العلم و الثورة - الباب الأوّل من - العلم و الثورة الشيوعية -


شادي الشماوي
2018 / 6 / 29 - 02:03     

العلم و الثورة - الباب الأوّل من " العلم و الثورة الشيوعية "

مقدّمة الكتاب 31 :

ما من شكّ في أنّ الغالبيّة الغالبة من القرّاء سيثيرون بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة ، عاجلا أم آجلا ، سؤال من هي أرديا سكايبراك التي ترجم لها شادي الشماوي هذه الفصول و المقالات و يقدّمها إلى القرّاء باللغة العربيّة ، لهذا لتكوين فكرة عن هذه المنظّرة الشيوعية ، أوّلا و قبل كلّ شيء ، نعيد إلى الأذهان ما صغناه بإقتضاب كتقديم لها في سبتمبر 2016 ضمن كتابنا عدد 25 المتوفّر بمكتبة الحوار المتمدّن و الحامل لعنوان " عن بوب أفاكيان و أهمّية الخلاصة الجديدة للشيوعية تحدّث قادة من الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية " : " أرديا سكايبراك من القيادات النسائيّة لهذا الحزب منذ عقود ... هي ذات خلفيّة علميّة بمعنى أنّ تكوينها و دراستها الأكاديميين مجال إختصاصهما هو البيولوجيا كما تخبرنا بنفسها فى حوارها الصحفي المطوّل لسنة 2015 فى جريدة " الثورة " . و قد ألّفت عديد المقالات و الكتب الهامة و منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب " عن الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة : بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر " ( و قد ترجمنا و نشرنا فصلين منه هما الفصل الثالث و الفصل الرابع) و كتاب " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا " و كتاب " العلم و الثورة عن أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة و قيادة بوب أفاكيان- حوار صحفي مع أرديا سكايبراك " هو مضمون الحوار الصحفي المشار إليه أعلاه ."
و إلى ذلك نضيف تعريفا نوعا ما رسميّا بالكاتبة ورد فى مؤلّفها ، " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا " المنشور سنة 2015 :
" كانت أرديا سكايبراك تتدرّب رسميّا لتصبح بيولوجيّة مختصّة فى البيولوجيا التطوّرية والبنية الإجتماعية. و قد كانت ألزمت نفسها بنشر العلم و المنهج العلمي على أوسع نطاق ممكن إذ كانت ينتابها شعور قويّ بأنّه عندما يُحرم الناس من المقاربة العلمية للواقع ، يُسلبون كلاّ من التقدير التام لجمال العالم الطبيعي و ثرائه و وسائل الفهم الحقيقي لديناميكيّة التغيّر فى الطبيعة و المجتمع .
و تنحدر سكابراك من خلفيّة عالميّة فقد سافرت كثيرا و تفاعلت مع أناس من ثقافات عديدة . و منذ أن كانت طفلة تلقّت تشجيعا على أن تصبح مفكّرة نقديّة و دُرّبت منهجيّا كمثقفة حسب التقاليد الأوروبيّة . و قد شمل هذا مروحة واسعة ومتنوّعة من الإهتمامات و الهوايات فى الكثير من المجالات المتنوّعة ، لكلّ من الفنون و العلوم .
و قد تأثّرت سكايبراك تأثّرا عميقا ، أثناء دراستها فى المعاهد و الكلّيات ، بالهزّات الكبرى لستّينات القرن العشرين و كيف أنّ " الثورة كانت فى الجوّ ". و تأثّرت كبير التأثّر بحرب الفتنام و مالكولم أكس و الفهود السود و الحركة الراديكالية لتحرير النساء و الصين و الثورة الثقافيّة و ماو – بالنسبة لها كما بالنسبة لآخرين كثر .
و متابعة لشغفها بالبيولوجيا ، فى بدايات سعينات القرن العشرين و أواسطه ، راكمت سكايبراك تجربة هامة فى البحث فى المخابر و على أرض الميدان . و كمكتشفة حقيقيّة ، كانت فى غاية السرور لمّا كانت تستطيع المزج بين نقاش آخر المفاهيم النظريّة مع زملائها البيولوجيّين و التوغّل فى الغابات الإستوائيّة الرطبة أثناء بعثات بحث على أرض ميدان ما . وقد درّست العلوم على مستوى المعاهد و نشرت مقالات فى مجلاّت مختصّة ، و تحصّلت على شهادة الماجستير ، و كانت فى سبيلها نحو الحصول على دكتوراه بيولوجيا .
و كعاملة شابة بمجال العلم ، كانت سكايبراك تعيش بالضبط الحياة التى أرادت عيشها ، لكن فى نفس الوقت ، ظلّت تشعر بفظاعة الظلم الإجتماعي و شعرت بالحاجة الماسة إلى التغيير الثوري للعالم . و قبل مناقشة أطروحة دكتراها ، إتّخذت القرار الصعب بترك برنامج الدكتوراه لتكرّس نفسها كلّيا للإلتزامات الإجتماعية و السياسيّة الأوسع . و مع ذلك ، لم تفقد أبدا شغفها بالبحث العلمي و عشقها للمغامرة و حماسها لتطبيق المناهج العلميّة و نشرها فى صفوف الشعب إذ شعرت أنّه دون ذلك لا يمكن أنيوجد فم سليم للواقع أو لكيفيّة تغييره .
و شملت تجارب حياة أرديا وعملها كلاّ من المناطق الدينيّة الكبرى عبر العالم و الأماكن البرّية الغريبة ، كلاّ من التدريس الأكاديمي و العمل فى المصانع مقابل أجر أدنى . وهي مرتاحة كذلك فى النقاش مع الفنّانين و المثقّفين أو الجلوس مع سكّان حيّ حول طاولة المطبخ للحديث عن الحياة و الفلسفة .
و ككاتبة ذات أفق شيوعي ثوري ، بحثت جملة من المواضيع الإجتماعية و السياسيّة و العلميّة و الفلسفيّة – و تشمل كتاباتها " عن الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة : بحث فى ظهور الإنسان و مصدر إضطهاد النساء و طريق التحرّر " ؛ و" بعض الأفكار حول الدور الإجتماعي للفنّ "؛ و" ليس فى جيناتنا وخوض الهجوم المضاد الإيديولوجي "؛ و " تذكّر ستفان جاي غولد " ؛ و " الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية " .
و كقارئة نهمة تلتهم الكتب إلتهاما و كمتابعة للثقافة الشعبيّة ، تعتمد على التاريخ و الفلسفة و الأنتروبولوجيا و العلوم السياسيّة و الفنّ و الموسيقى و الأفلام – مثلما تعتمد العلوم الطبيعيّة – لتجعل من الموضوع التى تتطرّق إليه موضوعا ينبض حيويّة . و فى موقع الجوهر فى ما تكتبه ، و ما يُبلغه كتابها الأخير بصفة قويّة ، أهمّية " معرفة ما هو حقيقي – و لماذا يهمّنا ".
و نحن إذ بذلنا ما بذلنا من الكدح لتعريب المادة التي بين أيدى القرّاء و نسخها و إخراجها في شكل كتاب لا نقوم بالواجب الشيوعي الثورى فحسب بل ننهض بمسؤوليّة نراها راهنا واحدة من أوكد المهام العديدة الملقاة على كاهل الشيوعيين الثوريين و الشيوعيات الثوريات ألا وهي التعريف بالمنظّرات الشيوعيّات الثوريّات اللاتى شعرنا ، لا سيما عربيّا ، أنّهنّ مغمورات ولا يوفيها المهتمّون بالشيوعية عامة حقّها في الدراسة و التمحيص و النقد و التفاعل الإيجابي كأنّها دون المنظّرين الذكور مستوى أو تمكّنا من مواضيع النقاش و البحث عن الحقيقة و المسك بها و الدفاع المستميت عنها . و من هنا يأتي هذا الكتاب لبنة أخرى في ما قد يعتبر كسرا للطوق المضروب عن وعي او عن غير وعي على المنظّرات الشيوعيات الثوريّات و قد أنف لنا التعريف بجملة من أعمال نظريّة ماركسيّة في كتابنا السابق ، الكتاب عدد 30 الذى إخترنا له من العناوين " الماركسيّة و النسويّة " – تجميع و نشر شهرزاد موجاب . و بالمناسبة ندعو الشيوعيات الثوريّات و الشيوعيين الثوريين إلى إيلاء العناية اللازمة شيوعيّا لنشر مقالات و كتب منظّرات البروليتاريا العلمية جنبا إلى جنب مع نشر كتب و مقالات منظّرى البروليتاريا العالميّة .
و تقع المواضيع التي تناولتها أرديا سكايبراك في كتبها و مقالاتها موقع القلب من محاور الصراع العلمي و الإيديولوجي و الطبقي عبر العالم قاطبة فبحوثها العلميّة فى ظهور الإنسان و مصدر إضطهاد النساء و طريق التحرّر ، و في البيولوجيا و الوراثة و الجينات و الثقافة ، و في علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق ، و في الدور الاجتماعي للفنّ و الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة إلخ من صميم مواضيع السجالات بين الفكر العلمي و الفكر الخرافي ، بين القوى الرجعيّة و القوى الثوريّة عبر العالم بأسره و عليه ففائدتها بلا أدنى ظلّ للشكّ عظيمة بالنسبة للشيوعيين و الشيوعيّات الحقيقيين و الباحثين و الباحثات عن الحقيقة في البلدان العربيّة . فمن أمريكا و نظام ترامب / بانس الفاشي إلى أقطارنا العربية مرورا بعدّة بلدان أوروبية و آسيويّة خاصة ما فتأ المسيحيون الفاشيّون و الإسلاميون الفاشيوّن داخل الحكم أو خارجه إلى جانب قوى رجعيّة أخرى كثيرة يتلاعبون بثقافة الجماهير و يبثّون فيها سموما معادية للعلم و مشوّهة له و حتّى مطالبة بالحطّ من منزلته و تسويته بالخرافات المبتدعة و الأساطير الدينيّة التي تجعل الجماهير مغتربة عن الواقع المادي الموضوعي في المجتمع و الطبيعة و كيفيّة التعاطى معهما . هذا من ناحية ، و من الناحية الثانية ، يصمّ أذاننا دعاة القوى الدينيّة الإسلاميّة بشتّى ألوانها بإدعاء أنّ رجال الدين علماء فلا يكفوّا عن نعتهم بالعلماء على مدار الساعة في حين أنّهم أعداء العلم الحقيقي و منابع الفكر الخرافي و ما يروّجون له منهجا و مضمونا غريب في غربته عن العلم الحقيقي بمنهج بحثه الدقيق و بما هو بحث عن حقائق مادية موضوعية قائمة على الدلائل الملموسة من الواقع الملموس . و هذه بالتأكيد نقطة على كافة الشيوعيين و الشيوعيات الحقيقيين أن يبرزوها ضمن الصراع المحتدم لبثّ الفكر العلمي حقّا و محاربة الفكر الخرافي بما أوتوا من قوّة و طاقة . و إننّا لمن المقرّين بحقيقة وجوب خوض المعركة ضد الأفكار الرجعيّة المعرقلة لإستيعاب أوسع الجماهير للعلم و للشيوعية كعلم سلاحا لتفسير العالم و تغييره شيوعيا ثوريّا . أمّا المتهرّبون بشكل أو آخر من ضرورة خوض هذه المعركة المصيرية فيحرّفون الماركسيّة و يطمسون الحاجة إلى النظريّة الثوريّة لبناء حركات ثوريّة الشعوب في حاجة ماسة لها من أجل القيام بالثورة و تحرير الإنسانيّة من الإستغلال و الإضطهاد سواء منهما الجندريين أو الطبقيين أو القوميين . بلا لفّ و دوران نقولها صراحة ، ثمّة مهادنة و حتّى تذيّل للقوى الدينيّة من طرف قوى تدّعى التقدّميّة و حتّى الثوريّة بتعلاّت و تبريرات متنوّعة تبلغ التلاعب بالماركسية و بالماديّة الجدليّة . و هذا الوجه من إدارة الظهر للعلم و للشيوعية كعلم يقابله وجه آخر هو الإنحراف الدغمائي الذى يجعل من علم الثورة البروليتارية العالميّة دوغما دينيّة تحنّط الماركسية و تقطعها عن حبل التطوّر ككلّ علم و هذا مرض مستشرى في صفوف الحركة الشيوعية العربيّة و العالمية ... و ليس إنتصارأرديا سكايبراك إلى الشيوعية الثوريّة نظريّة و ممارسة و الإستماتة في الدفاع عنها و تطبيقها و تطويرها إلاّ الوجه الآخر المكمّل لقائدة شيوعيّة تعلى راية العلم نظريّا و عمليّا لذا يجب أن تتبوّأ المكانة التي تستحقّ عن جدارة .
