تعقيبات على موضوع التناقض بين الإنحياز الطبقي والإنحياز للحقيقة


محمود رشيد
2018 / 7 / 7 - 02:58     

على موقع الحوار المتمدن بتاريخ 29 يونيو 2018 تم نشر موضوع بعنوان " التناقض بين الإنحياز للحقيقة والإنحياز للطبقي " لسامي حسن موسى
( رابط المقال : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=603807 )

الموضوع يلفت الإنتباه إلى بعض المسائل الهامة محل البحث : " علاقة المادة / الوعي - الذاتية والموضوعية - المنهج " وهذه المسائل لا تتعلق فقط بالتفسير الماركسي للمعرفة بل أيضاً بالجانب الأخلاقي للماركسية إذ أن تمثيل الوعي كأداة تبرير وإنكار وجود حقائق موضوعية أو تفكيك الموضوع إلى خبرات تجريبية هي سمات مرحلة الإنحطاط المسمى بما بعد الحداثة . لذا كانت المسألة بحاجة لمزيد من التعمق وإكمال ما بدأ به المقال المذكور أعلاه .

تختلف الكائنات البشرية عن سواها من الثدييات آكلة اللحم بأنها طورت وعياً غائياً بمعنى أن الإنسان يفترض مسبقاً أن كل ما يحيط به يعمل أو ينمو لغرض ما وذلك يمكن تفسيره في ضوء المقارنة بين الرئيسيات والثدييات الآكلة للحوم ففي حين طور أسلاف البشر والرئيسيات الأقرب إليهم القدرة على إستخدام أدوات بسيطة جداً للتعامل مع بعض الأشجار المثمرة وذلك في حيز مكاني ضيق المساحة نسبياً فإن الثدييات الآكلة للحوم كانت في سبيل التغذية تغطي مساحات أكبر نسبياً ثم تقوم بالإعداد للصيد ثم عملية الصيد نفسها ثم تقطيع الفريسة ثم العودة ونقل الغذاء لصغار القطيع ونتيجة ذلك إن كلاً من الرئيسيات والثدييات آكلة اللحوم طورت نظامين مختلفين للدوافع فعند الرئيسيات نجد أن دافع إستخدام الأداه له هدف منظور وهو التغذية نجد أن الذئاب أو الأسود التي تغطي مساحات أوسع على فترات زمنية أطول قد طورت نظاماً غير متكاملاً للدوافع تنفصل فيه في ذهن الحيوان دوافع الصيد عن دوافع التغذية عن دوافع تقطيع الفريسة خيث أن كل عملية تنفصل في ذهنه عن الأخرى مما أضعف الوعي الغائي عند الثدييات الآكلة للحم مقارنة بالرئيسيات .
نتيجة لذلك إستقر في ذهن الإنسان السعي لتفسير الغاية من وجود الموضوعات المحيطة به أو بالأحرى السعي وراء الحقيقة وإنتجت آلية السعي هذه الميثولوجيا والدين المرتبطة بما كان يسمى لدى اليونانين بالخروج من الذات ἔκστασις - Ekstasis أي الخروج من التجربة الذاتية المحدودة بحثاً عن الحقيقة سواء بالميثولوجيا أو الدين أو الفن أو لاحقاً الفلسفة ونهاية بالعلم الذي يقر بالمعرفة الموضوعية وعليه فإن مسألة موضوعية المعرفة لا إقتصارها على التجربة الذاتية تتعلق بكوننا بشر , كل ما أنجزناه وعرفناه في مئات آلاف السنين مرتبط بهذه المسألة .

