعي قد ظهر مع ظهور قاعدة مثل هذا النشاط ذاتها ، لكن هل يعتقد أي شخص إعتقادا جدّيا أنّه وجد لفترة طويلة الخطاب و وجدت اللغة قبل وجود حكايات و أغاني ، مثلا ؟ الحياة الإجتماعيّة لا تتحجّر مباشرة ( على الأقلّ ليس بالمعنى الأركيولوجي المتعارف عليه ! ) ، لذا لن يكون من الممكن أبدا أننعيد خلق بالضبط النشاطات الفنّية الأوّلية لأجداد أجدادنا خاصة بإعتبار أنّ عديد إنتاجات مثل هذا النشاط ( المصنوعة من مواد قابلة للتلاشي ) لن تحفظ كثيرا عامة للمستقبل .
يمكننا مع ذلك أن نكسب بعض الرؤى الثاقبة بشأن النشاط الفنّي و دوره الإجتماعي فى المجتمعات ما قبل تركيز الطبقات بتفحّص مثل هذه النشاطات لدى أناس معاصرين يعيشون فى مجتمعات تتميّز بالتطوّر القليل جدّا فى قوى الإنتاج و بغياب التراتبيّة الإجتماعيّة الصارمة أو الإنقسامات الطبقيّة ، مثلما هو الحال لدى بعض مجتمعات الصيد الباقية ( مجتمعات تقوم على جمع النباتات و الغلال و الصيد ) التى تعيش فى أنحاء مختلفة من العالم . عموما ، مثل هذه المجتمعات ليس لديها أيّ " فنّانين" متخصّصين ، و كذلك ليس لديها " قادة " سياسيّون أو عسكريّون أو "قساوسة " دينيّون إلخ . مثل هذه الوظائف الإجتماعيّة المتخصّصة ظهرت تاريخيّا عندما تطلّب مزيد التطوّر و نموّ النشاطات الإنتاجيّة المعقّدة مزيدا من تقسيم العمل المعقّد و المقنّن ، كما هو بديهي فى كافة مجتمعات الرعاة و الفلاحة و الصناعة . لكن لا أعتقد أنّ هذا يعنى أنّه لم يوجد " فنّ " لدى مجتمعات التجميع و الصيد .
سيحتجّ البعض بأنّه ليس بوسع المرء حقّا أن يتحدّث عن " فنّ " فى مثل هذه المجتمعات ، مثلما يُبيّنه واقع أنّه شائع تماما فى مثل هذه المجتمعات أن لا توجد حتى كلمة فنّ فى مفرداتها . و ماذا فى ذلك ؟ شعب الإينويت ، بآلاسكا وغيرها من الأماكن ، لا يملك كلمة واحدة ل " الثلج " ، على حدّ علمي ، لكن لا أحد يقترح أنّه غير معتاد على هذا الشيء ! فى الواقع ، لدى هذا الشعب عدّة كلمات مختلفة فى لغته تحيل على عديد الأنواع المتنوّعة من الثلج التى يميّزها ، و التى لها إنعكاسات إجتماعيّة متباينة جدّا فى علاقة بمختلف نشاطانه .
لعلّ المقارنة ضيّقة نوعا ما ، إلاّ أنّى أظنّ ، فى عديد الحالات أنّ مجتمعات التجميع و الصيد ليس لديها كلمة واحدة ل " الفنّ " ( بإعتباره نشاطا إجتماعيّا عالي التخصّص و التقيّد ) و بالتأكيد لا كلمة ل" الفنّان " ( كشخص منخرط فى المقام الأوّل فى الفنّ ) ،و مع ذلك بصفة متكرّرة ينخرطون فى نشاطات فنّية عدّة ولديهم عدّة كلمات متنوّعة لنتائج هذا النشاط . عند إتباع هذا النتوء ( و لعلّ كلّ هذا يعلمه و يفهمه جيّدا الكثير من الناس إلاّ أنّه كان بالنسبة لى إكتشاف جديد ) ، عدت إلى تقارير حول حياة شعب الكنغ سان ! و مجتمعاته التقليديّة ( و إن هي ليست الآن بصدد الإضمحلال ) القائمة على التجميع و الصيد قد وقعت دراستها ووقع وصفها على نطاق واسع .
حكايات شعب الكنغ سان !
حرفيّا ممتلكات و أدوات الإنتاج التقليديّة لمجتمع الكنغ للتجميع و الصيد بالكاد تتجاوز أشياء مثل عصيّ حفر للبحث عن جذور النباتات إلخ و ليست لديهم تراتبيّة أو قيادات صارمة فهم يعيشون ضمن مجموعات متنقّلة صغيرة يمكن فيها التوصّل إلى إتخاذ قرارات إجتماعيّة عبر الصراع والتوافق غير الرسميين نسبيّا . و مع ذلك ، لديهم تاريخ شفوي ثلريّ – مجموعة حكايات و أساطير تمرّر من جيل إلى جيل وهي بوضوح تنهض بدور إجتماعي هام .
بشكل ما جميع الكنغ! يروون الحكايات ، بما أنّ الجميع ، فى مناسبات ينخرطون فى رواية حكايات . هذا من جهة ، لكن من جهة أخرى ، فى لغتهم كلمات مختلفة لأنواع مختلفة من الحكايات ، لها على ما يبدو أهمّية إجتماعيّة متباينة . مثلا ، كلمة ن=واسي تحيل على " الحكايات العاديّة " ( كتلك المتّصلة بالصيد و الحكايات التاريخيّة العامة مثلا ) و هذه الحكايات يرويها أناس مختلفون . لكن كلمة ن = واسي أ ن ! أوسيماسى تحيل على "حكايات الشيوخ " وهي مجموعة من الحكايات و الأساطير الأهمّ يتوارثوها جيلا بعد جيل و إن كانت معروفة على نطاق واسع ، يرويها و يعد روايتها تقريبا حصريّا الشيوخ . و عادة ما يؤكّد الشباب أنّهم ببساطة يفتقدون إلى التجربة الضروريّة لتناوب هذه الحكايات .
فى الواقع، هناك عديد الكلمات المختلفة ل"حكايات الشيوخ" هذه بما فيها " حكايات الماضى السحيق"،" حكايات البداية " إلخ . و مجدّدا ، بينما هناك كثير من الناس فى مجتمع الكنغ ! التقليدي " يروون الحكايات " بمهارة ، ينحو الشباب إلى إرجاء رواية هذه الحكايات الخاصّة للكبار فى السنّ ، بينما من جهة أخرى ن " إفتراضيّا كلّ شيخ قادر و عادة راغب فى رواية " هذه الحكايات . و منثمّة ، " رغم أنّه لا وجود لكهنوت خاص أو مجموعة متميّزة أخرى منوطة بها الحكايات فى ثقافة السان ، فإنّ الشيوخ لديهم فعلا نوعا من الإحتكار " فى هذا المجال . ( المصدر : ميغان بيسل ، " جوانب من فلكلور الكنغ !" ضمن "مجمّعو و صيّادو كالا هاري " ، نشر رتشارد ب. لى وإرفان دي فولار ، صحافة جامعة هرفار 1976 ، خاصّة الصفحات 306 و 308 ).
ليس من الجلي تماما لماذا هذه الحكايات إلى حدّ كبير حكر على الشيوخ لكن يبدو أنّ لذلك علاقة وطيدة بكونهم يعتبروا قد جمّعوا ما يكفى من التجربة الإجتماعيّة عبر السنين ليعرفوا هذه الأشياء و لينقلوا بصفة مناسبة ( أو ربّما فى مناسبات يحوّروا ؟ ) هذه الحكايات التى يبدو أنّها تنهض بدور هام فى الحفاظ على معنى الإستمرار الإجتماعي ضمن الكنغ ! و مثلما قالت إمرأة طاعنة فى السنّ : " الشخص الطاعن فى السنّ و الذى لا يروى حكايات ببساطة ليس له وجود .أجداد أجدادنا نقلوا لنا أعمال الناس قبل زمن بعيد و كلّ من لا يعرفونها لا يملكون رؤوسا مستقيمة. و كلّ من يملك رأسا مستقيما يعرفها!".
" العمل الدائم و عدم اللعب يجعل جاك طفلا غبيّا " :
كلّ هذا يقترح عليّ أنّ التعبير الفنّي لم يكن على الدوام فقط وسيلة ترفيه ( ونعم الحكايات التقليدية للكنغ! على ما يبدو ترفيهيّة للغاية وهي تروى و تعاد روايتها بقدر كبير من الإستمتاع لكنّها وسيلة للمسك ببعض المظاهر الحيويّة للتجربة الإجتماعيّة و تكثيفها و نقلها و من ذلك أشياء مثل الإنذهال أمام ما هو غير معروف و الحفاظ على ما هو معروف و التنبّئ بالمستقبل . و لا يحدث هذا فى الحكايات وحسب . فكّروا فى كافة الأغاني و الموسيقى و رسم الأجساد و الزخرف و تلوين الحاويات و الأدوات و المآوي إلخ ... فكّروا فى كافة الرقصات التى تنتجها المجتمعات ذات القوى الإنتاجيّة المحدودة التطوّر . هل يمكن حقّا تقليص كلّ هذا إلى " ترفيه " ؟
مجدّدا ، حتى و إن بحث المرء عن " إستعادة " كلمة ترفيه ومحو دلالاتها الشائعة لتسلية الذهن المنذهل والمتعة التافهة ( التشديد الوحيد الجانب الذى يشجّع عليه المولعون بالبراغماتيّة فى كلّ مكان ، و خاصة الذى تبثّه و تروّج له برجوازيّة الولايات المتحدة الأمريكية ). ، يظلّ المشكل مع صيغة " الفنّ ترفيه " قائما . فالمصطلح ذاته يحمل دلالة مزدوجة من التسلية أو المتعة و الحصول على الإلهاء ( أي مثلما هوالحال بالنسبة للمصطلح الفرنسي بمعنى " الترفيه " ) عن الشؤون العادية .
لكن حتى هذا المظهر الأخير كان ينزع تاريخيّا نحو أن تكون له دلالة تسلية إنتباه الناس ليس عن الشؤون اليوميّة فحسب ( لعلّه من الأفضل كسر الإندفاع العفويّ و كبحه و رفع أنظارهم !) لكن أيضا عن المسائل الأساسية ( المحوريّة ) التى ينبغى أن يعتنوا بها ! كان يقال إنّ الفيلسوف بسكال من القرن السابع عشر كان قد لاحظ أنّ " " الترفيه " يسلّينا و يجعلنا نصل إلى الموت دون أن شنعر بذلك " . و بينما سيكون بالتأكيد من الخطأ تبنّى موقف دغمائي و تشفّى إزاء الترفيه ( وهو فعلا ينهض بوظيفة إجتماعيّة هامة ) ، ليس بوسعنا ببساطة أن نستبعد جانب المصطلح الذى يحمل دلالة الإلهاء عن المسائل الأكثر أساسية فى الحياة .
فقط لنكون واضحين ، المسألة ليست أنّه هناك شيء خاطئ فى ما يتّصل بالترفيه . يحتاجالناس ،وهو يعنى أنّنا نحتاج من فترة إلى أخرى ، مؤقّتا ، إلى الإلهاء عن الشؤون اليوميّة ، سواء كانت ذات طبيعة تافهة أم نبيلة . كلّنا فى حاجة إلى اللعب ، إلى الإسترخاء ، إلى الإنخراط ، فى أشكال مختلفة عديدة من الإستجمام ، بالضبط لأجل القدرة على الإبداع مجدّدا ، إلى العودة إلى أيّة أشياء نحتاج القيامبها بأكثر راحة ، و لعلّ ذلك بآفاق نضرة أكثر . السخرية القديمة " العمل الدائم و عدم اللعب يجعل جاك طفلا غبيّا " بالتأكيد صحيحة وهذا شيء يجب أن يأخذه حتى الثوريّون الذين يبدون طاقة و تصميما لا حدّلهما بعين النظر ،عادة فى زمن الصراعات والنشاطات الأشدّ .
و على عكس نظرات الدغمائيين ، الحاجة إلى الترفيه ليست مؤثّرا كامنا على الإنحطاط الإجتماعي و لا هي تضعف إلإضطلاع بالمسؤوليّات الإجتماعية ! كما هو الحال مع كلّ نشاط إجتماعي آخر ، أي شكل خاص من الترفيه يتمّ فى إطار إجتماعي و له إنعكاسات إجتماعية . و بالتالي كلّ من مضمون و شكل أيّة وسائل ترفيه فى أيّ زمن معطى تزخر بالمعنى الإجتماعي ، يمكن تقييمه على أنّه نسبيّا إيجابي أو سلبي ( أو ربّما لا قيمة له نسبيّا ) فى علاقة بالمصالح و الأهداف الإجتماعية الخاصّة . و نفس التقييم يمكن أن ينسحب على أي عمل فنّي خاص .
لكن فى حين يمكن للفنّ أن يكون شكلا هاما من الترفيه( لكلّ من الفنّان و " للجمهور" بالمعنى الواسع )، الفنّ و الترفيه ليسا الشيء نفسه . فإبداع عمل فنّي و تقييمه يمكن أن يكونا بالتأكيد شكلا مرحّبا به من " التسلية " عن الأفكار و النشاطات اليوميّة ، حتى حينما تكون المادة أو الموضوع غير ممتعين أو مسليين بوجه خاص . العمل الفنّي الذى ينجح فى أن يكون مثيرا للمشاعر ، متحدّيا إلخ يجب بالتأكيد أن يعتبر " ترفيها " بالمعنى الأوسع ، تحديدا نتيجة لهذه الميزات بالذات . و فى آخر التحليل ، سواء العمل الفنّي خاص يعتبر ترفيها أم لا ( بالمعنى الأوسع ) هو مدى " نجاحه " وهو فى المقام الأوّل مسألة معايير – لكلّ من الفنّان و لل" جمهور " فى تداخلهما . و ستكون للعمل الفنّي قيمة صغيرة كترفيه إن كان الفنّان / الفنّانون قد إستجابوا للمعايير الأساسيّة للفنّ التى عرضتها مقولة ماو المذكورة سابقا ( معيار التكثيف و النمذجة ، و رفع جوانب من الحياة إلى مستوى أرقى إلخ ) و لن يعتبر العمل الفنّي أيضا كنرفيه ( لا يعمّ إلى أي مدى إستجاب موضوعيّا إلى تلك المعيير ) إن كان مستوى الجمهور خارج مستوى العمل ( أو العكس بالعكس ) و لم توجد أيّة وسائل لجعل الإثنين يلتقيان معا .
على أي حال ، " قيمة ترفيه " العمل الفنّي ( أو سيرورة إبداعية ) بعيدة عن أن تشمل ميزاتها الأساسيّة كفنّ ، و خاصة بمعنى الوظيفة الإجتماعية .
لا أستطيع التفكير فى مجتمع واحد فى أي زمن فى التاريخ أين صيغة " الفنّ ترفيه " تنطبق عليه بأي نوع من المعنى الأساسي . كان الدور الإجتماعي للتعبيرات الفنّية المختلفة على الدوام معقدا ، و الفنّ قد إستُعمل كمساعدة مباشرة للإنتاج ؛ و كطريقة لتصوير العالم الخارجي ، و كوسيلة لتسجيل التاريخ الإجتماعي و نقله ؛ و كوسيلة للتنبّئ – و عادة " الإعداد " – بالمستقبل ( و كمثال واحد فقط ، تذكّروا كافة الرقصات " إعادة بعث الحياة " الشائعة لدى العديد من الثقافات ).
فى كلّ الأحوال ، يبدو أنّ الفنّ كنشاط إجتماعي فى علاقة وطيدة المسك بالتناقضات الإجتماعيّة المرتآة فى الطبيعة و المجتمع و التأثير فيها .كيف يمكن لهذا أن يعتبر أساسا " ترفيها " ؟ كيف يمكن لل" ترفيه " أن يشرح القصص و الرسوم و الأغاني و الرقصات التى لا تحصى و التى تبحث عن تأويل جذور الناس و التعريف بها ووضعها فى العالم، و جذور النباتات والحيوانات و تواريخها ؛ أو جذور " عوالم روحيّة " متنوّعة أو العلاقات الإجتماعيّة القائمة ؟ كيف يمكن لهذا أن يشمل إستخدام الفنّ فى حين أنّ الفنّ ، مع تنامى التراتبيّة الإجتماعيّة ، يُستخدم كذلك للتحقّق من " مكانة " الفرد فى المجتمع ،و لإعلان الهويّة الإجتماعيّة ، و لتمييز صفوف و مكانة مختلف المجموعات الإجتماعيّة ( مثلا ، بعض الأمثلة الأوّلية لهذا كانت على الأرجح " الأساليب " المتباينة لتزيين الجسد و الأدوات و الأسلحة إلخ ) ، لإعلان الغرض الإجتماعي ( على غرار رسوم الحرب و رموز السلام ) ، و لتسجيل تفرّع العائلة و المكانة ( مثلا ، أعمدة الطوطم إلخ ) . أليست كافة هذه الإبداعات فنّية – و هل يمكن لأيّ منها حقّا أن يقلّص إلى ترفيه ؟
طبعا ، بالنسبة لغالبيّة الناس عبر التاريخ ( وهو أمر مستمرّ اليوم، رغم تقدّم النظرة الماديّة ! ) الخطوط بين الخيال و الواقع المادي ضبابيّة عامة . و هذا يشرح العلاقة الحميميّة غالبا بين الفنّ و العادات و الدين بشكل أو آخر . الأغاني و الرقصات و إلقاء الشعر إلخ قد إستُعملت على نحو شائع للدعوة إلى و لإطلاق العنان أو التهدئة ، أو البحث عن رؤية ثاقبة ، من العالم الروحي المتصوّر سواء كانت تسكنه النباتات و الحيوانات أو يسكنه شيوخ ملتحون و ملائكة بدينون ! الكثير من الفنّ العظيم المتبقّى عبر العصور يشهد بمحاولات الناس الدفاع عن أنفسهم ضد ، أو بحثهم عن التأثير فى بعض هذه القوى الروحيّة المفترضة ، فى عديد الحالات بنفس الطريقة التى يستعملها أيضا الفنّ للخوض فى و التأثير فى القوى الماديّة الحقيقيّة ، بما فى ذلك العلاقات الإجتماعية .
الفنّ كتعبير عن النظرة إلى العالم :
لم ينبع كلّ عمل فنّي ( أو لا ينبع ) من نظرة إلى العالم متطوّرة تماما أو يبحث عن الترويج لمثل هذه النظرة . لكن كلّ عمل فنّ!ي قد ساهم فى القيام بذبك تحديدا .
و هذا صحيح حتّى حيث علاقة الفنّ بمجال الإنتاج علاقة وطيدة جدّا ، مثلما لنق فى تزيين جرّة لخزن الحبوب . كيف يمكن للمرء أن يشرح بشكل آخر الرسوم الجميلة المعقّدة لأواني الخزف المرسومة لشعوب الآناسازي ( شعوب قديمة ) و لأحفادهم اليوم ؟ أو لسلال منسوجة لهنود البوموتو التى تشمل الكثير من الزخرفة الخرزيّة المفصّلة ، و من النسيج المندفع بألوان مواد طبيعيّة أخرى ، و الرسوم المعقّدة . مثل هذه السلّة التى تمعّنت فيها بفضل صورة شمسيّة تنطوى على عديد النكرارات لرسم أفقي معقّد ، إنقطع فقط فى بقعة واحدة "حتى لا يصبح صانعه أعمى مضروب " ! و مع ذلك تحتوى سلّة أخرى على 10 آلاف عقدة فرديّة و مظاهر وجوخ إنسانيّة منمنمة . عنوانها " نجتمع لنقاش الحياة السعيدة لأجدادنا السابقين " . هل انّ " الترفيه " بدأ حتى ولوج قلب هذا كلّه ؟! ما يتمّ تسجيله و تركيزه ونقله جزء من نمط عيش، جزء من نظرة إلى العالم .
أو أنظروا إلى الرسوم الشهيرة لكهوف اللاسكو . أحيانا ، قد إقتُرح أنّ رسوم الكهوف هذه قد تكون أساسا أجهزة حافظة كالكتب : تسجّل الحيوانات المقتولة أو التى يجب قتلها أثناء عمليّة الصيد . و ما ينجم عن ذلك هو أنّها لا يجب فى آخر المطاف أنتعتبر " فنّا " . لقد أذهلنى هذا دائما لسخافته . ليس الجمال البارز ( الذى تقرّ به عينايا المعاصرة ) لرسوم كهوف اللاسكو هي التى تجعلنى أبدى هذا الشعور ، و لا هي حتى ملاحظة أن النمذجة الدقيقة لناس و الحيوانات ، و المزج المعقّد للأصباغ من أجل ألوان متنوّعة ، يبدو إضطرابا كبيرا مروّعا للبحث فيه لتجميع مجرّد قائمة الأنواع . و هناك أكثر من ذلك .
