حزب لا ينتمى إلى الحركة الماركسية – اللينينية


ناظم الماوي
2018 / 3 / 1 - 23:09     

حزب لا ينتمى إلى الحركة الماركسية – اللينينية
الفصل الأوّل من - تعرية تحريفيّة حزب النضال التقدّمي و إصلاحيّته ، إنطلاقا من الشيوعيّة الجديدة ، الخلاصة الجديدة للشيوعيّة -

لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية !
و الروح الثوريّة للماوية المطوَّرة اليوم هي الخلاصة الجديدة للشيوعيّة – الشيوعيّة الجديدة

( عدد 34-35 / جانفي 2018 )

تعرية تحريفيّة حزب النضال التقدّمي و إصلاحيّته ، إنطلاقا من الشيوعيّة الجديدة ، الخلاصة الجديدة للشيوعيّة

ناظم الماوي


تعرية تحريفيّة حزب النضال التقدّمي و إصلاحيّته ، إنطلاقا من الشيوعيّة الجديدة ، الخلاصة الجديدة للشيوعيّة

هذه الإشتراكية إعلان للثورة المستمرّة ، الدكتاتورية الطبقية للبروليتاريا كنقطة ضرورية للقضاء على كلّ الإختلافات الطبقية ، و للقضاء على كلّ علاقات الإنتاج التى تقوم عليها و للقضاء على كلّ العلاقات الإجتماعية التى تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ، و للقضاء على كلّ الأفكار الناجمة عن علاقات الإنتاج هذه .
( كارل ماركس ، " الصراع الطبقي فى فرنسا 1848-1850 " )
-----------------------------------

يستعاض عن الديالكتيك بالمذهب الإختياري [ الإنتقائية ]، و هذا التصرّف حيال الماركسية هو الظاهرة المألوفة للغاية و الأوسع إنتشارا فى الأدب الإشتراكي – الديمقراطي [ الشيوعي ] الرسمي فى أيّامنا . و هذه الإستعاضة طبعا ليست ببدعة مستحدثة ... إنّ إظهار الإختيارية بمظهر الديالكتيك فى حالة تحوير الماركسية تبعا للإنتهازية ، يخدع الجماهير بأسهل شكل ، يرضيها فى الظاهر ، إذ يبدو و كأنّه يأخذ بعين الإعتبار جميع نواحى العملية ، جميع إتجاهات التطوّر ، جميع المؤثّرات المتضادة إلخ ، و لكنّه فى الواقع لا يعطى أي فكرة منسجمة و ثوريّة عن عمليّة تطوّر المجتمع .
( لينين ، " الدولة و الثورة " ص 22-23 ، دار التقدّم ، موسكو )
-----------------------------------

قد كان الناس و سيظلّون أبدا ، فى حقل السياسة ، أناسا سذجا يخدعهم الآخرون و يخدعون أنفسهم ، ما لم يتعلّموا إستشفاف مصالح هذه الطبقات أو تلك وراء التعابير و البيانات و الوعود الأخلاقية و الدينية و السياسية و الإجتماعية . فإنّ أنصار الإصلاحات و التحسينات سيكونون أبدا عرضة لخداع المدافعين عن الأوضاع القديمة طالما لم يدركوا أن قوى هذه الطبقات السائدة أو تلك تدعم كلّ مؤسسة قديمة مهما ظهر فيها من بربرية و إهتراء .
( لينين ، " مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " )
تعتبر الفلسفة الماركسية أن قانون وحدة الأضداد هو القانون الأساسي للكون . وهو قانون مطلق الوجود سواء فى الطبيعة أو فى المجتمع البشري أو فى تفكير الإنسان . فبين الضدين فى تناقض ما توجد وحدة و صراع فى آن واحد ، و هذا ما يبعث الحركة و التغير فى الأشياء . إنّ التناقضات موجودة فى كلّ شيء ، إلاّ أنذ طبيعتها تختلف بإختلاف طبيعة الأشياء . فالوحدة بين الضدين فى التناقض الكائن فى كلّ شيء محدّد هي ظاهرة مقيّدة ، ومؤقتة ، و إنتقالية ، وهي لذلك نسبية ، أمّا الصراع بينهما فإنّه يبقى مطلقا دون تقييد .