لدينا تصوران معارضان لموضوعية المعرفة
-الأول التصور الذاتي المعارض حتى للعلم التجريبي وعاود الظهور بعد هزيمة الثورات في أوروبا وكان أشهر وجوه هذا التصور فريدرك نيتشه الذي إدعى بأنه لا يوجد سوى المنظور ولا يوجد شيء إسمه الحقيقة .. ستعاود مقولة المنظور الظهور بصيغ مختلفة في الفلسفة الوجودية وفي التفسير البنيوي للأنثروبولوجيا وفي طور الإنحطاط المسمى بما بعد الحداثة
- التصور الثاني الوضعي التجريبي وإن كان يقر بموضوعية المعرفة إلا أنه يفككها لمعطيات تجريبية وإرتبط هذا التوجه بالنجاحات التي تحققت في علم الفيزياء في بدايات القرن العشرين وركز كثير من وجوه الفلسفة الوضعية و التجريبية هجومهم على الميتافيزيقا في البداية إلا أن النقاشات التي دارت بين أعضاء جماعة برلين وجماعة فيينا وهي حلقات نقاش فلسفية إعتمدت فلسفة العلم ونادت بأن يتم إخضاع اللغة الفلسفية للإنضباط العلمي أدت النقاشات بين وجوه الجماعتين " هامبل - نيوارث - ريشنباخ " في نظرية المعرفة وتفكيك الموضوع إلى معطيات تجريبية بالتضافر مع تأثيرات فيزياء الكوانتم إلى القول بإنكار المعرفة الموضوعية وإن الكون نفسه لا يتكون من موجودات بل من أحداث events ويعد هانز ريشنباخ أشد معتنقي هذا الرأي صراحة وعلى العموم من الأفضل أن يتم تغطية مسألة فلسفة العلم والمذهب النقدي التجريبي وعلاقة العلم بالفلسفة في موضوعات أكثر تفصيلاً .

إذا كان ثمة تناقض بين وعياً طبقياً ما وبين حقيقة موضوعية فإن هذا الوعي يعبر عن أيديولوجيا الطبقة الحاكمة أو هو صورة من صور إغتراب الطبقات المُستَغلَّة إذن فثمة دائمة حقيقة موضوعية وفي كل العصور تكون هذه الحقيقة الموضوعية ببساطة هي برنامج الطبقة الثورية . فليس الوعي محض إنعكاس شرطي للواقع المادي كما قد يذهب بعض الماركسيين إذن أن طرحاً كهذا يصب في مصلحة التصور الذاتي أو المنظوري للمعرفة ويلزم عنه أن الوعي الإنساني هو محض تبرير الأمر المتعلق بالجانب الأخلاقي للماركسية بخلاف أنه يفسر التاريخ تفسيراً ميكانيكياً
لا توجد حقيقة مطلقة ثابتة لكن ثمة دائماً حقائق موضوعية متغيرة وفي مجال حركة التاريخ فإن الحقيقة الموضوعية هي التي تفرضها الضرورة , ضرورة تقدم مجتمع ما أكثر نحو إنعتاق قواه المنتجه ودائماً كانت هذه الضرورة هذه الحقيقة الموضوعية هي برنامج الطبقة الثورية ,
لا يمكن فصل أي فكرة أو نظرية أو إستنتاج عن الآلية التي تم بموجبها تشكل هذا الوعي فالفكر هو بالأساس بناء مركب متناقض وآلية إستنتاج فكرة شرط أساسي للتدليل على صواب هذه الفكرة لذلك فإن تناول الظاهرة الإجتماعية من حيث كونها موضوع خارج عنا " مع التشديد على العلاقة الجدلية بين الذات والموضوع " ومن حيث كونها نسق كلي لا يتم تفكيكه إلى خواص إلا لكي يتم إعادة تركيبه مرة أخرى في نسق كلي وذلك بغرض إستيعاب تاريخه وإستيعاب النسق من حيث كونه حركة - هذا المنهج بالتحديد هو مايميز الماركسية عن التصورات الذاتية والتجريبية للمعرفة .
على ذلك فإن قضية موضوعية المعرفة – قضية السعي وراء الحقيقة كشرط لإنعتاق الإنسان وخروجه من ذاته المشروطة بعلاقات الإنتاج المستقلة عنه هي قضية متعلقة بالجانب الأخلاقي للفلسفة الماركسية كونها فلسفة تحرر وقهر الإغتراب بالمقام الأول في مواجهة تصورات تختزل الذات الإنسانية في منظور غرائزي أو معطيات تجريبية تزيد من توريط الإنسان في ذاته الفردية بالتالي إلغاء إنسانيته وإختزالها في صورة فئات المستهلكين .



تعليقات الفيسبوك