هذه الرسوم القديمة للبشر و للحيوانات ، بشكل ما نفهمه فهما تاما ، تُعبّر عن شيء بصدد كيفيّة النظر إلى الأشياء ، و بصدد النظرة إلى العالم ، لدى هذه الشعوب قبل عهود طويلة و محاولتها إيصال هذه النظرة إلى آخرين ، سواء كانوا أناسا أم أرواحا أو أي شيء . و سيكون هذا هو الحال سواء كانت رسوم لاسكو فعلا تشمل قائمة من الألعاب ، رواية لصيد خاص ، فكرة فرد مسلّية نوعا ما عن يوم ممطر ، إبتهال للمستقبل ، تسجيل لنوع من الأسطورة المفصّلة ، أو أيّ مزج من مثل هذه العناصر . بطريقة ما تكثّف هذه الرسوم جزءا من النظرة إلى العالم لتلك الأزمان ، جزءا من طريقة تأويل هذه الشعوب القديمة للعالم من حولها و تأثيرها فيه . و هذا – كلّ ما تبقّى من ذلك المجهود ، و ما ضاع للأبد – هو الذى لا يزال يحرّكنا .
دور الفنّ فى المجتمع الإنساني :
لكن ماذا عن الفنّ اليوم ؟ هذا فى الواقع هو ما نحتاج إلى الخوض فيه بعمق أكبر . لكننأمل أن بعض التأملات فى ماضي الفنّ ( حتى و إن كانت مقتضبة و سطحيّة مثلما عرضناها هنا ) يمكن أن تساعدنا فى هذه المهمّة بإزاحة بعض طرق التفكير المتخشّبة بشأن الفنّ و التى هي شائعة جدّا وكثيرا ما يشجّع عليها المجتمع البرجوازي .
الكثير من الفنّانين المعاصرين ( الذين لسوء الحظّ يبدون عادة إهتماما قليلا بالتاريخ ، حتى إن كان متّصلا بالفنّ !) قد أضاعوا نظرة واقع أنّ الفنّ ظاهرة إجتماعية تتمّ فى إطار إجتماعي به يتحدّد الفنّ و فيه يؤثّر هو بدوره . و يعبّر الكثير من الفنّانين عن نظرة تقريبا صوفيّة و فرديّة جدّا للسيرورة الفنّية ، وينزعون نحو تقديس العفويّة و يبحثون عن تبرير لنشاطهم الفنّي فقط بنتائج عملهم ذاته و علاقتهم به . ويُعزى هذا فى جزء كبير منه إلى المشكل الذى أثاره إنجلز . ردّا على المقاومة العنيدة لعديد معاصريه لنظريّة أنّ " العمل الإنساني " فى المقام الأوّل هو الشرط الأساسي لوجود الإنسان برمّته " ، حاجج إنجلز بأنّ عديد الناس قد فقدوا النظر للصلة الوثقى بين الفنّ و العلم و التنظيم الإجتماعي المعقّد و القوانين و الدين إلخ بقاعدتهم الماديّة فى مجال النشاط الإنساني المنتج . و حاجج كذلك بأنّ هذا يعود فى جزء كبير منه إلى كون التعقيد المتزايد للتقسيم الإجتماعي للعمل ذاته عادة ما يحجب هذه الصلة :
" إزاء جميع هذه الإبداعات التى بدا فى المقام الأوّل أنّها إنتاج للذهن ، و التى بدا أنّها تسيطر على المجتمع الإنساني ، بقدر ما تراجعت أكثر إنتاجات العمل اليدوي تواضعا إلى الخلفيّة ، بقدر ما ما كان الذهن الذى خطّط بعدُ لسيرورة العمل فى المراحل الأولية من تطوّر المجتمع ( أي بعدُ فى العائلة البسيطة ) قادرا على إمتلاك عمل قد وقع التخطيط له قد أنجزته أيادى أخرى قبل ذلك . كلّ ميزة التقدّم السريع للحضارة كان يعزى إلى الذهن ، إلى تطوّر الدماغ و نشاطه . لقد صار الناس معتادين على شرح أنشطتهم إنطلاقا من أفكارهم ، عوض إنطلاقا من حاجياتهم – ( التى هي على أي حال تنعكس و تتجه إلى الوعي فى الذهن ) – و من هناك ظهرت مع تصرّم الزمن النظرة المثاليّة إلى العالم التى هيمنت على أذهان الناس منذ إنهيار العالم القديم . "
( إنجلز 1876 ، ص 289 / بالأنجليزية ).
لسوء الحظّ أصيب تاريخ الحركة الشيوعية العالمية بالكثير من الماديّة الميكانيكيّة و من ذلك ما يتّصل بالعلاقة بين الفنّذ و المجالات الأخرى للنشاط الإجتماعي . و كان هذا بديهيّا خاصة فى المحاولات المتواترة للبحث عن تطابق واحد لواحد بين الفنّ و الإنتاج ، أو الفنّ و السياسة ،و فى الحالتين مخفقة تماما فى المسك بخصوصيّات الفنّ كفنّ أي كنشاط إجتماعي لد دور إجتماعي مغاير فى حدّ ذاته . و لعلّه من سخرية الأقدار أنّ صيغة " الفنّ ترفيه " تحمل فى طيّاتها الكثير مما هو مشترك مع النزعة الماديّة الميكانيكيّة لأنّها تبحث عن فهم الفنّ كنشاط إجتماعي بإفراغه من كلّ ثرائه وتعقيده و تقليصه إلى ما يمكن أن يسمّى بوجه الخصوص ب " القاسم المشترك الأدنى " لجميع التعبير الفنّي – قدرته على الترفيه .
و من المهمّ ، بينما يعلن المدافعون عن " الفنّ من أجل الفنّ " بسفور الأهمّية الكبرى للفنّ ( و إن كان أحيانا لأنفسهم هم فقط ! ) و يمضون قدما فى تقديم مفهوم مثالي يرى الفنّ و الفنّانين يسبحون فى فراغ إجتماعي – و لهم صلة صغيرة أو منعدمة ، أو يسائلون مساءلة بسيطة أو منعدمة لبقيّة العالم – فإنّ " الفنّ ترفيه " نظرة تضع الفنّ و الفنّانين إلى حدّ بعيد فى الإطار الإجتماعي ، لكن بشكل صارخ تستخفّ بالأهمّية و التأثير الإجتماعيين للفنّ كفنّ – و فى النهاية المساءلة الإجتماعية للفنّانين كفنّانين – بسبب النظرة الميكانيكيّة للدور الإجتماعي للفنّ ، المقلّصة هنا فى المقام الأوّل و أساسا إلى ترفيه . و ينتهى هذا إلى تشجيع النظر إلى أنّ الفنّ إجتماعي للغاية – و فى نهاية المطاف ليس جدّ مهمّ !

موقف أنّ " الفنّ ترفيه " يمكن أن ينتهي حتى إلى تغذية خطّ " الفنّ من أجل الفن " . و مردّ هذا جزئيّا إلى أنّ " الفنّ ترفيه " بعيد عن أن يقدّر المدى التام للأهميّة الموضوعيّة للفنّ ، و أنّه يترك الباب مفتوحا على مصراعيه للذين ( بصفة صحيحة ) يشعرون بأنّ الفنّ بقدر كبير أكبر من الترفيه ، غير أنّهم فى نفس الوقت ، مستعدّون لإنكار التبعات الإجتماعية / السياسيّة للفنّ كنشاط فنّي و إنكار النهوض بالمسؤوليّة الإجتماعيّة للفنّانين كفنّانين . و إضافة إلى ذلك ، نظرة " الفنّ ترفيه " تشجّع على نظرة أنّه حسنا إن كان المعنى الإجتماعي للفنّ بالفعل جدّ متقلّص ( الترفيه كهدف أوّلي ) ، بالتالي من الصحيح تماما أن يضرب موقف أنّ " كلّ شيء يدخل " فى مجال الفنّ . و ينزع هذا إلى تغذية الفرديّة البرجوازية الصغيرة لعديد الفنّانين فى المجتمع البرجوازي ، بينما فى نفس الوقت يشدّون إلى الوراء محاولات جعل التجديدات الحقيقيّة و الإيجاد الحقيقي لأرضيّة جديدة فى حقل الفنّ . ( + + )
و مجدّدا ، ما توفّره حتى نظرة سريعة على التاريخ هو أنّ فهم واقع أنّ الدور الأساسي للفنّ كنشاط إجتماعي تمضى أبعد من البحث المؤقّت عن التسلية ، أبعد من مجرّد الإستجمام ، أو حتّى " المقاصة فى خيط العنكبوت " الصحّية من طريقة المرء الروتينيّة فى التفكير الذى يمكن أن يحفز الفكر و النشاط فى المجالات الأخرى كذلك ، رغم أنّ هذا بالتأكيد جزء من تأثير الفنّ فى المجتمع ( المزيد بهذا الصدد لاحقا ) .
---------
(+ ) بليخانوف ، " مختارات من رسائل بلا عنوان " أعيد نشرها ضمن " الماركسيّة و الفنّ " ، صدر مع تعليق تاريخي و نقدي لمينار سلومون ، صحافة جامعة ولاية ويني 1979 ، ص 142 . و قد نشره قبل ذلك ألفراد كنوبف سنة 1973 . كان بليخانوف معاصرا للينين و " ضوء قياديّا " فى الماركسية فى روسيا ، بالرغم من أنّه إنتهى إلى التحندق مع الإشتراكيين الإصلاحيين ( المناشفة ) .
(++ ) من المهمّ أن نشير إلى أنّه عند نقدالطريقة التى تمّت بها إدارة النقاش فى المجال الفنّي تاريخيّا بمعنى " الفنّ من أجل الفنّ مقابل الأداتيّة " فى صفوف الحركة الشيوعية العالمية ، إقتُرح انّه كان على " بليخانوف أن يمضي نحو التساؤل : إن كان من الصحيح أنّ الفنّ من أجل الفنّ شيء مستحيل ، عندئذ لماذا هذه المصطلحات المناسبة للنقاش ، لماذا هي المسألة المحوريّة فى النقاش ؟ " و الجواب طبعا هو أنّه بينما لا وجود لشيء يعتبر فنّا من أجل الفنّ ، فإنّ الخطّ الذى يروّج لهذه النظرة حقيقيّ جدّا و سائد و يمارس قوّة ماديّة فى المجتمع . لم يكن المشكل أنّ هذا كان يعتبر مسألة محوريّة، لكن أنّه غالبا جدّا ما كانت هذه النظرة تحارب بنوع من الماديّة الميكانيكيّة الضيّقة و الإقتصادويّة لقوى الإنتاج – " الأداتية " بالمعنى الأكثر ضيقا . لكن مثلما إقتُرح أعلاه ، مقاربة " الفنّ ترفيه " لا تمثّل بديلا صحيحا للماديّة الميكانيكيّة.
============================================





الجزء الثاني :
الفنّ و العلم

تظلّ النشاطات الإنتاجيّة هي النشاطات الإجتماعية الأكثر جوهريّة – عليها تقوم كل ّ النشاطات الباقية – لكن نشاطات مجال البنية الفوقيّة جميعها لها تأثير هائل على ما إذا و كيف يحافظ على تقسيم إجتماعي خاص للعمل أو يُطاح به . بهذا المضمار ، المجال السياسي هو الأكثر تحديدا ، لكن مثل هذه المجالات كالعلم و الفنّ لها أيضا تأثير كبير على حركة و تطوّر القاعدة الإقتصادية لمجتمع ( بما فيه العلاقات الإجتماعية ) على حدّ سواء مباشرة و من خلال تأثيرها على المجال السياسي . كيف يمكن لهذا ألاّ يكون كذلك فى حين أنّه عبر الفنّ ، مثلا ، نسجّل الماضي ، ونتنبّؤ بالمستقبل ، و نكشف عن التناقضات الراهنة فى المجتمع و فى بقيّة العالم المادي و ننظّم نظراتنا و ننقلها فى نوع من الخلاصة ؟
سبب حاجتنا إلى الفنّ ليس فى المصاف الأوّل أنّنا نحتاج إلى أن نتسلّى عن شؤوننا و نشاطاتنا الأخرى و إنّما لأنّ السيرورة ذاتها حيويّة ليس فحسب فى تأويل عالمنا بل أيضا فى تغييره ، و لأنّه من الجوهري ليس لعكس نظرة إلى العالم فحسب و تصويرها و نقلها بل أيضا لصياغة مثل هذه النظرة . هذا ما يميّز الدور الإجتماعي الخاص للفنّ و أهمّيته الخاصة ( و الكبيرة جدّا ) .
يمكن للترفيه بالتأكيد أن يكون مظهرا ( ثانويّا ) للدور الإجتماعي للفنّ ، بيد أنّه بالتأكيد ليس بوسعنا وضعه فى ذات مستوى الدور الإيديولوجي الشامل . و كذلك يمكن لعديد النشاطات الإجتماعية الأخرى أن تكون ممتعة أو حتّى مسلّية بالمعنى الأوسع : أكل المثلّجات و النشاطات الرياضيّة ، و التمتّع بالمشاهد الطبيعيّة ، مثلا ، لجميعها مظهر ترفيه ( رغم أنّه هنا أيضا الترفيه ليس دائما السبب الأوّلى لإتخراط الناس فى مثل هذه النشاطات و ليس كذلك لبّ المسألة )، و بالفعل، فى معظم النشاطات التى يقوم بها الناس معنى ما من الجماليّات أي تقييم لما هو و ما ليس " جميلا " و " مدهشا " إلخ ، وهو أمر بالطبع محدّد إلى درجة كبيرة إجتماعيّا و بالتالى متنوّع إلى أقصى درجات التنوّع فى ضفوف الأفراد و المجموعات ذات التجارب الإجتماعية المختلفة و المصالح الإجتماعيّة الموضوعيّة المختلفة .
و من الأكيد أنّ إتفاقا جماعيّا سيحصل حول معنى الجماليّات المتوفّر فى الإبداع و فى أي عمل فنّي ! لكن بإستثناء إن قال المرء إنّ كلّ شيء خارج مجال الإنتاج المباشر للمتطلّبات الأساسيّة للحياة هو" فنّ" علينا أن نمضي أبعد من مسائل " الترفيه " أو حتى " الجماليّات " لأجل إبراز الخصوصيات الحقيقية و الميزات الخاصة للفنّ كفنّ .
بهذا الصدد ، يمكن أن يكون من المفيد أننعرض و لو بإيجاز أوجه الشبه و الإختلاف بين العلم و الفنّ كسيرورتين إبداعيتين . يصوّر البرجوازي غير المستنير النمطي عادة العلماء على أنّهم تقنيّون يتميّزون بالبرودة و إنعدام الحماس يراكمون آليّا أكواما من " الوقائع " على أمل التوصّل إلى أفضل مصباح ، فى حين أنّ الفناّنين غالبا أكثر يصوّرون على أنّهم شاردين بلا أمل ، خارج نطاق الواقع ، و عادة غير متماسكين إلخ حتّى إن إستطاعوا أنيوفّروا ترفيها له قيمته . و بالطبع ، كلاهما يصوّران بصفة متواترة على أنّهما يتحرّكان فى فراغ إجتماعي ، و أنّه ينبغى تقييم عملهما وفقا لذلك . لكن لننظر فى السيرورات الفعليّة المعنيّة ب " إنجاز العلم " و " إنجاز الفنّ " . فى كلتا الحالتين هناك مسألة ملاحظة و إكتشاف و بحث فى العالم الخارجي و محاولة " إعطائه معنى ما " فى مستوى أو آخر ، بكشف الآليّات الكامنة للحركة و التطوّر و مظاهر تنظيم المادة . و تتطلّب هذه السيرورة دائما( بصفة مباشرة أو غير مباشرة ) شكلا ما من المعالجة البارعة للعالم الخارجي إن كانت السيرورة لتقود إلى وجهات نظر ثاقبة جديدة : ينظر العالم فى الملاحظات عن المظاهر و يجرى معالجات بارعة لعمليّات إختباريّة ، باحثا عن العلاقات الماديّة الكانة ؛ ويقوم الراقص بالشيء نفسه بشكل الأجساد و حركتها ، النحّات يفعل الشيء نفسه مع المواد المتنوّعة القابلة للتطويع ، و الرسّام مع الألوان و الضوء ، مع الكلمات إلخ .
كلّ من العلماء و الفنّانين يعالجون ببراعة المادة ليظهروا بعض " الحقائق " الماديّة الكامنة و كلاهما يتخذان قرارات خاصة و محدّدة إجتماعيّا ( و إن لم يكن التحديد صارما ) بشأن مثل هذه الأشياء على غرار المظاهر التى ينبغى التشديد عليها ، و إلقاء الضوء و التركيز عليها و تصنيفها منهجيّا و ما إلى ذلك . فى كلتا الحالتين ، النشاط تنهض به كائنات إجتماعيّة فى إطار إجتماعي ، وهو محدّد بهذا الإطار: " ما هي الأسئلة التى ينبغى طرحها " ، إن أمكن القول ، فى كلّ من العلم و الفنّ ، و " كيف الإجابة عليها " ؛ لهذا صلة وثيقة بالعلاقات الإجتماعية السائدة و النظرات و المناهج المناسبة التى تستدعيها ، و بدرجة " إندماج " الفنّان أو العالم أو " قطيعته " مع هذه العلاقات و النظرات السائدة .
لكن إن كانت هذه أوجه الشبه ، ما هي الإختلافات بين السيرورتين ؟ بطرق ما من العسير موضوعيّا رسم خطّ تمايز واضح ، و أحيانا يمكن لنظام إجتماعي معطى أن يفرض إختلافات و حدود مفتعلة و مبالغ فيها بين هذين المجالين من النشاط ( و أظنّ أنّ هذا الحال لم يكن أبدا أكثر ممّا هو عليه فى عصر البرجوازية ! ) . لكن من ناحية أخرى ، يبدو أنّ بعض الإختلافات الحقيقيّة جديرة بالتقييم .
أحيانا هناك إختلاف بديهي فى الهدف ، عندما يكون النشاط العلمي أكثر إرتباطا مباشرا بالإنتاج . غير أنّ الحال ليس هذا على الدوام و هذا أعتقد غير كافي للتمييز بين المجالين من النشاطات . و مع ذلك ، يبدو لى أنّ العلم يتحرّك تحت ظلّ القيود و الكوابح المفروضة ذاتيّا وهي تختلف عن تلك الموجودة فى حقل الفنّ : يبحث العلم فى المقام الأوّل عن إكتشاف العلاقات الماديّة الموجودة لأجل كسب فهم لمظهر أو لعديد مظاهر العالم المادي الذى يتناسب تناسبا أقرب ما أمكن مع الواقع القائم ، و لأجل تقديمه على ذلك النحو . الهدف العام هو المساهمة فى فهمنا للمادّة فى تطوّرها الماضي و وضعها الحالي و مسارها المستقبلي المرجّح ، و المساعدة على التغيير الواعي للعالم الخارجي إنطلاقا من هذا الواقع . بكلمات أخرى ، فى المجال العلمي ، التناسب الأقرب الممكن مع الواقع المادي القائم ( على أمل أن يكون ذلك بمعنى تقليصي – ميكانيكي ! ) مستهدف وذو قيمة .
