يا أيها الشيوعيون المفلسون !!


فؤاد النمري
2018 / 6 / 29 - 22:26     

يا أيها الشيوعيون المفلسون !!

يا أيها الشيوعيون المفلسون، ما الذي استدعاكم إلى الإفلاس !؟ أهو انهيار الاتحاد السوفياتي الذي استدعى افلاسكم !؟ لكن مؤسس الاتحاد السوفياتي فلاديمير لينين وباني الاتحاد السوفياتي يوسف ستالين لم يبارح مخيلتهما انهيار الاتحاد السوفياتي وليس من سبب لذلك سوى ماركسيتهما المحيطية . تحصّنا في حصن الماركسية الذي لا تنال منه الدهور وكانا يطلان من إحدى طلاقيّات الحصن فيريان الاتحاد السوفياتي ينهار . هكذا رآه لينين في رسائله إلى المؤتمر الثاني عشر للحزب في العام 23، وهكذا رآه ستالين في ندوة "القضايا الإقتصادية للإشتراكية في الاتحاد السوفياتي" المنعقدة في العام 51 ؛ وفي اكتوير 52 أعلن ستالين في المؤتمر التاسع عشر للحزب خشيته من انهيار الثورة الاشتراكية إن لم يتم تغيير القيادة المتقادمة بالكامل حتى بستالين نفسه . ما خشي منه ستالين قد تحقق فعلاً بعد ثلاثة شهور فقط إذ بدأ الانهيار باغتيال ستالين بالسم على مائدته في 28 فبراير شباط 53 . توفي ستالين الساعة التاسعة مساء 5 مارس آذار وفي الساعة الثامنة صباح 6 مارس اجتمعت نفس القيادة التي كان ستالين قد حذر من بقائها ولم يستجب مؤتمر الحزب العام لتحذيره وقررت الإنقلاب على الحزب وإلغاء انتخاب المؤتمر العام للحزب لاثتي عشر عضوا مضافاً في المكتب السياسي كضمانة لعدم انهيار الثورة كما برر ستالين . وفي سبتمبر ايلول من نفس العام استكمل الإنقلاب النهائي على النظام الإشتراكي حيث قررت اللجنة المركزية للحزب وضع الحد الأخير للنظام الإشتراكي والإنصراف الكلي لانتاج الأسلحة وهو الوسيلة المتاحة الوحيدة التي تمكن العسكر من تهديم البنيان الإشتراكي الذي تم إنجازه قبل العام 53 . ذاك ما أسيء فهمه على أنه سباق التسلح مع أميركا، بينما كان الركض وراء التسلح، وهو ما كانت تشجبه الولايات المتحدة في بيان يصدر عن وزارة الخارجية كل عام دون أن تعلم أن تكريس كل الإقتصاد السوفياتي للتسلح إنما كان الوسيلة المتاحة الوحيدة لتهديم الإشتراكية كما ثبت ذلك في نهاية المطاف حتى كان أن أصدرت السلطات في موسكو قانونا يمنع نشاط الحزب الشيوعي في العام 92 .