و قد بوّبنا ما إصطفينا من فصول و مقالات من كتابات قائدتنا الشيوعية الثوريّة في خمسة أبواب هي على التوالي :
I- الباب الأوّل : العلم و الثورة - مقتطف من " عن أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة و قيادة بوب أفاكيان - حوار صحفي مع أرديا سكايبراك "
- مقاربة علمية للمجتمع و تغيير العالم
- نظرة علميّة و فضول لا حدود له بشأن العالم
- تقييم علمي : العالم اليوم فظيع بالنسبة لغالبيّة الإنسانيّة – و يمكن تغييره تغييرا راديكاليّا
- التجربة والتطوّر الخاصين : التدريب الفكري و متعة السؤال العلمي
II- الباب الثاني: بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ والإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية
1- بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ
الجزء الأوّل : " الفنّ و تاريخ الإنسان "
توطئة الناشر :
حكايات شعب الكنغ سان !
" العمل الدائم و عدم اللعب يجعل جاك طفلا غبيّا " :
الفنّ كتعبير عن النظرة إلى العالم :
دور الفنّ فى المجتمع الإنساني :
الجزء الثاني : الفنّ و العلم
مقترح منحرف :
صياغة الجديد :
الجزء الثالث : الفنّ و السياسة و الدور الخاص للفنّ الثوري
الفنّ الثوري :
الجزء الرابع : الفنّ كتنبّئ بالمستقبل
هل يكون الفنّ أقوى عندما " يخفى الفنّانون آراءهم "؟
الفنّ بمستويات مختلفة :
أحمر و أخصّائي :
الوعي و العفويّة :
2- الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية
3- رسالة من أرديا سكايبراك إلى ندوة ذكرى شولاميث
III- الباب الثالث : الفصلان 3 و 4 من " عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية - بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر "
مقدّمة المترجم :
مقدّمة كتاب " الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية ..."
الفصل الثالث
الفصل الرابع
ملحق : لماذا كان إنجلز متقدّما بخطوة ؟
مراجع كتاب " عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية ..."
IV- الباب الرابع : تطوّر الكائنات البشريّة - الفصل السابع من " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا "
- من نحن؟ من أين أتينا ؟ كيف سيكون المستقبل ؟
- تطوّر الإنسان من أنواع غير إنسانيّة وجدت قبله :
- بعض الوقائع الأساسيّة عن التطوّر :
- ثمّ هناك الأحافير – الكثير من الأحافير :
- تلخيص مقتضب :
- ماذا يعنى عمليّا أن " تصبح إنسانا " ؟
نحن الطفل الصغير ضمن الكتلة -
- ظهور أنواع جديدة و تعزيزها :
- ظروف مفاتيح فى تطوّر الإنسان :
- الأدلّة الواضحة و المتراكمة عن التطوّر من قردة إلى إنسان :
- لماذا نوعنا من الهومينيد هو الوحيد الذى لا يزال منتصب القامة [ واقفا ] ؟
- ما الذى يجعلنا خاصّين جدّا ، و إن بالنسبة لأنفسنا ؟
- القفزتان الكبيرتان فى تطوّر الهومينيد :
- سلسلة مراحل إنتقاليّة من الملامح الأشبه بالقردة إلى ملامح أشبه بالإنسان :
- هل كان الهومينيد الأوائل" مجرّد قردة " دلالة تطوّر التنقّل على قدمين على طريق التحوّل إلى إنسان:
- لذا ، هل نحن مجرّد حادث ؟
- تلخيص و نظرة عامة :
- صلة بيئيّة ممكنة :
- نوع واحد – عبر العالم بأسره :
نوع يغيّر العالم تغييرا جذريّا
إضافات إلى الفصل السابع
الإنسان و الديناصورات ؟! فكرة عبثيّة أخرى لأنصار فكر الخلق .
الحمض النووي لدى الشنبنزي ولدى الإنسان : إلى أي مدى نتقارب ؟
هل كان توماي أحد أسلافنا ؟
ميف ليكي تمسك بآخر إكتشافاتها للأحافير
هل أن الهومو أركتوس أوّل أنواع الإنسان التى غادرت أفريقيا ؟
جميعنا أتينا من أفريقيا
ماذا يقول لنا علم التطوّر عن " الأعراق " الإنسانيّة ؟
ألا يزال الإنسان يتطوّر ؟
V- الباب الخامس: إطار نظري جديد لمرحلة جديدة من الثورة الشيوعية - مقتطفات من:
" العلم و الثورة - حول أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة للشيوعية و قيادة بوب أفاكيان "
إطار نظري جديد لمرحلة جديدة من الثورة الشيوعية
ما الجديد فى الخلاصة الجديدة ؟
الإختراقات النظريّة و التطبيق العملي للخلاصة الجديد
دستور الجمهورية الإشتراكية الجديدة – تطبيق ملموس لرؤية ثاقبة للخلاصة الجديدة
الخلاصة الجديدة : المضي صراحة صوب الحقيقة – و نبذ مفهوم " الحقيقة الطبقية "
بوب أفاكيان : مزيج نادر جدّا من – النظريّة العالية التطوّر و المشاعر و الصلات العميقة مع الذين يحتاجون بأكبر يأس إلى هذه الثورة
تهمة " عبادة الفرد " – جاهلة وسخيفة و فوق كلّ شيء تتجاوز المعقول
القيادة : هل تخنق المبادرة أم تطلق لها العنان ؟
لماذا من المهمّ جدّا التوغّ فى مؤلّفات بوب أفاكيان و ما يعنيه ذلك
رؤية آملة – على أساس علمي
التفاعل الجدّى مع الخلاصة الجديدة – و الفرق الذى يمكن أن تحدثه
هبّات كبرى فى العالم و الحاجة الكبيرة للمقاربة العلمية للخلاصة الجديدة
------------------------------------------------------------------------------------
ملحق : فهارس كتب شادي الشماوي









الباب الأوّل :
العلم و الثورة
عن أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة و قيادة بوب أفاكيان
حوار صحفي مع أرديا سكايبراك
Revolution Newspaper | revcom.us
http://revcom.us/a/378/Ardea-Skybreak-2015-Interview-en.pdf
فى الفترة الأولى من هذه السنة ( 2015 ) ، أجرت جريدة " الثورة " حوارا شاملا مع أرديا سكايبراك و قد إستغرق إنجاز الحوار عدّة أيّام. وأرديا سكابراك عاملة بالمجال العلمي و متدرّبة محترفة مختصّة فى البيئة و البيولوجيا التطوّريّة و مدافعة عن الخلاصة الجديدة للشيوعية التى تقدّم بها بوب أفاكيان . و قد ألّفت سكايبراك ، ضمن أعمال أخرى ، " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا " و " حول الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة : بحث فى ظهور الإنسان و مصدر إضطهاد النساء و طريق التحرّر ".
و فيما يلى مقتطف فقط - الصفحات 1 إلى 19 - من ذلك الحوار الطويل الواقع فى 173 صفحة و الأكيد أنّ كامل محتويات الحوار الآتى ذكرها تستحقّ الدراسة العميقة :
مقاربة علمية للمجتمع و تغيير العالم
نظرة علميّة و فضول لا حدود له بشأن العالم
تقييم علمي : العالم اليوم فظيع بالنسبة لغالبيّة الإنسانيّة – و يمكن تغييره تغييرا راديكاليّا
التجربة والتطوّر الخاصين : التدريب الفكري و متعة السؤال العلمي
التوصّل إلى رؤية الرأسمالية – الإمبريالية كمشكل و الإنجذاب إلى الشيوعية
مزيد الوضوح بخصوص الحاجة إلى الثورة – القطيعة مع الأفكار الخاطئة الأوهام
عن حضور الحوار بين بوب افاكيان وكورنال واست
بوب أفاكيان ذو رؤية علمية ثاقبة حقيقة .
الخلاصة الجديدة و اللبّ الصلب و المرونة
رجل دولة شيوعي وتشكيل قيادة شيوعية
دحض حيوي للقوالب الجاهزة والأفكار الخاطئة
إطار نظري جديد لمرحلة جديدة من الثورة الشيوعية
ما الجديد فى الخلاصة الجديدة ؟
الإختراقات النظريّة و التطبيق العملي للخلاصة الجديد
دستور الجمهورية الإشتراكية الجديدة – تطبيق ملموس لرؤية ثاقبة للخلاصة الجديدة
الخلاصة الجديدة : المضي صراحة صوب الحقيقة – و نبذ مفهوم " الحقيقة الطبقية "
بوب أفاكيان : زيج نادر جدّا من – النظريّة العالية التطوّر و المشاعر و الصلات العميقة مع الذين يحتاجون بأكبر يأس إلى هذه الثورة
تهمة " عبادة الفرد " – جاهلة وسخيفة و فوق كلّ شيء تتجاوز المعقول
القيادة : هل تخنق المبادرة أم تطلق لها العنان ؟
لماذا من المهمّ جدّا التوغّ فى مؤلّفات بوب أفاكيان و ما يعنيه ذلك
رؤية آملة – على أساس علمي
التفاعل الجدّى مع الخلاصة الجديدة – و الفرق الذى يمكن أن تحدثه
هبّات كبرى فى العالم و الحاجة الكبيرة للمقاربة العلمية للخلاصة الجديدة
لنتفزعنا مفردات مثل دكتاتوريّة البروليتاريا ... نحن نعيش الآن فى ظلّ دكتاتورية البرجوازيّة
ماذا يعنى أن يوجد حزب منظّم على أساس الخلاصة الجديدة و ما الفرق الذى يمكن أن يحدثه ذلك ؟
بعض الشكر الذى يجب أن يقال بصوت عالى
لماذا يوجد قدر كبير من السخرية و الهجمات الخبيثة وكيف يمكن تغيير ذلك ؟
فهم مادي – أساس مادي للماذا تعتّم الضبابيّة رؤية بعض الناس لأفق ثورة فعلية
خدمة الذات أم خدمة قضيّة تحرير الإنسانية ؟
هناك حاجة لنقاش إجتماعي كبير : إصلاح أم ثورة ؟
مواقع مختلفة فى المجتمع ، نظرات مختلفة للثورة و للقيادة الثوريّة
أوهام الحرّية و المساواة و واقع الدكتاتوريّة – و تجاوز الإنقسامات الإضطهاديّة
مشكل جوهريّ فى عالم اليوم : النقص المفجع فى المناهج العلمية و المادية العلمية
إلى جانب من تقفون ؟
تقدّموا ، هناك مكان و دور لكم
القيادة الشيوعية ليست منقذا مبعوثا من السماء
منهج و مقاربة علميين صراحة
مكتشفة و مفكّرة ناقدة و مناصرة لبوب أفاكيان : فهم العالم و تغييره إلى الأفضل ، فى مصلحة الإنسانية ).
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
مقاربة علمية للمجتمع و تغيير العالم :
سؤال :
أعتقد أنّنا سننطلق فى هذا الحوار بطرح مقتضب لبعض الأسئلة عن العلم و المنهج العلمي . و عمليّا أودّ الإنطلاق مع نوع من السؤال الإستفزازي : ما علاقة العلم بفهم العالم وتغييره ؟ و بسرعة لتوفير بعض الخلفيّة ، أقول إنّ معظم الناس و منهم غالبيّة علماء الطبيعة ، لا يعتقدون فى أنّه بمستطاعنا و أنّنا نحتاج إلى أو ينبغى أن نتّخذ مقاربة علميّة لتحليل المجتمع أو تحليل " العالم الإجتماعي" فما بالك بتغييره . لهذا أسألك : لماذا يُعدّ هذا الفهم خائا و ما علاقة العلم و المنهج العلمي بفهم المجتمع و العالم و تغييرهما ؟
جواب :
أظنّ أنّ هذا سؤال هام للغاية فكما تقول ، حتّى عديد الناس العاملين بمجال العلم فى العلوم الطبيعيّة و الذين يطبّقون مناهجا علميّة صارمة جدّا ، عندما يحاولون التعاي مع العالم الطبيعي ( البيولوجيا و علم الفلك و الفيزياء و ما إلى ذلك) ، عندما تتحدّث معهم عن المجتمع – عنمشاكل المجتمع و طرق تنظيم المجتمعات – يبدون فجأة كما لو أنّإستيعابهم للمنهج العلمي يفرّ تماما من النافذة ! و يشرع عديد علماء الطبيعة فعليّا فى التحوّل حينها إلى ضرب من الشعبوية التامة ، إلى مجرّد ضرب من الحديث الضبابي عن " إرادة الناس " أو عن الإنتخابات أو بعض الأشياء الأخرى التى لها فعلا صلة صغيرة أو لا علاقة لها بالتحليل بطريقة علميّة للمظاهر الأساسيّة لمجتمع معى – كيف يتشكّل و كيف يسير – أو بالتحليل بطريقة علمية لما هو خاطئ فى مجتمع ، و كيف يمكن معالجة المشاكل الإجتماعية بطريقة علمية . و الأكيد أنّ الجميع ليسوا هكذا و لكن الظاهرة مذهلة – الدرجة التى يبدو عديد المثقّفين التقدّميين فى علوم الطبيعة و كأنّهم ينسون أو يمحون بجرّة قلم كلّ ما يعرفونه عن المناهج العلمة كلّما حاولوا التفكير فى مشاكل المجتمع !
