بحث فى أسباب إنهيار الإتحاد السوفيتى والأحزاب الشيوعية


سامى لبيب
2018 / 6 / 25 - 19:53     

أدهشنى وآلمنى سقوط الإتحاد السوفيتى ودول المنظومة الإشتراكية بسرعة كقطع الدومينو .. سقوط تم بلا جلبة ولا صراع .. سقوط كالسكتة الدماغية والقلبية .. سقوط لم تذرف عليه دمعة واحدة .. سقوط تم بلا صراخ ولا نحيب .. سقوط وسط ملايين من أعضاء الحزب الشيوعي وعشرات الملايين من العمال فلم يحرك هذا ساكناً .. للأسف الشديد سقوط مُخزي ووصمة عار على جبين كل من آمن وروج للفكر الشيوعي .
رغم وجود مؤشرات وخلل واضح فى أداء الإتحاد السوفيتي ودول المنظومة الإشتراكية الشرقية لكن لم يتوقع أحد هذا الإنهيار السريع , فلن يتبرر بنظرية المخططات الإمبريالية التى أجهضت الشيوعية فهذا ليس العامل الرئيسى للإنهيار , فالعيب فى داخل المنظومة ذاتها الذى نخر السوس فى العظام واللحم ليكون السقوط عظيماً ومخزياً .
كانت لى توقفات أمام التجارب الإشتراكية فى الإتحاد السوفيتى والصين ودول المظومة الأشتراكية بشرق أوربا .. توقفات أمام الممارسات والأداء , وتوقفات أمام بعض مفردات النظرية التى تتعاطى مع الماركسية في رؤيتها السياسية , ولكن لم أتوقع أن هذه التوقفات جديرة أن تسقط جبل الثلج في لحظة ليتوالى سقوط قطع الدومينو بسرعة بدون مقاومة ولا دمعة حزن متحسرة .
دعونى أسرد بعض توقفاتي على أداء الدول الشيوعية والتى كانت ظاهرة للعيان , والتي لم يتوقع احد أن تكون أسباب للإنهيار السريع , ولكن هكذا كل من يحاول أن يعاند الطبيعة ويصر على وضع الأقدام فى أحذية جميلة ولكن ضيقة .!

- التقديس وعبادة الزعيم .
رغم أن الفكر الماركسى يسقط القداسة والإله والدين إلا أن كوادر الحزب الشيوعى حرصوا على بقاء إرث ومفهوم القداسة والتابوهات كما هو فى الثقافة الشعبية , فنزعوا القداسة عن الإله والكنيسة والدين ليحاصروهم بقمع شديد ولكن إستثمروا المفهوم الشعبي للقداسة ليتوجه للزعيم والقائد والحزب , لنشهد مشاهد قميئة لم تغادر أى تجربة من التجارب الإشتراكية حيث تمجيد وتعظيم وتوقير القائد ليعادل مقام الألوهية القديم .. شهدنا ذلك فى لينين وستالين فى التجربة السوفيتية , وماو فى التجربة الصينية ومازال المشهد قائما بكل فجاجته فى القرن الواحد والعشرين بكوريا الشمالية .
كلما إستعدت شريط الذكريات لهذه المشاهد ستخجل من هذا التقديس والتأليه الذى يجعل الشعب عبيد لأفكار وأمنيات ورغبات القائد , وستتلمس قبح ونفاق المشاعر بشكل قميئ فهناك فرح هيستيرى بيوم ميلاد الزعيم وحزن هيستيرى على موت الزعيم!!
إستثمر الحزب الشيوعى تعميق مشاعر القداسة ليقصرها على الزعيم والنخب الشيوعية بغية تحقيق الولاء والخضوع للدولة الشيوعية , ولتتخلق تابوهات تمنع الإقتراب والنقد فيحلق الزعيم لوحده فارضاً أفكاره وتوجهاته فلا ينال نقداً أو معارضة بل تأييد وإحتفاء وإحتفال بكل قراراته حتى لو كانت حمقاء .
الثورة الثقافية فى الصين على سبيل المثال جاءت بإحتفاء شديد من قبل الشيوعيين أصحاب الهستريا تجاه كل رأسمالى ليُمارس قمع شديد ومُجحف وصل به الحال إلى همجية تجاه التراث الصينى القديم ولكل مظهر بسيط وليس له أى تأثير ولكن تم تصنيفه كمشهد رأسمالى ليمارس الهوس الهستيرى المسعور كل الإنتهاكات الجسيمة .
هذا ما جنته الدول الشيوعية من جراء ترسيخ تقديس وتأليه الفرد لتجنى الديكتاتورية وقرارات قاسية مجحفة متهورة غير مدروسة , فبدلا من أن يواجه هذا الشطط بالنقد والتحليل واجهتها بالإحتفاء كونها من الزعيم القائد الملهم تحت تأثير التعظيم والتقديس للقائد .
لقد أنتجت مظاهر التقديس والتأليه للزعيم مشاعر الخوف والرهبة والنفاق تحت الضلوع ,فأنت مُجبر أن تعلن حزنك وفرحك للمشاهد المقررة .. الكل صار مرتعشاً خائفاً من أن يتورط فى الإعلان عن الإستياء أو قول معارض والدخول بالدوائر الحمراء , فحتى الشيوعى الذى له رؤية ناقدة مغايرة صار منشقاً مذموماً !.. الخائفين والمرتعشين لن ينتجوا منظومة قوية ولن يحافظوا على منظومة .
الرأسمالية عاشت وإستمرت ليس كونها منظومة جيدة بل من السماح بالحريات والتنفيس عن مكنونات الإنسان بالرفض والصراخ مع لفظ القداسة والتقديس للحكام لتسمح بنقدهم ولعنهم وقذفهم بالطماطم , فلا يوجد أحد فى مرتبة الإله بل الكل يخضع للمساءلة والنقد والتوبيخ ومن هنا يحس الإنسان أنه فاعل مؤثر ذو قيمة وليس مهمش .