( ماو تسى تونغ ، " حول المعالجة الصحيحة للتناقضات بين صفوف الشعب " 27 فبرلير – شباط 1957 ؛ الصفحة 225-226 من " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " )

-------------------------------------------
إنكم تقومون بالثورة الاشتراكية و بعد لا تعرفون أين توجد البرجوازية . إنّها بالضبط داخل الحزب الشيوعي – أولئك فى السلطة السائرون فى الطريق الرأسمالي .
ماو تسى تونغ – سنة 1976
--------------------------------------------
فى عالم يتميّز بإنقسامات طبقية ولامساواة إجتماعية عميقين ، الحديث عن " الديمقراطية " دون الحديث عن الطبيعة الطبقية لهذه الديمقراطية ، بلا معنى وأسوأ . طالما أنّ المجتمع منقسم إلى طبقات، لن توجد " ديمقراطية للجميع " : ستحكم طبقة أو أخرى وستدافع عن وتروّج لهذا النوع من الديمقراطية الذى يخدم مصالحها و أهدافها . المسألة هي : ما هي الطبقة التى ستحكم وإذا ما كان حكمها ونظام ديمقراطيتها ، سيخدم تواصل أو فى النهاية القضاء على الإنقسامات الطبقية و علاقات الإستغلال والإضطهاد و اللامساواة المتناسبة معه .
بوب أفاكيان ، مقولة مثلما وردت فى القانون الأساسي للحزب الشيوعي الثوري - الولايات المتحدة الأمريكية ،2008
-------------------------------------------
كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا ، كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية.
( " بوب أفاكيان أثناء نقاش مع الرفاق حول الأبستيمولوجيا : حول معرفة العالم و تغييره "، فصل من كتاب " ملاحظات حول الفنّ و الثقافة ، و العلم و الفلسفة " ، 2005)


مقدّمة :
فى سياق الرحلة الطويلة التى أبحرنا فيها منذ سنوات الآن ، الشاقة حينا و الشائقة أحيانا ، رحلة كشف تحريفية و إصلاحيّة معظم فرق اليسار المتمركسة و إيضاح أنّه لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة و أنّ الماوية الثوريّة اليوم ، الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة الثوريّة أو الشيوعية الثوريّة اليوم ، تتجسّد فى الخلاصة الجديدة للشيوعية – الشيوعيّة الجديدة ، نحطّ الرحال عند حزب النضال التقدّمي الذى سنتفحّص مليّا خطّه الإيديولوجي والسياسي بالقدر الذى تسمح به لنا الوثائق التى تحصلنا عليها إلى حدّ الآن و أمّهات القضايا بؤرة تركيزنا في الوقت الحاضر . و هذا الحزب كما يقدّمه أصحابه هو إمتداد لحلقة " المناضلين الشيوعيين " التى تشكّلت فى أواخر ثمانينات القرن العشرين . و لفترة وجيزة من الزمن فى السنوات الأخيرة ، كان من أبرز وجوهه الإعلاميّة المعروفة النائب هشام حسنى الذى إستقال من الحزب ( أو أُقيل منه ) نهاية سنة 2012 أمّا أبرز القادة الذين يمكن أن نطلق عليهم منظّري الحزب فهو أمينه العام د. محمّد لسود ذلك أنّ أهمّ النصوص المرجعيّة لهذه المجموعة قد أتت بإمضائه .
و يعدّ هذا الحزب نفسه ممثّلا لتيّار تجاوز تشرذم منظّمات الملل اليساريّة و ذاتيّة فرق اليسار الماركسي و خاصّة منها ما يسمّيه بمجموعات " الخطّ الوطني الديمقراطي " و " الخطّ الألباني " ، من أجل حزب للطبقة العاملة واحد موحّد ، يقول . و يدّعى هذا الحزب أنّه ينطلق من الماركسيّة – اللينينية و أنّه خاض معاركا نظريّة جمّة إعلاء لرايتها و تطبيقها و تخصيصها على الواقع العياني .
و نحن فى عملنا هذا سنبيّن بالدليل القاطع و البرهان الساطع أنّ هذه المجموعة لا تعدو أن تكون مجموعة أخرى ماركسيّة – لينينيّة زائفة و أنّها قبل كلّ شيء وفوق كلّ شيء تسعى إلى دفن الماركسية – اللينينيّة و جعلها نسيا منسيّا و هو ما سنفصّله أدناه ، خطوة خطوة إنطلاقا من نصوص الحزب إيّاه وما نشره على موقعه على الأنترنت :
www.moussawat.com
وينهض جدالنا هذا الذى ننأى به عن المماحكات السجاليّة على الأعمدة التالية ، إضافة إلى هذه المقدّمة :