أعتقد أنّه من الهام و الهام جدّا فهم أنّ العلم كمنهج لم يوجد لفترة طويلة جدّا فى تاريخ الإنسان . و من ثمّة عموما ببساطة ليس الناس معتادين على السعي إلى فهم الواقع و تغييره بريقة علميّة . خلال معظم التاريخ البشري على هذا الكوكب ، كان فهم كلّ العالم الطبيعي و الإجتماعي ينبع أكثر من نوع من الماربة الأساسية للمحاولة – الخطأ ، سعيا إستيعاب الأشياء قدر الإمكان و سعيا لمعالجة المشاكل على هذا النحو – عادة مقدّمين كافة أصناف التفاسير الصوفيّة و الماوراء الطبيعة لردم الهوّة فى فهم الناس . و هكذا إعتاد الناس عل التفكير فى أنّ البرق تعبير عن غضب الإلاه أو شيئا من هذا القبيل لأنّه لفترة طويلة ما كان لديهم فهم علمي لما كان عمليّا يتسبّب فى البرق .
لذا أعتقد أنّه يجدر بنا الحديث عن ما هو العلم كي ننزع عنه قليلا من الغموض الذى يلفّه . أنى أنّ العلم يعالج الواقع المادي و يمكن أن تقولوا إنّ كلّ الطبيعة و كلّ المجتمع الإنساني مجال للعلم و بوسع العلم أن يتعاطى مع كلّ هذا . إنّ العلم أداة و أداة قويّة جدّا . إنّه منهج و مقاربة القدرة على قول ما هي الحقيقة ، ما الذى يتناسب مع الواقع مثلما هو حقّا . بهذا المعى ، العلم مختلف جدّا عن الدين أو الصوفيّة أو ما شابه كأشياء تحاول تفسير الواقع باللجوء إلى قوى متخيّلة ، وهي لا تقدّم أيّة أدلّة عمليّة لأي من تحاليلها . و بالعكس ، يتطلّب العلم إثباتا . إنّه يتطلّب أدلّة . إنّهسيرورة قائمة على الأدلّة . و هذا غاية فى الأهمّية . العلم سيرورة قائمة على الأدلّة . لذا سواء كنتم تحاولون مجرّد المحاولة فهم شيء فى العالم أو تحاولون إستيعاب كيفيّة تغيير الواقع – مثلا ، قد تكونون بصدد محاولة معالجة مرض أو قد تكونون بصدد محاولة فهم ديناميكيّة غابة ممطرة أو نظام بيئي للأرصفة المرجانيّة ، أو قد تكونون بصدد محاولة القيام بثورة لتحرير الإنسانيّة و هذه كما تعلم مروحة كاملة من التجربة الماديّة – يسمح لك العلم بإستيعاب ما يحدث فعلا و كيف يمكن أن يتغيّر .
قرأت فى مكان ما أنّ نايل ديغراس تيزون فى نشره على نطاق شعبي أهمّية العلم ، قال شيئا يشبه – أنا أعيد الفكرة العامة هنا لما قاله : العلم يخوّل لك مواجهة المشاكل و تشخيصها و التعرّف على المشاكل و إدراك كيفيّة معالجتها ، بدلا من الهروب منها . و أظنّ أنّ هذه نقطة هامة أيضا . العلم يسمح لك عمليّا بالتعاطى مع الواقع المادي كما هو حقّا . سواء كنّا نتحدّث عن واقع مادي لمرض ، أو لنظام بيئي طبيعي أو لنظام إجتماعي يعيش البشسر فى ظلّه ، يخوّل لك العلم تحليل مكوّناته ، تاريخه و كيف أصبح على ما هو عليه ، و من ماذا يتكوّن و ما هي مظاهره المميّزة و تناقضاته الكامنة ( و سأعود إلى الموضوع لاحقا ) ومن هنا أيضا ما هو أساسي تغيّره أو تغييره ، إن كنت تعمل على تغييره . سواء أردت معالجة مرض أو جعل مجتمع أفضل ، فإنّك تحتاج إلى هذه السيرورة العلميّة القائمة على الأدلّة .
و من ميزات العلم أنّه يطرح الكثير من الأسئلة حول كيف أنّ الأشياء تصبح على النحو الذى هي عليه ، و حول كيف تغيّرت الأشياء عبر الزمن . لقد كنت دائما مهتمّا جدّا بما يسمّى بالعلومالتاريخيّة – مثلا البيولوجيا التطوّريّة ، لكن هناك أيضا علوم تاريخيّة أخرى ، بما فيها علم الإجتماع البشري – الذى يتعاطى مع كيف تتغيّر الأشياء عبر الزمن . و ثمّ طبعا ، إن كنت تدرس كيفيّة تغيّر الأشياء عبر الزمن، يمكن أن تدرس كيف يمكن للأشياء أن تتغيّر أكثر بعض الشيء بما فى ذلك فى إتّجاهات قد ينزع البشر إلى الدفع نحوها . لقد توّر الواقع برمّته و تغيّر عبر الزمن وهو لا يكفّ عن التغيّر وال الوقت ، سواء كنّا نتحدّث عن العالم الطبيعي أم عن العالم الإجتماعي . إن كنت تريد تغيير الحياة ، إن كنت تريد تغيير كيفيّة تنظيم المجتمع ، إن كنت تريد تغيير العالم ، إن كنت تريد تغيير أي شيء فى الطبيعة أو مجتمع ، تحتاج إلى منهج علمي لأنّه هو الطريقة الوحيدة للكشف العميق و المنهجي لكيف هو الواقع ، على قاعدة الملاحظات و التفاعلات و المعالجات البارعة المنهجيّة و تغيّرات الواقع . على هذا النحو تتعلّمون كيف هي الأشياء فعلا ، كيف صارت هكذا و كيف يمكن تغييرها . و مجدّدا إنّه سيرورة قائمة على الأدلّة ، و ليس مجرّد " ما تعتقد " أو " ما أعتقد " . تحتاجون إلى أدلّة تراكم عبر الزمن . هذا ما يكشف ممّا يتكّون الواقع ، وكيف صار على نحو معيّن ، و كيف يمكن أن يتغبيّر الآن بالذات ، أو كيف يمكن للبشر أن يغيّروه حتّى أكثر .
و إليكم نقطة هامة : دون علم يمكنك أن تقول ما تعتقد كشخص أنّه الواقع أو ربّما يمكنك قول ما يعتقد قسم من الناس أنّه الواقع أو ربّما يمكنك قول ما قد تنطق به حكومة أو سلة دينيّة أو سلطة أخرى ، أنّه الواقع لكن ذلك لا يجعل القول صحيحا . دون علم أنت عُرضة للتضليل ، لتعرّض تفكيرك للتضليل و عدم القدرة على قول ما هو صحيح و ما هو خاطئ ، ما هو حقيقة و ما هو وهم . إذا كنت تريد حقّا التعرّف على الأشياء ، ما هو حقيقي و ما الذى يجب القيام به ، تحتاج إلى العلم – ليس الأوهام أو التفكير الحالم ، بل الأدلّة الملموسة و سيرورة منهجيّة و منهج صارم للتحليل و التلخيص . و يفكّك التحليل التجربة و المعرفة عبر الزمن ؛ فى حين يجمّع التلخيص الأفكار فى مستوى أرقى على نحو أكثر منهجيّة مستخلصا دروسا أكبر ، دروسا جوهرية من التجربة المراكمة .
لذا هذا سبب من أسباب لماذا تحتاج إلى النظريّة الثوريّة العلميّة إذا ما أردت حقّا تغيير المجتمع من الجذور . و كما تعلم ، نقصد بالحديث التغيير الراديكالي للمجتمع . و كلمة " راديكالي " يعود معناها إلى اللاتينيّة و تفيد " الجذور " ما يعنى الذهاب إلى جذور المشكل . لا تبق على سطح المشكل كما يبدو ، على المستوى السحي أو فقط كما يبدو فى لحظة زمنيّة معيّنة . أمض إلى ما تحت السر ، إلى ما هوأعمق ، على النحو الذى يقوم به العالم الجيّد ، لفهم ما هي القوانين الأعمق للنظام ، ما هي الطرق الأعمق للتناقضات صلب النظام التى تجعله يسير بأشكال معيّنة تفرز المشاكل أو التى يمكن أن تفرز إمكانيّات .
سؤال :
حسنا ، إن كنت تستطيعين للحظة إقحام تلك الفكرة ، فهذا أذهلنى كشيء هام و نقدي حقّا بمعنى ما هو العلم و ما تعنيه المقاربة العلميّة للواقع ؛ ما تقولينه عن أهمّية العلم على أنّه قائم على الأدلّة و النقاط المختلفة التى أثرتموها حوله ، أعتقد أنّها فى غاية الأهمّية . و شيء أردت لو أقحمته هو نوع صفر هذه المسألة : أعتقد أنّ الكثير من الناس سيعترفون و منهم العديد من علماء الطبيعة – و طبعا أنت نفسك تدرّبت كعالمة طبيعة و ربّكا لك بعض الرؤى الثاقبة بهذا الشأن – لكن الكثير من حتّى علماء الطبيعة سينظرون على الأرجح إلى ما كنت تقولينه و يجيبون بأرى أنّ هذه السيرورة يمكن أن تطبّق على العالم الطبيعي ، على علوم الطبيعة – الأنمت و البحث عن الأدلّة و التلخيص – إلاّ أنهم نوعا ما يتراجعون أمام فكرة أنّه يمكن تطبيق ذلك عمليّا على البشر و المجتمع البشري . أو ربّما طريقة أخرى للتطرّق للمسألة هي أنّ بعض الناس يقولون لكن البشر و المجتمعات البشريّة معقّدة جدّا لبخثها علميّا أو لتطبيق العلم عليها . لذا ربّما تستطيعون التركيزقليلا على ما يعنيه خاصة إتّخاذ مقاربة علميّة للبشر و المجتمع البشري و تطوّرهما ، و لماذا ذلك صحيح ؟
جواب :
يعود ذلك لأمر واحد هو أنّه فى كلّ نظام ، سواء كان عالم طبيعي أم عالم إنساني ، هناك معا تعقيد و تبسيط . و فكرة أنّ البشر أو المجتمعات البشريّة هي ببساطة معقّدة جدّا إلى درجة أنّه لا يمكن تحليلها تحليلا علميّا باتت فكرة سخيفة . و العكس هو الصحيح . كيف يمكنك التعاطى مع تعقيد تنظيمات المجتمع الإنساني وتفاعلاتها طوال فترات تاريخية متنوّعة إلى اليوم ، و كافة التناقضات الكامنة فيه ، و كافة المظاهر و الأشياء المعقّدة و مختلف القوى و ما إلى ذلك ، و مختلف الأهداف لدى مختلف الناس و مختلف فترات التاريخ – كيف يمكنك التعاطى مع كلّ هذا دون علم ؟ و من غير الصحيح أنّ الأنظمة الإجتماعية هي نوعا ما أبسط . لو رغبت فى فهم ديناميكيّة الأنظمة البيئيّة المعقّدة - و على سبيل المثال، غابات ممطرة ذات عدّة طبقات من الأشجار و الشجيرات المتباينة تحت الأرض و ما إلى ذلك ، و التى تتميّز بديناميكيّة معقّدة للغاية بمعنى عديد مختلف أنواع و مستويات التفاعل ضمن و بين التنوّع الذى لا يصدّق فى أنواع النباتات و الحيوانات – أقصد قد تمضى كامل حياتك ،وهو ما يفعله الكثيرون ، لمحاولة فقط الحصول على بداية فهم للكثير من هذه الديناميكيّة المعقّدة . أو إن أردت الحصول على فهم أفضل للأنظمة البيئيّة للأرصفة المرجانيّة أو الأنظمة البيئيّة الصحراويّة ، أو الإختلافات بين الأنظمة البيئيّة المتباينة و أيّها يمكن أن يكومعُرضة أكثر للتفكّك و أيّها يمكن أن يكون أكثر إستقرارا نسبيّا ، أو تقييم التنوّع النسبي أو كيفيّة الحفاظ على التنوّع ... هذه مسائل عدّة تستحقّ مزيد الإكتشاف ... لست أسعى للتوغّل فى كلّ هذا الآ بالذات لأنّنى أعلم أنّكم تريدون الحديث بالأساس عن الأنظمة الإجتماعية الإنسانيّة ، لكن ما أقوله هو إنّ فى كلّ من العالم الطبيعي و العالم الإجتماعي ، الواقع المادي معقّد جدّا و بينما نحن البشر لدينا على الدوام نقائص فى فهمنا ( أشياء لا ندركها ببساطة بعدُ فى أي زمن معطى ) لنا أيضا قدرات ضخم و كمّ كبير من المعرفة المراكمة . عقولنا قادرة على البحث و الإكتشاف العمليين لكافة أنواع المسائل ومن عدّة زوايا مختلفة ، و نحن قادرون عمليّا على تلخيص الأشياء طوال فترة من الزمن ، مراكمين هكذا تجربة و معرفة تاريخيتين . و هذا منالأشياء المميّزة جدّا للبشر :قدرتنا الكبيرة على مراكمة الفهم عبر الأجيال و عبر القرون و عبر آلاف السنين و على فهم بعض مظاهر تنظيم المجتمعات أو الأنظمة الطبيعيّة أو كلّ ما نوجّه إليه عقولنا .