- غياب الحريات والديمقراطية .
من أخطاء التجارب الإشتراكية إنعدام الحريات والديمقراطية فلا صوت يعلو فوق صوت الحزب الشيوعى أو قل لا صوت يعلو على صوت اللجنه المركزية للحزب الشيوعي حتى لو كان داخل الحزب نفسه .. فلا حرية ولا ديمقراطية ولا معارضة مما يعنى الديكتاورية , وأرى هذه الرؤية جاءت من فكرة ديكتاتورية البروليتاريا التى صارت ديكتاتورية حزب .. لابد ان يعاد النظر فى ديكتاوتورية البروليتاريا فهى تخالف جوهر الماركسية التي ترسخ مبدأ صراع الأضداد فأنت لا تستطيع ان تلغى ضد من الوجود , فقد تقهره وتنتصر عليه ولكن يستحيل أن يفنى .
من شعار ديكتاتورية البروليتاريا تم تغيير اليافطة لتصير ديكتاتورية الحزب فديكتاتورية اللجنه المركزية , ليتفرد الحزب بإدارة البلاد والحياة فى ظل نظام ديكتاتوري قاسي نال جزاءه بالإنهيار السريع .
للأسف يتعامل الشيوعيين بنفس منظور الأحزاب والتيارات الدينية والقومية فهو يرفع شعار الديمقراطية ويناضل من أجلها طالما هو خارج السلطة ولكن حينما يتمكن من السلطة فهو سيرمى الديمقراطية وتداول السلطة عند أقرب صندوق قمامة .
غير صحيح القول بأن الحراك الثورى الشيوعي يعنى الإنتصار النهائي أى عدم الحاجة للديمقراطية ولا مشاركة كتل شعبية فهذا غير دقيق لأن الثورة لم تتم بفعل الطبقة العاملة فقط بل بمشاركة طبقات إجتماعية من الفلاحين والطبقة المتوسطة .
بالرغم أن الديمقراطية لا تنتج تغيير جذرى جوهرى حقيقى فى المجتمع يتمثل فى إحلال طبقة مكان طبقة , ولكن المنظومة الراسمالية تحافظ على بقاءها بإتاحة هامش عريض من الحريات والديمقراطية لتسمح بالنقد والصراخ لتخرج المكبوت من أعماق البشر ليتلهى الشعب فى هذه اللعبة ويتعايش معها بينما لم تفطن الأحزاب الشيوعية لهذا راغبة فى نمذجة وقولبة البشر .
أرى ضرورة الديمقراطية فى المجتمعات الشيوعية لنشهد تعدد الأحزاب الشيوعية , نعم تعدد فى الرؤى والتكتيكات الشيوعية كحال الأحزاب اليمينية فى أمريكا والغرب , فالذي يقرأ الواقع ويثبت كفاءته يستمر , هذا بجوار أحزاب تمثل كافة تيارات المجتمع , فلا يتفرد حزب شيوعي واحد بالسلطة وهذا له جدواه , فالأحزاب الشيوعية ستوضع على المحك والمواجهة والنقد لتعدل وتطور من برامجها وستضع نفسها تحت التهديد والإختبار والملاحقة والسؤال فلا تتحصن فى شرتقة التفرد بالسلطة ومن هنا تمارس معاركها ونضالها وبرامجها وحيويتها وتقنع الجماهير بأهمية وجودها .