1- حزب لا ينتمى إلى الحركة الماركسية – اللينينية :
أ- خارج الحركة الماركسية - اللينينية من النشأة إلى الآن
ب- التجارب الإشتراكية للقرن العشرين وتصفويّة حزب النضال التقدّمي
ت- لا وجود للستالينيّة ، إنّها الماركسية – اللينينية
ث- تبييض وجه الإمبريالية الإشتراكية
ج- فهم حزب النضال التقدّمي للإشتراكية فهم غريب عن الماركسية – اللينينية
ح- الإشتراكية العلمية أم الشيوعية ؟
2 - تحريف حزب النضال التقدّمي للينينيّة :
أ- الأمميّة البروليتاريّة و إنعزالية حزب النضال التقدّمي
ب- وحدة شيوعية ثوريّة أم وحدة تجاوزيّة إنتهازيّة ؟
ت- نظرة حزب النضال التقدّمي البرجوازيّة للديمقراطية البرجوازيّة
3- النظريّة و الممارسة و تحريفيّة حزب النضال التقدّمي :
أ- نظريّا : جهل و تجهيل و عموميّات تروتسكيّة
ب- التنظير و الممارسة الإصلاحيّين
ت- التوحيد النظريّ و مثاليّة ميتافيزيقيّة محمد لسود
ث- مرض الحتميّة ينخر عظام حزب النضال التقدّمي
4- منهج حزب النضال التقدّمي غريب عن الماركسيّة - اللينينية :
أ- الذاتيّة والمنهج التاريخي و النظرة الشيوعية إلى العالم
ب- دمج الإثنين فى واحد أم إنشطار الواحد
ت- الحقيقة الموضوعيّة الماديّة مهما كانت أم الإنتقائيّة و البراغماتية ؟
ث- المثاليّة الميتافيزيقيّة أم المادية الجدلية ؟
5- طبيعة المجتمع و طبيعة الثورة :
أ- طبيعة العصر
ب- رأسماليّة متخلّفة أم رأسمالية كمبرادورية ؟
ت- إصلاحيّون أم ثوريّون ؟
6- برنامج حزب النضال التقدّمي برنامج برجوازي إصلاحي :
أ- برنامج برجوازي إصلاحي
ب- أوهام برنامجيّة
ت- برنامج حزب النضال التقدمي مبتور أصلا
7- فشل مشروع الخطّ التجاوزي لحزب النضال التقدّمي :
أ- تأسيس حزب لم يكن ينشده الخطّ التجاوزي
ب- تحالفات إنتهازيّة
ت- موقف إنتهازي يميني من إنتخابات دولة الإستعمار الجديد
الخاتمة :
المراجع :
الملاحق (4) :
( الملاحق 1 و 2 و 3 ترجمة شادي الشماوي نشرت على موقع الحوار المتمدّن )
1- لتحي الماركسية – اللينينية – الماوية
2- إعادة تصوّر الثورة و الشيوعية : ما هي الخلاصة الجديدة لبوب أفاكيان؟
3- الخلاصة الجديدة للشيوعية : التوّجه و المنهج و المقاربة الجوهريّين و العناصر الأساسيّة
4- محتويات نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " /
من العدد 1 إلى العدد 33 – بقلم ناظم الماوي


===================================================
1 - حزب لا ينتمى إلى الحركة الماركسية – اللينينية :