و كبشر نحن قادرون أيضا على القيام بتوقّعات هامة جدّا بشأن المستقبل و ليس فقط بالنسبة للغد أو بالنسبة للشهر التالى لكن أيضا لفهم ما يمكن أن يحدث لهذا الكوكب مثلا – كامل الكوكب – من وجهة نظر بيئيّة ، ناظرين إلى أجيال قادمة و ليس إلى الغد فحسب . و كذلك بشأن الأنظمة الإجتماعية ، لنا عمليّا القدرة على تحليل مختلف مظاهر التنظيم الإجتماعي عبر التاريخ الإنساني من الماضي إلى يومنا هذا ، و يمكننا أيضا أن نتوقّع كيف ستكون الأشياء فى المستقبل و يمكننا بالتالى أن نتّخذ كذلك بعض القرارات حول ما نريد أن نعمل عليه الآن . فى أي إتّجاه نريد أن نحاول دفع الأشياء لأنّه لدينا مبادرة واعية للقيام بذلك . و هكذا مثلا ، عندما نتحدّث عن مجتمع غنساني ، عن التنظيم الإجتماعي الإنساني ، يمكن أن نرى أنّ المجتمع هو فى الأساس طريقة تجمّع الناس مع بعضهم البعض – وعملهم مع بعض أو معارضة بعضهم البعض و هكذا – لكن يتمّ هذا التجمّع فى الأساس للعمل من أجل تلبية متطلّبات حياة الناس فى وقت معيّن . يمكن أن يتمّ ذلك على نحو جيّد أو سيّئ لكن هكذا هو المجتمع الإنساني ، إنّه شكل من التنظيم . أليس كذلك ؟ و كما تعلم ، عضنا جميعنا فى هذا العالم الرأسمالي – الإمبريالي لمدّة طويلة بحيث أنّه بالنسبة للذين لا يزالون اليوم على قيد الحياة ، أحيانا يكون من العسير عليهم تذكّر أو التفكير فى واقع أنّ المجتمعات الإنسانيّة لم تكن دائما منظّمة على هذا النحو و لا ينبغى عليها أن تكون منظّمة على هذا النحو . الرأسماليّة – الإمبرياليّة ليست الطريقة الوحيدة لتنظيم مجتمع إنساني ، و سأحاجج بشدّة بأنّه من اليقيني أنّها ليست أفضل الطرق . لكن على كلّ حال ، ليست الطريقة الوحيدة و هذا يستحقّ الفهم و التفكير فيه . و فى الواقع بإمكاننا تطبي العلم لمحاولة فهم بعض هذه الأنظمة الإجتماعيّة الأسبق. و على سبيل المثال ، كانت عدّة مجتمعات فى تاريخ البشر منظّمة على أساس العبوديّة ، إستغلال العبيد و السيطرة على العبيد الذين كانوا تماما ملكيّة أسياد العبيد الذين بنوا إقتصادا على ذلك النحو . و لن أتوغّل فى تفاصيل ذلك و إنّما هو نوع مجتمع مختلف جدّا عنالمجتمعات السائدة أساسا اليوم ، على نطاق واسع على الأقلّ . إذ لا تزال هناك عبوديّة فى العالم ، و بالمناسبة حتّآ العبوديّة الجنسيّة وهي تمثّل مشكلا كبيرا . بيد أنّ الأشكال الجوهريّة و المهيمنة لتنظيم المجتمعات فى عالم اليوم هي ليست فى ألساس منظّمة على قاعدة العبوديّة . لكن لفترة طويلة من الزمن فى تاريخ البشر ، كان ذلك شكلا مهيمنا من التنظيم الإجتماعي .
و شكل هام آخر من التنظيم الإجتماعي كان النظام الإقطاعي و لا تزال بالتأكيد ثمّة بقايا للإقطاعية فى أنحاء عدّة من عالم اليوم ونراها فى كلّ مكان . لكن فى الأنظمة الإقطاعية وُجد ساد كانوا نبلاء و كانت هناك أرستقراطيّات و كان هناك أيضا أناس مضطهَدون و مسيطر عليهم مثل الأقنان و الفلاّحين الذين تقليديّا يعتنون بالمحاصيل و يعطون الكثير منها إلى سادة منطقة أوما شابه ،و كان عليهم دفع آداءات و إتاوات للسادة و كانوا بالكاد أعلى درجة من أن يكون عبيدا تماما . و كان حتّى من الشائع جدّا لقنّ أن يقدّم إبنته إلى سيّد المنطقة المحلّية ، بالأساس ليتعاطى معها الجنس و يفعل بها ما يحلو له و لم يكن بوسع الأقنان القيام بأي شيء حيال ذلك فى ظلّ قوانين النظام الإقاعي القائم . و بدورها الإقطاعيّة نظام مختلف جدّا عنما يسمّى بالديمقراطيّة البرجوازية كنوع مميو أكثر للنظام الرأسمالي – الإمبريالي للتنظيم الإجتماعي المهيمن على عالم اليوم . لن أسعى إلى تفصيل أي من هذا الآن وإنّما سأقول إنّ ما يستحقّ التفكير هو واقع أ،ّ المناهج العلمية بالإمكان – و قد تمّ – تبيقها على تحليل مظاهر التنظيم الإجتماعي لكافة و مختلف الأنظمة الإجتماعية الماضية ؛ و لئن إستطعنا القيام بذلك فى ما يخص الماضي فبمستطاعنا القيام به كذلك فى ما يخصّ المستقبل .
سيقول البعض حسنا ، الأنظمة مثل العبودية والإقطاعية و ربّما حتّى النظام الرأسمالي ليست طرقا جيّدة لتنظيم المجتمع لكن ما يجب أن نفعله حقّا هو اودة إلى النظام المشاعي البدائي . و يحاجج مثل هؤلاء الناس بأنّنا نحتاج فقط إلى التنظيم على نطاق ضيّق و إتخاذ كافة القرارات معا ن و يمكن أن نخلق " ديمقراية حقيقيّة " ونتّخذ قرارات جماعيّة حول كيفيّة تلبية حاجيات الناس و التشجيع على الفلاحة المحلّية و الإنتاج المحلّى و ما إلى ذلك . و المشكل مع هذه النظرات هو أنّها ببساطة ليست متجذّرة فى الواقع الفعلي لعالم اليوم ! كنت سأتّفق مع أنّه لا يزال هناك الكثير يمكننا تعلّمه من مجتمعات الصيد – القطف التى سادت لمعظم تاريخ الإنسانيّة و أنّه لا يزال هناك الكثير نتعلّمه من الناس اليوم الذين يملكون كافة أنواع الأفكار عن كيفيّة تنظيم الأشياء تنظيما أفضل بطريقة أكثر عقلانيّة ، على نطاق محلّى و صغير نسبيّا و هكذا . إذن اجل هناك أشياء يمكن أن نتعلّمها من بعض التجارب الإجتمعية التى يقوم بها الناس ، محاولين إدراك كيفيّة التخلّص من بعض مشاكل المجتمع المعاصر التى تتسبّب فى الإضرابات الطبيعيّة و الإجتماعيّة وتدمّر التربة وهلمّجرّا . لكن علينا أن نكون واقعيين ! نحتاج إلى الحديث عن مدى ونطاق إنتشار النوع البشري على الكوكب بأكمله . مليارات البشر . لن نعالج مشاكل المجتمع بالعودة إلى الخلف ، إلى نوع من المشاعيّة البدائيّة المنظور إليها نظرة مثاليّة و رومنطيقيّة ! و بالتالى إن لم يكن هذا ليحسم المسألة ، إن لم قادرا على مواجهةالمشاكل الحيويّة المفاتيح اليوم ، و بالتأكيد ليس بالمدى و على النطاق الكافى ، ماذا يحصل عندئذ ؟ لننظر إلى النظام القائم على العبودية و النظام الإقاعي و النظام الرأسمالي – الإمبريالي ، هذه جميعها أشكال ماديّة لتنظيم المجتمعات الإنسانية و يمكن تحليلها جميعا بواسطة العلم و تقييمها تقييما نقديّا . و لكن بوسعك أيضا أن تطبّق نفس المناهج العلميّة لإدراك كيف يمكن بناء تماما مجتمعات جديدة و مختلفة لن تكون فقط أفضل و إنّما كذلك ستتمكّن من أن تشمل الكوكب برمّته . و هنا لست مهتمّة حقّا بالحديث عن الفلسفة والمناهج التى ليس بوسعها فى نهاية المطاف أن تشمل و تفيد الإنسانيّة بأكملها .
و من الأشياء التى تحصل عليها من بوب أفاكيان و التى أقدّرها حقّ التقدير هي أنّه روّج لهذا المفهوم القائل بأنّنا نحتاج أن نكون " محرّري الإنسانيّة " و أنّنا نحتاج التحرّك بإتّجاه جعل هذا العالم ن الكوكب برمّته ، مكانا جيّدا للعيش فيه و السير فى مصلحة الإنسانيّة برمّتها ، إلى حيث يمكننا التخلّص من فكرة أنّ بعض المجموعات من الناس و بعض الأصناف أو بعض الدول برمّتها ، يسودون على الاخرين ويستغلّونهم و يهيمنون عليهم و يضطهدونهم . هذه هي كامل فكرة الشيوعية الثوريّة و من الأشياء التى تحصلون عليها فعلا من بوبأفاكيان ن الحاجة إلى التفكير و الإنطلاق دائما من الحاجة إلى تحرير الإنسانيّة بأسرها . و إلاّ ، يمكن أن نسقط فى أشياء تخرجنا عن السكّة . لقد تحدّث بوب أفاكيان عن كيف أنّ الهدف ليس أنّ الأخير يصبح الأوّل و الأوّل يصبح الأخير فالمسألة ليست مسألة إنتقام ، ليست مسألة إنتقام المضطهَدين ممّن إضطهدوهم . و أنا أشاطر الرأي القائل بأنّ هذا ليس نوع العالم الذلى يجب أن نناضل بكلّ قوانا من أجله . والنقطة هنا هي أنّه دون علم ستضيع لأنّه دون منهج علمي لتحليل الأنماط ن للفهم الحقيقي للماذا الأشياء كما هي و كيف يمكن أن تكون مختلفة ، و على أيّ أساس يمكن أن تكون مختلفة ، ستخرج عن السكّة طوال الوقت .
و من بصمات العلم الجيّد – ذلك أنّه ثمّة علم سيّئ أيضا – هي الإمتلاك الفعلي للروح النقديّة و الترويج للفكر النقدي – الذى هو بالمناسبة ميزة أخرى من ميزات أعمال بوب أفاكيان . فهو يشدّد حقّا على الحاجة إلى أن يتوغّل كلّ شخص فى هذا – لا يهمّ مستواك التعليمي ... فالعلم ليس شيئا تنجزه فق فئة أو أناس تحصّلوا على شهادات دراسيّة أو دكتوراه أو ما شابه . أعتقد بصلابة – و يمكن أن أقدّم دلائلا على ذلك – أنّ الناس الذين لم يتدرّبوا حتّى على أساسيّات التعليم يمكن أن يتصرّفوا كعلماء . يمكن أن يتدرّب الناس على المناهج العلميّة خلال حتّى مجرّد نهاية الأسبوع ، يمكن الشروع فى القيام بذلك . إن أردت جعل الناس يطبّقون العلم فى العالم الطبيعي يمكن أن تمضي نهاية أسبوع فى إنجاز العلم الجيّد فى غابة ممطرة أو فى صحراء و أضمن أنّ ذلك سيكون عملا علميّا حقيقيّا ، بحثا علميّا حقيقيّا . و لا يهمّ إن تكن لديك شهادة تعليم إبتدائي فحسب . إن كنت بشرا فى صحّة جيّدة ، بوسعك تبنّى المناهج العلمية و تطبيقها ، سواء على مشاكل الطبيعة أو المجتمع الإنساني. و من الأشياء التى تشغلنى أن نروّج للفهم العلمي و المناهج العلميّة على نطاق واسع و واسع جدّا لكي يستطيع كلّ شخص أن يستعمل هذه المناهج فهي ليست حكرا على قلّة من المتخصّصين أو حكرا على فئة معيّنة .
نظرة علميّة و فضول لا حدود له بشأن العالم :
سؤال :
لقد تطرّقت لشيء أردت أن أسألك عنه . غالبا ما يُصوّر العلم و يُنظر إليه – و أعتقد أنّ هذا مرتبط بنقطة كلامك عن جعل العلم يصوّر على أنّه حكر على فئة – و يصوّر كذلك عادة على أنّه بارد و مملّ و دون حياة و جاف و ربّما حتّى يعتبره البعض دغمائيّا أو متصلّبا أو شيئا يمارسه عدد قليل من الناس ، نوعا من الشيء المنقطع عن العالم . لذا أوزدّ أن تردّى على هذه النظرة و الصورة التى يقدّم بها العلم .