ما كان الشيوعيون لينتهوا إلى الإفلاس لو كانوا قد علموا بطبيعة الإنقلاب على الإشتراكية في العام 53 أو في العام 57 حين تم طرد أعضاء المكتب السياسي بانقلاب عسكري وهو ما دعاهم إلى تجاوز إعلان الحزب قراره في المؤتمر الثاني والعشرين في العام 61 بإلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا واستبدالها ب "دولة الشعب كله" بمعنى دولة البروليتاريا والبورجوازية الوضيعة معاً وهو ما يعني بالتحديد التخلي عن الاشتراكية لأن المعنى الوحيد للإشتراكية هو محو الطبقات أي أن تقوم البروليتاريا بإلغاء طبقة البورجوازية الوضيعة فكيف تلغي البروليتاريا شريكها الشرعي في "دولة الشعب كله" التي ابتدعها خروشتشوف أو الأحرى العسكر وألزموا خروشتشوف بها حيث كان خروشتشوف يعتبر رسمياً من البروليتاريا !؟ رغم أن إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا في الحقيقة لا يعني غير أن الدولة البديلة هي دولة البورجوازية الوضيعة . ماركس أكد في نقده لبرنامج غوتا على أن لا إشتراكية بدود دولة دكتاتورية البروليتاريا وكان الإفلاس عينه استمرار الأخزاب الشيوعية اعتبار الاتحاد السوفياتي اشتراكياً بعد إلغائه دكتاتورية البروليتاريا في العام 61 . منذ أن لفظ ستالين آخر أنفاسه باتت كل السلطة بأيدي المخابرات السوفياتية التي هي رئاسة أركان الطبقة البورجوازية الوضيعة العدو الرئيسي للإشتراكية كما اعتبرها لينين . منذ أن نحّت المخابرات السوفياتية مالنكوف عن السلطة في سبتملر 53 وسائر رؤساء الاتحاد السوفياتي تعينهم المخابرات السوفياتية بدءاً بخروشتشوف ثم الإطاحة به عسكريا واستبداله ببريجينيف وبعده مدير المخابرات عينه أندروبوف الذي كشف عن الأنياب الدموية للمخابرات فرفع أسعار المواد التموينية ولاحق العمال الهاربين من العمل بشرطة القمع وإعادتهم إلى العمل الجبري، ثم غورباتشوف الملقب بخائن الإشتراكية وأخيراً أعداء الاشتراكية المفضوحين يلتسن وبوتين . ويستطيع المرء أن يتعرًف على وحشية وجرائم المخابرات الروسية مما تقوم به من جرائم في سوريا تعفف النازيون عن اقترافها، آخرها أمس قصف ثلاث مستشفيات في درعا وإخراجها عن العمل من أجل أن ينزف الجرحى حتى الموت دون اسعاف – هؤلاء هم الذين انقلبوا على الإشتراكية - ويذكر في هذا المقام تحذيرات ستالين للطيارين السوفييت المشاركين في قصف درسدن الصناعية في ألمانيا حيث أي قصف لأهداف مدنية كان يفرض تقديم الطيار إلى المحاكمة العسكرية . أين الطيارين السوفييت الذين قصفوا مصانع الأسلحة في درسدن من طياري بوتين والمخابرات الروسية الذين قصفوا مستشفيات درعا أمس !!

ما استدعى الإفلاس إلى الشيوعيين هو ظنهم الغبي الأبله من أن النظام الرأسمالي كان المنتصر في المواجعة الرأسمالية/الإشتراكية ولذلك تراهم جميعاً اليوم قد هجروا حصن الماركسية الحصين الذي لا تنال منه الدهور وأقلعوا عن الإشتراكية فباتوا كالعصف المأكول وانتظموا في ثلاثة مسارب، كل مسرب منها ينافس المسربين الآخرين في البلاهة والحماقة . .

المسرب الأول وإليه يتسرب أولئك المفلسون الذين يعتقدون لسفاهة فيهم أن ماركس وإنجلز ولينين لم يكملوا الماركسية وتركوها لا تجيب على الأسئلة التي تقوم في البلدان المتخلفة التي لم تدرك النظام الرأسمالي . هؤلاء المفلسون يصل بهم الغباء إلى انتقاد ماركس واستصغاره واعتبار البلدان المستعمرة والتابعة ليست جزءاً من النظام الرأسمالي مثلما اعتبرها ماركس، وهو لم يجد أية ضرورة للتوقف عند هذا الأمر الذي لا يحتاج أدنى توقف أو شرح، إذ كيف لا تكون جزءاً من النظام الرأسمالي وهي ملحقة به كسوق لفائض إنتاجه !؟ ما حدا بكارل ماركس أن يكرس كل حياته ويعاني ما عانى من شظف العيش هو وعائلته ليعمر عمارته النظرية الشاهقة والحصن الحصين الذي لا تنال منه الدهور هو أن العالم كل العالم غدا وحدة عضوية واحدة غيرقابلة للتشطير منذ أن سلك طريق التطور الرأسمالي . وكان أن رأى ماركس عبر دراسته الدقيقة للنظام الرأسمالي أن العالم سينتهي إلى الشيوعية عبر ثورة تقوم بها البروليتاريا في مركز النظام الرأسمالي العالمي . ثورة واحدة دائمة تغير كل العالم . أمام مثل هذه الحقائق في النظرية الماركسية تتلاشى كل الدعوات الغبية البلهاء لتطوير الماركسية أو تبيئتها بتعبير بعضهم .