- منهج الحجب والوصاية .
مارست الدول الشيوعية منهجية الحجب والوصاية على الشعوب , فمثلا تم حجب الأنشطة الدينية والإتجاهات القومية والمذهبية والطائفية ليُمارس ضدها قمع شديد , بل تم حجب بعض الفنون والآداب كونها برجوازية الهوى .
بالرغم من قناعاتى التامة بخطر وسوء الأديان , كذا سوء تواجد الإتجاهات القومية والعرقية لما تشكله من ميول رجعية قميئة تبغى التفتت والتشرذم , كذا الفنون البرجوازية التى تزين المنهج والأداء الرأسمالي , ولكن عملية المنع والإقصاء التعسفى التام لن تجدى , والدليل رجوع الحضور الدينى والقومى بل الرأسمالية بعد أكثر من سبعين سنه من القمع والمنع .
نعم الأممية هي أمل الإنسانية نحو التحرر والكرامة , وفى المقابل الأديان والقوميات شرانق غبية تبغى تشرذم المجتمع وتفتيته , ولكن لن يتم مواجهة الرجعية بسحقها وحجبها وحظرها فهذا لن يجدي كما ذكرت , فمواجهتها تأتى من ترسيخ ثقافة وفكر الفلسفة الجدلية والفكر التقدمي بين الجماهير , فحينها ستنهار وتتساقط الرجعيات فى ظل هذا المناخ بدون قطرة دماء , كحال قوة الثقافة الأوربية العلمانية فلم يعد لأي دين أو عرقية السطوة والمستقبل فى أوربا , فالكنائس مفتوحة ولكن الشعب الأوربي منصرف عنها .
للأسف منهج الوصاية من عقيدة دخيلة على الأحزاب الشيوعية ليتفرد ويشكل وعى الجماهير وذلك بفرض حزمة من الافكار والميول والإتجاهات وحتى الأذواق فى رؤية تستسهل الحل والتغيير بنمذجة وقولبة المجتمع لتعفى نفسها من نضال ثقافى يقنع المواطن بحسن رؤيتها وميولها وذوقها , لذا كان من السهل إختراق المجتمعات الشيوعية بنماذج ومشاهد الرفاهية والإبهار الغربى , فالامور كانت تتم بحجب ووصاية متعسفة دون أن يتربى المجتمع على ثقافة ونهج وذوق مغاير .

- غياب العمال عن الحكم وكل السلطة للحزب .
بالرغم ان الحزب الشيوعى يتأسس على طبقة العمال متبنياً حتمية سلطتها وحكمها فلا تقوم له قائمة بدون طبقة العمال ,فرغم ذلك لم نجد تلك الطبقة العريضة بعد 70 سنه تناضل من أجل الحيلولة دون سقوط حزبها بل لم تذرف دمعة واحدة على إنهيار وتحلل الحزب الشيوعى , بل تمردت الطبقة العاملة على الحزب الشيوعى البولندى .. وهذا يعنى إنسلاخ الحزب الشيوعى عن العمال .!
أرى سبب ذلك يرجع إلى أن الحزب بدلا أن يُعبر بقوة عن الطبقة العاملة ثار سلطة فوقية تطلق الشعارات بعيداً عن الواقع , ولتتحول الإشتراكية إلى ملكية الدولة لوسائل الإنتاج ليعمل العمال لدى الدولة وليس فى ملكيتهم .