و الفنّ من ناحية أخرى يستقى قيمته الإجتماعيّة الخاصة من واقع أنّه بينما هو كذلك يتخذ نقطة إنطلاقه الواقع المادي الموضوعي الذى يبحث فيه و يعالجه ببراعة و بنشاط ، و بينما فى نهاية المطاف يردّ الفعل إزاء ذلك الواقع بطرق يجب أن تكون لها فى آخر المطاف صلة ما بالعلاقات الماديّة الكامنة الحقيقية ، فإنّ السيرورة التى من خلالها يقوم بذلك لا تحتاج إلى أن تبحث عن أن تعكس و تعبّر عن مثل هذا التناسب القريب مع الواقع المادي القائم ، الماضي منه و الحاضر أو المستقبلي . إلى درجة أكبر بكثير من العلم ، بوسع الفنّ أن يسمح لنفسه بأن ينخرط فى " رحلات طيران من الهوى " و بوسعه أن ينخرط ( و غالبا يجب عليه إن كان يرغب فى أن يكون فعّالا كفنّ ) بمعانى متنوّعة من الرؤية و التعبير الإنتقائيين بصفة عالية ، و التشويه المحسوب و حتى الحيلة الواعية ، و كلّ هذا تحديدا بغاية أن يستخرج منّا أفكارا و رؤى جديدة لا تنبع عفويّا من العالم المادي كما يشاهد عموما . سيرورة العلم ( و فى كلّ من علاقتها ب " العلوم الطبيعيّة " و " العلوم الإجتماعيّة " ، بما فيها النظريّة الثورية ) كذلك تستخرج أفكارا و رؤى جديدة و تستهدف القطيعة مع العفويّة ، و تساهم فى إفراز رؤى جديدة و فى النهاية ، فى إطلاق شكل أو آخر من النشاط الإجتماعي ، لكن لأجل أن يقوم بذلك ، يجب أن يتحدّد بشكل مختلف و بإختصار ، يجب أن يسائل بأكثر صرامة الواقع المادي الفعلي .
مقترح منحرف :
قيمة الفنّ الإجتماعية الكبرى الخاصة ، كما أراها ، تكمن فى كونه بالذات ليس مجبورا على أن يسائل عن كثب الواقع ليكون فعّالا ، و بالذات فى أنّ هذا بطريقة أو أخرى يفهم عموما على أنّه الحال فى المجتمع ، يمكنه أن يدعو إلى طرق جديدة كلّيا من التفكير و النظر إلى الأشياء ، و ينهض بإعادات تفحّص جريئة للضوابط المركّزة و أحيانا حتى " بتهوّر" أو " خياليّا " " يتصوّر المستحيل " و يضخّ فيه الحياة ! على هذا النحو يمكن عادة أن يساهم فى نظرات إجتماعية هامة و – مستندا كما هو إلى الواقع المادي، و لكن نسبيّا غير مقيّد بالنسق الفعلي لتطوّر ذلك الواقع – هو مذهل تماما عادة فى قدرته على التنبّئ بالتطوّرات و يعمل بمعنى ما ك " نذير المستقبل " . و بالطبع ليس بوسع هذا إلاّ أن يوفّر لنا " نافذة " تفتح على البدائل المستقبليّة – و يمكن كذلك أن يساهم فى التأسيس لتحقيق واحد أو آخر من هذه البدائل من خلال تأثيره على وعي الناس ( المزيد بهذا الصدد لاحقا ) .
لذا لا يطلب الناس من الفنّ نفس المساءلة التى يطلبونها من العلم . وهذا شيء كامن فى القيمة الإجتماعية و ليس شيئا ينبغى أن نحاول التخلّص منه ! لقد قيل إنّ فى مجتمع الكنغ! لا يملك الناس " تفسيرا للماذا نقل لهم أسلافهم مثل هذه السخافات " التى كما يعتبر ( الكنغ! ذاتهم ) أنّها تتركّز فى عديد الأساطير القديمة. و مع ذلك تتواصل رواية هذه القصص و يتواصل التعلّق بها ،و لا شكّ فى أنّها تساهم فى معنى الإستمرار الإجتماعي الذى هو مهمّ بالنسبة إلى الكنغ! . لكن لا شكّ فى أنّهم يساهمون كذلك ( على الأرجح تماما بطرق غير متعمّدة فى الأصل ) فى تطوير النظرات الراهنة إلى العالم، حتى و إن كانت المقدّمات الإجتماعيّة المتجسّدة فى ألصل فى أعمال خاصة لم تعد مقبولة ، أو لم تعد تمارس تأثيرها بتوفير " إحباط " للنظرات التحفيزية الظاهرة حديثا ( " إسمعوا ، أفعال الأزمان القديمة كانت مجنونة ، أقول لكم ! " هكذا أنهى راوى عديد هذه القصص الفكاهيّة التى تتواصل روايتها و تتكرّر ) . المسألة هي أنّ الفنّ سيفقد الكثير من خصوصيته الإجتماعية إذا تمّ التعامل معه " تعاملا حرفيا " – و هذا الواقع دليل مهمّ عن الدور الإجتماعي ككلّ .
و فى ما يتّصل بمسألة " المساءلة النسبيّة " للفنّ و العلم ، يجدر بنا التفكير فى النقطة التى أثارها عالم الآثار و البيولوجي التطوّري ستيفان ج غولد ( الذى يعرف بعض الأشياء عن الفنّ مثلما تدلّل على ذلك قدراته الأدبيّة فى مجموعاته للبحوث فى التاريخ الطبيعي الشعبي ) فى مقدّمته لرواية ( رقصة النمر ) التى كتبها عالم آخر ، عالم الآثار السويدي الشهير عالميّا ، بجورنكرتان ( أليس من العسير الإبقاء على التصنيف الدقيق فى هذه المجالات ؟ ) و الرواية المعنيّة إستكشاف خيالي حيوي و مستفزّ للفكر ( نعم ، مسلّي ) لما من الممكن أن تكون قد كانت عليه حياة النيندرثال و الكرو- مغنون و علاقاتهم الإجتماعية . يستحسن غولد الذى كان عليه أن ينفق الكثير من الجهد لقتال الكثير من الخيال و التكهّنات غير المسؤولة فى مجال البيولوجيا التطوّرية ، يستحسن بصورة خاصة كون كرتان ( الذى يحترم جدّا علمه ) قد إختار مع ذلك أن يقدّم تكهّناته الخياليّة فى شكل رواية – و بالتالى خيال - و بوضوح جرت الدعاية لها على أنّها رواية . كتب غولد:
" كعالم ، دعونى أقول شيئا قد يبدو فضوليّا . أعتقد أن كرتان إختار مكانا أكثر مناسبة من الأدب المحترف ذاته لنقاش العديد من المواضيع العلميّة حقّا المثارة دائما حول نقاشش النيندرثال – كرو- مغنوم . لقد كانت البيولوجيا التطوّريّة يعرقلها بشدّة أسلوب تكهّني بحجّة تسجيل تشريح الأجساد و الإيكولوجيا ثمّ محاولة بناء تفسيرات تاريخيّة و تأقلميّة للماذا يبدو هذا العظم على ذلك النحو أو للماذا عاش هذا المخلوق هنا . وهذه التكهّنات قد إعتُبرت بإحسان " سيناريوهات" ، وهي عادة أكثر إزدراءا و عن حقّ مسمّاة " قصصا " ( أو ما يشبه القصص إذا كانت تعتمد على إفتراض خاطئ بأنّ كلّ شيء وجوده له هدف ). يعرف العلماء أنّ هذه الحكايات قصص ؛ و لسوء الحظّ تقدّم ضمن الأدب المحترف أين تدرس بجدّية و أدبيّة مبالغ فيهما . ثمّ تصبح " وقائعا " و تدخل الأدب الشعبي ، عادة فى شكل إجتماعي مشكوك فى أمره مثل القرد القاتل من الأسلاف الذى يعقينا من مساءلة القبح الراهن ، أو مثل إعتبارالهيمنة الذكورية " الغريزية " لتبرير الميز الجنسي الثقافي على أنّه علامة طبيعيّة .
و مع ذلك ، لهذه القصص دور فى العالم . إنّها تفحص دور البدائل ؛ و توجّه التفكير نحو بناء فرضيّات قابلة للأختبار ؛ و تستخدم كأطر عمل تجريبي لتصنيف الملاحظات . لكنّها قصص. لذل لماذا لا تعامل كقصص فنحصل على جميع المنافع و المتع و نتجنّب المشاحنات التى تظهر من توصيفها العادي غير المناسب ؟ " ( ستيفان غولد ، فى مقدّمته ل " رقصة النمر " لبجورن كورتان ) .
و يتوفّر لنا المزيد من ما أسمّيه مسألة المساءلة فى بعض التعاليق التى تقدّمت بها أورسولا ك. ليغين ( فنّانة لها أكثر من معرفة عابرة ببعض القضايا العلمية ) فى مقدّمتها لقصّتها للخيال العلمي " اليد اليسرى للظلام " . كتبت تقول :
" كتّاب الخيال العلمي ، على الأقلّ فى لحظاتهم الأكثر شجاعة ، يرغبون فى الحقيقة : فى معرفتها ، فى الحديث عنها و فى خدمتها . لكنهم يتوجّهون إليها بطرق خاصّة و ملتوية تتمثّل فى خلق شخصيّات و أماكن و أحداث لم توجد قط و لن توجد أو تحدث قط و يتحدّثون عن هذه الروايات بالتفصيل و مطوّلا و بقدر كبير من الأحاسيس ، ثمّ عندما ينهون كتابة هذه الحزمة من الأكاذيب يقولون هناك! هذه هي الحقيقة ! ... قبل قراءة أيّة قصّة ، علينا أن نعرف تمام المعرفة أنّ الأمر برمّته هراء ، ثمّ عند القراءة نؤمن بكلّ حرف فيها . و فى النهاية ، عندما نفرغ منها ، قد نجد – إن كانت قصّة جيّدة – أنّنا مختلفون نوعا ما عن ما كنّا عليه قبل قراءها ، أنّنا تغيّرنا قليلا ، كما لو أنّنا قابلنا وجها جديدا ، و عبرنا شارعا لم نعبره من قبل أبدا " ( أرسولا ك. ليغين ، " مقدّمة " اليد اليسرى للظلام " ).
المسألة إذن ليست أنّ الفنّ لا يحتاج إلى أن يكون له أساس فى الواقع أو أنّه لا يحتاج أن يعنى بالتعبير عن الحقيقة . المسألة هي أنّ الفنّ إقتراح منحرف . و بهذا أقصد شيئا هو " إنحراف عن القاعدة " : أعنى أنّ الفنّ يبرز حقيقة شيء ب " حرف الأشياء " ، ب " القفز إلى الجانب " ، وب " النظر إلى الواقع نظرة جانبية " إن أمكن القول - من زوايا و آفاق غير نمطيّة - و أنّه يقدّم الأشياء فى ضوء جديد، بطريقة ليست محاكاة تامة للتجربة اليومية ، و أنّه يمسك بالواقع على نحو يستدعى إجابات تشذّ عن " القاعدة " .
لا يمكن لسيرورة الفنّ إلاّ أن تنبع من الواقع المادي ، و لا يمكنها أن تتطوّر إلاّ فى تناغم مع قوانين حركة المادة و تطوّرها . ( + ) إلاّ أنّ إنتاج هذه السيرورة ( العمل الفنّي فى حدّ ذاته ) ليس أبدا مجرّد ، و لا هو تحديدا ، إنعكاس لهذا الواقع ( و عادة لا ينبغى أن يحاول أن يكون كذلك ) . إنّه تصوير منحرف للواقع يخلق شيئا جديدا فى مجمله – على الأقلّ ، " إنحراف " جديد للأشياء . سواء كانت هناك حقيقة أم لم تكن فى ما يعبّر عنه عمل خاص ، يتعلّق فى المصاف الأوّل بمسألة ما إذا كان الفنّان فى هذا الحرف للواقع و الفنّ فى نهاية المطاف قد ساهم فى رؤانا للعلاقات الفعلية فى الطبيعة أو المجتمع – مهما كان ذلك على نحو غير مباشر أو كان تأثير العمل هو مزيد تعمية فهمنا لهذه العلاقات . ( طبعا ، الأدنى، أي عمل فنّي ينزع نحو كشف قدر بسيط من " الحقيقة " عن الفنّان الذى أبدعه، إن لم يكشف شيئا آخر!).
و بين قوسين ، ينبغى أنيقال إنّ مسألة " المساءلة هذه هي أيضا ما يجعل النقد الفنّي معقّدا جدّا أحيانا . فمن جهة ، لا وجود لشيء مثل الفنّ فى فراغ إجتماعي ،" فوق " العلاقات الإجتماعية الإنسانيّة و ليست له صلة أو تأثير على هذه العلاقات بشكل أو آخر . خصوصيّات السيرورة الفنّية لا تحرّر بأية طريقة الفنّانين من أن يكون لديهم دور إجتماعي و تكون لديهم مسؤوليّة ، سواء أقرّوا بذلك أم لم يقرّوا . لكن واقع أنّ بإمكان الفنّ و من واجبه أن يقدّم " مروحة واسعة من المبادرات " و الرؤى النضرة للحياة و أن بإمكانه المساهمة الصارمة بهذا المضمار ، يؤكّد فى نفس الوقت فائدته الإجتماعيّة الخاصّة و حدوده الإجتماعيّة و إمكانيّات خدمة المصالح المتخلّفة ، بغضّ النظر عن محاولة الفنّان الفرد ( المزيد بهذا الصدد لاحقا ) .
و كل ّ هذا لا يعنى أنّ مجال الفنّ " لاعقلاني " أو أنّه مجال ما من " المشاعر " المثاليّة الإطلاقية المنظور إليها على نحو مغاير نوعيّا من التفكير ( فيما مجال العلم هو " العقلاني " ) . و بالتأكيد أنّ إطار النقاش فى الحقل الفنّي ينبغى أن لا يكون إمّا تشجيع أو خنق هذا الفنّ المفترض أنّه " لاعقلاني " ! ( ++)
صياغة الجديد :
المسألة هي أنّ الفنّ وسيلة حيويّة فى جعل الفهم الإنساني إجتماعيّا ( منهجيّأ و نقلا ) بطرق مختلفة لا تحصى و لا تعدّ ، بإختيار بعض الزوايا و الجوانب إلخ عليها تسلّط الأضواء ،و بإستعمال وسائل متنوّعة ( كالرموز و الإستعارات ) كي تشقّ نظرة جديدة ، أفق نضر ، نظرة جانبيّة طريقها بالقوّة . و عندما يفلح فى القيام بذلك ، عادة ما يعتبر الفنّ محرّكا للمشاعر و باعثا للقلق و ملهما و متحدّيا للفكر و ما إلى ذلك ، وهو فى كثير من الأحيان محلّ خلاف ( إن لم يكن مباشرة على المستوى السياسي فإنّه عادة على مستوى إيديولوجي ما ، و بمعنى الإطار الفنّي ذاته – بطريقة أو أخرى ، سيتجادل الناس حول مثل هذه الأعمال ! ) إنّه الفنّ هو الذى يمكن أن يحدث صدمات موضوعيّة ،و يلهم التفكير الجامح و التجرأ على " إقتحام الخيال " ، و الذى يمكن أن يوفّر رؤى ثاقبة للعلاقات الفعليّة ( الحقيقيّة ) فى الطبيعة و المجتمع . و من جديد ، يمكن القيام بهذا بطرق هي ببساطة غير مفتوحة كقنوات للبحث و الصياغة العلمية المسؤولة ن بما أنّنا هنا سنطلب ( عن حقّ ) سيناريو أكثر إحكاما و تناسبا أقرب مع العلاقات التى يكون تشويهها عبر موشور الذاتيّة الإنسانيّة الذى يهدف من ورائه إلى المحاصرة الواعية أكثر منه إلى التعزيز .
و بالعكس ، بمستطاع الفنّان أن يطبخ عمليّات إلصاق جامحة بأجزاء منسجمة من التجربة الإجتماعيّة ، و عن وعي يسلّط الضوء على بعض المظاهر و يشوّه " المناسب " العادي لهذه الأجزاء إلى درجة أنّ الرابط أحيانا بالتصوّر الفعلي و الواقع القائم يصبح ضعيفا للغاية بالفعل (و هذا حال الفنّ " التجريدي " ، مثلا ) . و مع ذلك ، بما أنّ فى الحقيقة الإرتباط بالواقع لا يمكن أبدا أن يكون مقطوعا تماما ، و بما أنّ هناك قبول ضمني للجميع عدا القطاعات الأكثر إنغلاقا فى المجتمع ب " عدم حَرفيّة " الفنّ ، فإنّ تشويهات الفنّانين يمكن أن توفّر " تشويها " أو " إنحرافا " جديدا للأشياء التى يمكن أن تعكس غالبا و تكشف بعض الحقائق العميقة جدّا حول تجربتنا ككائنات إجتماعيّة .
لكن إن كان ألأمر كذلك ، هل سيكون بعد كلّ شيء صحيحا النظر إلى الدور الإجتماعي للفنّ على أنّه " تعليمي " أكثر منه " ترفيهي " ؟ برأيى ثنائيّة تعليمي : ترفيهي فى ما يتّصل بالفنّ ثنائيّة خاطئة تخفق فى فهم أنّ الفنّ قبل كلّ شيء وسيلة للتعبير عن شيء جديد . إنّه بعد كلّ شيء سيرورة إبداعية ، أليس كذلك ؟ ولا يستطيع دوره الإجتماعي أن يُقلّص إلى الترفيه ، حتى بالمعنى الأوسع للكلمة إعتبارا لأهمّية دور الفنّ فى منهجة وتشجيع نظرة إجتماعية و نظرة إلى العالم ؛ و لا يمكن تقليصه إلى تعليم بالمعنى البيداغوجي ، ما يقترح منهجة الفهم و النظرات المطوّرة عبر النشاط فى مجالات أخرى ( كالنضال السياسي ربّما أو النضال من أجل التجربة العلمية ) و فى مجرّد حاجة إلى نقل معلومات .
وجدت نزعة تاريخيّة لا يمكن إنكارها فى صفوف الماركسيين نحو الخلط بين الفنّ و التعليم ، و خاصّة الخلط بين الفنّ و التحريض و الدعاية السياسيين ( اللذان بدورهما وقع خلطهما مع التعليم بالمعنى البيداغوجي ! ) . لكن هذا لا يجعل من صيغة " الفنّ ترفيه " إجابة صحيحة على المشكل . نحتاج إلى القطيعة مع هذه الدائرة المغلقة بالتركيز على خصوصيّة الفنّ كفنّ . ( و بينما لا يوجد فنّ من أجل الفنّ " هناك نهائيّا فنّ " فى حدّ ذاته !" . الفنّ قادر على كشف و منهجة و نقل مظاهر من التجربة الإجتماعية عبر وسائل غير مباشرة ( لها ميزاتها الخاصّة ، على غرار المظهر " الأقلّ مساءلة صارمة " ) و بالقيام بذلك يساهم فى تطوّر النظرات إلى العالم و النظرات الإجتماعيّة ،و أحيانا ينهض بدور حيوي فى توسّط القطائع الجذريّة و صياغة نظرات إلى العالم جديدة ماما .
الدور الإجتماعي للفنّ فى المقام الأوّل دور إيديولوجي ، لكن هذا لا يساوى أنّ هذا الدور يمكن أن يُقلّص فقط إلى المنافسة مع الإيديولوجيّات المعارضة . فبينما خوض الصراع الإيديولوجي من خلال الفنّ بالتأكيد جانب هام جدّا من الدور الإجتماعي للفنّ ، فإنّ نظرة " الفنّ كإحتجاج فى الأساس " مثلا ، مجدّدا ستسلب الفنّ دوره الحيوي فى صياغة الجديد و ليس كمجرّد سلاح فى الصراع السياسي / الإيديولوجي فى حدّ ذاته و إنّما كمساعد مفتاح فى تلخيص تجارب الحياة و مساعدتنا على إدراك التناقضات و الفعل فيها ، فى تناغم مع مصالحنا الإجتماعية الموضوعية .
من خلال الفنّ بوسعنا تسلّق ما لا نعرفه و التنفّس بعمق و تكوين نظرة جيّدة لما يحيط بنا إنطلاقا من نظرة ذات أفضليّة جديدة .
و هنا أيضا ، مثلما فى مجال البحث العلمي ، بلوغ الحقيقة الموضوعيّة مهمّ ليس لمواجهة العدوّ فحسب، بل أيضا للمساعدة على صياغة نظرتنا الخاصة إلى العالم . و بطبيعة الحال ، فى مجتمع يتميّز بالإنقسام الطبقي و الصراع الطبقي كلّ هذا - البناء و التحطيم - يحمل مضمونا طبقيّا ، لكن ، من جديد ، لا ينبغى أن يقلّص دور الفنّ إلى واحد لواحد فى دوره فى قتال البرجوازية ، حتى على الصعيد الإيديولوجي . و من المهمّ فهم هذا بوجه خاص ليس لأجل دعم تطوّر الفنّ الثوري فحسب بل أيضا لدعم الثورة ذاتها ! لأنّه بالفعل صحيح تماما أنّه :
" ليس من الممكن إنجاز الثورة الإشتراكية و الإنتقال إلى الشيوعية دون إنشاء ثقافة كاملة جديدة ، بما فيها الأدب و الفنّ ، تقدّم لأوّل مرّة فى التاريخ ، نظرة البروليتاريا و تذود عن مصالحها فى الإطاحة بكلّ ما هو رجعي و فى تثوير المجتمع برمّته " .