جواب :
لا تستفزّنى ! [ ضحك ] أقصد ، مخاطرة بأن أبدو سخيفة ، بعض أكثر الناس حماسا و حيويّة من الذين عرفتهم أبدا كانوا علماء و منهم عاملين فى حقل العلوم الطبيعيّة . العلم فى حدّ ذاته ليس ... و كيف يمكن لأي شخص أن يفكّر فيه على أنّه جاف أو دون حياة أو أشياء من هذا القبيل ، فى حين أنّه يقوم برمّته على الفضول الذى لا حدود له بشأن العالم ، بشأن كلّ شيء ، بشأن نشوء الأشياء . من أين أتينا ؟ من أين أتت الحياة على الأرض ؟ كيف حدث ما حدث ؟ لماذا بنى العصفور عشّه على هذا النحو فى هذه الشجرة و ما تأثير ذلك ؟ و ما الذى تفعله هذه القطّة التى تجرى قاطعة الطريق ؟ لا أسعى إلى الترّق إلى الكثير من المسائل الآن ، إلاّ أنّ المسألة هي أنّ عالما جيّدا لا يكفّ عن رح الأسئلة حول الأشياء و من الأشياء التى تعجبنا لدى الأطفال الصغار كيف يرغبون فى معرفة كلّ شيء عن كلّ شيء. لماذا ذلك كذلك ، كيفأصبحكذلك،ما هذا ؟ إلخ. و لسوء الحظّ ذلك الفضول العلمي الطبيعي الذى نجده لدى الأطفال عادة ما يقع نوعا ما خنق الكثير منه – إن لم يكن مباشرة فبواسطة النظام التعليمي السفيه و بواسطة واقع المجتمع و ما يشجّع عليه و ما يحبطه .
لماذا يفكّر الكثير من الناس فى أنّ العلم شيء مخيف أو جاف أو فاقد للحياة ؟ صراحة ، مردّ هذا أسباب عديدة . و منها أنّهم لم يتعلّموا عادة بصورة صحيحة فى المعاهد ما هو العلم . العلم شيء يُدرّس أحيانا كما لو أنّهمجرّد فرع من التعاليم و الصيغ الجافة – مجرّد فرع إستنتاجات نهائيّة يُفترض أنّ يتذكّرها الناس – لكن هذا ليس العلم . العلم سيرورة ؛ إنّه طريقة بحث حيويّة . فكّر فى العلم كطريقة تسمح لك بطرح سلسلة كاملة من الأسئلة عن كلّ شيء و أيّ شيء ، و يُوفّر لك منهجا و مقاربة تخوّل لك بصفة منظّمة و منهجيّة بحث الأشياء ، العمل مثل نوع من المتحرّى فى العالم ، للبحث بعمق فى الواقع الطبيعي أو الواقع الإجتماعي . لا وجود لشيء جامد بشأن العلم ! غنّه يحاول فهم الأشيء بما فيها إنطلاقا من المبدأ الأساسي القائل بأنّه إن أردت تغيير أي شيء يحسن بك أوّلا فهمه ،و ليس فهمه فهما سطحيّا – تحتاج إلى أدلّة ، إلى مراكمة عبر الزمن ، و ليس مجرّد جزيئات صغيرة أو قطع متناثرة . تحتاج إلى إكتشاف الأنماط و منها أنماط كيفيّة إرتباط الأشياء بعضها ببعض : إن أردت فهم التفاعلات، لنقل ، بين شجر البلّوط و السماجب التى تنثر جوزه ؛ أو بين بعض النباتات المزهرة والنحل أو الفراشات أو العصافير أو حتّى القردة التى قد تعمل كلقّح لها ؛ أو بين القرش وفريسته، فقط لذكر بعض الأمثلة – إن كنت تريد فهم أيّا من هذا ، تحتاج إلى كشف الأدلّة على الأنماط الكامنة و الديناميكيّة الكامنة وتحتاج العلم للقيام بكلّ هذا . الحياة تزخر بالتفاعلات الديناميكيّة – و ليس فقط فى ذلك العالم الطبيعي الأوسع ، لكن فى العالم الإجتماعي الإنساني ايضا . لذا إن أردت تغيير أي شيء ، عليك أوّلا و حقّا أن تفهم لماذا الأشياء كما هي ، و كيف أصبحت على ما هي عليه ، و فى أي مسار تتوّر . و إذا لم تعجبك الطريقة التى تسير عليها ، وهي متّصلة بالمجتمع الإنساني ، عندئذ إفعل شيئا ، مستعملا التأثير الواعي للإنسان للسعي إلى تغيير مسار الأشياء أو توجّهها . هذا ما يحدث كلّما إكتشف العلماء علاجا لمرض أو أدركوا شيئا مثل كيف أنّ تدمير نظام بيئي لنهر يمكن أن يعاد إحياؤه بصرف المياه بصفة متكرّرة بين الفينة و الفينة من السدّ الذى تسبّب فى كلّ هذا الدمار .
حسنا ، هذه بعض الأمثلة العلمية المطبّقة على العالم الطبيعي و بوسعى تقديم عشرات الأمثلة المشابهة . يهتمّ العلم تماما بفهم طبيعة الأشياء و فهم الأنماط و فهم التغيير – وكيفيّة تغيّر الأشياء حتّى لوحدها و كيف تتحرّك ، بفضل ديناميكيّتها الداخليّة و تأثيرات خارجيّة ... ترى كلّ شيء دائم الحركة ، الواقع المادي دائم الحركة . سواء كان المقصود هو الكون عامة أو اغلكواكب و المجرّات أم نطاق أضيق ، النمل فى كثيب النمل أو الخلايا فى أجسامنا أو الجزيئات المتفرّعة عن النواة ، كلّ شيء فى الواقع المادي دائم الحركة و التبدّل ، و لا شيء أبدا يظلّ بلا حركة . و عندما يتعلّق الأمر بالحياة الإجتماعيّة ، يجب على البشر أن يستعملوا ذات المناهج العلميّة لفهم كيف أنّ المجتمعات يجب أن تكون على ما هي عليه ، و للتحليل العلمي لما هو خاطئ فيها ؛و للتحليل العلمي لكيف يجب أن تكون أفضل ؛ و لتحديد ما سيكون إستراتيجيّا التحرّك فى الإتّجاه الصحيح – مرّة أخرى ، على أساس علمي .
و سبب آخر لكون الناس أحيانا يتجنّبون العلم هو أنّه وُجد علم سيّء . سيوجد على الدوام "علم " يُساء إستخدامه أو تطبيقه وهو علم سيئ . و على سبيل المثال ، لنأخذ أمثلة كيف أنّه أحيانا تاريخيّا وقع إستخدام العلم للترويج لفكرة أنّ بعض الأجناس البشريّة أدنى من أجناس أخرى ، أدنى منها عقليّا ، أو أشياء من هذا القبيل . حسنا ، هذا علم تافه . و فى الواقع ، يمكنك أن تستعمل مناهجا علميّة صارمة لإثبات أنّ كلّ ذلك كان علما سيّئا . وهو ليس سيّئا " أخلاقيّا " فحسب و إنّما هو سيّئ أيضا علميّا فهو خاطئ تماما و يمكن إستخدام العلم الجيّد للتدليل على ذلك .
تقييم علمي : عالم اليوم فظيع بالنسبة لغالبيّة الإنسانيّة و يمكن تغييره تغييرا راديكاليّا :
سؤال :
حسنا ، لنستمرّ فى هذه النقطة المتّصلة بتطبيق العلم على فهم لماذا العالم كما هو عليه وكيف يمكن أن يكون مختلفا و ما الذى يمكن فعله بشأنه . ناظرين إلى حال العالم الآن ، بمعنيين – بالمعنى اشمل ، بخصوص الظروف التى تجد فيها الغالبيّة الغالبة للإنسانيّة نفسها فيها الآن ، ما هو حال العالم بالمعنى الأعمّ لكن ثمّ نوع التصفير فى بعد خاص لهذا ، بديهيّا كان جدّ مبهج للقلب فى هذه الأشهر القليلة الأخيرة التى شاهدنا أثناءها أشياء لم نراها فى هذا المتمع فى الولايات المتحدة لفترة زمنيّة طويلة ، بمعنى المقاومة الجماهيريّة لهذه الآفة من القتل و العنف على أيدى الشرطة ، مكثّفة فى قتل مايكل براون و إيريك غارنار و قرارات المحاكم العليا بعدم إدانة قتلتهم ، مع شعرات و عشرات آلاف الناس مباشرة فى الشوارع بسبب ذلك قاطعين السير العادي للأشياء ، و ثمّ ملايين الناس هنا و عبر العالم يواجهون هذا – ما أشير إليه هو كيف نطبّق العلم على كلّ من خصوصيّة هذه اللحظة و فهم ذلك .وكذلك النظر فى معنى الصورة الأكبر كما قلت ، لماذا العالم على ما هو عليه و كيف يمكن أن يكون مختلفا ؟
جواب :
سأنطلق بالحديث عن تطبيق العلم قبل كلّ شيء على ين توجد البشريّة ، ما هو حال العالم ،ما هو حال هذا المجتمع الذى نعيش فيه . و قد قيل عدّة مرّات ، بما فى ذلك عن طريق بوب أفاكيان ، أنّ العالم ، كما هو ، فظيع . أليس كذلك ؟ لقد قال هذا أناس منهم بوب أفاكيان كانوا عموما يقدّرون كثيرا الجمال فى العالم . و متحدّثة عن نفسى ، كمتدرّبة على البيولوجيا، كعالمة طبيعة ، أرى الجمال فى كلّ مكان من العالم الطبيعي و فى صفوف الناس ، فى التنوّع و الثراء الكبيرين للتجربة الإنسانيّة و كافة التعبيرات الثقافيّة العديدة و المختلفة و التنوّع الكبير للحياة ومن ذلك الحياة الإجتماعيّة. هناك جمال كبير. لكن فى نفس الوقت ، و ما لا يمكن إنكاره هو أنّ العالم فظيع بالنسبة لغالبيّة الإنسانيّة عند هذه النقطة من التاريخ .
و الآن لنتطرّق لنقة عذاب الإنسانيّة . سيكون من غير العلمي التفكير فى أنّه يمكن القضاء على عذاب الإنسانيّة قضاءا مبرما . ستوجد دوما خسائر و سيوجد دوما الموت وسيوجد دوما الحزب و ستوجد دوما بعض أشكال الأمراض أو بعض أشكال الكوارث التى تأثّر سلبا على البشر . لا أظنّ أنّه بإمكاننا أبدا قول إنّنا سنبلغ نقطة لن يوجد فيها أبدا أي عذاب إنساني؛ سيكون ذلك عالما خاطئا مثاليّا و خياليّا كلّيا . لكن ما نستطيع قوله هو إنّه من الممكن بلوغ عام لا يتميّز بالكثير من العذاب غير الضروري .
و واقع عالم اليوم – أقصد أنظر إلى هذا المجتمع ، ما كنت تتحدّث عنه للتوّ ، كلّ جرائم الشرطة هذه . لا يمكننى مزيد تحمّل ذلك – و لن أتحمّل أكثر ذلك ! عمليّا كلّ يوم ، تنتهى إلى مسامعك أنّ شخصا آخر عادة أسود أو لاتيني ، ذكر ، لا يحمل سلاحا قتل برصاص الشرطة فى الشوارع و ما من شيء يحدث بهذا الصدد ! فى الأساس تقبل السلطات بذلك مرارا و تكرارا لأنّه جزء لا يتجزّأ من نظامها الذى يحتاج إلى حدوث مثل هذه الأشياء للحفاظ على نوع النظام القائم ، وهذا اللون من القمع هو الذى يحتاجه نظامهم للحفاظ على سير لطيف نسبيّا . أيّ نظام هذا !
و هناك الكثير من الأشياء الخائة فى العالم . كامل مكاة النساء فى هذه البلاد و عبر العالم قاطبة – لا يزال يتمّ التعامل مع النساء ليس كبشر تماما و بإستمرار تتمّ إهانتهنّ و تشيئتهنّ ، و تعاملن كلعب و كأمتعة جنس ، كأقلّ من البشر تماما ، و بإستمرار يتمّ إغتصابهنّ و ضربهنّ . و قد قلت آنفا : لا يهمّ إن لم يحصل لكهذا كفرد – فى أي زمن و مهما كانت المرأة و فى أي مكان فى العالم تغتصب و تضرب و تصوّر فى أفلام البرنوغرافيا أو بطرق أخرى تشيّئها و تهينها ، فذلك يطال و يُهين و يشيّئ كافة النساء أينما كنّ .
و من جديد ، أودّ أن أقول إنّى حقّ أشعر بذلك ... مثلما تحدّث بوب أفاكيان فى الحوار الأخير مع كورنال واست فى كنيسة ريفرسايد ... الشباب الذين أطلقت الشرطة عليهم النار – هؤلاء شبابنا ! أشعر بذلك ، و أشعر به بقوّة كبيرة . و ليس فق من غير الممكن القبول بهذه الخسائر فى حياة البشر ، بل هذه الخسائر للطاقات البشريّة تهدر ببساطة بفعل سير هذا النظام . و كذلك من غير الممكن القبول بوضع حيث هناك حروب لا تنتهى . لن نستطيع أبدا تجاوز هذا الوضع فى ظلّ هذا النظام : إنّها حروب الإمبريالية ، إنّها جيوش إحتلال تتسبّب للناس بعذابات رهيبة و ذلك خدمة لمصالح الطبقة الرأسماليّة التى تمثّل حفنة من البشر المستفيدين من هذا .