- الحزب الطبقة .
رؤية الفكر الماركسى إلغاء الطبقية والتمايز الطبقى بينما جاء التطبيق بظهور طبقة الحزب الشيوعى كطبقة مميزة متخمة بالإمتيازات والرواتب والعزوة والسطوة مما أدى إلى عواقب وخيمة , فمن يمسك بالسلطة هو الأوفر حظاً ومكانة .. ومن هنا ظهرت طبقة الحزب الشيوعى , وهذا يعنى أن الشيوعيين والمجتمع لم يتم ترييتهم تربية شيوعية حقيقية , فمازال مفهوم السطة والطبقة الحاكمة القديم سارياً من الثقافات البائدة .

- الرفاهية للشعب والشغيلة .
عندما تتوفر الرفاهية للشعب فحينها سيؤمن بصحة توجه نظامه السياسى وهذا هو الحادث فى الغرب حيث رفاهية لكل أفراد الشعب بالرغم أن الرأسماليين يأكلون أكثر من نصفها , وهذا ما كان يعانيه الشعب فى الدولة السوفياتية وسائر الدول الشيوعية فالحياة تتم فى أضيق الحدود وبالكاد , بينما فى الغرب هناك بحبوحة فى العيش ليكون لسان حال السوفيتى : ماذا أفادت الإشتراكية ؟!
فى الحقيقة تم إستنزاف الإتحاد السوفياتى والدول الإشتراكية فى صراع الحرب الباردة ليتم توجيه الدعم والمدد لدول كثيرة بغية إستقطابها فى خانة الحلف الشيوعى الذى يواجه الإمبريالية الأمريكية .
لقد تصرف الإتحاد السوفيتى كقوى عظمى تواجه الإمبريالية العالمية ليقدم دعم عسكرى وإقتصادى هائل لدول عديدة تعانى أزمات سياسية وإقتصادية وتنموية كبيرة بغية أن لا ينتصر الإستعمار والإمبريالية الغربية ..أى أن الإتحاد السوفيتى إستقطع من قوته ليقدم الدعم لشعوب تعانى من الإستعمار والسطوة الغربية , ولكن للأسف كان هذا الدعم لدول قومية وبرجوزاية ما لبثت أن إرتمت فى حضن الإمبريالية بعدما خرجت من كبوتها , كحال مصر السادات مثلاً .
لا أستطيع ان ألوم سياسات الإتحاد السوفياتى فى الحرب الباردة فقد وقع فى فخ الإمبريالية رغماً عنه والذى جاء على حساب قوت المواطن السوفيتى ورفاهيته كذا على حساب الأحزاب الشيوعية فى الدول العربية , فبدلا من تركيز الدعم لها تم إجبارها على الإنصياع والتنازل لأنظمة قومية وبرجوازية , بل تغاضى الإتحاد السوفيتى عن إضطهادات وإنتهاكات للأحزاب الشيوعية فى تلك الدول بغية تحقيق القوة القطبية التى لم تكن مع تلك الدول القومية البرجوزاية إلا قصراً على الرمال .

رغم كل السلبيات والإخفاقات فهذا لا ينفى الإنجازات الضخمة فى الدول الشيوعية خاصة الإتحاد السوفياتى فقد شهد قفزات هائلة فى العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمى علاوة على إحتكار البطولات الرياضية والإبداعات الرائعة فى الفنون , علاوة على قفزات إقتصادية هائلة فى بدايات التجربة الإشتراكية , وهذا يعطى دلالة رائعة أن النهج الإشتراكى الشيوعى بالرغم من كل معاناته التى سبق الإشارة إليها يمكن أن يرتقى بالإنسان محققاً آفاق رائعة من التقدم والرقى والتطور , ولكننا نأمل ونطلب المزيد فى تجارب إشتراكية جديدة تواجه الواقع ولا تهرب منه وتعتنى بحرية وكرامة الإنسان كسبيل وحيد فى تطويره وتحصينه من أى نزق .

الإنسان كائن متحرك يبغى التغيير والتطور وهذا الفهم مفهوم ماركسى أصيل ولكن الأحزاب الشوعية غفلت أو قل للدقة تغافلت عن ذلك لتقف أمام الحركة والحراك ناشدة السكون والإستقرار .
تستوقفنى مقولة رائعة للمسيح قائلة "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" لأضيف لها من عندى بل بالحرية والتحرر من كل أصنام وصنمية وقدسية وقداسة وقولبة وقوالب ووصاية .. الإنسان أولاً قبل النظرية .

دمتم بخير .
"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته "أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع.



تعليقات الفيسبوك