( بوب أفاكيان ، " طلقات ..." صفحة 224 ، باللغة النجليزية )
---------------------
(+) بمعنى ما يمكن قول إنّ كلذ فنّان أو فنّانة مقيّد بتطوّره الخاص ككائن إجتماعي خاص فى إطار إجتماعي خاص ، و كذلك مقيّد بالحدود الجسديّة للجسم الإنساني ؛ و مواد الفنّان هي أيضا قيود ومحدّدة بالخصوصيّات المتنوّعة للمادة – و لا هم مرنون وقابلون للتغيّر إلى ما لا نهاية ، رغم أنّ كافة الفنّانين الجيّدين يختبرون بإستمرار حدودهم الخاصة و حدود موادهم . هنا أيضا تكمن الحرّية فى الإقرار بالضرورة و بالعمل وفق ذلك على تغيير الواقع .
(+ + ) فى الواقع ، هذه الحجّة برمّتها ، المعتمدة على الثنائيّة المفترضة بين الأفكار و المشاعر أو العقل مقابل القلب تحافظ على المهجور من نوع النظرة إلى العالم المادية الميكانيكيّة التى روّجت لها الثنائيّة الرتزيانية ( و للأسف لا يزال تأثيرها سائدا اليوم ) التى لا تستطيع تماما أبدا أن توفّق كلّيا بين الماديّة و غياب الآلهة . إنّ الذين ينظرون إلى العالم المادي فقط بالمعنى الأكثر عقما ، التقليصي – الميكانيكي عادة ما يشعرون بالإضطرار إلى خلق نوع من المجال الصوفي يمكن أن يسموه بميزات كالجمال و الروعة إلخ علاقته الحميميّة بالعالم المادي لا يقدرون على ملاحظتها . و هكذا ، نجد بعض علماء فيزياء الجزيئات فى نهاية القرن العشرين لا زالوا يعتقدون فى إلاه و نجد السيرورة الإبداعيّة الفنّية موسومة بخصوصيّات صوفيّة إلخ إلخ .
======================================================
الجزء الثالث :
الفنّ و السياسة و الدور الخاص للفنّ الثوري
إذا إتفقنا على أنّ دور الفنّ هام للغاية ، كفنّ ، على الصعيد الإيديولوجي ، يمكن لعلاقته بالمجال السياسي أن تكون مفهومة بأكثر وضوح . فالسياسة مجال من مجالات البنية الفوقيّة للمجتمع الذى يتميّز فى المصاف الأوّل بالنزاع بين قوى إجتماعية متباينة ( أي طبقات ) من أجل السلطة السياسية ، و فيه تتركّز مثل هذه الصراعات . و السياسة فى الواقع مجال حيوي من البنية الفوقيّة لأنّه فى مجتمع طبقي ، مسألة من هي القوى الطبقيّة التى تسيّر عمليّا المجتمع ، وفى مصلحة من و فى أيّ إتجاه تمضى ، تحدّد إطار كافة النشاطات الأخرى فى البنية الفوقيّة وهي المظهر الرئيسي المسؤول عن كلّ من الحفاظ على العلاقات الإجتماعية المميّزة لمجتمع خاص أو تثويرها .
و بالإقرار بواقع أنّه فى المجال السياسي يتركّز أكثرالصراع الطبقي وبأنّ هناك يتمّ التوصّل أساسا إلى حلّ النزاعات الطبقيّة ( و فى نهاية المطاف عبر الصراع العسكري ) ، لا يتنكّر بايّة حال بالدور الهائل للفنّ و لا يستخفّ به و بالمجال الإيديولوجي عامة ، فى علاقة بالتغييرات الإجتماعية ، بما فيها الثورات . لقد ساهم الفنّ على الدوام بأشكال غاية فى الأهمّية فى الحفاظ على الإستمرار الإجتماعي ( من خلال الحفاظ على القيم و النظرات المركّزة و نقلها ) ، لكنّه بالتأكيد قد ساهم على الأقلّ بنفس القدر فى تطوير القطائع الإجتماعية .
و بينما لا يمكن لتغييرات نوعيّة حقيقيّة فى العلاقات الإجتماعيّة أنتحدث دون ثورات سياسية ( بما فى ذلك الإفتكاك الفعلي للسلطة من قبل القوى الثورية ) ، من الصحيح أيضا أنّ مثل هذه القفزة النوعيّة على الصعيد السياسي لم يكن من الممكن أن تحصل دون التطوّر التنبّئي للفلسفات و الإيديولوجيّات المرشدة من النوع الجديد . و مثلما شدّدت على ذلك بصورة متكرّرة ، ينهض الفنّ بدور حيويّ على وجه الضبط فى هذا – صياغة نظرات جديدة . و هذا صحيح سواء كان موضوع الفنّ سياسيّا صراحة أم لم يكن كذلك .
ليس من العسير فهم لماذا وُجدت تاريخيّا نزعة فى صفوف الماركسيين نحو الخلط بين الفنّ والسياسة فى حدّ ذاتها ، و خاصة بين الفنّ و التحريض و الدعاية السياسيين . و يعود ذلك إلى كون الماركسيّة عينها ظهرت فى عصر البرجوازية ( الذى لا يزال العالم بأسره أسيرا له ) و فى هذا العصر الخاص ينزع الدور الإجتماعي للفنّ و الفنّانون إلى أن يطمسوا بدرجة كبيرة نظرا إلى درجة حجب إرتباط الفنّ ( و مجالات أخرى من البنية الفوقيّة ) فى نهاية المطاف بعلاقات الإنتاج الإجتماعية . و بالتالى ، الفنّانون وأعمالهم يبدون للكثير من الناس و كأنّهم يسبحون فى فراغ ، منفصلين عن النشاطات الأكثر جوهريّة لعلاقات الإنتاج و نوعا ما تماما " خارج " الشبكة المندمجة للعلاقات الإجتماعية التى تميّز المجتمع . هذا وهم إلاّ أنّه وهم ليس من اليسير التخلّص منه .
ليس ثمّة أدنى غرابة إذن فى أنّ معظم الفنّانين فى المجتمع البرجوازي ذاته لا يملكون تقديرا كبيرا لدورهم الإجتماعي و للأهمّية الإجتماعية العظيمة للإبداعات الفنّية . و عادة ما يشدّدون على أنّ فنّهم لا تأثير له إجتماعي شامل أبعد من التأثير الجمالي مفهوما بألحرى فهما ضيّقا ، و أنّه ليست لديهم مسؤوليّة إجتماعيةّ خاصّة ، على الأقلّ فى علاقة بفنّهم و إنعكاساته . و يجدون التبرير الوحيد لنشاطاتهم الفنّية فى تمظهرات هذا النشاط ( الأعمال نفسها ) و فى علاقاتهم الشخصيّة بها ( أي إذا كانت أم لم تكن حقيقيّة نسبة لمبادئهم الجماليّة الخاصة إلخ ).
و لا غرابة إذن كذلك فى أنّ الذين يقاتلون فى سبيل نظرة مادية جدليّة كانعليهم أن يخوضوا معركة صعود جبال كي يبرزا فى النهاية علاقة الفنّانين و أعمالهم بالعلاقات الإجتماعية عامة و فى آخر المطاف بعلاقات إنتاج المجتمع بأسره . لآ إنكار لكون " العلاقة الوثيقة " كانت عادة تصوّر ميكانيكيّا ، لكن لا إنكار كذلك لوجودها و لواقع أنّ هناك حاجة كبرى لأبرازها ! سواء أردنا ذلك أم لم نرد ، كافة الفنّانين كائنات إجتماعيّة ( لا يهمّ مدى فرديّة أعمالهم ) و لأعمالهم إنعكاسات كبرى على تنظيم المجتمع – رئيسيّا ، كما قلنا ، من خلال تأثيرها الإيديولوجي . ( + )
و هكذا ، من خلال تأثيره الإيديولوجي ، يمكن للفنّ بطرق هامةجدّا أن يترك بصماته على المسار المستقبلي للمجتمع الإنساني – بكلّ من المساعدة على تفكيك القديم و المساعدة على ولادة الجديد على الصعيد الإيديولوجي عموما ( أي المساعدة على صياغة نظرات جديدة ) و من خلال تأثيره ( مجدّدا ، فى المقام الأوّل عبر الوسائل الإيديولوجية ) على المجال السياسي عينه . كلّ هذا قد عرضه بقوّة و جدليّا بوب أفاكيان فى الفقرة التالية من " طلقات ... " ( ص 218- 219 ) :
" أعتقد أنّ الناس يعترفون أو يجب أن يعترفوا بأنّ للفنّ فعلا طابع سياسي ؛ فهو إمّا سيخدم نوعا من السياسة أو لآخر . بكلمات أخرى ، لا أعتقد أنّ هناك شيء إسمه الفنّ من أجل الفنّ ، فنّ نقيّ و فوق السياسة و لا يمثّل فى نهاية المطاف وجهة نظر طبقة أو أخرى و طريقة أو أخرى من النظر إلى كيف هو المجتمع و كيف يجب أن يكون . حتى الأشياء الأكثر إتقانا ،مثلا الأشياء التى يمكن أنتأثّر على السياسة مباشرة و تعبّر عن وجهة نظر بصفة غير مباشرة ، تفعل ذلك و أحيانا بقدر ما تقوم بذلك بإتقان أكبر بقدر ما تقوم به بأكبر قوّة تماما لأنّه غير صريح .
هذا من ناحية . و من ناحية ثانية ، الفنّ مغاير للسياسة فى حدّ ذاتها و هذا أمر جيّد . فالناس يحتاجون إلى السياسة – السياسة هي شريان حياة المجتمع ، إن تمّت بالطريقة الصحيحة رؤية أنّ السياسة هي الصراع حول التوجّه الذى ينبغى أن يتخذه المجتمع و تتخذه المؤسسات و يتخذه الناس فيه و كيفيّة تشكيل فكرهم فى علاقة بالعالم حولهم . لكن مع ذلك ، الفنّ مجال مغاير مختلف عن السياسة فى حدّ ذاتها . و حتى و إن لا يمكن فى نهاية الأمر أن يكون مستقلاّ أو أن ينجو من مجال السياسة ، بعدُ ليس يساوى السياسة فى حدّ ذاتها و حينما يكون كذلك لن يكون فنّا جيّدا عموما . لأنّ له قوانينه الخاصّة ، ثمّة جماليّات و يتعلّق الأمر بتلك القوانين و الطابع المميّز للفنّ .
لكن ، فى آخر التحليل يضطلع الفنّ بدور لصالح طبقة أو أخرى ( فى مجتمع طبقي ) ؛ إنّه ينهض على الدوام بدور إجتماعي " .
( بوب أفاكيان ، " الفنّ و السياسة " ، مقتطفات من الحوار الصحفي ، جانفي 1982 حول أطلنتا WRFG " ، جريدة " العامل الثوري " عدد 190 ، 28 جانفي 1983 ، ص 8 ).
الفنّ الثوري :
و هكذا الفنّ أوّليّا إيديولوجي رغم أنّ إنعكاساته الإجتماعيّة تلقى بضلالها على المجال السياسي . لكن إنإعترف المرء بالأهمّية الهائلة لدور الفنّ فى المجال الإيديولوجي الشامل ( المؤثرّ على الوعي الإجتماعي و خلق رأي عام ) و فى تأثيره ( الإيديولوجي ) على الصراع السياسي ، تصبح المسألة كالتالى : ما هي الخصوصيّات المميّزة للفنّ الثوري بصفة خاصة ؟كيف يساهم عمليّا مثل هذا الفنّ فى الثورة ؟ و نظرا لأنّ للفنّ هويّته الإجتماعيّة المستقلّة الخاصّة ، ما معنى " وضع السياسة فى مصاف القيادة " فى مجال الفنّ و كيف يمكن لهذا أن يحصل دون تمزيق " القلب الإيديولوجي " لهذا النشاط و تحطيم نفعه للتقدّم الثوري ؟
و مرّة أخرى ، وفّر بوب أفاكيان ما أعتبر أنّه صيغة صائبة جدا و مكثّفة جدّا لما يجب ببساطة أن يعدّ " فنّا ثوريّا " :
" عندما أتحدّث عن الفنّ الثوري ، لا أعنى فقط الفنّ الذى ينشر شعبيّا بصفة مفتوحة و مباشرة الحاجة إلى الثورة . أعتقد أنّ الفنّ الذى يقوم بذلك و بشكل جيّد أي بشكل فنّي حقّا، غاية فى الأهمّية . بيد أنّ الفنّ الثوري بالتأكيد لا يقتصر على ذلك . فهناك أشكال أخرى من الفنّ تنقد النظام و تشرّح و تفضح مظاهره و جرائمه الأفظع و تدعو الناس إلى وضع النظام القائم موضع سؤال – كافة هذه الأنواع من الأشياء ، على عدّة مستويات مختلفة وبأشكال متباينة ، يمكن بالتأكيد أن تقدّم مساهمة هامة فى بناء الحركة الثوريّة . و من الأكيد أنّ الفنّانين الثوريين عن وعي يمثّلون شيئا تعتزّ به البروليتاريا و يعتزّ به الحزب الشيوعي الثوري و الشيوعيون الثوريّون عموما ، إلاّ أنه مع ذلك لا ينبغى أن يحصروا أعمالهم الفنّية فى تلك التى تشير مباشرة إلى الحاجة إلى الثورة ،و كذلك أكيد أنّه لا ينبغى لأي من أعمالهم مهما كان موضوعها ، أن تسقط فى أن تصبح مجرّد دعاية أو محاولة لأن تكون دعاية أو أن تعوّض السياسة فى حدّ ذاتها . و علينا أن نعترف بالدور و المساهمات المهمّة لعديد الناس الذين ليسوا شيوعيين ،و الذين لا يتفقون معنا إتفاقا كلّيا ، و ربّما ليسوا مقتنعين هم ذاتهم بالحاجة إلى الثورة أو ليس لديهم الوضوح الكافي لما تعنيه ، لكنهّم فى الواقع يتحدّون النظام القائم و ينادون الناس ليضعوه موضع السؤال و التمرّد عليه بشتّى الطرق ، عادة بصفة غير مباشرة و أحيانا بصفة مباشرة أكثر من خلال فنّهم . "
( بوب أفاكيان ، " الفنّ و السياسة " ، مقتطفات من الحوار الصحفي ، جانفي 1982 حول أطلنتا WRFG " ، جريدة " العامل الثوري " عدد 190 ، 28 جانفي 1983 ، ص 9 ).
هذه النظرة للفنّ الثوري تمثّل قطيعة مرحّب بها مع التحديدات الضيّقة الخانقة للفنّ الثوري التى تقدّم بها الذين يبحثون عن تناسب واحد لواحد بين السياسة و الفنّ و يعترفون بقيمة عمل فنّي فقط إلى مدى إرتباطه مباشرة بالصراع السياسي ( " الفنّ من أجل المظاهرات " و ما شابه ). إنّ النظرة التى يعرضها بوب أفاكيان فى المقتطف أعلاه تعترف من وجهة نظر ماديّة جدّا بأن الأعمال التى تساهم إيديولوجيّا فى تشكيل الوعي الإجتماعي على نحو يشجّع موضوعيّا على القطيعة مع العلاقات القديمة للمجتمع و إنشاء الجديد هي فى الواقع فنّ ثوريّ حتى و إن كان تأثيرها الإجتماعي يتمّ بصفة غير مباشرة تماما ،عوضا عن حصوله من خلال التعبير السياسي المباشر .
و مثلما وقعت الإشارة إليه فى وثيقة من وثائق الحزب بشأن الفنّ : " خلاصة القول ، كلّ الفنّ سياسي لأنّه و بمعنى أنّ له تأثير موضوعي على خلق رأي عام يخدم مصلحة قوّة إجتماعيّة أو أخرى ( طبقة أو أخرى فى المجتمع الطبقي ) . و هذا صحيح سواء كان موضوع العمل الفنّي الصراع السياسي أو كان العمل الفنّي رسما تجريديّا تأثيره الموضوعي فى خلق رأي عام يكمن فى خلق "مزاج " أو" شعور" ، من خلال إستعماله اللون ، شدّة ضربة الفرشاة إلخ – كلّ مثل هذه " الأمزجة " و " الأحاسيسإلخ ستوجد فى ظروف محدّدة إجتماعيّا و لها ، بشكل يناسبها ، تأثير إجتماعي موضوعي ، و من ثمّة يمكن رغم ذلك و إن كان جزئيّا أو بصفة غير مباشرة ، أن تساهم فى الثورة " .
هكذا مثلما أشارت تلك الوثيقة : " ... أعمال الفنّ التى تعالج تناقضات إجتماعية هامة على نحو يحفز الناس على وضع النظام الرجعي و علاقاته الإجتماعية و الأوضاع السائدة أو مظاهر هامّة منها ، تفرز غضبا تجاه هذه الأمور ، موضع السؤال و تلهم الناس أو تدفهم إلى التمرّد ضدّه – أعمال فنّية تقوم بأيّ ( أو كلّ ) هذه الأشياء وليست جوهريّا معادية للبروليتاريا و حركها الثوريّة ، حتى إن لم تكن تقودها النظرة البروليتاريّة ، يمكن و فعلا تقدّم مساهمات أحيانا هامّة جدّا فى تحقيق الهدف الثوري للبروليتاريا . " إدراك هذا مفتاح فى عدم إصابتنا وغيرنا بالعمى إزاء قيمة مثل هذه الأعمال و نبذ النظرات الدغمائيّة ذات الخطّ المباشرللسيرورة الثوريّة .
لكن هذا لا يعنى أنّنا لا نحتاج إلى أعمال فنّية تجسّد على وجه أتمّ نظرة الفئات الأكثر ثوريّة فى المجتمع و طموحاتها . و كما جرى نقاشه فى تلك الوثيقة الحزبية ، فى عالم اليوم ، بينما هناك ( و ستوجد ) عدّة تعبيرات عن الفنّ التقدّمي و الثوري ، فإنّ الأعمال الأكثر تقدّما فيها ( بمعنى الـتأثير الإجتماعي بإتجاه الثورة ) ستكون ذات طبيعة بروليتالية – أي أعمال تركّز على النظرة الأشمل و الطموحات الأسمى للطبقة الأولى فى التاريخ التى تكمن مصالحها الموضوعية فى إعادة الهيكلة الجذريّة التامة لكلّ العلاقات على أساس القضاء على إستغلال و إضطهاد فئات من المجتمع لفائات أخرى ، و نمذجة تلك النظرة و الترويج لها . إنّ الفنّ البروليتاري فنّ يلبّى هذه المقاييس رغم أنّه سيتمظهر من خلال كافة أنواع المواضيع المتنوّعة المنتجة بأشكال متنوّعة .
" هل هناك شيء إسمه " الفنّ البروليتاري " ؟ برأيى هناك – و ليس هناك . لا وجود لمثل هذا الشيء بمعنى الشكل ، أي ، لا وجود لشكل واحد خاص لوحده يميّز مصالح البروليتاريا فى الحقل الفنّي و يعبّر عنها ، لا وجود لشكل جوهريّا بروليتاري و يجب أن يستخدم حصريّا فى تنافى مع الأشكال الأخرى ؛ و لن يفيدنا أن نسعى إلى إيجاد أو صنع مثل هذا الشكل البروليتاري . لكن هناك فنّ بروليتاري بمعنى المضمون : إنّه فنّ يعكس من خلال عديد الأشكال – كفنّ – نظرة البروليتاريا و مصالحها ، و بهذه الطريقة يساهم فى تحقيق هدفها الثوري . "
( بوب أفاكيان ، " رصاصات ..." ، صفحة 224-225 )
و من جديد ، الأعمال العديدة و المتعدّدة الأشكال التى تتطرّق إلى الكثير من المواضيع المتباينة ، يمكن أن تكون ثورية فى طابعها إذا لبّت المعيار المناقش أعلاه . لكن هذا ليس بطبيعة الحال شيئا مستقرّا. " ثوريّة " عمل خاص محدّدة إلى درجة كبيرة إجتماعيّا و المعنى الإجتماعي ( و التأثير الإجتماعي ) لهذا العمل يمكن أن يتغيّر فى ظروف إجتماعيّة مختلفة . و أعتقد أنّ هذا ينسحب على كلّ من المضمون و الشكل : مثلا ، مضمون كان ثوريّا تماما فى لحظة زمنيّة معيّنة يمكن أن يكفّ تأثيره الإجتماعي إن كانت التحوّلات الإجتماعية " تسبق " التغيّرات التى كان العمل تبشيريّا ، إن أمكن القول . و هذا لا يعنى أنّ العمل الفنّي يصبح عندئذ " متخلّفا " إجتماعيّا – يجب النظر إليه كما تميّز فى زمنه ، و قد يغدو دون قيمة نسبيّا ، أو يظلّ ذو دلالة لكن بالمعنى الأكثر تحديدا تاريخيّا ،و تظلّ له دلالة كبرى ( هذا هو حال " الأعمال الكلاسيكيّة " عادة ) ، أو قد يغدو مصبوغا بمعنى إجتماعي جديد ( مثلا ،من خلال التغيّرات فى إستعماله الإجتماعي ، وهو مفتاح فى تحقّقها كفنّ و فى إنعكاساتها الإجتماعية ككلّ ). كافة السيرورة التاريخية المعنيّة ليس فى إبداع العمل الفنّي و حسب بل أيضا فى تحقيق دوره الإجتماعي فى أطر إجتماعية مختلفة يجب أن تأخذ بعين الإعتبار فى أيّة محاولات لتقييم هذا العمل و نقده بالمعنى السياسي .
