الأسس النظرية والتنظيمية للحزب اللينينى - ضد أطروحات العفيف الأخضر - القسم الأول


سعيد العليمى
2018 / 4 / 18 - 17:07     

تنويه : كتبت هذه الدراسة فى صيف عام 1978 - القاهرة



مقدمة
إن ما يجعل الجدال ضد هذا الإتجاه النظرى التنظيمي الفوضوي الذى يمثله العفيف الأخضر وكوكبة من رفاقه واجبا إلزاميا ، هو إدراكنا لأهمية الدفاع عن الأسس النظريه للحزب الماركسي اللينيني ، ومبادئه التنظيميه – التى يحاول هذا الإتجاه دحضها تحت رايه افتعال تناقض بين موقف ماركس من قضايا التنظيم الحزبي ، وموقف لينين قائد الثورة البلشفيه ، من هذه القضايا ذاتها – ورد الهجمات الفوضوية ذات النزعة البورجوازيه الصغيرة التى تستخدم ضد اللينينيه نفس القاموس الباكونينى – البرودونى ، مع إضافات منتقاة من هنا أو هناك ، حتى أن أى متابع لتاريخ الحركة العمالية ونضالها السياسي فى النصف الثانى من القرن -قبل -الماضى ، وفى روسيا العشرينات ، سيلاحظ مدى التطابق بين الأخطاء والإنحرافات القديمة ، وتلك التى تقدم على أنها "نظريات" – معاصرة . بل إن نفس الكلمات التى تتردد أصداؤها فى كتاب مؤلف "التنظيم الثورى الحديث" ، ومقالاته ، ومقدمات ترجماته - هو ورفاقه من ممثلي هذا الإتجاه الفوضوي فى قضايا التنظيم ، من رفض للمركزية ، ومناهضة "الإستبداد" والتسلط ، والمراتبية ، وتقسيم العمل ، ووجود محترفين ثوريين ، أو عمل سرى ... إلى آخر هذه المقولات – إستخدم بعضها ضد مؤسس الماركسية ذاته ، أى كارل ماركس وتلامذته ، الذين إعتبروا من أنصار "التسلط والمركزية" من قبل الفوضوي الروسي باكونين ، وخاصة بعد إلتحاقه بالآممية الأولى . وإذا كان ممثل هذه النزعة الفوضوية ، قد استفاد من ميراث باكونين فقد إستفاد أيضا من ميراث "المعارضة العمالية " التى إنبثقت داخل حزب العمال الإشتراكى الديمقراطى الروسى فى العشرينات .
وإذا كان يمكن القول ، بأن بعض هذه النظريات السياسية ، قد لاقت قدراً من الإنتشار ، خاصة بين العصب التروتسكية ، فإن بعضها الآخر قد تسرب لعديد من التنظيمات الثورية ، التى لم تتمكن من تبني موقف نقدي ثوري من المراجعة العالمية السائدة ، فى أكبر بلدان الثورة الإشتراكية ، من ناحيه أخرى ، فرغم أنه يمكن القول بأن النظرات الفوضوية فى حقل التنظيم الحزبى ، لم تجد صدى واسعا فى صفوف القوى الثورية فى المنطقه العربية ، إلا أنها فى الواقع قد وجدت مجالا للتسرب الجزئى ، بشأن بعض مقولاتها ، ولا يعود ذلك إلى وجود مفهوم متبلور يمثل نهجاً ثابتا لديها ، بقدر ما يعود إلى حداثة هذه التنظيمات الثورية فى تبنيها للماركسية ، ولتاريخها السياسي السابق قبل تبنيها للماركسية فى بعض الآحوال ، كما أنه يعود إلى ميول إنتقائية لدى بعضها الآخر ، مما طبع جوانب محددة فى عملها بطابعها ، فعلى سبيل المثال ، تطرح بعض هذه التنظيمات – نقصد فى قضايا التنظيم – ضرورة أن يكون الحزب الثوري علنيا بغض النظر عن وجود أى مناخ إستبدادي بوليسي ، تكرسه طبقات حاكمة إستغلالية ذات روابط وثيقة بالإمبريالية ، ومعادية للديمقراطية وبالآحرى لآى دعاية وتحريض ثوريين من جانب تنظيم شيوعي . او أنها تنزع إلى تكريس نوع من الديمقراطية البدائية فى العمل الحزبى ، فترفض مقولة تقسيم العمل التى لا تلائم سوى تنظيم ، وبالآحرى حلقة ثورية صغيرة فى أول آطورها ، وتقدم هذه الحلقة مشروط بتطور تقسيم العمل فيها الذى يرتبط بالضرورة بإتساع مضمون نشاطها الثوري، أو إصرارها على ضرورة تمرير كل قرار على الحزب بأكمله ، أيا ما كان طابع هذا القرار حتى يطبع بطابع الديمقراطية الحقة ، أو الوقوع فى تصور أن المحترف الثورى هو "عالة" على الحزب ، رغم أن النواة القيادية لآى حزب مناضل لا يمكن أن تتشكل من هواة يكرسون "أمسياتهم" للثورة فقط ، ورغم أن الكادر القيادي ينبغى أن تكون مهنته الأساسية هى النضال الثورى، والنضال الثورى فقط ، لآنه العماد ، الذى يؤمن إستمرار وتواصل وإنتظام وثبات العمل الثورى . إلى جانب هذا ، تطرح أفكار ترى أن "تبادل المواقع" الحزبيه، أي تنزيل الكوادر القياديه إلى المستويات الحزبيه الآدنى دوريا ، وتصعيد بدائل لها ، دوريا، فى موجات هابطه صاعده ، من التنزيل والترفيع ، تكفل تدريب عدد أوسع على العمل القيادى ، رغم آن النواه القياديه ، هى العصب الأساسى لآى حزب بحكم قدراتها النظريه والسياسيه والتنظيميه والجماهيريه، ولآنها صنعت وصهرت فى زمن ، كما آن الكوادر القياديه لا توجد بالجمله، وهذا المنطق يؤدى إلى إرتباك العمل القيادي وتخبطه ، وهو لا يوازي فى خسائره الفادحه ، الطابع الديمقراطي الشكلى لتبادل القيادة دوريا (1 ).
إن هذه المفاهيم السابقة ، تنتمى إلى مظهر أو آخر ، من مظاهر الأيديولوجية الفوضويه ، وخيمة العواقب على العمل الثورى . وما يجعل أيضا النضال ضد هذا الإتجاه الفوضوى واجبا، يعود إلى واقع العلاقات بين الطبقات العاملة العربية وبورجوازيتها الحاكمة فى الظروف الراهنة . حيث تتجه هذه البورجوازيات إلى تصفية الحركة الوطنية الديمقراطية ، وتتفاقم لديها نزعة معاداة الشيوعية ، وخاصة بعد عودة النفوذ الأمريكى للمنطقة ، وهيمنته على بعض البلدان العربية ، لذا ، فليس لدى الطبقة العامله من سلاح سوى سلاح التنظيم الحزب اللينيني وعلى ممثليها أن يذودوا عن هذا السلاح ، وأن يردوا الهجمات عنه ، التى لا تهدف إلا لتجريدها من آداتها التنظيمية المجربة تاريخيا فى الثورات الإشتراكية ، وأدنى تنازل عن ذلك يعنى التخاذل أمام سيطرة الطبقات الحاكمة الإستغلالية . إذن ، فإن كان كافة القوى الشيوعية الثورية ، مدعوة للإمساك بسلاحها جيدا ، لأنه أداة تحقيق ثورتها الشيوعية ، وما يسبقها من أهداف مرحلية .
وهذه المقالة التى نكرسها للجدال مع هذا الاتجاه الفوضوي سوف تحتوي بصفة أساسية على ثلاث موضوعات ، أولها يتناول مفهوم الطبقة والحزب ، لنرى ما يضيفه هذا الاتجاه من "جديد" ، وثانيها ، يبين التزييف العمدى الذى يفتعل تناقضا بين مفاهيم مؤسسى الماركسية ، وبين مفاهيم لينين عن قضايا التنظيم ، وثالثها ، أي القسم الأخير ، فيتناول مفهوم الثوره لدى كاتبنا وعلاقة هذا المفهوم بتنظيمه المجالسى ومقوماته .