وماذا عن النطاق العام للكوكب ؟ الأزمة البيئيّة حقيقيّة! يجب فهمها على أنّها حالة إستعجاليّة شاملة كلّيا. الأرض نفسها شيء يمكن أن يستمرّ دوننا و ستتقلّص قدرة البشر على الحياة على الكوكب تقلّصا شديدا وسريعا جدّا إن لم نوقف تماما إهدار هذا الكوكب وتدميره بإستمرار . و السبب الرئيسي وراء عدم قدرتنا على التعاى مع أي من هذا ، بسرعة كافية أو على نطاق واسع كافى هو هيمنة النظام القائم ، الشكل المهيمن من التنظيم الإجتماعي القائم . نحتاج ثورة فعليّة كي نفكّك تماما تنظيم المجتمع كما هو متشكّل راهنا و تعويضه بشكل جديد كلّيا من التنظيم ينسجم مع المضيّ فى التخلّص من هذه المشاكل .
أنظر كذلك ما يسمّى بمشكل الهجرة . لماذا لدينا أصلا بلدان مختلفة ؟ فكّروا فى الأمر. لماذا لدينا رايات و أناشيد وطنيّة ، و لماذا لدينا حدود ؟ لماذا لدينا سكّان كثرٌ يدفعون بعيدا و يمنعون الحصول على حياة لائقة فى حين أنّكلّ ما يريدونه هوالعمل و أن يكونوا أعضاء منتجين فى المجتمع ؟ فكّروا فى جميع المهاجرين إلى هذه البلاد الذين يدفعون بعيدا و يعنّفون وتمزّق عائلاتهم بعنف و يسجنون و يطردون بالقوّة ليعودوا إلى بلدانهم أو حتّى يلق عليهم الرصاص على الحدود . هل تجدون هذا مقبولا ؟ أنا لا أجد بالمرّة ذلك مقبولا ! و بالمناسبة ما الذى يجعل الأمريكيين أفضل من غيرهم ؟ شخصيّا ، لا أحترم الراية الأمريكيّة أو النشيد الوطني و لا أعلن الولاء لأيّ من أنواع هذه الرموز التى تدعى أنّ بلدا أو سكّانا فى جزء من العالم أفضل نوعا ما من غيرهم . هذا ما يسمّى ب " التفاهة " أو " الشوفينيّة القوميّة " – هذه الطريقة فى التفكير معتوهة أصلا و يجب أن نسمّيها بإسمها و نرفض المضيّ فيها ! علينا جميعا أن نفكّر أكثر كمواطنين من العالم و ليس كأمريكيين . و تشاهدون الناس يقفون فى المعاهد و أثناء الحداث الرياضيّة – يقفون لتحيّة الراية و النشيد الوطني و يضعون أيديهم على قلوبهم و ربّما حتّى ينشدون النشيد الوطنى و عادة ما يقوم بهذا أناس هم أنفسهم مضطهَدون و مهانون يوميّا من رف ذات النظام الذى يحيّونه !
حان وقت وضع نهاية لهذا النوع من الركام . فكّروا فى ما تفعلونه ، ما الذى تحيّونه ! يحتاج الناس إلى التفكير فى أكثر منهذا و إلى تعلّم حقيقة هذا النظام و طبيعته . و جرائم الشرة هذه مثلا، لم تقع صدفة. لقد وقعت و لا تزال تقع منذ وقت مديد . وهي تحدث لى مستوى رهيب . و يستمرّ حدوثها لأنّ جذور هذا المشكل يمكن أن توجد فى ذات أسس هذا النظام .
الشيء الجديد الوحيد فى هذه الفترة الأخيرة هو ما تسمّونه هذه " اللحظة " ، هو أنّ هناك شيء جديد جميل ظهر ألا وهو أنّ الناس ينهضون و يقاومون برق لمنعهدها فى هذه البلاد لوقت ويل . ذا شيء جميل – جميل أنينهض الشباب و غيرهم فى فرغوسون بجرأة كبيرة و يقولوا : لا ! لمنعد نقبل بهذا . و كذلك جميل هو عمل من تجمّعوا كردّ فعل على قتل الشرطةرلآريك غارنار . و قد شمل هذا عددا أوسع من الناس إضافة إلى الناس الأكثر إضطهادا الذين يقعون مباشرة أكثر تحت سوة الشرطة . و ثمّة أيضا أناس من الطبقة الوسى حيث هذا النوع من الركام لا يتوانى عن الحدوث . لذا هذا شيء جيّد رغم أنّنا نحتاج إلى المزيد و المزيد من هذا اللون من المقاومة . وهذا اللون من المقاومة هام و هام جدّا و يحتاج إلى أن يكبّر و أن يتّسع نطاقه . و من الأشياء التى يمكن للفهم و التحليل العلميين أن يخبرك بها هو أنّ الإحتجاجات شيء جيّد جدّا و هام جدّا . ما نسمّيه " مقاومة السلة " هام جدّا. إنّه يبنى قوّة الناس . وهو يخدم كإنذار للذين يسيّرون المجتمع بأنّ جرائمهم ببساطة لن يتمّ التغاضى عنها و التسامح معها بعد الآن . و هذا جزء هام من ممّا يحتاج أن يحصل . لكن يجب أن يمضي ذلك إلى أبعد من هذا . لماذا ؟ لأنّ التحليل العلمي سيبيّن لك أيضا أدلّة واضحة لطريقة هيكلة النظام برمّته و صميمه و أساسه ذاته اللذان سيظلاّن يفرزان هذه الأصناف من المشاكل وهذه الأصناف من الإنتهاكات و من الفظائع و الظلم، المرّة تلو المرّة ، طالما يُسمح للنظام الرأسمالي نفسه بالبقاء .
أحيانا نتحدّث عن تناقضات الرأسماليّة التى لا يمكن حلّها . متى إستخدمتم العلم لتحليل هذا الركام ، ستدركون على نحو متصاعد أنّ هذا النظام ليس بوسعه معالجة نفسه و أنّه ليس جوهريّا قادرا على تصحيح هذه الأنواع من الإنتهاكات . ليس بوسع التخلّص فى نهاية المطاف من جرائم الشرطة تجاه السود و اللاتينيين فى هذا المجتمع . ليس بوسعه التخلّص من حكم فارضيه ، ن عنف فارضيه الضين يبقون قسما كاملا من الناس مسحوقين .
و لكلّ هذا صلة بما يشدّد عليه بوب أفاكيان وال الوقت من أنّه عليكم أنتفهموا أنّ فى هذه البلاد ، هذا النظام قد بُني على العبوديّة . لا يتعلّق الأمر فقط بما يحدث الآن ، إنّه يعود إلى البدايات الأولى لهذه البلاد . لقد إنطلقت الولايات المتحدة و بُنيت على ، لحظة تأسيسها ذاتها ، على أساس العبودية ( و المجارز الجماعية ضد السكّان الأصليين ) ، و كل ما وُلد من تلك البداية العنيفة تواصل إلى اليوم وهو سبب متجذّر فى لماذا اليوم لدينا شرطة تفرض النظام الرأسمالي وتدافع عنه، وهي بصفة روتينيّة تطلق النار على الشبابالذى لا يحمل سلاحا فى الشوارع . هنا ثمّة رابطمباشر . و العلم سيبيّن لك أنّ هذا الرابط حقيقي و موضوعي و ليس مجرّد رأي ذاتي لفرد أو مضاربة فارغة . و لتقديم هكذا دعوة تحتاجون إلى إثباتات ملموسة – و الدلائل موجودة هنا .
و الشيء نفسه يسحب على مسألة إضطهاد النساء . إنّه تناقض آخر من تلك التناقضات غير الممكنة الحلّ بعمق فى ظلّ هذا النظام القائم . ليس بوسع هذا النظام فى نهاية المطاف أن يعالج المشكل الذى يمكن أن يبيّن العلم أنّه مبنيّ بعمق فى جذور الهياكل التأسيسيّة لهذا النظام الرأسمالي و كذلك فى الأنظمة الإضهادية والإستغلاليّة السابقة عليه ، و جذورها ضاربة فى القدم . أجل ، هناك بعض النساء – هناك بعض الفئات من النساء اللاتى بإمكانهنّ صعود السلّم ، إن صحّ القول ، فى ظلّ الرأسمالية . و الشيء نفسه يمكن قوله عن السود – يمكن السماح للبعض بالصعود ن بالإلتحاق بالطبقة الوسطى الحرفيّة أو حتّى بأن يصبحوا برجوازيين تماما ، و يمكن إنتخاب بعض الموظّفين السود إلى الوظائف السامية وحتّى أن يكون هناك رئيس أسود فى هذه الأيّام . لكن لا شيء من هذا يغيّر أي شيء جوهري بصدد الإضهاد العميق و الذى لا يتوقّف الذى يواجهه الغالبيّة العظمى من السود فى هذه البلاد ، و كذلك أناس ملوّنون آخرون . و الشيء عينه ينطبق على النساء . نصف البشريّة – النساء – يتمّ إخضاعه بشتّى الطرق فى الولايات المتّحدة و عبر العالم قاطبة و لا شيء من يتغيّر فق لأنّه بالإمكان الآن أن توجد بعض النساء ضمن الرءساء التنفيذيين للشركات أو ممثّلات حكوميّة أو عدد قليل جدّا من النساء البرجوازيّات الثريّات. لا شيء من هذا يغيّر المكان السائدة جوهريّا المهينة و المشيّئة و تجربة الغالبيّة العظمى من النساء هنا و عبر العالم .
حروب الإمبرياطوريّة – هذا تناقض آخر من تناقضات النظام غير القابلة للحلّ . فى نهاية المطاف ، لا يهمّ ، بين الفترة و الخرى ، أن حتّى بعض السياسيين كأفراد أو غيرهم من الطبقة الحاكمة ينوون التحدّث – حتّى بصراحة - ضد حرب أو أخرى من الحروب العدوانيّة الإمبريالية ، فالطبقة الحاكمة ستواصل خوض حروب الإمبراطوريّة و التوسّع و الدفاع عن نظامها الإمبريالي و عن تعزيزه . و ستقوم بذلك بلا توقّف المرّة تو المرّة . لماذا ؟ لأنّ الديناميكيّة الكامنة لنظامها تحرّك هذه السيرورة ، سواء أراد ذلك أم لم يرد هذا السياسي الفرد أو غيره من وجوه الطبقة الحاكمة . ألا ترون ذلك ؟ آلة هذا النظام الغول تتطلّب و بصفة متكرّرة مثل هذه الحروب – للحفاظ على النظام و توسيعه و تعزيزه .
لذا علينا أننواجه واقع ما نسمّيه الإضطهاد القومي ، إضطهاد الأقلّيات القوميّة و إضطهاد النساء ، و حروب الإمبراطوريّة و جيوش الإحتلال – لا تناقض من هذه التناقضات يمكن فى النهاية حلّه فى ظلّ هذا النظام . و بإمكان العلم تحليل لماذا لا شيء من هذا يستطيع جوهريّا أن يحلّ فى ظلّ هياكل الرأسمالية – الإمبريالية . و هذا شيء قام به بوب أفاكيان كثيرا فى عمله التحليلي وال عقود مسلّطا الضوء حقيقة و بعمق على لماذا لا يمكن إصلاح هذا النظام ، لماذا لا يمكن ببساطة إصلاحه ببعض الإجراءات السريعة ، لماذا علينا أن نقوم بثورة فعليّة ، عوض مجرّد العمل من أجل بعض الفتات هنا و هناك .
و الحال نفسه بالذات فى ما يتعلّق بمسألة البيئة و البيئة العالميةّ. حتّى و إن كانت لديك مجموعة من الرأسماليين و الوجوه الأخرى من الطبقة الحاكمة – ممثّليها الحكوميين فى هذه البلاد و فى بلدان أخرى – الذين يصبحون شخصيّا مقتنعين حقّا بأنّ هناك وضع بيئي إستعجالي بالنسبة للكوكب ، و أنّ هذه الخوات قد إتّخذت حقّا لمحاولة إنقاذ بيئة الكوكب و الحيلولة دون كلّ هذا الدمار الذى يتسبّب فى مشاكل خطيرة عبر العالم – إن ّ صار بعض الأفراد ( أو حتّى عديد الأفراد ) منالطبقة الحاكمة شخصيّا مقتنعين بذلك ، وحتّى و إن حاولوا أن يُدخلوا بعض الإصلاحات هنا و هناك ، فإنّهم سرعان ما سيواجهون حدود و عراقيل نظامهم الخاص ! النظام الرأسمالي – الإمبريالي ليس ببساطة قائما و مهيكلا على نحو يسمح لنوع من التغييرات الراديكاليّة التى نحتاجها فعلا لمعالجة الأزمة البيئيّة للكوكب . و بسبب الهياكل الكاملة و " قوانين سير " نظامهم التنافسي بعدوانية و الذى يحرّكه الربح ، ليس الرأسماليّون ببساطة قادرين . و ليست لديهم القاعدة المادية للمعالجة الفعليّة لهذا المشكل البيئي للكوكب ، بمدى و على نطاق كافيين فى ظلّ النظام الراهن .