------------------
(+ ) و بالفعل الفنّ ليس له عادة تأثير هائل مباشرة على الصراعات " السياسية " – و بالتأكيد على الصراعات الإيديولوجيّة الجارية . و هذا يجب فهمه من أجل التقييم الصحيح للتطوّرات فى الوضع الموضوعي و كذلك من أجل عدم تفويت الإنفتاحات الممكنة للقوى الطبقيّة الواعية لتنجز تقدّما مباشرا فى المجال الفنّي و عبره . و مع ذلك ، هناك أيضا مسألة ما هوأهمّ . و فى ما يتصل بالدور الإجتماعي للفنّ ، عامة هو التأثير التراكمي للفنّ فى خلق رأي عام فى المجال الإيديولوجي .
و يمكن لهذا " التأثير التراكمي " أن ينتشر طوال فترات مديدة أو أن يكثّف فى فترات زمنيّة قصيرة نسبيّا و يتمظهر بأكثر حدّة عبر عمل أو عدّة أعمال ن حتى و غن لم تكن بالضرورة مرتبطة بأيّة مؤسّسة خاصة لصراع السياسي أو الإيديولوجي . مثلا ، عندما كان فى أوج عطائه ، كان تأثير بوب ديلان كبيرا بوجه خاص لأنّ خياله المتحدّى عمل على المسك بقوّة و التعبير بقوّة عن بعض المشاعر و " الأمزجة " التى تركّز فيها ، إن أمكن القول ، " نور الزمن " حتى و إن كانت معظم أغانيه لا تتّصل بأحداث خاصّة جارية ( و إن فعلت ذلك بعض أكثر أغانيه قوّة : " موت هاتى كارول وحيدا " ) وحتى إن كانت غالبا كلمات أغانيه هي ذاتها تحتمل الكثير من التأويلات المتباينة الخاصة من قبل الجمهور .
( ++) كيما يكون للفنّ الثوري التأثير الأتمّ الممكن نحتاج إلى أن تكون لدينا أعمال تعالج مواضيعا واسعة التنوّع ، و بأشكال واسعة التنوّع أيضا ، و جميعها تساهم بدرجة أو أخرى فى تطوير الوعي الثوري والترويجله . و بينما معظم ( إن لم يكن كلّ ) الأعمال الثوريّة والبروليتاريّة الثوريّة ستركّز على الناس ، فإنّ علاقاتهم وقيمهم الإجتماعيّة و ما إلى ذلك ، من المهمّ أن يتمّ التركيز فى مثل هذه الحالات على نمذجة التناقضات الإجتماعية ( بما فيها تطوّر الشخصيّات ) و أن تبذل جهود للتركيز على بعض جوانب الحياة الإجتماعية و تسليط الضوء عليها و ليس إفراغها منتعقيدها الحيوي و الثريّ ( هذه أوليّا مسألة منهج إعادة التمييز بين التناقضات ).
و أعتقد أنّ هذا ينطبق بوجه خاص على تطوير " شخصيّاتنموذجيّة " فى المسرحيّات أو المشاهد المسرحيّة أو الأفلام إلخ: بينما ربّما ليس لكلّ الفنّ الثوريّ الذى يعالج حاجة الناس" شخصيّات نموذجيّة " ( و إن وجب أن تكون بعض الشخصيّات أكثر " محوريّة " من غيرها حتّى يكون العمل فعّالا ) يبدو أنّ الأعمال الثوريّة البروليتاريّة بوجه خاص فى الواقع تكشف التناقضات الإجتماعيّة من خلال بعض الشخصيّات المقدّمة ،و أنّ بهذا المعنى بعض الشخصيّات ستبرز خصوصيّات " تشير إلى المستقبل " و إن كان ذلك بصورة غير مباشرة ، و أحيانا حتى من خلال أمثلة سيّئة . لا أعتقد أنّ جميع الأعمال البروليتارية ينبغى بالضرورة دائما أنتتضمّن أفرادا ذوى وعي إجتماعي متقدّم ( و إن كان بديهيّا أنّه ينبغى أن يكون البعض كذلك ) لكن ينبغى أن تتضمّن بعضالشخصيّات التى هي " أقرب إلى المثل الأعلى " على الأقلّ بمعنى كونها " أرقى من الحياة " ، عادة بتناقضاتها بالذات .
بهذا المعنى يجب أن توجد شخصيّات " نموذجيّة " ، وجودها عينه و حركتها عينها عبر العمل الفنّي يمكن أن تقدّم وجهات نظر ثاقبة حادة لتناقضات الإجتماعيّة القائمة و سواء عبر المثال الإيجابي أو المثال السلبي ،تشرع فى التلميح إلى كيف يمكن أن يبدو مستقبل المستقبل .
و من هنا ، يجب أن نقدّم مجموعة كاملة من المميّزات المعقّدة و التناقضات الإجتماعية ( على أن لا يكون كلّ شيء فى عمل واحد !) و حتى الشخصيّات المركزيّة أو المواضيع المركزيّة التى يعتمد عليها العمل الفنّي وتعطيه وحدته يجب أن لا تخلو من الطابع المتناقض . من جديد ، ثمّة حاجة إلى شخصيّات إجابيّة ، إلاّ أنّه لا يتعيّن على الدوام أن تكثّف الفهم الأكثر تقدّما إجتماعيّا حينها . يجب على الفنّ البروليتاري أن يبحث عن كشف الحركة الكامنة صلب الشخصيّات ، و على الأقلّ يلمّح إلى إمكانيّة القطيعة و التقدّم ( فى إنسجام مع الواقع الموضوعي ! ) خشية أن يصبغ العمل بنظرة للحياة ساخرة و يائسة وحيدة الجانب .
=====================================================
الجزء الرابع :
الفنّ كتنبّئ بالمستقبل
على وجه العموم ، يتعيّن أن يساعدنا معنى أعمق منالتمييز بين السياسة و الإيديولوجيا فى ما يتعلّق بالفنّ على مزيد التقييم الصحيح للتأثير الإجتماعي لأي عمل معطى ، بما فى ذلك أعمال من الماضي و من طبقات أخرى ، و من ثقافات متنوّعة إلخ . كافة الأعمال الفنّية ، فى جميع الأوقات ، تتواصل بعض دلالتها الإجتماعيّة ذلك أنّها جزء من إرثنا التاريخي و لقطات تعكس مصالح القوى الإجتماعية المتنوّعة و تسجّل الإستمرار و القطيعة عبر الزمن فى حياتنا الإجتماعية . و بهذا المعنى ، ليس صحيحا أبدا أنّه ما منشيء نتعلّمه من عمل معيّن .
معظم الأعمال الفنّية ( و معظم الأعمال العلميّة كذلك ) لا تحافظ على تأثير إجتماعي كبير طوال فترات زمنيّة مديدة ، و فى النهاية تتلاشى فى الظلام . ( و بطبيعة الحال ليس للبعض منها الكثير من التأثير منذ البداية ! ) و لا يعود هذا فى المقام الأوّل إلى أنّ المجتمع ليس بإمكانه أن يستوعب الكمّيات النامية و المتراكمة من الأعمال الفنّية بالمعنى الكمّي ، أو إلى أنّ الجديد ينفى القديم بالمعنى المطلق . نظرا للصلة الإجتماعيّة ( لنستعيد جملة مفيدة من ستيّنات القرن العشرين ) سيتغيّر عمل معيّن – بما فى ذلك تأثيره الجمالي – بفعل قوى إجتماعية مختلفة ، ضمن أطر إجتماعية مختلفة .
و الفنّ الطليعي الحالم الذى كان يُعتبر " راديكاليّا جدّا " و كان موضع جدال فظيع فى وقت سابق يمكن أن يصبح مقبولا على نطاق واسع ، أو حتى قد وقع إختياره من قبل النقّاد السابقين ، عندما تتغيّر الظروف الإجتماعيّة العامة . و إضافة إلى ذلك ، المجال الفنّي ،و المجالات الأخرى من النشاط الإنساني المتناثر و " تجارب أخفقت " ( على الأقلّ فى نهاية المطاف ) و مسارات قادت إلى نهايات مسدودة ، بغضّ النظر عن مدى " الأهمّية " أم " النجاح " الذى حققته فى زمنها . ثمّ ، مجدّدا ، أعمال فنّية تعنى بفترات تاريخيّة أخرى ، أو أنتجتها طبقات لم تعد بعدُ قوى إجتماعيّة طليعيّة ، يمكن أن تحافظ على " الصلة الإجتماعية " حتى و إن لم يعد مضمون تلك الصلة الإجتماعية بالضبط هو نفسه .
طبعا ، ليست مجرّد المميّزات الإجتماعية للفنّ هي التى تضمن بقاءه : بعد كلّ شيء ، مع منع بعض نماذج التحطيم الجائحة ، سيكون من العسير بالنسبة للأهرامات المذهلة لتيوتهوا كان أن " تضمحلّ من المشهد " ، بينما الزخارف القديمة أو رسومات النباح مثلا تكون مرجّحة أكثر أقلّ بكثير لأنّ تبقى قيد الحياة أمام تصرّم الزمن ، بقطع النظر عن ميزاتها الإجتماعيّة ! لكن رغم مثل هذه الإختلافات البديهيّة الجانبيّة ( و منها واقع أنّ القوى الإجتماعيّة المتنازعة قد إرتأت أيضا أن تقمع و تجتثّ الأعمال الفنّية التى تعتبر مكثّفة للإيديولوجيا المعارضة ) يبدو أن بعض الأعمال تحافظ على الصلة الإجتماعية الكبرى فى جزء كبير منه بفضل المستوى العالي لمعاييرها الفنّية ، و " قوّتها " كفنّ ، و أقصد بذلك أوّليّا قدرتها على أن تقبض بشدّة و تنمذج بشدّة بعض التناقضات فى الطبيعة أو المجتمع ، فتعود إلى المجتمع على مستوى أرقى ، أقرب إلى " المثل الأعلى " .
أعمال فنّية قويّة من هذا القبيل و التى يمكن طبعا أنتكون تقريبا منسجمة مع المصالح الإجتماعيّة المتباينة فى أي زمن معطى ، تصبح جزءا من تجربتنا الإجتماعية العالمية كبشر – المؤرخون و المروّجون لذلك الإرث التاريخي . و أظنّ أن سبب الإمكانيّة المسحوبة إيديولوجيّا و المحبوبة جماليّا ( و إن كان ذلك عادة بطرق متباينة للغاية ولأسباب متباينة إلخ ) من قبل حتى قوى طبقيّة معاصرة متعارضة . و كلّ هذا يعنى أنّه يمكننا أن نكسب الكثير من فنّ الأزمان الماضية أو من فنّ القوى الإجتماعيّة الأخرى ، و أنّه ليس بالضرورة خاطئا ، وعادة من الصحيح جدّا ، إعتبار مثل هذا الفنّ " جميلا " و ليس فقط بجفاف " تعليمي " .
لكن هذا لا يغيّر من واقع أنّنا نحتاج إلى أكثر من أفضل فنّ الأزمان الماضية و القوى الإجتماعية المعارضة . نحتاج إلى فنّ يتناسب مع آفاقنا و مصالحنا الإجتماعية الخاصة و يتناسب مع و يساعف فى تحقيق أهدافنا الإجتماعية الخاصة . نحتاج ، اليوم ، إلى فنّ المستقبل – أي الفنّ الذى ينادي المستقبل . و كما وضعت ذلك بقوّة وثيقة الحزب ( المشار إليها أعلاه ) ، إنّه لجزء من سحر الفنّ أن نستطيع أن نفعل فى هذا المجال ما ليس بعدُ ممكنا تحقيقه فى مجال العلاقات الإجتماعية الماديّة . سيساهم التعبير المادي عن أحلامنا فى شكل أعمال فنّية فى إرساء أسس هذه التغييرات الإجتماعية الجوهريّة التى نتطلّع إليها .
و اليوم كذلك ، تحتاج البرجوازيّة إلى الفنّ . إنّها تحتاج إلى فنّ يمكن أن يساهم فى الحفاظ على الوضع السائد إجتماعيّا ( و خاصة سياسيّا و إيديولوجيّا ) و يلقى صواريخا ضدّ أيّة مظاهر لشقّ الصفوف فى أي مجال كان . أمّا البروليتاريا فتحتاج بالضبط إلى عكس ذلك : تحتاج إلى فنّ يعكس و يصوّر و أكثر أهمّية ، يساعد على تشكيل نظرة إلى العالم ورؤية جديدتين تماما تتناسب مع مصالح ما هي موضوعيّا القوى الإجتماعيّة الطليعيّة ؛ فنّ يتنبّؤ بالمستقبل و يتنبّؤ بحياة إجتماعيّة جديدة تماما و ينادى بها – وبقيامه بذلك يساهم فى تحقيقها .
المشكل فى الماضي مع الكثير ممّا يسمى ب " الفنّ البروليتاري " ليس أنّه تمّت محاولات إنشاء أعمال و مواضيع وشخصيّات بروليتارية إلخ على وجه الخصوص و لا هو أنّه تمّ التصريح بأنّ بعض تلك الأعمال نموذجيّة : عادة ما كان المشكل أنّ مضمون ( و شكل ) هذه الأعمال لم يتناسب فى الواقع مع أرقى الطموحات التاريخية للطبقة البروليتارية .
لعلّ الفنّ يستمدّ الكثير من قوّته الإيديولوجيّة من واقع أنّه يجب عليه أن " يسائل الواقع " بالمعنى الأكثر دقّة و مباشرة لكن " إنحرافاته " عن الواقع يجب على الأقلّ أن تخدم إستخلاص تعقّد و ثراء الحياة الإجتماعية و أن تسلّط الضوء على مظاهر ( تناقضات ) شجّع على نظرة واسعة وشاملة تتحدّى الأفكار القديمة و ما شابهها و تنادي بإزاحتها .
ومن الأكيد أنّ الصور و التماثيل الضخمة الشبيهة بالأيقونات ل " عمّال " لهم عضلات منتفخة و رؤية متّسعة تحدّدها شموليّة مطارقهم ونحتها لا تحقّق شيئا من هذا ! و هذه ليست مجرّد مسألة بدائيّة ( التقنية إلخ ) و إنّما بوضوح كبير مسألة تأثير خطّ سياسي خاطئ ، أو نزعات سياسيّة خاطئة متصلة بطبيعة هذه الطموحات ، و وسائل إظهارها غلى النور وهكذا . المشكل ليس أن " السياسة فى مصاف قيادة " الفنّ فى مثل هذه الحالات (إنّها كذلك دائما – و المسألة هي أننكون أوعى تماما فى فهمنا و تطبيقنا لهذه الحقيقة الأساسيّة ) ، و إنّما مسألة أنّ مثل هذه الحالات السياسيّة فى مصاف القيادة خاطئة ومتصدّعة .
من جهة ،لا ينبغى حقّا أننسقط فى النظرة التى تقول إن المصيبة هي نحن ، أنظروا إلى كلّ هذه القمامة المنتجة فى ظلّ تأثير السياسات الشيوعية فى مجال الفنّ . بهذا المضمار ، يجب أن يكون لدينا موقف أنّه " إن وجدت مشاكل فلنعالجها ! " لكن أبعد من ذلك سيكون من الخاطئ تماما أن نخفق فى أن نأخذ رصيدا من التجربة الراديكاليّة الواسعة الإنتشار و ننجز بعض الإختراقات الحقيقيّة جدّا المحقّقة فى مسار تاريخ الحركة الشيوعية العالمية ن بما فيها بوجه خاص فى الصين الثورية .
أكيد أنّ تقدّما حيويّا فى مجال النظريّة ( ندوة يينآن ) مثّل نقطة تحوّل فى هذا الحقل و فى حقل الممارسة أيضا . نعم ، وُجدت بعض نقاط الضعف و الأخطاء النابعة من بعض التأثير القومي و بعض الماديّة الميكانيّة و الإقتصاديّة – اليسراويّة لكن مع ذلك بعض القطائع الراديكاليّة الحقيقيّة جدّا و إن كانت بدائيّة قد أنجزت و يجب التأسيس عليها و ليس إستبعادها برفق . أي شخص يفكّر فى أنّ باليه " كتيبة النساء الحمر " – الذى ، ضمن أشياء أخرى ، عرضه لنساء قويّات كشخصيّات قياديّة ( فى باليه ليس أقلّ ، و فى الصين ، بعد ما يناهز الجيل من الأرجل المعصوبة !) و الحركات الجديدة اللافتة للنظر و الملهمة التى بجرأتها أثّرت فى الباليه و الرقص المعاصر على النطاق العالمي فى ستّينات القرن العشرين- هي فنّ ثوري كفنّ ، وتحتاج إلى أن نمعن فيها النظر من جديد !
هل يكون الفنّ أقوى عندما " يخفى الفنّانون آراءهم "؟
ويثير هذا نقطة خلافيّة هامة أخرى . و كما أعربت عن ذلك سابقا ، ليس على الفنّ الثوري أن يكون مضمونه سياسيّا صراحة . لكن ما الذى يجب قوله مثلا بشأن موقف إنجلز أنّه " بقدر ما تظلّ آراء الكاتب مخفيّة ، بقدرما يكون العمل الفنّي أفضل " ( " رسالة إلى مرغرات هاركناس " ، 1888 ، أعيدنشرها ضمن كتاب ماركس وإنجلز ، " الأدب و الفنّ " ، دار التقدّم للنشر 1978 ، ص 91 ، بالأنجليزية ) .
كأي نوع من المبدأ العام أوالتوجّهي ، هذا ببساطة خاطئ . مع كلّ الإنصاف لإنجلز ، يترتّب علينا أننقول كذلك إنّه فى الإطار الذى صاغ فيه هذا الموقف كان مهتمّا بوجه خاص بالأشياء التى تبقى أكثر بقليل " نهايتها مفتوحة " بالنسبة للجمهور الأولى البرجوازي الذى كانت الروايات المناقشة موجهة إليه ، أكثر منها ربّما لجمهور ينطلق مندرجة أعلى من الفهم و الوحدة مع برنامج ثوري كامل .و فى فقرات أخرى ، كما هوالحال فى رسالة 1885 إلى مينا كاوتسكي ( الصفحة 88 من المصدر السابق نفسه) ، نجد معنى أنّ إنجلز ينقد بشكل مبرّر أكثر مقاربة سلادغيهامر التعليمية لدمج الفنّ والسياسة و خلط الفنّ مع الأجندا السياسيّة . إنّه يشدّد على أنّ الهدف الإجتماعي الأوسع " يجب أن يكون بيّنا من الوضع و الحركات ذاتها دون الإشارة بصريح العبارة و ... ليس على الكاتب أن يقدّم للقارئ على طبق الحلّ التاريخي المستقبلي للنزاعات الإجتماعية التى يصفها ".