وسنهتم في سياق مقالنا ، بإبراز آراء ماركس وإنجلز ، وهو أمر لا غنى عنه ، وبتنقية المفاهيم اللينينية مما يثار حولها من غبار المفاهيم الفوضوية وهو أمر يفرضه علينا تبيان المصادر الفكرية التى إستقى هذا التيار آرائه منها ، للبرهنة على أن "التنظيم الثوري الحديث" أي التنظيم المجالسى ، هو تلفيق إنتقائى قديم ، والأفضل إذن من الناحية المنهجية ، "الإعتماد على المخترع الأصلي لطريقه معينه فى التفكير بدلا من الإعتماد على من يتداولون سلعا قديمة" انجلز . وآخيرا ، فإن هدف الدراسة هو البرهنة على أن شعار التنظيم المجالسي ، ليس شعارا ماركسيا بروليتاريا ، بل شعاراً فوضويا ليبراليا ،.... راية تنظيمية فوضوية ، تعكس نفوذ الأيديولوجية البورجوازية وطبقتها ، التى لها مصلحة أكيدة فى تجريد الطبقة العاملة من سلاحها التنظيمى الثورى ، لتعطيها بدلا منه ، جمعية شرعية للنقاش العلنى ، وللصراع "تناضل" تحت سمع وبصر الطبقات الحاكمة ، مكشوفة الظهر والقلب ، فى بلدان بوليسية إستبدادية . ونحن ، وإن كنا سنوجه جدالنا الأساسى ضد كتاب " التنظيم الثوري الحديث" الذى يمثل هذا الإتجاه خير تمثيل ، فسنتناول عبره بعض الكتابات الآخرى ، لبعض ممن يتبنون هذا الاتجاه الفوضوى ، فضلاً عن عديد من مقدمات المؤلف لمترجمات ، تجاوزت فيها المقدمات من ناحية الحجم النصوص المترجمة ، ولأنها تعرض ذات الأفكار ، ومما يؤسف له أننا لم نتمكن من الحصول على بعض المقالات التى تناولت قضايا التنظيم ، وخاصة فى مجله دراسات عربية ، وكذا المجلة التى أصدرها "التنظيم المجالسي" ، لكننا على أية حال نرى أن النظرات المعروضة كافية تماماً ، لدحضها ، فى الكتب والمقالات التى توفرت لدينا ، وهى : 1) التنظيم الثورى الحديث ، 2) من كومونه باريس إلى مجازر عمان، 3) التنظيم الشيوعي – مقدمه مطوله ،4) البيان الشيوعي – مقدمة وتعليقاته ، 5) الثورة الألمانية 1918 – 1919 ، 6) العسف – مقدمة ، 7) نصوص حول الدين – مقدمه مطوله .



-1 -
فى أحد مقالاته كتب مؤسس الماركسية كارل ماركس ناقدا الفكر الطوباوي فى شتى مظاهره ، ان "مخاطبة العامل دون فكرة عملية صارمة ومذهب إيجابي يعني المشاركة فى لعبة تبشيرية فارغة وغير أمينة ، تتطلب نبيا ملهما من ناحية، ولا شيئ سوى حمير تنصت إليه فاغرة أفواهها ، من ناحية أخرى ...إن الجهل لم يساعد بعد أى إنسان " ، والتخلى عن الفكرة العلمية الصارمة والمذاهب الإيجابى ، والعودة إلى إحدى اللعب التبشيرية الفارغة ، أمر قد ارتبط فى تاريخ الحركة الثورية ، بإنتصار الماركسية ، وإزاحتها للمذاهب الثورية غير البروليتارية . فقد كان على النظرية الماركسية أن تشق طريقها إلى الواقع بعد نضال شديد ، وعقب أن سحقت اٌلإتجاهات الفكرية الاشتراكية الآخرى ، وحلت محلها من الناحية الأساسية – أى ليس بشكل كامل – هذه الاتجاهات الإشتراكية الرجعية ، والبورجوازية الصغيرة ، التى تباينت سماتها ، والتى برزت فى مراحل تاريخية معينة إتسمت بتخلف وعدم نضج الطبقة العاملة ، الذى إرتبط فى البدايات الأولى بتدنى نمو قوى الإنتاج والصناعة الكبيرة ، وسياده الحرفيين ، الذين كانت لهم ميول ثورية . وقد إنعكس ذلك ، على مدى تبلور وعى الطبقة العاملة بذاتها كطبقة مناضلة ، مدركة لدورها التاريخى ، الذى تشرطه أوضاع وجودها ومكانتها في عملية الإنتاج الإجتماعي ، وما سيتصل بهذا الدور من مطالب إقتصاديه وإجتماعية وسياسيه ... نقول لقد كان على النظرية الماركسية أن تواجه هذه الإتجاهات التى تعود إلى الظهور مجدداَ ، واضعة افكارها القديمه فى زقاق جديده ، مكررة الإنحرافات السابقة ، محاولة إحياء بعض المفاهيم والأفكار البائدة ، لا فى ميدانها الخاص " بل فى ميدان الماركسية العام" وهى تظهر فى الميدان الآخير ، بوصفها نزعه تحريفية ، تهدف إلى مراجعة بعض المفاهيم الماركسة ، فى مجال ما أو آخر ، تبعا لهذا المظهر أو ذاك من مظاهر الإنتهازية المنبثقة والمتلائمة مع وضع إقتصادى – إجتماعى وسياسي محدد . ومن بين أساليب وطرق شتى تهدف إلى ثلم نصل بعض جوانب الماركسية الثورية ، تلك المحاولات التى تجرى ، بمعارضة أفكار ماركس الشاب ، بأفكار ماركس الكهل، أو التنصل من النتائج الثورية لمفاهيم ماركس الذى أسئ فهمه ، بعد إستبداله بماركس آخر أحسن فهمه ، يكون عادة من النمط الليبرالي ، متكيفاً مع الإنتهازيه فى ميدان المفاهيم النظرية أو السياسيه أو التنظيميه . كتب لينين إن : " ديالكتيك التاريخ يرتدى شكلا يجبر معه إنتصار الماركسية فى حقل النظرية أعداء الماركسية على التقنع بقناع الماركسية ، وقد حاولت الليبرالية المهترئة فى داخلها ، أن تستأنف نشاطها تحت ستار – الإنتهازية الإشتراكية ،،(2) وكاتبنا العفيف الأخضر الذى نتناول كتابه "التنظيم الثوري الحديث" وكذا بعض مقالاته ، من منظور نقدى ماركسى لينيني يسعى كبعض من سبقوه من رواد الليبرالية الفوضوية ، لآن يقيم تعارضا جذرياً بين ماركس من جهة ولينين من جهة أخرى ، بين المفاهيم اللينينية حول التنظيم الحزبي ، وبين مفاهيم ماركس وإنجلز عنه ، موهما بأن المفاهيم اللينينية حول قضايا التنظيم ، ليست فى بعض جوانبها تطويراً لآراء مؤسسى الماركسية ، ونواة أفكارهما ، بصدد حزب الطبقة العاملة ، فى ظروف تاريخية نوعية جديدة ، تتميز عن ظروف بواكير النصف الثانى من القرن التاسع عشر ، ويصورها كأنها نظام متكامل منهجيا ، من ناحية تناقضها مع آراء ونظرات الماركسية الحقه ،"الثوريه النقديه" تغلغلت بين ثناياه التصورات البلانكية والشعبوية ، بشأن الحزب – النخبة – التآمرى ، الذى يضم أقلية ثوريه نشطة ، تناضل اعتماداً على قواها الذاتية ، بمعزل عن الطبقه العاملة ، وكيلة عن الأخيرة ، فى القيام بهجمات تآمرية ، فردية ، منعزلة . وكاتبنا بإعتباره عبقرياً فى طور التكوين ، يحلم بأن يلعب دوراً استثنائياً ، ضد ما يدعوه ب " الايقونات" اللينينية ، التى نذر نفسه لتحطيمها ، لا على الصعيد القومى فحسب ، بل على الصعيد الأممى ، وفى القلب بالطبع من هذه "الأيقونات" تحتل المفاهيم التنظيمية ، الهدف الرئيسي فى النقد ، لذا نراه يحتل مواقع الفوضوية الشاغرة فى عالمنا العربى ، ناعتاً إياها بالماركسية ، مباركاً البعض – رفاق التنظيم المجالسى – لاعنا بالضرورة البعض الآخر – اللينيني الستاليني - ، ممارسا فى سماوات العقل الخالص ، ومن أعلى " مهام الحوار والتحريض الراديكالي * الموجه للطبقة العاملة ، مكرسا سلاح النظرية المجردة العاجز أمام عنف الدولة وقمعها ، خاصة فى البلدان الإستبدادية البوليسية ، وربما يعود ذلك إلى أنه وحيد فى عليائه ، منفصل عن كل شئ ، ولذا نرى نقده "يحلق بإنفصال سلطاني فوق مصادفات الحياة الواقعية " . ويمعن فى خلق نماذج مثالية للثورة وحزبها ، تعلو على كل ما هو دنيوي وراهن وواقعى . ويبدو أن اللفظية الثوريه لدية تعادل التحرر من الجمود العقائدي ، لا فى الأدب فحسب – حيث يقدم الإنحلال الآخلاقى كفضائل ثورية متطرفة ، من خلال القصائد الشعرية التى نشرت فى واحد من أعداد مجلة التنظيم المجالسي – بل أيضاً فيما يتوهمه إبداعاً نظريا حديثاً في قضايا التنظيم الحزبي . إذن هو ينتقد "الطقوس" التنظيمية اللينينية ، من وجهه نظر اليوتوبيا الفوضوية للتنظيم المجالسى الثورى الحديث ، حيث يقدمها البعض – يعنى المفاهيم اللينينية – كما يدعى وكآنها آخر كلمة تقال فى علم الثوره ، وهو يملك "كلمه" آخرى لكنها ليست بالآخيرة . وهو حين يعلن أنه لا يدعى قول الكلمة الآخيرة فى علم الثورة ، بصدد القضايا النظرية فى حقل التنظيم ، إلا أن إزاحته لمبادئ ماركس ولينين ، وإحلال مبادئه الفوضوية محلها ، وخصوصاً محور أفكاره وتصوراته عن التنظيم المجالسي ،بنيته ، نمط تسييره ، علاقته بالطبقة العاملة ، هى بمعنى ما " كلمة آخيرة " تجاوزت المفاهيم الماركسية اللينينية – من وجهة نظره .