و كلّ هذا من الهام جدّا فهمه ، و مرّة أخرى ، ثمّة حاجة إلى العلم من أجل الفهم العميق بأنّه ليس بوسعك مجرّد " إقناع " الحكّام بالتغيّر لأنّهم هم ذاتهم أسرى تماما لقوانين و أليّات نظامهم الخاص ، أرادوا ذلك أو أبوا . لآليّة النظام الرأسمالي – الإمبريالي قوانين أساسيّة للسير ، " قوانين " لا يمكن فى النهاية تغييرها دون تغيير نوع النظام الذى نعيش فى ظلّه . إذا لم تفهموا هذا ...إذا إعتقدم مثلا أنّ ريقة منع الشرطة من قتل الشباب السود الذين لا يحملون سلاحا هي مجرّد إدخال بعض " الإصىلاحات " مثل وضع كاميرا تراقب الشرطة أو مجرّد تقديم تربية و تدريب أفضل للشرة ،ستستفيقون على واقع قاسي لأنّ نظامهم سيظلّ يولّد هذا المشكل من الإرهاب و الإضطهاد . ليس بوسع النظام عدم القيام بذلك . و الشيء نفسه ينسحب على كافة الأوضاع الأخرى . إذا إعتقدت أنّ مجرّد تمكين بعض النساء او الفتيات فى بعض الأمثلة هنا و هناك سيخلصم من عبء الإضطهاد المنهجي للنساء فى هذه البلاد و عبر العالم ، فإنّك تغالط نفسك. إذا إعتقدت أنّ مجرّد التعبير عن إرادة الناس فى عدم الذهاب إلى الحرب هو عمليّا كافى لوضع نهاية فى آخر المطاف لكافة حروب الإمبراطوريّة هذه ، فإنّك كذلك تغالط نفك . إذا إعتقدت بأنّ إقناع الرأسماليين بأنّه من الأفضل لخطّهم الأدنى أن لا يدمّروا البيئة كثيرا و إلاّ سيعانى أطفالهم و أبناء أبنائهم إن لم يتمّ عمليّا إنقاذ هذا الكوكب ... إذا إعتقدت أن هذا سيكون كافيا لمعالجة الأزمة البيئيّة للكوكب ، فإنّك كذلك تغالط نفسك .
الإحتجاج ؟ أجل . نهائيّا . الإحتجاجات هامة جدّا . إنّها هامة جدّا بالنسبة للجماهير ، هنا و عبر العالم ، لتوضيح أنّها لن تسمح و لن تشارك فى و لن تقبل بعدُ بأي منهذه الإنتهاكات و هذا الظلم الصارخين . من المهمّ قول : لا ، لننقبل بهذا بعد الآن . و مثلما قلت آنفا ، إنّه جزء من بناء قوّة الناس . لكن عليك المضيّ أبعد من ذلك و فهم أنّ هناك تناقضات قائمة صلب بناء الإقتصاديّات و السياسات فى ظلّ بعض الأنظمة و أنّ هذه التناقضات الكامنة – كتل منها تؤدّى إلى ظلم و إنتهاكات فظيعين - ليست ببساطة قابلة لللّ على أيدى الرأسماليين ، فى ظلّ نظام رأسمالي . نحتاج إلى إقتصاد مختلف، نحتاج إلى إيديولوجيا مختلفة ، نحتاج إلى عالم مختلف ، نحتاج إلى سلطة دولة جديدة .
على الناس أن ينظّموا أنفسهم من أجل ثورة فعليّة . و فى سياق مجرّد حوار صحفي ، ليس بوسعى حتّى التعرّض لكلّ الأنمط التى تثبت أنّ هذه التناقضات الكامنة لهذا النظام يمكن أن يحلّها هذا النظام ، بل هناك أدلّة متراكمة بما فيها تلك التى تمّ الحديث عنها كثيرا فى مجمل أعمال بوب افاكيان التى تطوّرت عبر العقود ، عبر أكثر من أربعين سنة . العمل قد أنجز وهو عميق و علمي ومنهجي . يترتّب على الناس أن يتفحّصوه تفحّصا نقديّا ، عليهم أن يتفاعلوا معه و أن يدرسوه . لا ينبغى أن يستبعده أحد إستبعادا سطحيّا ذلك أنّه يمضى إلى المشاكل الكامنة الأعمق و الحلول المناسبة .
سأقول فقط التالى ثمّ أتوقّف للحظة بشأن هذه النقطة [ ضحك ] ، لكن من الأشياء الأكثر تشجيعا حول العالم أيضا هو كونه يبيّن لك إمكانيّة التغيير الإيجابي ، كيف يمكننا تغيير الأشياء ببعض الطرق الجيّدة حقّا . إذا لم يكن لديك علم ، أنت تقومبنوع من الرقص حول حياة الذين يقعون فى المشاكل ، و ربّما تعالج بعض المشاكل الصغرى هنا و هناك بيّ المزيد من المشاكل تظلّ تتراكم و لا تدرى ما الذى تفعله، فى الأساس . لكن بفضل العلم يمكن أنتدرك منهجيّا ليس منبع المشاكل فحسب بل أيضا ما هي قاعدة التغيير الإيجابي . و إحدى الأشياء التى لا يفهمها الناس غالبا هي أنّ أساس التغيير الثوري لمجتمع ، لنظام إجتماعي ، أين يقع هذا الأساس ؟ - إنّه يكمن بالذات صلب تناقضات النظام . وفى الواقع ، بالضب صلب هذه التناقضات التى تحدّثت عنها – التناقضات الكبرى حقّا التى لا يمكن لهذا النظام نفسه معالجتها التى لا يمكنه فى النهاية معالجتها . و واقع أنّه ليس بإمكانه معالجة هذه المشاكل الكبرى و أنّه يظلّ يدفع الناس إلى الأرض بطرق شتّى ، يخلق عمليّا الظروف التى تتحرّك فى الإتجاه ... وعمليّا تخلق أساس قدرة الناس على الإشتغال على هذه التناقضات، ليدفعوا الناس بالآلاف و بالملايين نحو إمكانيّة تنظيم ثورة فعليّة و بناء مجتمع جديد على أساس مختلف تماما. و لن يعالج هذا كلّ المشاكل بين ليلة و ضحاها ، بديهيّا . لكن العديد و العديد من المشاكل الكبرى يمكن معالجتها إلى درجة كبيرة بفضل العلم و بفضل المبادرة الواعية للناس و تنظيم أنفسهم جماعيّا من أجل ثورة فعليّة .
التجربة و التطوّر الشخصيّين : التدريب الفكري و متعة السؤال العلمي :
سؤال :
كنت أرغب فى الإنتقال إلى الحديث عن تجربتك و خلفيّتك و تطوّرك الخاصين ، لأنّى أعتقد صراحة أنّ الأمر مذهل و أعتقد أنّه سيكون حقّا من المهمّ و مليئ بالدروس للكثير من الناس و قد تصوّرت أنّه سيكون من الممتع ولوج هذا الموضوع . و عليه ، للبدء فى ذلك ، خلفيّتك هي عالمة طبيعة مدرّبة و أعتقد أنّ ما يمكن أن يجلب إهتمام الكثير من الناس هو كيف أنّ عالمة طبيعة مدرّبة أصبحت شيوعية ثوريّة ؟ ربّما حدّثتينا عن مسيرتك و سيرورة تطوّرك .
جواب :
لست متأكّدة من كلّ ما سأتطرّق إليه لكن بمعنى خلفيّتى ، كنت قبل كلّ شيء متدرّبة كمثقّفة . تمتّعت بإمتياز الحصول على تعليم أدبي ليبرالي واسع جدّا و قد تدرّبت خاصة كعالمة بيولوجيّة محترفة فى حقل البيئة و البيولوجيا التطوّريّة . و كانت من أهمّ متع حياتي الرة على العمل فى مجال العلوم البيعية ، فى عالم الطبيعة . فمنذ سنوات صبايا الأولى ، كنت منغمسة فى معنى التساؤل و الفضوليّة بشأن الكثير من الأشياء [ضحك] و خاصة فى العالم الطبيعي . لذا تمتّعت حقّا بالعمل كعالمة وتطبيق مناهج علميّة للخروج و الإكتشاف و البحث فى مساعى للتعرّف أكثر على الواقع ، ولتحصيل معرفة أكبر بديناميكية الأنظمة البيئيّة الطبيعيّة المختلفة ، سواء تعلّق الأمر بالغابات الممطرة أو بالأنظمة البيئيّة الصحراويّة أو الأرصفة المرجانيّة أو الغابات الإستوائيّة . و بوسعى المضي فى ذلك بلا توقّف [ضحك] و الحديث عن كلّ الديناميكيّات والتفاعلات المذهلة بين الأنواع النباتيّة و الحيوانيّة التى كانت لى فرصة إكتشافها فى هذا السياق . و كان من الممكن أن تسير حياتى على هذا النحو ، بكلّ سهولة إنطلاقا من تلك النقطة .
لكنّى أيضا نشأت فى ستّينات القرن الماضي . و إجتماعيّا ، شكّلتنى أشياء مثل حركات معارضة الحرب الإمبريالية التى خاضتها الولايات المتحدة فى الفيتنام . و فى تلك الفترة ، طوّرت كذلك الوعي بلا تكافئ العالم حيث كانت مستويات حياة عالية نسبيّا فى بلد كالولايات المتحدة فى تناقض حاد مع مستويات الحياة فى معظم بلدان ما يسمّى بالعالم الثالث التى عاينتها أوّل ما عاينتها فى خضمّ شغلي . و توصّلت إلى فهم أنّ ذلك التناقض كان فيه مستوى الحياة العالى فى الولايات المتّحدة مبنيّ على حساب الشعوب فى العالم الثالث و أنّ ذلك كان جزءا من تطوّر وعيى الإجتماعي . ثمّ ، داخل الولايات المتّحدة ، أصبحت واعية بحدّة باليعة المنهجيّة و الأساسيّة لإضهاد السود بوجه خاص وهو شيء أفزعنى ؛ و خلال كامل تلك الفترة ، ألهمتنى نضالات الحقوق المدنيّة و حركات تحرير السود . و لمّا كنت البة ، ساهمت فى ذلك النضال و شاركت فى المسيرات ضد حرب الفيتنام. و طبعا ، كانت قضيّة المرأة كذلك، فى تلك الفترة من الزمن موضوعا حارقابمعنى شروع الناس فعلا فى الحفر فى مكانة النساء فى الولايات المتّحدة و حول العالم ، و لماذا توجد مثل هذه الظروف من الإضهاد المنهجي . و كانت هناك مسألة حقّ الإنجاب و حقّ الإجهاض . و صارت لديّ فكرة واضحة جدّا بصدد مسألة إذا لم يكن للمرأة حقّ التحكّم بنفسها فى الإنجاب لتحدّد متى تنجب أفالا ، او إذا كانت تريد أم لا الإنجاب ...متى لا يكون للمرأة حقّ إتّخاذ هذا النوع من القرارات ، يكون ذلك نوعا من الإستعباد . و صرت واعية جدّا بذلك حينها . فكانت تلك التجارب جزءا من تكوني .
و حتّى حينها ، خاصة لأنّى كنت متدرّبة كبيولوجيّة ، كانت مسائل التدهور البيئي و خسارة التنوّع و قع أشجار الغابات الممطرة حول الكوكب و مشاكل مشابهة ، أمسيت واعية بحدّة بكلّ هذا و واعية بحدّة بما كان سيؤدّى إليه بمعنى إمكانيّة جعل الكوكب فى نهاية المطاف غير ممكن السكن بالنسبة للبشر ، و فى كلّ الأحوال بالتأكيد سيؤدّى إلى فقدان كبير للجمال و الموارد الطبيعيّة حول العالم قاطبة ، و هذا كلّه جرّاء النهب الرأسمالي . فى ستّينات القرن العشرين ، كان هذا شيء توصّل إلى فهمه ديد الناس و إن على مستوى أوّلى نوعا ما . أحيانا سمّاه الناس " المركّب الصناعي – العسكري " أو " المؤسسة " و ما إلى ذلك ، لكن على ألقلّ عرف الكثيرون أن الأمر يتعلّق بنظام و فهموا بصفة متصاعدة و ناقشوا المفاهيم الأساسيّة كالرأسماليّة و الإمبريالية ؛ و كان الناس بأعداد متكاثرة يتوصّلون إلى فهم على الأقلّ بريقة بسية أنّ هذه هي طبيعة المشكل الكامن فى كافة هذه المشاكل الإجتماعية .