و فى حين أنّ هذا ليس مطوّرا تماما أعتقد أنّ إنجلز هنا يخوض فى الحاجة إلى الحفاظ على مميّزات الفنّ كفنّ وعدم خلطه مع التحريض و الدعاية السياسيين . و مع ذلك ، يبدو أنّه يمضى بعديا فى هذا : المسألة ليست أنّه لا ينبغى أبدا على الفنّانين أن يشيروا إلى الحلول النهائيّة إلخ و إنّما أنّ ذلك يجب أن يتمّ فى إنسجام مع مميّزات الفنّ التى هي مختلفة عن مميّزات السياسة . المسألة ليست " إخفاء الآراء " بل هي أنّ هذه الآراء يجب أن تقدّم تقديما جيّدا ، و من جديد ، محترمة مميّزات الفنّ كفنّ ، فى إختلافه عن السياسة . و جمهور الفنّ ، و الفنّ الثوري بوجه الخصوص ، لا يرغب لا فىمقاربة أدنى المستويات
و لا فى مقاربة سلادغيهامر ، بل فى فنّ ثريّ ، معقّد و مجدّد يمثّل الحياة " على مستوى أرقى من الحياة اليوميّة الواقعيّة و أكبر قوّة و أكثر تركيزا و أروع نموذجيّة و أقرب إلى المثل الأعلى ، و بالتالى فهي أكثر شمولا منها ."
مفهوم أنّه من أجل أن نكون فعّالين ، حتى بالمعنى السياسي ، ينبغى على الفنّ بالضرورة أن يجعل مبدأ له البقاء بعيدا عن المواضيع السياسيّة والأحداث السياسيّة الجارية بوجه خاص، مفهوم خاطئ هو الآخر. أن نقول إنّه من الصعب إنتاج مثل هذا الفنّ إنتاجا جيّدا أو بطريقة تجعل قيمته تمتدّ زمنيّا ، شيء . و هذا صحيح إلى حدّكبير – أساسا بالنظر إلى صعوبات التوصّل إلى نظرات و " أفق " عميقين حينما نكون قريبين نوعا ما من مسألة مثارة حديثا ، لكن هذا ليس بالتأكيد أمرا مستحيلا ! و من الصحيح أيضا أنّه حتى حيث لا يبلغ مثل هذا الفنّ المعايير الأرقى ، يمكن أن يظلّ جيّدا جدّا و ضروريّا جدّا ، و إن لم تكن له دلالة إجتماعية تدوم زمنيّا .
أعتقد أنّ هذا أمر هام و له صلة بمسألة المستويات . فهناك نزعة ، عند نقاش الفنّ ، و خاصّة الفنّ ذى التركيز الإجتماعي الخاص على غرار الفنّ الثوري ، بالنسبة إلى الناس ، نحو جعل الأمور إطلاقيّة و متشابهة إلى حدّ كبير . و حتّى ضمن ما يمكن عن حقّ إعتباره فنّا ثوريّا فى إطار إجتماعي معطى ، هناك مستويات مختلفة من الفنّ ( و من الفنّانين ) ، بكلّ من معنى المعايير ( مسألة إختلافات فى القدرات على إنتاج أعمال " قويّة " تقريبا ) و بمعنى المدى و المرتبة و المضمون الإجتماعي .
الفنّ بمستويات مختلفة :
هل نحتاج فقط إلى " أعمال عظيمة " من الفنّ الثوري تكثّف حقائقا عميقة بأقوى الطرق و أقدرها على أن تدوم ؟ أم هل نحتاج فقط إلى " مشاهد مسرحيّة سريعة " سريعة الزوال تتطرّق إلى الأحداث الموضعيّة المتطوّرة ؟ سأقول إنّنا نحتاج إلى الإثنين . و فى سعيه إلى المساهمة فى تطوير النظرة الثوريّة إلى العالم ، هل على الفنّ الثوري أن يجعل مبدأ من البقاء بعيدا عن الأحداث الموضعيّة ؟ أم بالعكس يجعل مبدأ من الإرتباط بالأحداث الموضعيّة وحسب ؟ لا ، نحتاج ( و بوسعنا القيام ب ) الإثنين. هل ينبغى أ ن يكون موضوعه على الدوام سياسيّا صراحة ؟ أو أن لا يكون قط صريحا سياسيّا؟ من جديد ، نحتاج إلى الإثنين . مسألة من يفعل ماذا و فى أي وقت ، و ما هي الأعمال التى يتمّ التشديد عليها و الترويج لها ، هي أوّليّا مسألة تقسيم عمل و ما يمكن أن نحتاجه أكثر فى أي زمن معطى ، على حدّ تقييم كلّ من النظرة القصيرة المدى و البعيدة المدى للسيرورة الثوريّة .
مثلا ، كان الحزب الشيوعي الثوري يشدّد على القطع مع النظرة التى تخلط الفنّ الثوري ( و خاصة البروليتاري ) بالتحريض و الدعاية السياسيّة ( منكرة خصوصيّات كلّ منهما و مقلّصة قوّة كلّ منهما ) و برأيى ، من المهمّ مواصلة خوض حملة " تحطيم " هذا الأفق لأنّ جذوره تبدو ضاربة فى أرض الحركة الشيوعية العالمية . و ينبغى أن يساعد القيام بذلك على توضيح طريق إنتاج و نشر الأعمال الفنّية العظيمة فى حدّ ذاتها ، ما سيساهم بصفة أقوى بكثير فى التقدّم الثوري . أكيد أنّنا نحتاج إلى مثل هذه " الأعمال العظيمة " و الكثير من الناس متعطّشون إليها .
لكن هل يعنى هذا أنّه لا حاجة إلى فنّ ثوري يكون نوعا ما متواضع المدى و أقلّ تحديدا فى معاييره ؟ ألا ينبغى فى الواقع أننشجّع على إزدهار الفنّ المتعدّد الأنواع المختلفة و المتعدّد المستويات المختلفة ؟ تقليص و تحديد كافة الفنّ الثوريّ فى نوع " الملصقة – و – الشعار " و الحصول على فنّانين متطورين للغاية يغرقون فى أوليّا إنتاج " فنّ من أجل المسيرات " هو بالفعل جريمة ، لكن هل يعنى هذا أنّه ينبغى أن لا نبحث عن إنتاج ملصقات و شعارات قويّة فنّيا ؟
هل علينا أننوفّق بين مفهوم أنّ كلّ مثل هذه الأشكال ( التى تبزغ فى علاقة بأحداث موضعيّة خاصة فى غالبيّة الأحيان و تتعلّق بها ، أي التى هي فى الشكل " تحريضيّة " أكثر ) يجب بالضرورة أن تكون ضعيفة فنّيا و غير فعّالة بصفة مقابلة ، ببساطة لأنّ العمل الفنّي الخاص سيكون على الأرجح متواضعا نسبيّا فى المدى و لعلّ قيمته لن تكون كبيرة و تدوم عبر الزمن ؟ هل ينبغى أن نتبنّى موقف " لماذا نزعج أنفسنا " ؟ فى علاقة برفع معايير فى هذه المستويات ( أو إعادة تحديد هذه الأعمال لكي لا تعتبر " فنّا حقيقيّا " )؟
أعتقد أنّ التجربة قد أثبتت أنّه من الجدير جدّا بنا أننرفع المعايير الفنّية للفنّ الذى يمكن أن يكون طابعه سريع الزوال أكثر و لعلّ له مدى محدود أكثر بكثير من " الأعمال العظيمة " الثورية – فكّروا فى الإختلاف بين التأثير الإجتماعي للملصقات و غلافات الكتب و الشعارات و أساليب الكتابة على الجدران و الصور الصحفيّة إلخ ذات المعايير العالميّة . نعرف هذا بعدُ فى المجال السياسي أين من الصحيح و الضروري أن نميّز بين مختلف المستويات من النشاط السياسي فى علاقة بالنظريّة و الدعاية و التحريض و نبحث عن بلوغ معايير عالية فى كلّ منها . ألا ينبغى أن نفرز مثل هذه الإختلافات المتشابهة فى الفنّ الثوري ، و نبذل جهودا من أجل رفع معايير عالية فى كلّ المستويات ، ونطوّر تبعا لذلك تقسيمنا للعمل ؟
بالطبع ، ليس من الصحيح أن نغلق الباب أمام البدائيّة فى المجال الفنّي و كذلك فى المجال السياسي . وعلى سبيل المثال ، إن وقع إنتاج مناشير لا غير تلبّى أعلى معايير التحريض السياسي ، سيتمّ إنتاج القليل جدّا و سنخفق فى التأثير على الرأي العام ( و رفع المعايير فى هذه السيرورة !) فى العديد من المناسبات . والشيء نفسه ينطبق على الفنّ الثوري . لا تزال رسوم جداريّة و رايات و أغاني و قصائد و تمثيليّات أقلّ تطوّرا و دقّة ، لا تزال جيّدة إن ساهمت فى تطوير الرأي العام على نحو يقوّض الوضع القائم و يرسى أسس المستقبل .
إنّ المعايير ترفع فى سيرورة الممارسة ، و مع مزيد تطوير التقسيم الثوري للعمل ، لكن المعايير العالية فى الفنّ ستتواجد دوما إلى جانب تلك الأقلّ تطوّرا لأنّ هذه الأخيرة هي ما يميّز الكثير ممّا يكون حديث الظهور( بما فى ذلك ، و هذا هام ، عدّة مساهمات أوّليّة للجماهير فى هذا المجال ) .
لنتوقّف لحظة عند مسألة رفع المعايير مقابل النشر شعبيّا : كلا المظهران هامان بوضوح و مرتبطان بمعنى أنّه على المرء أن يبحث دائما عن " رفع المعايير " غير أنّه من أجل القيام بذلك ، يجب عليه أن يعرف من أيّة قاعدة ، من أي مستوى يجب رفعها ( لنستعمل كلمات ماو تسى تونغ و لرفع دلو يجب أن نعرف من أين يجب رفعه ) . إلاّ أنّ هذا لا يعنى أنّه على المرء أن يغذّي و المستوى الفنّي المتدنّى لدى الجماهير القاعديّة التى عادة ما أُبقي عليها جاهلة جدّا و غير متعوّدة على التعاطي مع هذا المجال كما مع كافة المجالات الأخرى . و يُعزى ذلك لكون العديد من الذين " لم يُدرّبوا " نسبيّا ليسوا دون قدر كبير من التعقيد الإجتماعي و أساس للتقييم المعقّ> لأي و كافة الظواهر الإجتماعية ،بما فيها المجال الفنّي .
لكن من أجل رفع المستويات ، يجب أن يعي الفنّانون و يأخذوا بعيم الإعتبار مستوى الذين يريدون بلوغهم ( مثلا ، فى يينآن الثوريّة ، كان على الفنّانين أن يتفاعلوا مع واقع أنّ غالبيّة الجماهير كانت أمّية ) ؛ لكن إنطلاقا من هذا ، يظلّ الهدف هو التحدّي و إيقاظ ( بمعنى ما جماعيّا ، إن لم يكن بالضرورة مباشرة سياسيّا ) الجمهور بغاية تمزيق حجاب العادات و التقاليد و أنماط التفكير . و عند البحث عن فهم أفضل إنطلاقا من محاولة رفع المستويات ، سيحسن الفنّانون صنعا إن درسوا و تعلّموا من الأشكال الشعبيّة للتعبير الجمالي التى هي عادة وثيقة الإرتباط جدّا بالتجارب الحياتيّة لجمهور هام ، و التى هي و إن كانت عادة بدائيّة فى شكلها و محدودة المدى ، يمكن أن تزوّد الفنّانين المحترفين بقرائن هامة فى ما يتّصل بالمسائل التى تحتاج إلى معالجتها ، و أشكال القيام بذلك ، و الإتجاهات التى يجب " توجيه الناظرين " إليها ، إن أمكن القول .
و كلّ هذا مفيد بصورة خاصة للفنّانين الثوريين الذين ينبغى أن يتجنّبوا السقوط فى فخّ مسك مرآة لإظهار ظهر الجماهير فى المجال الفنّي كذلك ، لكن الذين مع ذلك يجب أن يكسبوا فهما ماديّا للمستوى الذى ينطلقون منه ، فى محاولاتهم إنجاز قفزات فى الوعي و الفهم فى صفوف جمهورهم . بوسع الفنّانين ، ويجب عليهم ، أن يتوقّفوا عن جعل جمهورهم " يبلغ " و يعمل قليلا ( " لأدراك ذلك " إلخ ) لكنّهم – شأنهم شأن القوى المتقدّمة سياسيّا و إيديولوجيّا عامة – يجب أن يبحثوا عن طرق لمساعدة الجمهور فى هذه السيرورة .
و بالعكس ، يجب أن يكون الجمهور مستعدّا للعمل من أجل شيء جدير بالإهتمام و بذل كلّ جهد قبل كلّ شيء " لولوج العمل بإطاره الخاص " ، قبل تقرير قبوله أو رفضه بمعنى الشكل و المضمون أو كلاهما . يحتاج الجمهور إلى أن يُطوّر – و يحتاج إلى أن تُقدّم له قيادة ليطوّر – القدرة على نقد العمل الفنذي و نفسه كذلك بهذا الصدد. و مجدّدا ، كلّ هذا مفيد بوجه خاص فى علاقة بالفنّ الثوري فى عالم اليوم أين كلّ من الفنّانين و الجمهور يجب أن يفكّروا فى واقع أنّ " الشكلانية المتصلّبة ومقاومة التجديد، و الإستعداد لنبذ إتباع السائد – كلّ هذا عائق لتدفّق الإبداع الفنّي . لكن أكثر من ذلك – هو عائق أمام تحقيق هدف الشيوعية ". ( بوب أفاكيان ، " رصاصات ..." ، صفحة 226 ).
ومؤكّد أنّ التمييز بين البدائية و المعايير العالية يجب ألاّ يقام على التناسب مع درجة صراحة المضمون السياسي لعمل ما! و من القيام بعمل عظيم فى علاقة بالمادة السياسيّة الخاصّة و حتى بالأحداث السياسية الجارية. فكّروا مثلا ، فى الأعداد الضخمة من الصور التى وقع تصويرها خلال حرب الفتنام : إنّها جميعا جزء من شكل معيّن من الفنّ، الصور الصحفيّة ، و غالبيّتها أنجزت بمعايير متدنّية نسبيّا ، خادمة دور الـتأريخ بالمشاهد لأحداث و تطوّرات معيّنة و التأثير فى الرأي العام ، لكن ، فى حدّ ذاتها ، عبرت بعض الصور الصحفيّة إلى " الفنّ العظيم " بالضبط لقدرتها على تركيز و نمذجة و رفع قسم من التجربة الإجتماعية إلى مستوى أعلى ، على نحو يكون مؤثّرا بعمق و له بالتالى قيمة تدوم عبر الزمن .
بعد بضعة سنوات ، الكثير من ( غالبيّة ) الصورة الخاصة بالفتنام قد تلاشت من الذاكرة ن إلاّ قلّة منها إكتسحت الوعي الإجتماعي الجماعي ( حتى على الصعيد العالمي ) : من سينسى الصورة الشهيرة للطفلة الصغيرة التى كانت تركض عارية الجسد و تصرخ فى طريق قرية أحرقتها قنابل النابالم ؟ كانت تلك الصورة و تظلّ فنّا عظيما تحديدا بفضل ما تركّزه و تنمذجه و ترفعه إلى أعلى مستوى بشأن تجربة إجتماعية خاصة ( حرب الفتنام ) و حتى الحرب بصفة أعمّ ( فى إحدى مظاهرها ). و لتأثيرها الإجتماعي طبيعة دائمة و إن كانت إلى درجة كبيرة " فنّا موضعيّا " زمنها . ( + )
لوحة بيكاسو ، " غرنيكا " ( المرسومة مباشرة غداة مجزرة غرنيكا أثناء الحرب الأهليّة الإسبانيّة و التى هي إلى يومنا هذا عمل مبدع مثال آخر من هذا " الفنّ العظيم " الذى ظهر فى إرتباط بأحداث سياسيّة موضعيّة .
يغرينى أن أقول ببساطة إنّه إضافة إلى " الأعمال العظيمة " التى تساهم بعمق فى صياغة النظرة الثوريّة إلى العالم و لها قيمة إجتماعيّة تدوم ، يجب أن نعترف كذلك بأهمّية "الفنّ الذى يمكن أن يتلاشى" ذى الطابع الثوري و أعلى معايير ممكنة وهو عن وعي ذاتي " فنّ موضعي " و أساسا تحريضيّ فى طابعه ، و أنّ فهمنا لما يميّز الفنّ كفنّ ( فى تعارض مع التحريض فى المجال السياسي ) يجب أن ينطبق هنا أيضا .
أحمر و أخصّائي :
و يلامس هذا مسألة تقسيم العمل . فالحال سيكون ، مع تطوّر الحركة الثوريّة ، أنّ الفنّانين المحترفين الثوريين ( محترفين أم لا ) ينبغى أن يكرّسوا معظم جهودهم لإيجاد أعمال ثوريّة ذات المعايير العالية و لتطوير مضمون إجتماعي و آملين أن يكون له تأثير إجتماعي مناسب كبير ( سواء كانت الأعمال أو لم تكن سياسيّة صراحة فى الموضوع و المحور و سواء كانت أملم تكن مرتبطة بأيّة " أحداث موضعيّة خاصة " . و فى نفس الوقت ، بعض الفنّ التحريضي فى شكله و دوره ( بما فى ذلك ما أطلقت عليه " فنّ يمكن تلاشيه " ) ، يبرز حرارة الأحداث الوضعيّة و فى علاقة بالحاجيات الأكثر مباشرة القريبة المدى للنضال الثوري ، يمكن أن ينهض به فنّانون غير محترفين . فنّ الغرافيتي و أغاني الراب إلخ المنجزة من طرف فنّانين غير محترفين أمثلة عن ذلك ، بينما فى نفس الوقت هناك غرافيتي و راب إلخ عالي الحرفيّة منجزة من طرف فنّانين محترفين- و مجدّدا ، لكليهما دور هو جزء من التقسيم العام للعمل الذى عنه أتحدّث .
هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى ، يجب أن نبحث لا عن تشييد أسوار لا يمكن إختراقها فى مسار تطوير هذا التقسيم للعمل – لا يجب تحديد الفنّانين الثوريين المحترفين فى " الفنّ من أجل المسيرات " و إنّما ينبغى أن يعتنوا بالتطوّرات على كلّ المستويات و المساعي الفنّية وينبغى أحيانا المساعدة على تطوير مستويات أخرى غير مستوياتهم هم ( أي عبر الإسترشاد النظري و / أو العمليّ بآخرين ) . و طبعا ، يجب أن يكونوا همأنفسهم منفتحين على النقد و القيادة من قبل غير المحترفين ( و منهم القادة السياسيّون الثوريّون و الجماهير المتقدّمة كذلك ). يتعيّن أن نكون يقظين لكي لا نطوّر نظرة أنّ " الأخصّائيين وحدهم يمكن أن يتحدّثوا " فى مسائل الفنّ ، أو قلب العلاقة العامة للفنّ بالسياسة رأسا على عقب ، متذكّرين أنذ السياسة عامة يجب أن تكون فى مصاف القيادة إن كان الهدف هو الثورة .
و علينا أيضا أن نقطع تماما مع نظرة أنّه ، من ناحية أخرى ، من واجب الفنّانين المحترفين ( على الأقلّ إن لم يكونوا أيضا ثوريين محترفين فى المجال السياسي ) أن يعرفوا مكانتهم و لا يسعوا إلى أن " يملوا أفكارهم على الناس " . هذه النظرة محض سمّ !
كلّ الفنّ يساهم بطريقة أو أخرى فى كيفيّة تفكير الناس . عادة ما يقول الفنّانون للناس ما يجب أن يفكّروه و ذلك من خلال فنّهم ، سواء كان جمهورهم واعيا بهذه السيرورة أو لم يكن واعيا بها . لذا أن نطلب منهم أن يقوموا بعملهم و التأكّد من القيام بذلك عن عمى . و هذا لا يعنى طبعا أنّ فنّانا ثوريّا واعيا لا يجب أن يبحث عن " الحديث " من خلال عمله الفنّي بإدراج خطابات سياسيّة فى الأغاني و المسرحيّات إلخ : لا يجب على الشيوعيين أن يخلطوا بين الفنّ و التحريض و الدعاية السياسيين و لا يجب كذلك أن يفعل ذلك الفنّانون الثوريّون غير الشيوعيين !