ومؤلفنا يهدف بكتابه إلى "التعريف بالتنظيم الأممى الجديد الذي تعلم من تجارب البروليتاريا الثورية - من إنتصاراتها وهزائمها ومن خبره جميع الثوريين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين" وهو دعوة للفكر الثوري العربى لآن ".... يخرج من دوامة طرح الأسئله الخاطئة والمشاكل الزائفة لكي يطرح الأسئلة الصحيحة والمشاكل الفعلية التى تطرحها الحقبة التاريخية نفسها "( 3 ) كما أنه يشير إلى أنه سيلتزم بتقديم الوقائع ضد لغه النصوص –وكأن الأفكار التى تتضمنها تلك النصوص ، ليست تعبيراً عن وقائع .
وإذا كان كاتبنا ينسى أن أى بناء لا ينتهى بوضع أساسه ، فكذا الأمر مع قضاياالتنظيم ، فهى لا تولد محققة ناجزة ، كما أنها لا تقف عند بداياتها الأولى ، وهى قابلة لآن ترتد على بعض مقوماتها ، متى ما إختلفت الشروط ، لآن الوقائع الحية تجبرها على آن ترتدى أشكالا متغيرة . أما لينين ، فقد كان يدعو لتطوير الماركسية ذاتها فى كل إتجاه ، كما أنه نهجه التنظيمي كان متكيفاً على الدوام مع الوضع الفعلى ، وهو لم يعتبر كتاباته قولا فصلاً أبدياً ، وكذا الأمر مع تلاميذه الثوريين . وعلى أى حال لا ينبغى المطابقه بين فكر لينين التنظيمي ، وبين مدَّعى اللينينية من كل شاكلة وطراز ، وعلى وجه الخصوص الآحزاب الشيوعية المراجعة ، أو الآحزاب الثورية التى عانت من الإنحرافات ( 4 ) ، لنقص الخبرة وتدنى الوعى ، وحداثة إرتباطها بالماركسية الثورية ، فهى" ليست شيئاً خارج هذا الشرط " . وهذه الآخيرة تختلف عن الأولى من زاوية إمكانية تقويم إنحرافاتها متى ماوعتها . وتلامذة لينين لا يعتبرون آراءه قابلة للتطبيق على نحو آلى دون وعى ، بل يلائمون بين الآراء والشروط الفعلية التى تتعلق بكل وضع وكل مرحلة .
ولآن مؤلفنا لا يقول " كلمة أخيرة " ومع هذا يتحدث عن تنظيم ثوري حديث ، موحياً بجدته ، فإن هذا يدعونا إلى التأكيد ، على أن المقولات التى يستند عليها هذا التنظيم لا آصالة فيها ، ومن ثم لا يأتى بجديد ، بل يمكن إرجاعها ببساطة إلى مصادرها الأصليه فقد تم إقتراضها من الشيع ، والحلقات ، والتكتلات التى عاشت على هامش الحركة العمالية الثورية ، ونضالها الطبقى ، بدءا بتلك الإتجاهات التى عادت الماركسية إبان ظهورها ، ومثلت تيارت أيديولوجية وسياسية فى صفوف الطبقة العاملة إلى أن تمت تصفيتها – من الناحية الأساسية – على يد النظرية الماركسية الثورية ، من برودونية ،وباكونينية ، وفوضوية نقابية ....، إلى الإتجاهات التى كانت أعدى أعداء اللينينية ، على إمتداد تاريخ الحركة الثورية الروسية ، من مارتوفية منشفية ، إلى تروتسكية معادية للنظرات اللينينية فى حقل التنظيم – كما عرضها تروتسكي فى كراسه مهماتنا السياسيه 1904 – إلى النزعة التصفوية التى انبثقت داخل حزب العمال الإشتراكى الديمقراطى الروسي فى أعقاب هزيمة ثوره 1905 ، هذه النزعة التى دعت إلى تصفية الحزب البلشفي السرى ، وإستبداله بحزب عمال علنى متكيف مع الشرعية ، فى ظل الإستبداد القيصري ...، حتى تمجيد العفوية ، ومعاداة الحزب الممركز من جانب روزا لوكسمبورج ... وصولا إلى تمثل مواقف كتل المعارضة المختلفة التى ظهرت فى أعقاب إنتصار الثورة البلشفية ، خاصة فى الآعوام 1921 – 1927 ، مثل فرقتي المعارضة العمالية ، والمركزية الديمقراطية ...إنتهاء بالإلتقاء مع جوقة واسعة من الإتجاهات الإشتراكية الليبرالية ، والفوضوية ، والتروتسكية السائدة الآن فى البلدان الغربيه – وعلى سبيل المثال ، لا الحصر آراء كورنيليوس كاستورياديس فى مؤلفه البروليتاريا والتنظيم - ،ولابد إذن أن نشهد لمؤلفنا بتفوقه فى النزعة الإنتقائية ، فى قدرته الإستثنائية ، على صنع ودمج هذا الخليط ، وصهره ، ليخرج وحدة متلاحمة فريدة ، تم إستنباتها ، من تاريخ مختلف الفرق والشيع والحلقات التى كانت دائما زائده هامشية فى مسار الحركة العمالية الثورية ، والحزب الثورى .