و هكذا كانت هذه بعض تجاربى السياسيّة و الإجتماعية المكوّنة و فى نفس الوقت كنت منغمسة إلى حدّ كبير فى العمل فى المجال العلمي . و أعتقد أنّ بفعل مشاركتى و تدريبي فى المجال العلمي ، لم أنجذب أبدا بوجه خاص إلى التحاليل السطحيّة ، أو تحليل الأشياء المعتمدة ببساة على ما كان الناس يعتقدونه . لم أكن أبدا مهتمّة جدّا بما يعتقده الناس بمعنى أنّى لا أقبل شيئا لمجرّد أنّ الناس يعتقدون أنّه صحيح ؛ و لا أعتقد أنّ الشيء خاطئ بالضرورة لمجرّد أنّ شخصا واحدا أو شخصان يعتقدان فى صحّته . أعوّل عوضا عن ذلك على المناهج العلمية و الأدلّة المراكمة . لا أقيّم الأشياء بالإعتمد على ما يتّفق عليه الناس ( " فكرة غالبيّة الناس" ) وهو غالبا خاطئ و خارج نطاق الواقع الفعلي . مناهجى العلمية تجعلنى أفكّر تفكيرا نقديّا إلى حدّ طبير – لقد تدرّبت على الفكر النقدي منذ طفولتى وهو جزء هام جدّا من من أكون ، مفكّرة ناقدة . و فى نفس الوقت ، بطرق علميّة ، أبخث عن الأدلّة ، أبحث عن الأدلّة الماديّة . إذا كنت أحاول فهم شيء فى العالم الطبيعي لا أحتاج إلى رأي شخص . يمكن أن يكون ذلك منطلقا : يمكن أن تكون لدى شخص فكرة ، سؤال محيّر ، رأي . و يمكن أن ينخرط فى المضاربة المبدعة لكنبعد ذلك يجب أن يمضي بها إلىمكان ما ، أن يحوّلها إلى نوع من المشروع و التجريب و التوجّه إلى العالم الحقيقي و إجراء بحث بهذا الشأن . من غير الكافي أن تأكّد " رأيك " أو حتّى " راي" الكثير و الكثير من الناس . و الرأي الذى لا تسنده أدلّة يمكن أن يكشف الكثير عنك ، لكن سوى ذلك ، يظلّ دون جدوى ! [ضحك].
لذا أمضى و إبحث العالم الواقعي تماما و منهجيّا و وفّر الأدلّة لتحاليلك و إستنتاجاتك . أنظر فى الأنما لا سيما الأنماط المتكرّرة . و فتّش عن الأدلّة النابعة من إتجاهات مختلفة . و أبقى على ذهنك منفتحا و إعمل بنزاهة كي تحدّد على أساس الأدلّة ، ما إذا صار شيئا ( فى الطبيعة او المجتمع ) كما توقّعت فى البداية أو ربّما تحوّل إلى شيء مغاير كلّيا .
أثناء ستّينات القرن العشرين ، وُجدت عدّة تيّارات و حركات و تنظيمات سياسيّة متباينة ، و غالبيّتها صراحة لم تلهمنى قط . بدت و كأنّها نوعا ما ضيّقة الأفق و ميكانيكيّة ، و عادة إقتصادويّة فى غاية الضيق ، حيث كانت تحاول فقط الحصول على ظروف حياة أفضل ، أو ظروف عمل أفضل لبعض الناس غير أنّها لم تمض حقّا إلى جذور المشاكل الكبرى . أو كانت بعض أصناف الحركات الأخرى غارقة فى القوميّة أو الحركة النسائيّة أو ما شابه – كما تعلم كانت تلك بداية سياسة الهويّة . وحتّى حينها لم أكن مهتمّة بالفلسفات و الحركات السياسيّة التى لم تكن لتشمل مروحة كاملة من المشاكل المفاتيح للرأسماليّة و الإمبريالية . لقد توصّلت إلى إستنتاج أنّ العدوّ هو الإمبريالية و أردت معرفة من يستطيع التعاى مع ذلك .
و عندما كنت فى المعهد ، قرأت لماو تسى تونغ وألهمتنى الثورة فى الصين و سعيت إلى مزيد معرفتها. و كان ذلك جدّ مكوّن لى أيضا . و لاحقا ، و فى الأيّام الأولى من تعرّفى على أناس فى المنظّمة التى ستأسّس أواسط سبعينات القرن العشرين الحزب الشيوعي الثوري ، و أقصد الإتحاد الثوري ، تعرّفت على قيادة بوب أفاكيان عبر بعض أعماله ، لا سيما عبر بعض التحاليل ذات النظرة الثاقبة ، مثلا بصدد المسألة القوميّة لدى السود فى الولايات المتحدة و الحجج المعتمد فى تقديم التوجّه الذى ينبغى أن تمضي فيه الأشياء . و وجدت أخاء فى بعض المجالات المختلفة إذ كانت الأمور لا تزال بدائيّة جدّا حينما . بيد أنّه بعدُ قد بدا لى كإنسان يُجرى تحاليلا ملموسة و مهمّة و يُطبّق المناهج العليّة الأكثر صرامة و يُجرى تحاليلا أعمق لمسشاكل المجتمع من أناس كانوا بالنسبة لى يشتغلون على الظواهر السطحيّة لا غير . كان يمضى عميقا و يقوم بحفريّات للحصول على الأدلّة و بدت لى مقاربته الأكثر علميّة لمشاكل المجتمع بعدُ متباينة مع الطرق التى كان يقارب بها معظم الناس فى " حركات " يومذاك المسائل ، و قد جلب هذا حقّا إنتباهي إعتبارا لخلفيّتى العلمية . و كما قلت آنفا ، لم أتأثّر بالشعبويّة بمفهوم أنّ ما هوشعبي أو ما يفكّر فيه معظم الناس هو ما يجب أن تعتمد عليه الأمور . ما كان لذلك أي وزن بالنسبة لى . أريد أن أشخّص منهجيّا سبب المشاكل العميقة فى المجتمع و أريد أن أحاول العمل مع الناس لمعالجة هذه المشاكل .
لذا أظنّ أنّى قاربت كلّ هذا عندها بالطريقة التى كنت أقارب بها مشاريع العلوم الطبيعية . و شملت بعض تجاربى المفضّلة فى العلوم الطبيعيّة العمل الجماعي مع العلماء الآخرين للخوض فى المسائل – طرح الكثير من الأسئلة عن شء ما لم يقع فهمه بعدُ ثمّ الإبحار فى كف يمكن التطرّق للمشكل ، كيف يمكن مزيد معرفته و الحفر عميقا . هل أنّنا نحصل على أدلّة مقنعة عن العوامل المميّزة لظاهرة ؟ هل هناك تجارب يمكن أن نقوم بها ، طرق تمّننا من العمل على الواقع ، يمكن أن تلقى ضوءا على بعض الأنماط الكامنة و التى يمكن سواء أن تعزّز أو تتحدّى فهمنا الراهن و تطوّره أكثر ؟ وهذا سيكشف الأساس المادي الكامن لكيف تغيّرت بعض الأشياء فى الماضي ، و كيف تتغيّر الآن أو يمكن أن تتغيّر فى المستقبل ؟
فى ستّينات القرن الماضي ، تعرّضت لمفهوم المادية الجدليّة و أدركت أنّ تحليل التناقضات الماديّة الكامنة يمكن أن ينسحب على أيّة ظاهرة من العالم المادي ، وهو فى الواقع منهج مفتاح فى تعميق فهمنا لكلّ من المظاهر المحدّدة و ميزات شيء أو ظاهرة و أنماط حركته و تطوّره . ويشمل هذا كلاّ من الطبيعة و المجتمع . و إلى يومنا هذا ، أتجوّل فى شتّى ألوان البيئات الطبيعيّة المختلفة و ما الذى أراه ؟ أرى تناقضات . أرى تناقضات فى كلّ مكان ! [ضحك ] . هكذا أرى العالم الطبيعي . إن شاهدت طائر الطنّان يلقّح زهرة ، أراه تناقضا ، أفكّر فى التناقضات . و لمّا أقول " تناقضا " هنا لست بصدد الحديث عن نزاع أو عدائيّة. كلّ شيء متشكّل من تناقضات و لكن ليست كلّ التناقضات تناقضات عدائيّة. بهذا المعنى ، أستعمل ذلك هنا ، التناقض مجرّد " علاقة " ، علاقة و تفاعل ديناميكيين مثلا بين طائر الطنّان الملقّح و النبتة المزهرة التى يلقّحها . و هذا التناقض الديناميكي الخاص هو فى حدّ ذاته قائم و ينهض بدوره فى إطار أوسع ، و فى تفاعل ديناميكي مع نظام بيئي أوسع بكثير ( لعلّه غابة ممطرة أو لعلّه نجرّد حديقة خلفيّة ) متكوّن هو ذاته من عدد كبير من التناقضات الديناميكيّة الخاصة داخل و بين عديد مختلف العناصر التى تكوّن ذلك النظام البيئي الأوسع . و ثمّ طبعا ، هناك دائما الكثير من التناقضات الديناميكيّة التى تأتى و تؤثّر على ألشياء من خارج نظام خاص ، عادة دافعة التغيير فى بعض الإتجاهات الجديدة كلّيا . لذا ، إذا كنت حقّا تحاول فهم سيرورة ، أيّة سيرورة ، هناك أسئلة تأخذ بعين الإعتبار كلاّ من التناقضات الداخليّة صلب سيرورة أو صلب شيء يحدّد مظاهره المميّزة الرئيسيّة و كذلك بعض طُرق التغيير ؛ ثمّ هناك أيضا تلك التناقضات الخارجية التى يمكن أن تأتـى و تؤثّر على كامل السيرورة و تدفع الأشياء بإتجاهات جديدة ، و إن كان دائما على أساس هذه التناقضات النظاميّة الكامنة . لست أسعى إلى التوغّل فى كلّ هذا كثيرا الآن ، لكن هذا النوع من التفكير و المقاربة الماديين الجدليين حيوي لتطبيق علم جيّد ، فى كلّ من المجالات الطبيعيّة و الإجتماعيّة . و بالتالى ، أجل ، هكذا أسعى إلى التفكير فى ألشياء كلّما أكون فى نظام بيئي طبيعي . أرح أسئلة فى ذهني و أستكشف هذه الأشياء و أفكّر فيها : ما هي الأسباب الكامنة ، كيف توفّر التناقضات الكامنة صلب نظام أو كيان عمليّا الأساس المادي لذلك الشيء ، لذلك الكيان الخاص أو ذلك النظام الخاص ، للتغير عبر الزمن ؟ أفهم أنّ الأساسي الجوهري لتغيّر شيء متضمّن صلبه ، فى تداخل مع البيئة الخارجيّة . و أنا مهتمّة بأشياء تحصل على حواف الأشياء و حدودها . لو كنت أسير فى غابة و بلغت ارضا عارية من الأشجار فى الغابة ، أشرع فى الحال فى التفكير فى هذا – خصوصيّات تفاعلات الأنواع فى الحواف مجموعة الأنواع النباتيّة أو الخيوانيّة الخاصّة فى هذه البيئة الخاصّة ، و الديناميكيّات التى تجدّ على خطوط الحدود بين الغابات و الأرض العارية من الأشجار .
لكن لا تفكّر أنّه بوسعنا التعمّق فى كلّ هذا الآن [ ضحك ]. أريد فقط شرح نقطة أنّ هذه سيرورة المادة فى حركة فى العالم المادي لما نسميه العالم المادي و أي مظهر من العالم المادي ، و كيف أنظر إلى العالم المادي للواقع الإجتماعي ، الطرق التى تتشكّل بها المجتمعات ، المجتمعات الإنسانية . لديّ بعض التدريب كذلك على الأنتروبولوجيا الثقافيّة و قد كنت مهتمّة على الدوام بتاريخ الأنظمة الإجتماعيّة الإنسانيّة ، من مجتمعات الصيد و القطف إلى الأنواع الأخرى من المجتمعات – المجتمعات الفلاحيّة و المجتمعات الصناعيّة المتقدّمة – المنظّمة على أسس ماديّة مختلفة و أسس إقتصاديّة مختلفة و تأثير هذه الأشكال الكامنة للتنظيم الإقتصادي على رق حياة الناس ، و تقاليدهم و ثقافاتهم و ما كان يعتبر قوانينا و ما كان يعتبر صحيحا و خاطئا و ما إلى ذلك ، و كيف يمكن لهذا أن يتغيّر عبر الزمن فى إرتباط بالنظام الإجتماعي الذى يقوم عليه .
لذا هناك تواصل بين هذه المجالات المتباينة من الإهتمام فى حياتى كمثقّفة . و أعتقد أنّه ليس صدفة أنّ ما إكتشفت أنّى منجذبة إليه حتّى عند نقطة مبكّرة كان المقاربةالموجّهة الأكثر علميّة للتغيير ، للتغيير الراديكالي للمجتمع . لقد أضحيت مقتنعة فى وقت مبكّر ، أيّام كنت فى المعهد ، بأنّ المشكل هو الإمبريالية و أنّ الحلّ هو الثورة و التحرّك نحو نوع من المجتمع الإشتراكي بإتجاه نوع من العالم الشيوعي . حسنا ، لم أكن بالضرورة أمتلك فهما عميقا جدّا لكيفيّة بلوغ ذلك أو لما قد يعنيه ، لكن إستطعت أن أرى بالمعنى الجوهري أن إلى ذلك ينبغى أن تمضي الأشياء . و لم أنحرف أبدا عن هذا الفهم الأساسي مذّاك . إلاّ أنّ ما حدث هو أنّى تمكّنت من التعلّم – بما فى ذلك بفضل الأعمال التى ألّفها بوب أفاكيان ، و أشعر أنّى طوّرت فهما أعمق لهذه الديناميكيّات الإجتماعيّة الكامنة حيث يكمن الأساس المادي لتغيير راديكالي إيجابي .



تعليقات الفيسبوك