و علاوة على ذلك ، سيكون كذلك غالط جدّا أن نحاول غلق المجال السياسي أمام الفنّانين أو أي شخص آخر ! ليس الفنّانون آلات بل كائنات إجتماعيّة من جميع النواحي ، و الفنّأنون الذين يريدون أن يكونوا ثوريين يجب بالفعل أن يجتهدوا بمشقّة كبيرة لولوج المجال السياسي – بينما كذلك يطوّرون فنّا ثوريّا – لأنّه المجال الذى فيه تتركّز النزاعات الإجتماعية و تبلغ حلاّ نوعيّا ، و هكذا هو المجال الحاسم الذى تقام فيه الثورة . و فوق كلّ شيء ، هذا هو " المكان الذى يتعيّن أن يوجد به المرء " إن كان يرغب فى القيام بالثورة بغضّ النظر عن المجالات الأخرى التى ينشط فيها ( و حتى إن كان مجال المرء المحترف – و/ أو السياسي المحترف – مجال العمل الفنّي ، مثلا ) .ومثلما تمّ التشديد على ذلك أثناء الثورة الثقافيّة فى الصين ، ينبغى على الفنّانين الثوريين أن يبذلوا جهودا ليصبحوا فى آن معا حمرا و أخصّائيين ، و ليصبحوا شيوعيين ثوريين بالمعنى الأتمّ للكلمة .
لكن حتّى الفنّأنين ذوى الوعي الثوري الذين يظلّون خارج صفوف الحركة السياسيّة فى حدّ ذاتها ، ينبغى أنلا يتردّدوا فى محاولة " إملاء أفكارهم على الناس " ، حتّى فى المجال السياسي ! يمكن أن يملكوا بعض الرؤى الثاقبة الحقيقيّة للمساهمة بها ، فيما ربّما هم مرجّحون للقيام بهذا قياما جيّدا عبر فنّهم ، فإنّهم أحيانا يفعلون ذلك عبر التعبير السياسي المباشر . و فى كلّ الأحوال ، خاصّة إن كانت وجهة نظرهم تقدّميّة ، أو أفضل حتّى ، ثوريّة ، علينا الترحيب بكلّ هذا !
الوعي و العفويّة :
بالفعل ، فى نقطة مرتبطة بذلك ، علينا أن نجتهد للقطع مع تقديس العفويّة فى ما يتعلّق بالفنون . هناك دور لبعض الأشكال و الدرجات فى العفويّة ( لا سيما فى ما يتعلّق بالتجريب ) لكن أغلب الأعمال الفنية المطوّرة بالكاد هي أعمال عفويّة ( ولا نقلّل من شأن المسألة ! ) . إنّها أسطورة تروّج لها القوى الإجتماعيّة التى سترضى تماما عن تقليص الفنّانين ( أو العديد منهم ) إلى أناس عصابيين منعزلين عن أي وعي أو تأثير إجتماعي مهما كان قليلا – أن " المزاج الإبداعي " للفنّانين يتحطّم بتصويره الواعي و النضال الواعي . يفكّر الفنّانون فى فنّهم و ككائنات إجتماعيّة ، فى الكثير من الأشياء الأخرى أيضا !
المسألة هي أنّه ليس الخطاب الإجتماعي و النضال فى حدّ ذاته هو الذى يمكن أن يخنق إبداع الفنّان ، إنّه مضمون خطابه و شكله و مضمون نضاله و شكله – مملّ ، جاف ، ميكانيكي ، دغمائي و عامة المناهج و وجهات النظر المميتة تماما هي التى يمكن أن تترك فنّانا ( أو أي شخص آخر ! ) فى وضع الشلل المؤقّت . لكن ألن يكون فعلا من الإضل للفنّانين الثوريين أن يطوّروا مستواهم من الوعي و الفهم الإجتماعيين ، و إستيعابهم للمنهج العلمي ، بدلا من التعويل على مفاهيم تقريبا صوفيّة ل " الغرائز " فى إبداع الأعمال الفنّية ؟
أليست المسائل المنهجيّة المتّصلة بتشخيص التناقضات الرئيسيّة و المظاهر الرئيسيّة للتناقضات ، مثلا ، مفيدة للإبداع المسرحي أو لخلط الأوان ، لكلّ من المضمون و الشكل ؟ ألا يلعب الكثير من الفنّ على التضاد ؟ الإنسجام والتنافر ، الإستمرار و القطيعة ، و الضوء و اللون و النسيج و الخطّ و الحركة و الإيقاع و العرض و الرنين و المزاج و هكذا ...أليس هذا التضاد بالفعل تناقضات يكشتشفها الفنّانون ( عن وعي أو عن غير وعي )، إليها ( عن وعي أو عن غير وعي ) يُنسب وزنا مختلفا و ما إلى ذلك ؟
حتّى " الكتابة الأوتوماتيكية " ( أساسا كتابة " مسار الوعي " ) لدي بعض الدادايين و السرياليين الأوائل الذتى كانت ، فى إعتقادى ، تجاربا إجتماعية صالحة ، تختبر حدودا " إجتماعيّة " و فرديّة الإنتاج و الرؤية الفنيين و الإضطلاع بدور مفيد فى تحطيم القديم و الشكلانيّة المتجهّمة ضمن أشياء أخرى – و حتّى أنّ هذه الكتابات تكشف كذلك حدودهم المنهجيّة الخاصة . و قد كشفوا واقع أنّ " النضارة " فى الفنّ هي فى آخر المطاف جوهريّأ مرتبطة ببعض المفهوم العفوي المصيّر مثاليّا ، لكن بالقدرة بالقدرة على " الحرف " الواعي للأشياء بطرق جديدة و مختلفة – " تغيير بؤرة التركيز " و تغيير و عطف الآفاق ، لتوفير نظرات نضرة ونظرات ثاقبة – و جميعها يمكن أن تلقى مساعدة من قبل التفكير و النضال الواعيين فحسب .
و حتّى " الرسوم المنقطة " لجاكسون بولوك كانت منقّطة بإنتباه و بتفكير واعي إشتغل على حجم القماش و شكله ، و إختيار الأوان إلخ . و فى تقرير أخبار خاص بالفنّان الفرنسي الذى أنتج " فنّا حلزونيّا " ( إذ سمح لحلزونات حيّة غمسها فى أصباغ بأن ترسم مسارات ألوان تنفضها على القماش ) عبّر الفنّأن عن إحباط لعدم قدرته على إغراء الحلزونات لتذهب فى إتجاهات معينة بتقديم الخس لها !
و هكذا ، أعتقد أنّ مسألة ط القطيعة الراديكاليّة " المعنيّة فى الفنّ البروليتاري تعنى التبنّى الواعي للمنهج و كذلك للنظرة العامة الخاصة بظهور قوّة طليعيّة فى المجتمع ، البروليتاريا الثورية .
و يخشى فنّأنون كُثر إلى حدّ كبير ما إذا عليهم أم لا أن ينتجوا " أعمالا يكلّفون بها " . و ما لا يدركونه هو أنّهم بعدُ ينتجون ذلك . لكن عليهم انتاج ذلك عن وعي – و من أجل الطبقة الثوريّة أي وفق مصالحها بالمعنى الأشمل .
--------------------------
(+) لاحقا حاولت البرجوازية محو أثار صورة فتنام الشهيرة بإطلاق سلسلة من القصص والصور التى تبيّن الطفلة الصغيرة و قد كبرت و أجرت عمليّة جراحيّة ترميميّة إلخ إلخ إلاّ أنّها لم تفلح فى أن تعكس الحكم فى المجال الفنّي و فى المجال السياسي أيضا !
==============================================
2- الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية
أرديا سكايبراك
( جريدة " العامل الثوري " – التى غدت منذ سنوات تحمل عنوان " الثورة " - عدد 1144 ، 24 مارس 2002 ).
ملاحظة للناشر : من أرديا سكايبراك مؤلّفة كتاب " حول الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة ..." و " بعض الأفكار عن الدور الإجتماعي للفنّ " ( " العامل الثوري " أعداد 1114 و 1115 و 1116 و 1117) ، بلغنا غذاء للفكر بشأن الإشتغال على الأفكار . نأمل أن يفرز هذا المقال مزيدا من الأفكار و نرحّب بأفكار القرّاء و آرائهم .
ملاحظة للكاتبة : فيما يلى بعض الأفكار التى صغتها مستلهمة إيّاها من قراءة مقتطفات من " الأهداف الكبرى و الإستراتيجيا الكبرى " لبوب أفاكيان وهو مقال نشرته حديثا جريدة " العامل الثوري " .
------------------------------------------
ثمّة خصوصيّة هامة للإشتغال على الأفكار ( القيام بالعمل الفكري ) لم تقدّر غالبا حقّ قدرها ألا وهي أنّ هذا العمل سيتقدّم حقا و يخلق أرضيّة جديدة و يقود إلى فهم جديد لما هو صحيح فقط إن أفلح القائمون به على الأقلّ مؤقّتا ، فى وضع الأفكار القديمة و الأحكام و الأفكار المسبّقة و الفرضيّات التى لم تختبر جانبا . ينبغى على المرء أن يرنو إلى إستكشاف الحقيقة و بحثها بذهن منفتح حقّا ، متبعا أثر الأدلّة إلى حيث يمكن أن يؤدّى ، بغضّ النظر عن مدى ما يمكن أنتكون عليه النتائج سواء كانت غير منتظرة أم مزعجة و غير مرغوب فيها .
و هذا يتباين مثلا مع سيرورة بناء شيء من الأجر و الإسمنت . بالطبع يمكن أن يوجد إبداع و تجديد فى بناء جدار مثلما غى جميع النشاطات الإنتاجيّة الأخرى . لكن على مدى أوسع و بمعنى عام ، إذا أردت أنتبني جدارا بناءا ناجحا ، من المنطقي أنتعتمد على صيغ مختبرة راسخة جدا ( للحصول على الخليط الصحيح من الإسمنت و الرمل لبناء الأجر ) و من المنطقي أن ترسم صورة أو ربّما ترسم مخطّطا لكيف تريد بالضبط أن يكون الجدار عندما تنتهى من بنائه . إذا إعترضك مشكل أو عائق غير متوقّع قد تأتى بجديد و بحلّ مبدع غير أنّ هدفك الأساسي ( بناء نوع من الجدار بطريقة معيّنة ) قد حدّدته عادة بصفة مسبقا .
إنّ سيرورة الإشتغال على الأفكار مغايرة جدّا عادة فدلو المواد الأوّلية التى يغوص فيها المثقّفون مليئة بالكثير و الكثير من الأكفار المتباينة : الأفكار القديمة والجديدة ،و الأفكار التقليدية و غير التقليديّة ، و الأفكار المختبرة و غير المختبرة ، و الأفكار التى إستثمرت و طُبعت بعدُ بأفكار أخرى ( بما فيها وجهات نظر عديد الأشخاص المختلفين و فئة إجتماعيّة برمّتها ) فى شبكة متتالية تقريبا لا نهاية لها ، و الأفكار التى توازى بعضها البعض فى صداقة تعزيز متبادل ، و الأفكار التى تتصادم و تتنازع بشراسة وهي متعارضة تماما ، و هلمجرّا .
بطبيعة الحال ، بعض الأفكار بوضوح " أصحّ " من الأفكار الأخرى ( بمعنى أنّه يمكن تبيان أنّها تتناسب بشكل أقرب للواقع المادي الموضوعي الفعلي ) و لهذه الأفكار الحقيقيّة أكثر نسبيّا قيمة خاصة فى أنّها تبنى ضمن مخازن مراكمة إنسانيّة للفهم . ( و الأفكار الخاطئة تفعل ذلك أيضا إلاّ أنّها بعد أن يتبيّن بوضوح أنّها غير صحيحة – إلى ذلك الحين تستخدم عامة أكثر للتضليل و المغالطة ).
المشكل فى مجمل العمل الفكري هو أنّك لا تعلم فى البداية ما هي الأفكار الأصحّ مقارنة بأخرى : لذا تشتغل مثل علم الآثار ، تدقّق فى الطبقة تلو الطبقة من الرواسب ، باحثا عن النبأ السار المميّز مناسباتيّا الذى يمسك به بالضبط لأنّه ( على الأقلّ جزئيّا ، أو إلى مدى معيّن) قد تبيّن أنّه يتناسب مع الواقع المادي . لو إستطعت أن تجمّع ما يكفى من هذه الأنباء السارة المتمايزة حقيقة يمكنك أن تحصل على مزايا نظريّة – ليست بعد حقيقة نهائيّة فى حدّ ذاتها ، لكن نوعا من " الإطار " النظري الذى يمكن أن يوظّف فى إرشاد المزيد من التفكير و الإكتشاف و الذى يمكن بدوره أن يخضع للإختبار أكثر من خلال الملاحظة و الإختبار لتقييم الدرجة التى بها فى النهاية يتناسب أو لا يتناسب مع ، و يخدم تفسير جزء من الواقع . و طبعا ، هذا الجزء الأخير من السيرورة يمكن أحيانا أن يكون طويل الأمد ، بما أنّ أفكارا و نظريّات جديدة ينبغى إخراجها إلى العالم لفترة إذا أريد إختبارها بهكذا طريقة .
و واقع أنّ الخلاصات و النظريّات الجديدة تستغرق بعض الوقت فى إختبارها و التثبّت من صحّتها ( و واقع أنّ العديدين سيقع فى النهاية إستبعادها على أنّها تؤدّى إلى نهايات مسدودة أو يقع الإشتغال عليها مجدّدا ) لا يزعج عادة المثقّفين لأنّهم يقبلون هذا الوضع من عدم اليقين النسبيّ بشأن الفترات المديدة بإعتبارها جزءا ضروريّا و لا يمكن تجاوزه من سيرورة توسيع المعرفة و الفهم الإنسانيين . و الحلاصات الظاهرة و المتطوّرة حديثا ينبغى ألاّ تنشأ فى إطار بناء زجاجي و لا ينبغى كذلك أن تظلّ قريبة من الصدر على نحوبائس : إنّها بحاجة إلى الخروج إلى العالم . و يجب أنتبذل جهود معقولة لتجنّب الإرتباك المبالغ فيه ، و إعادة إبتلاع ذلك الذى قد تبيّن بعدُ أنّه خاطئ ، أو عدم إعارة الإنتباه الرافض لجهود الآخرين ( أو أيّة آفاق مهما كانت ) الذين كانوا يشتغلون على مسائل مشابهة.و كذلك يجب بذل الجهود بصورة مناسبة للتمييز ( و التصنيف تبعا لذلك ) بين ما هو معلوم و بين ذلك الذى ليس بعدُ معلوما ، و الإشارة بوضوح إلى ما يمكن ببساطة أن يكون تكهّنات مستنيرة .
لكن أبعد من ذلك ، إن كان الأمر يستحقّ التفكير مليّا و يستحقّ محاولة الإجابة عليه ، من المهمّ أن لا نكون متوتّرين جدّا بشأن السيرورة و عدم التأكيد بإسم الدقّة و المسؤوليّة على تشريح و تسيير عام لكلّ نقطة ثانويّة أو فرعيّة من العمل بصدد التقدّم . و الإخفاق فى الإعتراف بدرجة أهمّية أن " نترك المقاليد تمضى بعيدا قليلا " فى تسيير العمل الفكري ، سينجرّ عنه جوّ خانق و بيروقراطي و إنتاج قلّة قليلة ، تتشكّل ببطئ و بمشقّة ( عمل إضافي و طاقة مكثّفة ! ) أعمال جيّ>ة . و لن تنجز العديد من الأعمال الأخرى أبدا ( و بالفعل قليلون هم المثقّفون الذين سيرغبون أبدا فى العمل فى ظلّ مثل هذه الهياكل المحطّمة للطاقة و المعنويّات ) و بعض الأعمال الجيّدة النادرة التى تنتج قد تنطوى على العديد من النقاط الجيّدة و أمور دقيقة فى عيارها ... بيد أنّها تُجرّد من الكثير من الحياة و الطرافة و الجوانب الفنّية وخاصة المفاجئات فى الطريق و التأمّلات المستفزّة للفكر وهي أشياء يجب أن تكون محور المزيد من التبادل و النقاش الفكريين .
لقد كتبت قبلا ( حول موضوع الفنّ ) أنّى أرى إختلافات هامّة فى سيرورة بلوغ الحقيقة و فى درجة " المسؤوليّة " الإجتماعيّة المطلوبة فى البحث الفنّي و فى البحث العلمي . إنّ العمل فى مجال العلوم الطبيعيّة و العلوم الإجتماعيّة يسعى عادة إلى كشف الحقيقة بتعرية العناصر و المظاهر و النزعات و ما إلى ذلك وتقديمها ليراها الجميع ، و التى يمكن تبيان أنّها تتناسب – بالشكل المباشر و الأقرب الممكن – مع طريقة وجود الأشياء فعلا ( أو وجودها مثلا ) فى الواقع الموضوعي . و البحوث الفنّية تخدم كذلك بلوغ حقيقة الأشياء لكن بطابعها وهدفها المفهوم بشكل عام ، هي تعطى عامة أكثر فسحة لكشف الحقيقة و تقديمها بطرق أكثر إنحرافا و غرابة و من بعض الزوايا و الآفاق التى لا يجب ( على نحو مناسب تماما و مقصود برأيى ) أن تكون مقيّدة و مكبوحة بصرامة بإعتبارها إكتشافات علميّة لأجل أن تكون فعّالة ، و يمكن أن تبحث عن الحقيقة و تقدّمها بصفة مباشرة أكثر ، و ليس بالضرورة فى الإنسجام الأكثر صرامة ) أو مباشرة مع الطرق التى " توجد " بها الأشياء عامة فى الطبيعة و / أو المجتمع .
و بعد قول هذا ، أعتقد أنّ أفضل الأعمال ، حتّى فى العلوم ( و خاصّة الأعمال التى تقدّم رؤى جديدة و التى تبحث عن إختراق الأغشية المحدّدة للتقاليد المركّزة ) تمزج بعض مظاهر العلم و الفنّ و مستويات مختلفة من المسؤوليّة سيربط بين الأجزاء المتباينة . و برأيى ، هذا أمر جيّد . و فعلا ، أعتقد أنّه أحيانا كثيرة ( و ربّما دائما ) من الضروري لهذا أن يحصل إن كان العمل سيُقام على أيّة حجارة يتمّ المشي عليها من أجل مزيد النقاش و التقدّم .
على أي حال ، الخوض فى مثل هذه المسائل جميعها جزء من طبيعة العمل الفكري . و فقط نادرا جدّا يمكن أن تقدّم مسألة نظريّة على أنّها " ثابتة فى الأساس " ( فى مجال العلوم الطبيعيّة ، يتمّ الحديث عادة عن نظريّة التطوّر على أنّها من المواضيع النادرة نسبيّا " الثابتة فى الأساس " ما يجعل هذيان فكر الخلق أكثر سخرية تماما ! ) . و أعتقد أنّه فى أي عمل هام ( بما فى ذلك المسائل الخلافيّة إجتماعيّا ) من المهمّ محاولة إقرار معايير عالية المستوى من المسؤوليّة فى علاقة بجملة من النقاط و المواضيع الأساسيّة ( بما فيها أن نكون واضحين بشأن ما هو معروف و ما ليس معروفا بعدُ و هكذا ، و تجنّب " المواقف " المفرطة لكونها عمليّا مجرّد فتات من " الإعتقاد " الذاتي ) . لكن ضمن عمل معطى ( و فى سيرورة العمل الفكري بصورة أعمّ ) أعتقد أنّه من الممكن ، و حتّى غاية فى الأهمّية و الضرورة ، أن نفسح المجال لمزيد من النقاشات المفتوحة ، و حتّى إفتراضات صريحة . فالبعض منها قد " يستعاد " أو يتمّ إصلاحه أو تحويره فى إطار أعمال لاحقا لكن هذا جيّد أيضا . و أعتقد أنّ إدخال المزيد من " التأملات المفتوحة " جزء مطلق الأساسيّة من " الخميرة " الفكريّة الضروريّة لتطبيق الخطّ الجماهيري ( فى صفوف حزب ثوري و خارجه ) فى العمل الفكري .
و لا أؤمن بأنّ المثقّفون فحسب خارج حزب طليعي يجب أن يعملوا وفق هذه الطريقة ( رغم أنّهم جميعا يقومون بذلك ) . إنّ جوّا عاما يشجّع على إستكشاف و صراع واسعى النطاق فى مجموعة كبيرة و متنوّعة من المواضيع يجب أن يهيمنا معا فى كلّ من داخل مثل هذا الحزب وخارجه ، ومعا قبل إفتكاكالسلطة و بعده . و بينما أرى أنّ العمل المنجز والمنسوب لأشخاص ( البحوث الممضاة مثلا ) قد يسمح بالمزيد من المرونة فى هذا الصدد ، لست مستعدّة لقول إنّ هذا لا يجب أن ينطبق أيضا على الجهود الجماعيّة . ليس هذا دائما تناقض يسهل التعاطى معه على نحو جيّد لكنّه تناقض من الهام العمل على معالجته فى ما يتصل بالأعمال الخاصة و فى ما يتّصل بالمثقّفن القياديين و العمل الفكري بصفة أعمّ . وفى نهاية الأمر ، الجماعيّة ( و ليس الأفراد و حسب ) تحتاج كذلك لأن " تتنفّس " .