حين يطرح "الماركسي" مشاكل تنظيمية ويضعها أمامه كمهمة واجبه الحل ، متصديا للإجابة عن المعضلات التى تواجه الحركة الثورية ، عليه أن يكون جاداً وموضوعيا فى حلها ، بمعنى أن عليه ألا يركن إلى بعث إنحرافات الماضى ، من خلال عودة بسيطة إليها ، مكرراً الأخطاء القديمة التى تم دحضها – مع التجاهل العمدى لهذا الدحض – أو تزييف المفاهيم الأساسية لمؤسسى الماركسية الثورية ، حول قضايا التنظيم الحزبى أ أو طبيعة الثورة الإشتراكية وارتقاءها نحو الشيوعية كمرحلة أعلى من الطور الإشتراكى الأدنى السابق ، محولا إياهم إلى ليبراليين ، قصد أن يجند سنداً مزيفا لوجهة نظره . وبالفعل فإن مؤلفنا يتبنى نموذجاً ذهنيا للحزب يضعه فى تعارض مع الحزب فى الواقع . ومن البديهى أن قضيه بناء الحزب وارتباطها الفعلى بالحركه الجاريه للطبقة العاملة ، والعلاقات المتبادلة بين الحزب والطبقة ، تحيط بها شروط ذات طبيعة خاصة ، تتميز وفقاً لتباين الأقطار والبلدان ، والفهم التاريخي الملموس يقتضى إستبعاد أيه وصفات جاهزة نقية ، حول نموذج الحزب ، أو أيه مخططات مكتبيه حول الأشكال التفصيلية لبناءه لأنها يمكن أن تتناقض مع الواقع . فهو يشق طريقه وفقاً لطابع الشروط التى تحيط بنشأته ، من زاوية التطور الإقتصادي – الإجتماعي والسياسي للبلد المعين ، مدى إحتدام تناقضاته الطبقية ، أوضاع الحريات السياسية ، وجود قادة ثوريين أكفاء يعبرون عن الحاجات ، والمصالح الأنية ، وبعيدة المدى للطبقة العاملة وحلفائها ، مدى تغلغل وسيطرة الأرستقراطية العمالية ومنظماتها ، وجود أو غياب حياة سياسية حقيقية بأدواتها الضرورية ، موازين القوى وأثرها على شل الأدوات التى يخاض بها الصراع الطبقى ، وجود أشكال نوعية للحكم ( بونابرتية ، فاشية، ليبرالية ) ، طبيعة المرحلة التاريخية ، دور ووضع الطبقة السائدة وأيديولوجيتها ومدى ضفرها ما بين الأساليب الإرهابية العنيفة والأساليب الإصلاحية ، الإنجازات القومية التى حققتها ، مدى نفوذ وسيطره المراجعة ، مدى تلاحم أو إنشقاق القوى الثورية ، وتمركزها فى حزب شيوعي واحد ، أم تفرقها فى فصائل مختلفة ، درجه تغلغل الوعى الإشتراكى فى صفوف الطبقة العاملة ومدى إلتفافها حول الحزب الثورى ، البنية الطبقية للحزب ومدى إنتماءه وقيادته للطبقة التى يمثلها .. إلى آخره . موجز القول إذن ، هو أن تأسيس الحزب الشيوعى وتطوره علاقته بطبقته ، بنيته الداخلية ، ونمط تسيره ، كل ذلك لا يمكن أن يكون إختياراً إنتقائياً ذاتياً ، معزولاً عن الواقع . فكل ذلك يخضع لعمليه تاريخية معقدة ، حافلة بالمنعرجات التى تحمل فى طياتها ، متى ما إقتضى الحال ، ضرورة تغيرات جديدة ، وهى من ثم تثير على الدوام ، قضايا نظرية وسياسية وتنظيمية ، وفقا للوضع المحدد، فتكون الحزب وتطوره فى قطر ما ، هو حصيله ونتاج ، عوامل متداخلة ، يستحيل إختزالها إلى عامل واحد ، يتعلق ببنية الحزب التنظيمية ، كما يفعل كاتبنا ناقد اللينينية ، الذى إختار نموذجاً للحزب ، يعكس نزوعه المثالى ، فى تطهير مسيرة التاريخ من تناقضاتها ، وهو مصدر أفكاره المغرقة فى التجريد والعمومية من زاوية إنفصالها عن الشروط الفعلية لحزب مناضل ، فهو لا يناقش حزباً فعليا بما أحاط به من شروط – بإستثناء الحزب البلشفى وعلى نحو جزئى وسطحى بقدر ما يناقش مفهوماً مجرداً عن الحزب ، سواء فى مجال نقد الحزب اللينيني ، أم حال التبشير بالتنظيم المجالسي ، المبنى وفق مواصفات قياسية نموذجية برأت فى المطهر الثوري من أدرانه البيروقراطية .
والتنظيم اللينينى – من وجهه نظره- هو تنظيم هرمى مراتبى ، أما المجالسى فمناف للمراتبية ، فلا قائد ولا مقود ، ولا مستويات حزبية، وعلاقه الأول بالطبقة ، هى علاقه "وصاية وأستذة " من الطراز البيروقراطي أما التنظيم المجالسي فعلاقته بالطبقة هى علاقة حوار وتحريض راديكالى ، والأول يقوم على المحترفين الثوريين ، ويعمل فى إطار سرى حين تعيق السلطة الاستبدادية وجوده علنا ، كما أنه ينظم عمله الداخلى وفق تقسيم علمى للعمل ، يعتمد على الإنتاج الكبير ، أما المجالسى ، فيرفض تلك المقولات جميعاً ، فهو يرفض المحترفين الثوريين ، والتفرغ والمتفرغين ، الذين يتحولون على نحو حتمى إلى بيروقراطيين ! ، وهو يعمل علنا – ونحن لا نعرف كيف فى ظل دوله بوليسية ! – كما أنه يرفض تقسيم العمل ، فالكل يقوم بكل الأشياء ، كما أنه يرفض دكتاتورية الحزب اللينيني – الحزب الذى هو جزء من الطبقة وفصيلها المتقدم – التى يعارضها بدكتاتورية البروليتاريا ...إلخ . وإستناداً على هذه المقولات التى سنتاولها فى مواضع تالية ، ينتقد مؤلفنا الثوريين الذين يتبنون المفاهيم اللينينية فى حقل التنظيم ، باعتبارها شاخت وفات أوانها ، وبالآحرى لأنها خاطئة من أساسها حتى فى "زمانها" ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، على أساس أن "التجربة التاريخية " قد برهنت على أن البنية التنظيمية للحزب اللينيني بالمبادئ التى تحكمها وتسيرها ، هى الأرض القابلة دوما – على نحو حتمى جبرى- لإنبات البيروقراطية ، سواء فى حزب ما قبل إنتصار الثوره ، أو بعدها . ورغم هذا الطنين المستعار من القاموس الفوضوى ، الذى لا يقدم شئياً ذو قيمة ، فإن مؤلفنا يعتمد على ما بدى أنه رفضه ، فبعد أن هدد بشهر " لغة الوقائع " فى وجه " لغة النصوص" – وكأن النصوص لا تعنى أفكاراً منعكسة عن الواقع ، تعبر عن القوانين الموضوعية فى مجالات شتى ، وهى تقدم وتعمم خبرات ثورية ، مادمنا نتحدث عن الأفكار الماركسية اللينينية ، ولا جناح عليها ، مهما رفع فى مواجهتها من "وقائع مشوهة " ، مزيفة آحادية الجانب ، ومبتورة عن سياقها التاريخي – نراه يعود إلى لغة ماركس أى نصوصه وأفكاره التى إنعكست عن الواقع الموضوعى ، مزيفا إياها ، محوراً جوهرها صانعا منها "لغته" الخاصة ، وحتى هذه " اللغة " الخاصه كما سبق أن أشرنا قد إقترضها على سبيل العارية فيما يبدو ، من إتجاهات وتيارات فكرية متباينة ، وباسم النقد الآممى ، الرديكالى ، يتخلى الكاتب بحكم "نزوعة الشمولى" الآممى بالطبع ، وباغراقه فى التجريد ، عن مناقشة أيه قضية ذات وزن تتعلق بخصائص الحزب الثوري المرتبطة بشروط عينية تتعلق بواحد من أقطار العالم العربى . على الأقل لنرى التنظيم المجالسى قيد العمل ، ولكن كاتبنا رمى بكل خفة بأحد المبادئ المنهجية للماركسية ، وهو النظر إلى الواقع من خلال منظور الخصوصية والعينية ، وسوف نتابع فيما بعد ثمار ذلك . بيد أن ما ينبغى ملاحظته هو ضروره الربط الوثيق بين آراءه النظريه فى الحقلين السياسي والتنظيمي وبين نتائج هذه الآراء موضوعيا ، أى فى الواقع العملى ، فلا يتعلق الأمر بنواياه الداخلية ، وحرارة لفظيته الثورية ، بل الحاسم هو واقع الأوضاع الراهنة فى المنطقة العربية . وصلتها بمدلول الإختيار التنظيمى الذى يطرحه . فبلادنا تشهد من الناحية الأساسية أنظمة بورجوازية مهما تنوعت ملامحها وخصائصها ، تقمع قمعا ضاربا أبسط الحقوق والحريات الديمقراطية ، وتستشرى فى معاداة الشيوعية ، وتبرز ميولها الأصيلة فى تصفية الحركة