المسرب الثاني لا يخجل التسربون إليه بالإفلاس والتخلى جهاراً نهاراً عن كل ما يمت للماركسية بصلة وخاصة الدمغة الإشتراكية التي هي دكتاتورية البروليتاريا . ما يسمى زورا بالأحزاب الشيوعية في البلدان العربية في العراق ولبنان والأردن ومصر والسودان استبدلت استراتيجيتها الإشتراكية بالديموقراطية البورجوازية وتداول السلطة ياستثناء الحزب الشيوعي السوري فهو ضد تداول السلطة طالما لأنه شريك عصابة الأسد في ذبح الشعب السوري من الوريد إلى الوريد . هؤلاء الشيوعيون المفلسون الأغبياء يطالبون بالديموقراطية البورجوازية بالرغم من غياب تام للبورجوازية، البورجوازية الرأسمالية وليس البورجوازية الوضيعة . البورجوازية الوضيعة لا تلد إلا عصابات تستولي على السلطة بانقلابات كراكوزية مثل انقلابات عصابات البعث في سوريا والعراق . تقوم الديموقراطية البورجوازية عندما يكون هناك بورجوازية تنتج ما يكفي لسد احتياجات الشعب كاملة إن لم يزد . أحزاب الشيوعيين المفلسين في البلدان العربية تضلل شعوبها حيث تنادي جموع "اليسار" من أجل بناء الديموقراطية البورجوازية علما بأن الديوقراطية البورجوازية هي من أنظمة اليمين السياسية، فكيف تدعو اليسار إلى بنائها !!؟

المسرب الثالث وينسرب فيه أولئك الذين لا يحسنون قراءة التاريخ مع أن الماركسية ليست أكثر من قراءة التاريخ قراءة علمية وموضوعية . هذا السرب من الشيوعيين المفلسين لم يقرأ تاريخ المشروع اللينيني منذ بدايته عام 1917 ثم بإعلان بدء الثورة الشيوعية العالمية في مارس آذار 1919 حين أكد لينين أن الثورة الشيوعية ستنجح دون شك في تغيير العالم . لينين لا ينطق عن هوىً ؛ هذا ما أثبته التاريخ بكل تعرجاته وألغازه وليس أصدق من لغز الحرب العالمية الثانية، فالمجهودات التي جهدها المشروع اللينيني في الإتحاد السوفياتي جاءت خارقة لكل المعايير الإنسانية . فكيف لمجتمع عمره أقل من عشرين عاماً يخسر في الحرب 9 ملايين جندياً وأكثر من 15 مليوناً من مواطنيه و 106400 طائرة و 83500 دبابة بالإضافة إلى كل الدمار الفظيع الذي حاق بالأرض والعمران وبعد كل هذا يسحق هتلر في وكره ويرفع راية لينين، الشاكوش والمنجل على الرايخستاغ الهتلري . هؤلاء المفلسون لم يقرأوا قائد الإمبريالية وزعيمها التاريخي ونستون تشيرتشل يكتب إلى ستالين في 6 ابريل نيسان 1943 يقول .. "أنا أعي بكل جوارحي أنكم العمالقة ونحن لسنا مثلكم" . لم يقرأوا أن الإمبراطورية الفرنسية الإمبريالية استسلمت لهتلر بعد أن حاربت أسابيع قليلة وأن بريطانيا وأميركا لم تحاربا هتلر على الإطلاق واستغرقهما التغلب على إيطاليا طيلة سنوات الحرب وأن اليابان كانت ستحتل الولايات المتحدة حتى بعد هيروشيما وناغازاكي لولا مساعدة الاتحاد السوفياتي وقيامه بسحق كامل الجيوش البرية اليابانية في منشوريا .
هؤلاء الشيوعيون المفلسون يعتقدون أن الإمبريالية نجحت في تقويض الاتحاد السوفياتي رغم أن العكس هو الصحيح حيث انهار النظام الرأسمالي في سبعينيات القرن الماضي . فات هؤلاء المفلسين أن يدركوا أن توقف الدول الإمبريالية مرغمة عن إنتاج البضائع والاتجار بقوى العمل هو انهيار النظام الرأسمالي الذي أكده ستالين في أكتوبر 52 ؛ كما لم بقرأوا انقلاب البورجوازية الوضيعة السوفياتية على الإشتراكية في الخمسينيات وأن الإنقلاب كان بفعل الصراع الطبقي . هؤلاء القوم المفلسون صدعوا رؤوسنا وهم يصيحون الإمبريالية ! الإمبريالية !! ولات إمبريالية .

نحن في نهاية القول نؤكد لمختلف صنوف الشيوعيين المفلسين أن ثورة أكتوبر البولشفية فتحت صفحة جديدة في سجل تاريخ البشرية وليس هناك قوة في الأرض تستطيع أن تطويها . لقد حققت ثورة أكتوبر البلشفية الإستحقاق الإشتراكي في كل العالم كما أكد لينين في خطابه التأسيسي للأممية الشيوعية . يمكن لأية قوى إجتماعية أن تهرب من الاستحقاق الاشتراكي لكنها لن تهرب إلا في فوضى عارمة لا تنتهي بغير الصدوع للإستحقاق الإشتراكي الذي سيستحق خلال سنوات قليلة .



تعليقات الفيسبوك