يبدو لى أنّ جانبا مهمّا جدّا آخر للسيرورة الفكريّة هو أحيانا الغربلة ضمن الدلو الكبير من الأفكار ، وهنا يأتى التحقيق المحبط بأنّه لا وجود لأنباء سارة مميّزة حقّا للحقيقة تبرز من الخليط فى ذلك الوقت بالذات. إمّا هي ليست موجودة تماما ( بما يؤدّى بالمرء إلى " غربلة " أبعد أو هي موجودة لكنّها يُغطّيها الطين و بعدُ لا يمكن التعرّف عليها كما هي .
كلّ مفكّر حقيقي يحاول صراحة بلوغ الحقيقة يعلم أنّه ليست هناك طريقة أفضل لإظهار أنباء سارة من الحقيقة ( أو حتى حقائق كبرى ) إلى الضوء فى مثل هذه الأوضاع من هزّ الأشياء إلى أعلى و رجّها إلى أسفل ، إن أمكن القول ، ثمّ القيام بذلك تماما المرّة تلو المرّة : محاولة دفع هذه العناصر المختلفة ضد بعضها البعض،" رميها إلى أعلى ورؤية ما يلتصق"، و جعلها تصادم مع بعضها البعض و رؤية ما يفرزه ذلك . إرادة الوقوف عند الأكثر منطقيّة ، و مع ذلك إكتشاف ما يبدو أنّه بعيد الإحتمال و حتى أكثر شناعة مبدأ هام فى العمل الفكري .
أحيانا ما منشيء ينجم عن كلّ هذا الصدام و هذه المقارنة و القليل من الجديد يظلّ غير مكشوف . و أحيانا يثب الناس على ما يظهر أوّلا على أنّه لمعان معبّر من الحقيقة وهو بعد مزيد البحث ، يتبيّن أنّه كان لا أكثر من خيالات متداعية . لكنأحيانا ، فى حالات نادرة نسبيّا ، عبر ما يجب أن يكون مزيجا من المنهج الراسخ جيّدا و كذلك قدر ما من الحظّ و العمل الشاق و المثابرة و ( خاصة ) انفتاح الأذهان على غير المنتظر ، و غير المألوف لرؤية أشياء منزوايا نضرة متحرّرة من الأفكار المسبّقة أو المفاهيم المسبّقة لما يمكن أن نعثر عليه ، يحدث أن ذلك فعلا حقائقا جديدة : ما هي خيالات أوتشويهات الواقع وإنّما هي حقائق جديدة عمليّا ، لعلّها تظهر من الخيالات المجهولة أو المستخفّ بها سابقا ، أو من الظواهر و الروابط غير المعترف بها سابقا .
هنا يكمن إبداع السيرورة الفكريّة . الجرأة و النضارة و الإنفتاح و تقديم الحياة لهذه السيرورة – البحث والخوض والصراع و نعم ، " اللعب " بالأفكار – هذا هو دم حياة المثقّفين الحقيقيين الذين ليس هدفهم مجرّد تعلّم ما هوبعدُ معروفا بل كشف النقاب عن حقائق مكتشفة حديثا وبالتالى المساهمة فى المخزون المعرفي الإنساني المراكم.
ينزع المثقّفون الماويّون إلى فهم أفضل من أغلبيّة المثقّفين بأنّه من الضروري أن نتفاعل بنشاط مع الواقع ونغيّره ( بما فى ذلك عبر ضخّ الخطّ و المناهج الإيديولوجية الثوريّة فى الصراعات الفكريّة الكبرى ليومنا هذا ) لمزيد كسب فهم حقيقي للواقع و بالقيام بذلك الحصول على قاعدة أفضل لتغيير الواقع . و يقرّ المثقّفون الثوريّون ( أو على الأقلّ ينبغى أن يقرّوا ، رغم أنالتجربة التاريخيّة تبدو غير متكافئة فى هذا ) بأنّ" الإشتغال على الأفكار " و سيرورة الصراع الفكري الواسع النطاق و إكتشاف الحقائق الجديدة ليس مجرّد نوع من المساعد المفيد للمسألة " الأساسيّة " للثورة : إنّه حيويّ وضروريّ و جزء لا يتجزّأ من السيرورة الثوريّة ذاتها .
لسوء الحظّ ، بينما يدّعى الكثير من الماركسيين – اللينينيين – الماويين أنّهم ينبذون البراغماتيّة السياسيّة والإيديولوجيّة ويعلون راية أنّه "لا حركة ثوريّة دون نظريّة ثوريّة "، يبدوأنّنزعة تاريخيّة متواصلة لرؤية ذلكرؤية ضيّقة صراحة – لعلّهم بالأساس " مقدرين " كيف أنّ التطوّرات فى النظريّة السياسية يمكن أنتؤدّى إلى تقدّم فى الخطّ السياسي والعسكري ، لكنّهم يخفقون فى أن يقدّروا أيضا أنّ نطاقا واسعا حقّا من العمل الفكري ، يقطع طريقه عبر عديد المجالات والمواد المختلفة و مؤدّيا إلى فهم جديد أو معمّق لل" حقائق " عبر كافة الطبيعة و المجتمع ، ستكون له أيضا إنعكاسات ذات دلالة على المسائل الجوهريّة للمجتمع (بما فى ذلك المساهمة فى أسس إشتداد صراع الخطّين الإيديولوجي حول العديد من المسائل المختلفة ) و بالتالي من الحيويّ للثوريين أن يضطلعوا به ويشجّعوا عليه ويساندوه ويقودونه قيادة صحيحة ، فى آن معا داخل الحزب الثوري وخارجه .
==============================================
3- رسالة من أرديا سكايبراك إلى ندوة ذكرى شولاميث فيرستون

" شجّعنى بصورة خاصة تقديركم لأهمّية النظريّة و تشديدكم على ذلك . وهذا أمر نادر جدّا فى عالم اليوم " .
جريدة " الثورة " ، 14 أكتوبر 2013 ،
Revcom.us
توطئة من الناشر :
فى 5 أكتوبر 2013 ، عقدت ندوة ذكرى شولاميث فيرستون لتحرّر المرأة : ما العمل ، و ذلك فى مدينة نيويورك . و قد نظّمها أعضاء راد ستوكنغس وهي مجموعة راديكاليّة لتحرير المرأة تأسّست فى 1969 . ومثلما شرح المنظّمون : " بحلول شهر أوت هذا ، تكون قد مرّت سنة على وفاة شولاميث فيرستون مؤسسة راد ستوكنغس العزيزة . و الغاية من إحياء رجّة فقدانها هي التذكير القويّ بكلّ ما قدّمته لنا و بعصر الحركة النسائيّة الثوريّة . كيف تحرّكت بسرعة إلى الأمام فى أواخر الستّينات ، و كيف نخسر نحن الآن بسرعة الأرضيّة هذه الأيّام فى العديد و العديد من المجالات الأساسيّة . لماذا ؟ أثناء إحياء ذكرى شولاميث فى سبتمبر الماضي ، قالت كايت ميلات إنّ الحركة قد فقدت عامودها الفقري . لكن كيف نسترجعه ؟ يبدو أنّ النظريّة الأعمق و الإستراتيجيا الأكثر إبداعا هي السبيل إلى التقدّم ؟
وُجّه إستدعاء إلى سكايبراك أرديا مؤلّفة كتاب " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا " و كتاب " حول الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة : بحث فى ظهور الإنسان و مصدر إضطهاد النساء و طريق التحرّر "( وهما متوفّران بمكتبات " الكتب الثورية "
و Revolutionbooks.
) Amazon.com
و أعمال هامة أخرى ، إلاّ أنّها إعتذرت عن حضور هذه الندوة و بإذن منها ننشر الرسالة التى بعثت بها إلى الندوة .
---------------------------------------
رسالة من أرديا سكايبراك إلى ندوة ذكرى شولاميث فيرستون
الصديقات العزيزات و الأصدقاء الأعزّاء ،
قبل كلّ شيء ، أودّ ببساطة أن أعبّر عن عميق شكرى لدعوتكم لى هذه السنة لحضور فعاليّات ندوة ذكرى شولاميث فيرشتون . و فى حين أنّى أعتذر للأسف عن الحضور جراء إلتزامات أخرى ، يشرّفنى نهائيّا أن يتمّ إستدعائي للمشاركة و أتطلّع كثيرا للسماع و القراءة عن طبيعة مدى ما أنا واثقة من أنّهّا ستكون نقاشات و توصيات غاية فى الأهمّية . شجّعنى بصورة خاصة تقديركم لأهمّية النظريّة و تشديدكم على ذلك . وهذا أمر نادر جدّا فى عالم اليوم . و لدي أمل كبير فى أنّ أعمال هذه الندوة ستساهم فى فتح آفاق أمام سُبل جديدة لإلتزامات مستقبليّة مثمرة أيضا تجاه بعضنا البعض و تجاه العالم !
و أستسمحكم أن أتقدّم بالنقاط التالية التى أشعر أنّها من الأهمّية بمكان إن كنّا نتطلّع حقّا إلى التقدّم بالنضال من أجل تحرير النساء ( كافة النساء ) كعنصر حيوي و حاسم فى النضال من أجل تحرير كافة الإنسانيّة عبر العالم .
1- اليوم على وجه الخصوص ،نحن فى حاجة إلى العلم – إلى مقاربة علميّة منهجّية و شاملة حقّا لتحليل كلّ من المشاكل و الحلول . التجربة الفرديّة لن تنفع . كإنسانة تدرّبت كمختصّة فى العلم ، فى العلوم الطبيعيّة ، قد أفزعنى على الدوام الجهل المستشري فى المجتمع بما يعنيه العلم عمليّا كمنهج و مقاربة و تردّد الكثيرين فى البحث بشكل منهجي عن تطبيق مناهج العلم على مشاكل المجتمع ( بما فى ذلك إضطهاد النساء كنساء المؤسس تاؤريخيّا و المحافظ عليه منهجيّا ن فى الولايات المتحدة و عبر العالم قاطبة ). نحتاج إلى التحاليل القائمة على الأدلّة بهدف تحديد أشمل و أصحّ لجذور إضطهاد النساء، و تطوّره التاريخي من خلال أشكال متنوّعة من التنظيم الإجتماعي ، و إستمراره و علاقه الوطيدة و العميقة بكيفيّة سير المجتمع إلى يومنا هذا ، و ما هي الأسس الماديّة الفعليّة التى يمكن أن تسمح لنا بالتخلّص من هذا مرّة و إلى الأبد و عبر العالم قاطبة . يدرك العلماء الجيّدون أنّ هناك واقع مادي ( موجود عمليّا وهو فى حركة وتطوّر بإستقلاليّة عن ما يمكن أن يتصوّره بعض البشر فى إي ّ زمن معطى !) ، و من المممكن العمل للوصول إلى فهم أصحّ لهذا الواقع و لديناميكيّته ، بكلّ تناقضاته نو ذلك من خلال التطبيق المنهجي للطرق العلمية . و بالفعل يدرك العلماء الجيّدون أنّ الطابع المتناقض ذاته لأي شيء معطى فى الواقع المادي ( " لاتكافئ داخلي " إنأمكن القول ) يشير كذلك بالذات إلى أساس تغيير ذلك الواقع . و هذا بالتأكيد بديهي فى البحث الطبّي و كافة مجالات العلوم الطبيعيّة التى يبحث فيها الناس عن بلوغ ليس فقط تفسير العالم بل أيضا تغييره . وينسحب هذا الشيء نفسه على مشاكل المجتمع . لكنّنا سنخفق فى المسك بكلّ هذا إن إنطلقنا من تركيز ما نفهمه و ما نقوم به على وصف جزئي و غير منهجي لنواحي من الواقع ، أو على ما يمكن لأشخاص أ أو حتّى مجموعات كبيرة من الناس أن يعتقدوا أو يفضّلوا فى زمن معيّن . نحن فى حاجة إلى التعمّق فى النماذج الكبرى ، الطرق التى طوّرت تاريخيّا الظواهر السياسيّة / الإقتصادية و الثقافيّة لإضطهاد المساء و تواصل تشابكها العميق مع ( و بالضرورة كجزء لا يتجزّأ من ) سير الأنظمة الإجتماعيّة اليوم ، بما فيها النظام الرأسمالي – الإمبريالي المهيمن عالميّا . لكنّنا نحتاج إلى لا أقلّ من الماديّة العلمية الحقيقيّة لتفسير و تحليل كلّ هذا و إيجاد طرق الإجتثاث الحقيقي لإضطهاد النساء ليس فقط سطحيّا بل من الجذور ذاتها!
بفضل بوب أفاكيان و العمل الذى أنجزه طوال عقود عديدة من تلخيص التجربة الإيجابيّة منها و السلبيّة للثورة الشيوعيّة و الإستفادة من نطاق واسع من التجربة الإنسانيّة ، هناك خلاصة جديدة للشيوعية تقدّم بها – هناك حقّا نظرة و إستراتيجيا قابلين للتطبيق من أجل مجتمع و عالم جديدين و أفضل بكثير ، و هناك القيادة الحيويّة التى نحتاج للتقدّم بالنضال صوب ذلك الهدف .
2- و أن يتمّ قبل كلّ شيء إنكار ( كما يحاجج عادة اليوم ) وجود حتى شيء مثل الواقع الموضوعي ( الذى يوجد بإستقلاليّة عن ما يمكن أن يفكّر فيه شخص فى أيّ زمن معطى ) و أنّ هذا الواقع الموضوعي يمكن أن يُدرس و يدرك بعمق ، و ثمّ إدّعاء أنّه نوعا ما من الخطئ أن نتجرّأ حتى على السعي إلى تغيير كيفيّة تفكير الناس حاليّا و نشاطهم ( أو إخفاقهم فى النشاط ! ) على أساس ما إستطاعالمرء أن يتعلّمه و يدركه بصدد النماذج الأوسع للواقع الإجتماعي ، و للمحاججة عوض ذلك بأنّه ليست هناك حقيقة أكبر أو أصلح من تلك التى تتأتّى من التجربة الشخصيّة الفرديّة أو الرواية الشخصيّة ( التى يفترض أن لا يسمح لنا حتّى بالحكم عليها أو نقدها أبدأ ) ليس أمرا عبثيّا و حسب – بل هو عبثيّة مسمومة .
أشعر بقوّة كبيرة بأنّه علينا أن لا نكون قط متردّدين فى المحاججة مع بعضنا البعض و مع الآخرين عبر المجتمع حول مواضيع حيويّة فلسفيّة و أبستيمولوجيّة من هذا القبيل لأنّه منالمهمّ حقّا إن كنّا سنستطيع أن نمضي قدما فى الصراع من أجل التحرير التام للنساء و الإنسانيّة جمعاء – أو لا . لقد أرهقتنى حدّ الموت الضوابط النسبيّة و الفرديّة المغالى فيها و التى تهمين فى الأكاديميّات و غيرها من الأماكن هذه الأيّام – إنّها ضوابط و لعلّ ذلك من سخرية الأقدار ،عادة ما يتمّ التشديد عليها بطغيان فى مساعى متكرّرة جدّا للقمع التام لأيّ إحتجاج فكري أصيل بشأن مشاكل المجتمع على المستوى الإجتماعي ، بما فيها المتّصلة بإضطهاد النساء كنساء هنا و عبر العالم والآراء " الإضطهادية " أي تحدّى صحّي و فرز للإختلافات حول كيف أنّ الناس يجب أو لا يجب أن يفكّروا و كذلك أن يعملوا فى علاقة بكلّ هذا .
و بينما يمكن للتجربة الفرديّة أن تكون مهمّة و يمكن كذلك أن تسلّط الضوء على الظواهر الإجتماعيّة الأوسع ، فإنّ مقاربتنا ينبغى ألاّ تنطلق أوّليّا من " الروايات الفرديّة " و مثل هذه التجارب الفرديّة الجزئيّة و إنّما أن نبحث عن و أن ننطلق من النماذج الأوسع و الأعمق و كذلك من التجربة المشتركة العامة للملايين و عمليّا لمليارات النساء . هدفنا لا يجب أن يُقلّص إلى" تعزيز القوّة الذاتيّة " للفرد بل يجب أ يكون البحث عن أن يشمل تحرير كلّ النساء فى كلّ الأماكن . و كجزء ضروري و مفتاح و حيوي لتحرّر الإنسانيّة ككلّ . إن لم يكن هذا هو ما مهدف إليه ، فإنّ الأمر لا يهمّنى شخصيّا .
3- ختاما ، أعتقد أنّه على كلّ إمرء أن يتعمّق فى ما أعتبره النظريّة الإجتماعيّة الشاملة الأكثر تقدّما و راديكاليّة فى زمننا – الخلاصة الجديدة للشيوعية التى طوّرها بوب أفاكيان و التى تطوّرت خلال أكثر من 40 سنة من الجهد الشاق . و هذه الخلاصة الجديدة التى تطوّرت و نمت خلال مثل هذه الفترة الزمنيّة الهامّة ، تعمّقت فى دروس ستينات القرن العشرين وسبعيناته ، و فى الموجة الأولى من الثورات الإشتراكيّة فى الإتحاد السوفياتي و الصين ، و إستخلص الأفضل من هذه الدروس ، ثمّ مضى بها كذلك إلى ما هو أبعد بكثير – فى كلّ مسألة إجتماعيّة مهمّة جدّا ، بما فى ذلك مسألة إضطهاد النساء و أفضل السبل للتحرير الفعلي لا تكون لا عملا رمزيّا و لا يسهل الإنقلاب عليها .
برأيى ، لا يمكن أن نكون جادين بشأن التغيّر الإجتماعي ، فى أي مجال ، عند هذه النقط من تاريخ الإنسانيّة و مع ذلك لا نتفاعل مع هذه المجموعة الملموسة من الأعمال و الفهم النظري الغنيّ التطوّر للتحرّر . تفاعلوا مع ذلك بروح نقديّة و بذهن مفتوح ، بالعلم و بالقلب. و يمكن البداية بالتعمّق فى أعمال بوبأفاكيان بشريط خطاب مطوّل ألقاه فى المدّة الأخيرة ( " بوب أفاكيان يتحدّث : الثورة – لا شيء أقلّ من ذلك ! بوب أفاكيان مباشرة ) و " الأساسي من خطابات بوب أفاكيان و كتاباته " وهو كتاب يتضمّن مقتطفات و بحوثقصيرة مقتبسة من عديد الأعمال العديدة الأطول . و تأكّدوا من الإطلاع أيضا على " دستور الجمهوريّة الإشتراكيّة الجديدة فى شمال أمريكا ( مشروع مسودّة ) " ، وهو فى آن معا رؤية شاملة و ملموسة لما يمكن أن يكون تعبيرا عمليّا عن مجتمع جديد قائم على هذه الخلاصة الجديدة . توجّهوا إلى موقع الأنترنت
Revcom.us
من أجل المزيد من المعلومات عن هذه الخلاصة و غيرها كثير من أعمال بوب أفاكيان . أشعر أنّ هذا العمل يحتاج إلى أن يكون جزءا هاما جدّا من الخطاب الإجتماعي الأوسع عن التغيير و التحرير و أنّ التفاعل معه سيساعد على ترسيخ العديد من المسائل الأخرى الخاصّة بكيفيّة التقدّم اليوم .
و فى الأخير ، دعونى أشكركم مجدّدا على توجيه الدعوة لى للمشاركة فى ندوتكم . و آمل أن تكون بعض التعاليق أعلاه مفيدة لكم فى نواحى ما . و أتمنّى لكم فعلا الأفضل فى الندوة القادمة إحياء لذكرى شولاميث فيرستون و أتحرّق شوقا لسماع أخبارها !
هناك قدركبير من الصراع الجيّد جدّا و المبدئي و المثمر حول مسائل فى منتهى الأهمّية فى زمننا هذا و حول كيفيّة التقدّم بتحرير كلّ النساء ن فى كلّ الأماكن ! إنّه لأمر مهمّ .
مع تحيّاتي الحارّة إلى جميع المشاركين و المشاركات .
أرديا سكابراك



تعليقات الفيسبوك