الوطنية ، فلابد إذن أن نتمعن ، ونتفحص هذه الأداة التنظيمية المجالسية فى إطار هذه الشروط المحددة ، لا بمعزل عنها . مغزى ذلك هو أن الحاسم فى تحديد طابع الأفكار ، هو ميزان القوى الطبقية ، والشروط التى تحيط بالقوى الثورية الوليدة ، ونوعية الأفكار التى يتم طرحها تتحدد نتائجها بمعزل عن ناقد اللينينية وإرادته الذاتية ، وإنما من خلال دخولها فى شبكة العلاقات الطبقية الموضوعية ، عبر خدمتها لإتجاهات قائمة ، ثورية كانت أم رجعية ، وبصدد آراء مؤلفنا ، فإن الإتجاهات التى يخدمها لا يمكن وصفها بحال بالثورية ، فالراديكالية الكلامية التى يبديها ، قيمتها الوحيدة ، هى خدمه الإتجاهات الطبقية البورجوازية ، لانها تحل مكان التنظيم اللينينى ، الفوضى المجالسية العلنية فى ظل الدول البوليسية ، فى الوقت الذى تتكالب فيه الإمبريالية الأمريكية والأنظمة الحاكمة العربية الرجعية على سحق هذه التنظيمات بالعنف المنظم ، وبكل أنواع التدابير الإستثنائية المعادية جوهريا للحريات الديمقراطية . إن الطابع الفوضوى لهذه المفاهيم ، التى تشكل يوتوبيا ليبرالية مضادة للثوره ، لا يمكن لها أن تحيا ضمن شروط العالم العربى الراهنة ( 5 ) إلا باعتبارها نزعة إنتهازية شرعية متكيفة مع متطلبات الطبقة الحاكمة فى البلد المحدد ، الذى يحدد إطار عملها ونشاطها ويخضعها لإحتياجاتة السياسية ، ربما لإضفاء طابع ديمقراطي زائف مثلا، أو كأداة للصراع مع خصم طبقى آخر . إن هذا المفهوم الفوضوى يتضمن فى بعض جوانبه مظهرا من مظاهر النزعة التصفوية المعادية لوجود حزب سرى ، وهى نزعة ناضل ضدها الثوريون اللينينيون ، لآنها تعنى من الناحية العملية تجريد الطبقة العاملة من سلاحها التنظيمي الفعال والمقاتل ، وحرمانها من فصيلتها المتقدمة فى وعيها الطبقى ، وإذابتها فى خضم الأجنحة والقطاعات المتخلفة من الطبقة العاملة ، وتعريض هيئة أركان حزبها للتصفية التى تقوم بها القوى الرجعية .
والفوضوية من زاوية طبيعتها ، وجذورها الطبقية ، هى إتجاه إقتصادي – إجتماعى ، سياسي بورجوازي طبقي . والنزعة المجالسية هى واحدة من ضروب هذه الأيديولوجية المعادية للماركسية ، التى تحاول عبر مؤلفنا أن تتلفع بردائها ، من أجل تمريرها تحت ستار الماركسية . رغم أن بعض جوانب الماركسية ، قد تبلورت فى النضال ضد مختلف التلاوين الفوضوية ! الشتيرينرية ، البرودونية ، الباكونينية ....الخ ، حيث مثلت بعض هذه التلاوين تيارات سياسية فى بعض قطاعات الطبقة العاملة ، فى مراحل طفولتها النضالية ، وقد ناضل حزب لينين فيما بعد ضد كافة الإتجاهات الفوضوية التى حاولت أن تموه نفسها ، باعتبارها بعثاً للمحتوى الثورى للماركسية . ظهور مثل هذه النزعة الفوضوية الإنتهازية ، هو نتاج حتمى ومنطقى فى المجتمع البورجوازي ، كما هو الحال فى عالمنا العربى ، حيث تتزايد نسبة البورجوازية الصغيرة، ووزنها النسبى – وكما يقول لينين فى مسودة مقال الفوضويه والاشتراكيه ، مقدما تعريفا للفوضوية بأنها ..... الفردية البورجوازية فى الاتجاه المضاد ، الفردية كأساس لتلك النظرة الفوضوية للعالم ، كما أنها نتاج لليأس . سيكولوجية المثقف غير المستقر، أو المتشرد ، وليست سيكولوجية البروليتاري – ويترافق هذا مع ضعف الطبقة العاملة وتدنى نضالها الواعى الطبقى ، وهذه البورجوازية الصغيرة تشكل عماد عديد من التنظيمات وتجلب رغم جوانبها الثورية الأيديولوجية البورجوازية ومكوناتها . إذن هى ظاهرة عامة فى المجتمع الرأسمالى ، سواء ظهرت داخل الحزب الشيوعي ، أو ظهرت خارجه على شكل عصبة خاصة . وإن كانت لها أسبابها الخاصة فى المجتمعات الرأسمالية المتقدمة ، حيث تتفاوت قطاعات الطبقة العاملة من زاوية نضجها الطبقى ، وتمثل فى غالب الأحيان إتجاهات غير متبلورة ، رداً على تحريفية الأحزاب الشيوعية ، التى فقدت بعض المجموعات الثورية الثقة فيها وفى قياداتها ، لكنها عجزت عن أن تجد طريقها عبر النضال الطبقى المنظم على أساس الماركسية . على أى حال فإن ناقدنا يجد نفسه فى رفقة واحدة مع أنماط شتى من الاتجاهات ، تترواح ما بين فوضويين ، وفوضويين نقابيين ، وليبراليين ....إلخ .
لكن ما هى جذور هذه النزعة ذات الطابع الفوضوى فى العالم العربى ؟
لقد غدت الماركسية موضة من أحدث طراز فى الستينات ، مع إفلاس الأيديولوجيا القومية البعثية الناصرية – وفى حال مؤلفنا صدمته بالتغييرات التى حدثت بعد إنتصار ثورة التحرر الوطنى الجزائري والصراع الذى قام بين بن بيلا وبومدين ، وأدى لتصفية مجالس التسيير الذاتى – وخاصة بعد هزيمة يونيو 1967 . لذا هاجرت إليها عناصر عديدة ممن تنتمى لمثقفى البورجوازية الصغيرة ، وقد حملوا فى كثير من الأحيان لا مجرد بقايا مفاهيمهم البورجوازية بل جوهرها . وتضافرت عوامل عديدة ، لتصنع إنحرافا هنا أو هناك . فقد تم تبين الطبيعة الطبقية للأنظمة التى انتهجت سبل الإشتراكية قومية الطراز ، وكشفت عن جوهرها الإستغلالي ، وأبانت وطأة الإرهاب والإستبداد عاريا – " العسف" فى الجزائر – من ناحية أخرى بروز مراجعة يمينية ، وقد كانت الأشد خطراً ، على الصعيد العالمى ، وقد طبعت بطابعها الأحزاب الشيوعية ، التى تبنت إتجاها ذيليا إزاء الطبقات الحاكمة العربية فى بعض البلدان . وأتخذت هذه الذيلية أشكالا متباينة ، عبر صيغ جبهوية ، أو حتى بحل التنظيم الشيوعي ، والإلتحاق بالتنظيمات السياسية للطبقات السائده ، أى أن هذه الأحزاب الشيوعية المراجعة قد دارت فى إطار المراجعة العالمية ،وتبنت تحليلاتها ، وفقدت إستقلالها الذاتى فى فهم قضايا بلادها ، ومن ثم لم تستطع تقديم حلول لمشاكل العملية الثورية فى هذه البلدان . وقد ولد هذا الإتجاه نقيضه ، أحيانا ، نقيضه الثورى ، وأحيانا أخرى نقيضه المتطرف ، وقد كان ميلاد الاتجاه الثورى الجديد ، ميلاداً عسيراً ، وخاصه لنفوذ التحريفية العالميه وممثليها المحليين ، ولأن الطبقات العاملة العربية قد خفق قلبها أحياناً لآمانى أعدى أعدائها ، مع حداثة إرتباط هذا الإتجاه الثورى بالماركسية ، وتمثله لبعض جوانبها ، وإذا كانت الأحزاب الشيوعية التحريفية تكرس منطق القيادة الفردية ، وتهدر المركزية الديمقراطية ، وبإختصار مقومات التنظيم الحزبى اللينيني ، فقد طابقت بعض هذه الاتجاهات بين هذه الإنحرافات وبين فكر لينين التنظيمي ، وانتقت من رصيد الإتجاهات المعادية للتنظيم اللينيني ، ما شاءت لها ظروفها أن تنتفى . وقد عانى الإتجاه الفوضوى يأساً مزدوجاً ؛ من الطبقات الحاكمة التى بشرت بإشتراكيه قوميه الطراز ، ومن الأحزاب الشيوعية التى إنزلقت إلى المراجعة ، وكفت عن أن تكون نقيضا ثورياً. والأيديولوجيا التى يتبناها العفيف الأخضر هى مثال نموذجى لهذا النوع من المثقفين الآخيرين . فالسمات الأساسية للفوضوية نجدها فى مقولاته من التبشير بسلطة المنتجين – فى الطور الإشتراكي لا الشيوعي - ، والإيمان الصوفي بثوره إشتراكيه عفويه تقوم بها الجماهير ، إلى إنكار دور وأهمية الأحزاب الثورية ، وصولا الى رفض كل مامن شأنه أن يؤدى لوجود قوة حزبية ممركزة ، تناضل ضد الطبقات الحاكمة .
إن الجذور الطبقية لهذه النزعة الفوضوية ، كامنة فى تلك الفئات الواسعة من البورجوازية الصغيرة التى تقوم إلى جانب الطبقة العاملة ، خاصة من بعض مثقفيها ، الذين ليسوا أحياناً سوى أنصار – للحركة العمالية لا يستوعبون سوى بعض جوانب الماركسية ، سوى بعض أقسام من المفهوم الجديد ، سوى بعض الشعارات والمطالب ، ويكونون عاجزين عن التخلص بحزم من جميع تقاليد المفاهيم البورجوازية بوجه عام والمفاهيم البورجوازية الديمقراطي بوجه خاص ،،(6) . يمكن القول إذن أن النزعة الفوضوية هى بمثابة رد فعل غير ثوري ، بورجوازي صغير ، على الاتجاهات المراجعة اليمينية ، والإصلاحية السائدة ، كما أنها رفض – على أسس خاطئه – لإنحرافات عن المركزية الديمقراطية ، أو الديمقراطية الإشتراكية ، فى بلد كالإتحاد السوفياتى فى عهد ستالين مثلا . فالموقف الثورى الحقيقى الذى ينطلق من مواقع راديكالية لا ينبغى أن يطابق بين هذه الإنحرافات والمركزية الديمقراطية ،أو الديمقراطية الاشتراكية ، بل يدافع عن الآخيرتين ، ضد التشويهات وضد الإفتراءات ، وايضا ضد الإنحرافات الفعلية التى عانت منها . مؤلفنا لايتخذ الموقف الثورى ، فهو كما يقال " يقذف الطفل مع الحمام خارجا " أي يقذف المجتمع الاشتراكي أو الحزب اللينيني ، بانحرافاتهما الديمقراطيه ، الفعليه أو المفترضه . وهذه المقولات تعرقل عملية فهم مظاهر الإنحرافات ، حيث لا ينبغى البحث عن تحلل الأحزاب الشيوعية التقليدية والإصلاحية وإنحرافاتها فى بنيتها التنظيمية بالدرجة الأولى ، بل فى الشروط الاجتماعية والإقتصادية والسياسية التى تحيط بها . ( ووعيها بها وطريقتها فى حل معضلاتها )
والعنصر المشترك بين كافة الإتجاهات المعادية للتنظيم اللينيني ، هو تباريها فى إستخدام نفس القاموس المشترك : المركزية البيروقراطية ، الإستبدادية ، النخبوية ، اليعقوبية ، الباكونينية ، البلانكية .. إلى آخره . تباريها فى معارضة الحزب البروليتاري بالطبقة البروليتارية ، الوعى بالعفوية ، القيادة والزعماء بالجماهير ، اللجنة المركزية بالقواعد الحزبية ، ورفض التتنظيم الحزبى الممركز . وما تريده هذه الاتجاهات فى مجملها ، وأيا ما كانت تسمية التنظيم الذى يريدونه ، مجالسياً أو غيره ، هو الوصول إلى شكل تنظيمى فيدرالى واسع "يتطابق" مع الطبقه ذاتها ، فهى " حزب نفسها" ، يتكيف مع عفويتها ، ولا يحول دون وجود إتجاهات وتكتلات أيا ما كان طابعها ، فحرية الإنتقاد – انتقاد الماركسيه ذاتها اى مراجعتها – مكفوله ، ومن ثم لا ضير ان كانت هناك نزعات إصلاحية إنتهازية ، فكلها تقف على صعيد " نضال البروليتاريا الطبقى" ، كما ترفض هذه الإتجاهات المركزية فى الحزب لآن نتاجها الحتمى الذى لا فكاك منه ظهور البيروقراطية ، سواء فى الحزب أم فى الدولة ، قبل إنتصار الثورة ، أو بعد إنتصارها . والخطيئة الأصلية إذن تكمن فى الحزب اللينينى وبنيته الداخلية ، ونمط ، قيادته ، الذى يولد البيروقراطية كنتيجة مأساوية لازمة : البيروقراطية كشريحة أو كفئة ، أو كطبقة إجتماعية حاكمة جديدة بعد انتصار الثورة البيروقراطية . فكما تحوى النتيجة السبب ، فإن شكل الحزب يحوى من ناحية الوجود بالقوة " بذور طبقة حاكمة استغلالية جديدة " ، وتقدم ما تسمى بظاهرة الستالينينه دليلا على ذلك . وكما يلجأ البعض أحيانا إلى تفسير إنضباط الألمان كنتاج لإستمرار القنانة لفتره تاريخيه أطول وبالذات فى جنوب ألمانيا ، فإن البعض الآخر يقدم الميراث البربري للقيصريه ، تفسيرا لخرق الديمقراطيه فى ظل النظام الإشتراكي السوفياتى تحت قيادة ستالين الذى لا يمكن ان نعتبرهذا إنجازه الوحيد أو حتى الأساس .
إن الواقع التاريخى يكشف عن إفلاس بعض الأحزاب ، وتحولها ، صيروتها ، من أحزاب ثورية إلى أحزاب يمينية إصلاحية ، أو إلى شيع مغلقة تجتر أوهامها الذاتية ، كما تبرهن على المثال الأول الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية فى الأممية الثانية ، وغالب الأحزاب الشيوعية الأوروبية الآن ، هذه الآحزاب التى تعفنت وتحولت إلى جهاز برلماني إنتخابي ، يعتمد شكلا واحداً للنضال ، أى الأسلوب البرلمانى وكما تبرهن على المثال الثانى خبرة التنظيمات التى يشكل قاعدتها جماهير البورجوازيه الصغيره ، وتحيط بها شروط موضوعيه ، تحول دون إلتقاءها بالطبقه العامله ، فتنكفئ على ذاتها فى شيعة مغلقة ، منهمكة فى عمليات من الترتيب الداخلى ، فى إقامة مستويات حزبية ، ومسئوليات نوعية ، وهيئات ولجان ، وتضع أمامها أهدافا كبرى ، تنصب على تحقيق مقومات الإنتاج الكبير ، بمعزل عن وضع الحزب الفعلى وإمكاناته ، ويصبح مضمون نشاطها من الناحيه الأساسية اصدار مراسيم تنظم عملها الداخلى الذى يعانى من إنفصام عن العمل الجماهيري ، وفى إرتباط بحداثة ماركسية مثل هذه التنظيمات تنشأ أمراض منطقية، فتقع فى أوهام ذاتية عن قوتها وتأثيرها ، وتضع مصالحها الضيقه فى موضع الصدارة ، وتتجاهل الترابط الضرورى بين مختلف فصائل الحركة الثورية . وفى مناخ الشيعة المغلقة ، قد يظهر "الفرد العبقرى" الذى يجمع حوله نواة تضيق وتتسع وفقاً لأوهام وميول هذا الفرد وتنشأ مظاهر القيادة الفردية ، التى تتعمق بقدر ما لا تلقى مقاومة ، بقدر ما يغيب الوعى الممثل فى العقل الجماعى ، وتصدر القرارات فى وضع كهذا متأثره بعوامل الصدفة ، والنزعات الذاتية ، لتؤدى لنشوء سياسة ، ومنطق معادى للقواعد التنظيمية اللينينيه ، فتهدر مبادئ القيادة الجماعية ، وتنشأ مظاهر عباده الفرد ، وتتحول العلاقة بين المستويات إلى علاقه أحادية الطرف ، حيث يكتفى بتلقى القرارات الصادرة من أعلى للمستوى الأدنى ، وتنعدم الرقابة الحزبية ، ومن الطبيعي أن تكون هذه الظاهرة إنحرافات بيروقراطية ، والإنحراف قابل دائما للتصويب فى حزب ثورى يتنامي وعيه – فلا يهبط الوعى جاهزا – ولا يمكن تفسير هذه الإنحرافات والإشارة إلى مصدرها الأساسي فى البنيه التنظيميه فقط ، بل خارجها أولاً ، ففى العزلة الجماهيريه (7 ) التى أشرنا إليها فى المثال السابق ، المصدر المولد لشتى الميول المنحرفة على نحو مباشر فقط . فما ينبغى البحث عنه لتفسير إنتهازية الأحزاب الإصلاحية ، أو إنحرافات الشيع المغلقه لا يكمن فى بنية الأحزاب بالدرجه الأولى ... بل فى جذوره العميقة ، أى الإقتصادية – الإجتماعية ، والسياسية الذى ينعكس على بنية هذه الأحزاب ذاتها ، وينبغى فحص مضمون نشاط هذه الاحزاب فى عملها الجماهيرى ، واتجاهاتها السياسية ومواقفها ، فى ظل مجمل الشروط الطبقية التى تحيط بها ، لتحديد الأسباب الحقيقية التى تولد الإنحرافات . ومن الطبيعى ألا يتعلق الأمر بالأحزاب أو المنظمات التى تنتهج خطاً يمنياً بل يسارياً – أيضاً . فهناك رابطة وثيقة بين الإنحراف فى الحقول النظرية والسياسية – والجماهيرية وبين إنعكاسها على قضايا التنظيم الحزبى . فإحدى المنظمات "الشيوعية " المصرية التى تدعى التيار الثورى – على سبيل المثال – تمارس نشاطها على نحو علنى تماماً ، وهى تدين العمل السرى بإعتباره إنحرافاً يسارياً لأنها أولا ترى أن البورجوازية المصرية لم تستنفد بعد دورها التاريخى ، وعلى القوى الثوريه أن تساندها ، كما أنها تؤمن بأن رئيس النظام القائم قد حطم جدار الخوف وأرسى قواعد الديمقراطية ، وما هذا سوى مثال على ترابط موقف سياسي وموقف تنظيمي – ومثال آخر تقدمه منظمة شيوعية مصرية سابقة ، معروفه بإسم وحدة الشيوعيين المصريين ، وقد كان لهذه المنظمة خطها السياسي الثورى الصائب ، فى تحديد طبيعه النظام القائم ، والتحالف الطبقى ، وطبيعة الثورة المقبلة ، لكنها نأت عن الكفاح الجماهيري العلنى حتى فى أبسط أشكاله ، وبالغت فى قوة الأجهزة البوليسية ، بحيث ألغت نظام لجنة الحزب ، بما فيها الخلايا القاعدية ، وإتصلت القيادة بالأفراد عبر خط طولى من خلال قائد مركزى ، وأنصب نشاطها على التحليل الداخلى الشفوى السياسي ، أى أن المنظمة قد دارت حول ذاتها ، ورغم أنها وقفت ضد المراجعه المصريه ، ونزعتها التصفوية فى حل المنظمات الشيوعية ، إلا أنها نفسها بحكم إهدارها لقواعد التنظيم اللينيني الذى وجد أساسه فى منهجها العزلوى ، قد أدى إلى تلاشيها البطئ ، وتحللها ، وذوبانها ، وما هذا إلا نموذج لتصفية من اليسار . نقصد من ذلك أن نبين أنه لا يمكن إغفال الشروط والأوضاع التى تحيط بالحزب ، مواقفه النظرية والسياسية والجماهيرية ، ومدى الجدية فى تطبيقها العملى – فلا يكفى كما يقال تحديد الخط الصائب وحده – فهذه هى العناصر الحاسمة فى تكييف علاقته بالطبقة التى يمثلها ، فى بنيته الداخلية ، ونمط تسييره . وإغفال هذه الأمور يؤدى إلى الوقوع فى نزعة مثاليه ميتافيزيقية ، تريد حزباً نقياً مطهراً من التناقضات والصراع وكأنه يقف خارج المجتمع الذى يعمل فيه ، بتناقضاته وصراعاته ، وإذا كان المجتمع الاشتراكي ينبثق حاملاً جراح المجتمع الرأسمالى القديم ، فلا ينبغى توهم أن الحزب لا تنطبع عليه آثار هذه الجراح . وهذا التصور المثالي يقود إلى وهم أن الإتفاق على التسيير الذاتى للحزب ، ومعارضه تقسيم العمل ، وتمجيد التفاعل الجماعى ، ورفض المركزيه ، وتقنين اللوائح المنظمة لذلك كاف فى حد ذاته لقطع الطريق على البيروقراطية المحتملة . فأفضل اللوائح المقننة يمكن أن تتحول إلى ورقة لايقابلها مضمون فعلى . ونجد أن كل الأحزاب الشيوعية تنص على مبادئ المركزيه الديمقراطيه ، أو على ضرورة المناقشة الداخلية ، أى الصراع الفكرى الداخلى ، أو تؤكد على الإسهام الجماعى فى بناء وتحديد مواقف الحزب ، وهذه المقولات غاية فى الديمقراطية ، مع أنها قد تعانى فى التطبيق من إنحرافات وتجاوزات شتى ، وهنا تلعب البنيه التنظيمية دوراً ثانويا فى ذلك ، فهى تكرس وضعا خارجا عنها ، هى نتاج له ، يتعلق بالشروط الإقتصادية – الإجتماعية والسياسية ، وخاصه علاقة الحزب بالطبقة ومدى تلاحمه مع صراعها الطبقى الذى يقوده .
كاتبنا إذن يريد حزبا محنطاً فى أوهام التجريد ، لا حزبا حيا ينتمي لهذا العالم ، حزبا يصطرع بالتناقضات مكيفا للشروط التى تحيط به ، من ثم فإن الرغبة الفعلية فى إدراك جذور الإنحرافات تقتضى تعميق المعرفة من الظواهر التنظيمية إلى جذورها . وادراك العلاقة القائمة على صواب الخط العام ، بين الحزب البروليتاري والطبقة البروليتارية فى وضع تاريخي محدد . أى معرفة مدى تعبيره عن المصالح البروليتارية ، ومدى جذرية مواقفه من الطبقة الحاكمة ، وأخيراً وعى التناقضات التى تنعكس عليه من المجتمع الذى يناضل فيه بالوسائل التى يتيحها الوجود فى هذا المجتمع ذاته ، والتى يستحيل القفز عليها .
إن نتاجاً منطقياً ينشأ عن هذه المفاهيم المثالية ، التى ترى فى البنية التنظيمية العامل الحاسم ، فى تحديد طبيعة الحزب وطبيعة الثورة – مضمونها أن النتيجة لا تحوى شيئاً إلا وهو محوى فى السبب " ، وفقاً لهيجل . ويبدو هنا وكأن "إغتراب" الحزب اللينيني يولد البيروقراطيه فى الزمان ، ليعود فى النهايه كالفكره المطلقه ، واعيا ذاته فى الجحيم البيروقراطي !
وإذا حاولنا أن نحدد على نحو أعمق جذور الإنحرافات والخلافات داخل الحركة العمالية وفصائلها الحزبية الثورية على الصعيدين النظري والسياسي ، ولعلاقتهما الوثيقة بطبيعة التنظيم الحزبى ، فيمكننا أن نطرح السؤال التالي : ما هى الجذور الطبقية والسياسية التى قد تولد الإنحرافات فى مظهرها اليمينى واليساري ، ومن ثم تنعكس فى مواقف هذه الأحزاب وعمل ومضمون نشاطها ، ومن ثم تكون شارطه لبنيتها ، وعلاقتها بالطبقه البروليتاريه ؟
فى المجتمع الرأسمالى يوجد دائما جانب الطبقة العاملة ، طبقات إجتماعية ، أو أقسام من طبقات تتحدر بإستمرار – إلى صفوف البروليتاريا ، الفلاحين ، البورجوازية الصغيرة ، وهى تحمل معها مفاهيمها الطبقية الخاصة المستمدة من الأيديولوجية البورجوازية السائدة . من هنا فإن التحريفية تجد جذورها فى النظام الرأسمالى ذاته ، وتبدو كثمرة حتمية ، بحكم شروط هذا النظام الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . وفى مقالة لينين ، الخلافات فى الحركة العمالية الأوروبية ، حلل فيها أسباب الخلافات التاكتيكية ، فى صفوف الطبقة العاملة ، وقد أبرز إتجاهين أساسيين كإنحراف عن الماركسية ، وهما النزعة التحريفية المتمثلة فى الإصلاحية الإنتهازية ، والفوضوية النقابية ، والإشتراكية الفوضوية ، وقد إتخذ ألوانا وأشكالا شتى فى تاريخ الحركة العمالية الجماهيرية . ويشير لينين إلى أنه لا يمكن أن نفسر هذين الإنحرافين ،" لا بالصدفة ، ولا بأخطاء بعض الأشخاص ، أو الجماعات ، ولا حتى بتأثير الخصائص والتقاليد القومية ". ويرى جذورها كافه فى صلب النظام الاقتصادى الرأسمالى . ويحدد لينين أعمق الأسباب التى تولد خلافات دورية بصدد التاكتيك ، وأولها هو واقع نمو الحركة العمالية ، لأن " إشتراك فئات جديدة من الجماهير الكادحة ، لابد أن تصحبه حتما ترددات فى ميدان النظرية والتاكتيك ، تكرار للأخطاء السابقة ، وعودة مؤقتة إلى المفاهيم والأساليب البائدة " وثانيها يكمن فى تفاوت النمو الرأسمالي بين البلدان المختلفة ، بل وبين الفروع الإنتاجيه فى البلد الواحد ، وعدم تطور الإنتاج الكبير حتى حدوده القصوى يحول دون أن تستوعب الطبقه العاملة ومفكريها الماركسية على نحو أعمق وأكمل وأسرع ، فالعلاقات الإقتصادية المتأخرة أو التى تتآخر فى تطورها تحمل أبدا على ظهور أنصار للحركة العمالية لا يستوعبون سوى بعض جوانب الماركسية ، سوى بعض أقسام من المفهوم الجديد ، سوى بعض الشعارات والمطالب ، ويكونون عاجزين عن التخلص بحزم من جميع تقاليد المفاهيم البورجوازية بوجه عام ، والمفاهيم البورجوازية الديمقراطية بوجه خاص" . أما السبب الثالث للخلافات فهو "الطابع الديالكتيكى للتطور الإجتماعي الذى يجرى فى غمرة من التناقضات وعن طريق التناقضات "، والسبب الرابع ، هو "التغيرات التاكتيكية التى تلجأ إليها الطبقات الحاكمة بوجه عام ، والبورجوازية بوجه خاص . فلو ان تاكتيك البورجوازية كان دائما وحيد الشكل ، أو كان دائما على الأقل من النوع نفسه ، لتعلمت الطبقة العامله بسرعه أن ترد عليه بتاكتيك وحيد الشكل أيضا ، أو من النوع نفسه . إلا أن بورجوازية جميع الأقطار تصوغ حتماً ، فى الواقع ، نهجين للحكم ، أسلوبين للنضال ، دفاعا عن مصالحها وذودا عن سيطرتها ، - مع العلم أن هذين الأسلوبين يتعاقبان تارة ، وطورا يتعاقدان بمختلف التنسيقات . الأسلوب الأول هو أسلوب العنف ، أسلوب رفض كل تنازل للحركه العماليه ، ودعم جميع المؤسسات القديمة البائدة والتشدد فى إنكار الإصلاحات ... أما الأسلوب الثانى فهو اسلوب "الليبرالية " والتدابير المتخذة بإتجاه توسيع الحقوق السياسية ، بإتجاه الإصلاحات ، والتنازلات ، إلخ....
إن الشروط السابقة هى التى تمثل ينابيع الإنحرافات داخل الحركة العمالية وأحزابها الثورية ، ومن ثم تنعكس على قضايا التنظيم الحزبى ، فإختلال علاقات الحزب بالطبقة ، هو أمر وارد – وقابل للتجاوز فى سياق تطوير العملية الثورية ، والموقف النقدى من الوعى الزائف – وقد وجدت أوضاع تاريخية ، إختلت فيها علاقة الحزب بالطبقة ، فى أحوال معينة . فهل يمكن القول ، بأن بعض الآحزاب الشيوعية المراجعة – وقد تكون أحزابا جماهيرية – تمثل الطبقة العاملة فعلاً ؟ على أى حال يكمن إذن المنطق الخاطئ فى تصور أن مظاهر المراجعة التى تمثلها سياسه هذه الأحزاب هى نتاج للبنية التنظيمية ، بينما الأخيرة لا تخلق محتوى ومضمون نشاط الحزب ، بل تتخلق حوله ، مع وجود الرابطة الجدلية التى تقوم على تبادل التأثير بينهما . وإختلال العلاقة بين الحزب والطبقة ، قد ينشأ حين ينتهج الحزب سياسية خاطئة لا تعتمد على ثقه الجماهيريه به ، وعلى صلاته الفعلية الدائمة بها ، أو إذا كان خطه السياسي لا يعبر عن طبيعة المرحلة الثورية ومتطلباتها التاكتيكية والإستراتيجية ، بل ويمكن أن تختل هذه العلاقة ، إذا كان خط الحزب صائباً ، لكن الطبقة العاملة وأوعى عناصرها لم تتهيأ بعد لتقبلها . فإستخدام الإجبار والقسر بديلا عن الاقناع الدائب والصبور من قبل الحزب ، قد يؤدى إلى فجوة بين الحزب البروليتاري والطبقه البروليتارية .
إن ناقد اللينينية ، العفيف الأخضر ، إذ يحوم حول الحزب بوجه عام ... وحول الطبقة البروليتارية بوجه عام ، مفترضاً علاقات نموذجية " هندسية " تحكم صلتهما المتبادلة ، يقع فى النزعة التصورية . فهو إذ ينطلق من مقولات معينة ، ويصب الواقع الفعلى داخلها ، يبتعد عن تحليل الأحزاب الحقيقية التى تقوم بدور سياسي محاطة بشروط تاريخية محددة ، ينبغى الإنطلاق منها ، وذلك لإدراك أوضاع هذه الأحزاب ذاتها وتطويرها ، وتجاوز نواقصها ، وإن إشتقاق نزعات بيروقراطية ، أو إستبدادية حتميه ما ، والانطلاق فى التعميم ، دون تحليل أوضاع فعلية ، يوقع هذا المنهج فى تصورات ميتافيزيقية ، قدرية . كما لو أن الإنحرافات " غرائز" كامنة فى طبيعة التنظيمات الحزبية اللينينية ذاتها ، نابعة من مقوماتها التنظيمية والاشكال التى تتخذها ، وهكذا ، فإن البعض ومنهم كاتبنا ينظر إلى بعض مظاهر خرق الديمقراطية فى ظل قياده ستالين ، لا بالإستناد الى فهم هذه الفتره وخصوصيتها – من وجود حصار رأسمالي خارجى ، ومحاولات التخريب الإمبريالية ، ووجود التكتلات المعادية للمصالح الأساسية للطبقة العاملة ، وترافق ذلك مع تخلف إقتصادي مريع ، بما يقتضى من إعتماد على الطاقات الذاتية الداخلية ، بعد أن أخلت الثوره الألمانيه والأوروبيه بوعدها والإنجازات التى حققها ستالين فى بناء المجتمع الإشتراكي وفى هزيمه الفاشية والتقاء هذه الانتصارات التى قرنت باسمه بخصائص شخصية ... وهكذا فإن مؤلفنا يلقى بالشروط التاريخيه الفعليه جانباً ، وينظر إلى خرق الديمقراطيه كثمره لازمه للمفاهيم اللينينيه حول التنظيم الممركز ، ذو المستويات المراتبيه ، والمولد للنزعه البيروقراطيه ....إلخ . ( يتبع )




تعليقات الفيسبوك