يزعم حزب النضال التقدّمي أنّه حزب ماركسي – لينيني و هذا مجافى للحقيقة و شطحاته لا تلزم الماركسية - اللينينيّة في شيء.
أ- خارج الحركة الماركسية - اللينينية من النشأة إلى الآن :
و حزب النضال التقدّمي يشدّد التشديد كلّه على ما يسمّيه القراءة التاريخيّة أو الطرح التاريخي ، نذكّره أنّ المجموعة التى أسّسته ، مجموعة " المناضلين الشيوعيين " ، وُلدت تاريخيّا خارج الحركة الماركسية - اللينينية أصلا و منذ البداية و ظلّت خارج هذه الحركة و تفرّعاتها إلى الآن . فتاريخ الحركة الشيوعية العالمية المعلوم فى كافة أنحاء الكوكب ، سجّل ولادة الحركة الماركسية – اللينينية كحركة مناهضة للتحريفية المعاصرة ، يقودها الحزب الشيوعي الصيني و على رأسه ماو تسى تونغ . و يشهد التاريخ ، لمن لا يغمض عينيه و لا يصمّ أذنيه و يطارد الأشباح ، بأنّ الوثائق التى أصدرها الحزب الشيوعي الصيني كانت أساس هذه الحركة الماركسية – اللينينية و أرضيّتها و قد مثّلت رسالة ال25 نقطة أو على وجه الدقّة " إقتراح حول الخطّ العام للحركة الشيوعية العالمية "، سنة 1963 منعرجا فى منتهى الأهمّية أرسى ركائز الحركة الماركسية – اللينينية ، الوثيقة التاريخية التى فضحت أطروحات التحريفية المعاصرة السوفياتيّة منها واليوغسلافيّة و الإيطاليّة و الفرنسية و الأمريكية إلخ و دعت إلى القطيعة معها و تشكيل أحزاب و منظّمات شيوعية ثوريّة جديدة كمكوّنات لهذه الحركة ، إلى جانب قلّة من الأحزاب القديمة التى نبذت التحريفية المعاصرة و إلتحقت بالراية الماركسية – اللينينية التى كان يرفعها عاليا ماو تسى تونغ و منها حزب العمل الألباني الذى لم يستوعب فى البداية صراع الخطّين الدائر بين أكبر حزبين من أحزاب الكتلة الإشتراكية حينها و وقف لاحقا إلى جانب الحزب الشيوعي الصيني . و لمن يرغب فى تنشيط الذاكرة التاريخية ، نسرد عليه هذه الفقرات من مقال نشرناه فى مارس 2015 على موقع الحوار المتمدّن بعنوان " تشويه فؤاد النمري للماوية " ( ص 9 ):
" فى وثيقة مؤرخة فى 9 أوت 1960، سجّلت اللجنة المركزية لحزب العمل الألباني وقائع لقاء بوخارست. وتحت عنوان " رسالة من اللجنة المركزية لحزب العمل الألباني موجّهة الى كل التنظيمات القاعدية للحزب فى ما يتعلّق بسير لقاء بوخارست فى جوان 1960 و الخلافات التى ظهرت بين الحزب الشيوعي السوفياتي و الحزب الشيوعي الصيني " كتب : " ظهر عدد معيّن من نقاط الخلاف الإيديولوجية و السياسية الهامة بين الحزب الشيوعي السوفياتي و الحزب الشيوعي الصيني . و بدأت الإشارة إلى هذه الخلافات كذلك فى الصحافة الصينية و السوفياتية كما فى خطابات قادة البلدين ، طبعا دون ذكر أسماء هؤلاء و أولئك بشكل مباشر، لكن بتقديم إشارات بإمكان كل امرئ فهمها . و عولجت و نوقشت هذه المسائل بصورة مفتوحة في اللقاء الذي دار في بوخارست بين ممثلي الأحزاب الشيوعية و العمّالية التي حضرت المؤتمر الثالث لحزب العمل الروماني" (الصفحة 265 من كتاب " الشيوعيون الألبان ضد التحريفية " باللغة الفرنسية ) ( الصفحة 25 من العدد الثالث من " لا حركة شيوعية ثورية دون ماويّة ! " لناظم الماوي ) .
و حيث أنّ حزب العمل الألباني كان فى السلطة و حيث أنّه لم يوجد فى أوروبا حزب آخر فى السلطة يعادي التحريفية السوفياتية ، صارت لأنور خوجا صورة برّاقة عالميّا لدى الماركسيين - اللينينيين لوقوفه إلى جانب الحزب الشيوعي الصيني . إلاّ أنّه بعد الإنقلاب التحريفي فى الصين سنة 1976 وإعادة تركيز الرأسماليّة هناك و تحوّل صين ماو تسى تونغ الإشتراكية إلى صين دنك سياو بينغ الرأسماليّة ، تراجع التحريفيّون الصينيّون أو البرجوازية الجديدة الصينيّة عن مواصلة تقديم الدعم لألبانيا فكان ردّ فعل قائد حزب العمل الألباني الإنقلاب على ماو تسى تونغ والماركسيّة – اللينينية عوض أن يرفع رايتهما فى وجه كلّ من التحريفية الصينية و السوفياتية .
و بالتالى تسبّب فى إنشقاق الحركة الماركسية – اللينينية إلى خطّين أساسيين ( فضلا عن من إتّبعوا الخطّ التحريفي الصيني و من وقفوا موقف المتفرّج و من إنسحبوا في صمت ) باتا معروفين عالميّا بالماويّة و الخوجيّة و الماويّون هم الماركسيّون – اللينينيّون – الماويّون أي الماركسيّون – اللينينيّون الذين درسوا التجربة الصينيّة و مساهمات ماو تسى تونغ الخالدة فى علم الشيوعية و بيّنوا أنّها تطويرات للمكوّنات الثلاثة للماركسية – اللينينية أي الفلسفة و الإقتصاد السياسي و الإشتراكية و من ثمّة الماويّة مرحلة جديدة ، ثالثة فى تطوّر علم الشيوعية ؛ و الخوجيّون هم الخطّ الدغمائي التحريفي الذى صارع ليحطّم الماركسية – اللينينية – الماوية بيد أنّه مُني بالفشل الذريع عالميّا جرّاء تلقّى ردود مفحمة من الماويّين من ناحية ، و إبراز الواقع لخطل الترّهات الخوجيّة من ناحية ثانية طوال عقود الآن .
و الحركة الشيوعية فى تونس و خاصّة منها المجموعات التى أطلق عليها البعض فى فترة ما اليسار الجديد ، أي المجموعات الماركسية – اللينينية لم تخرج فى الأساس عن سياق ذلك الصراع العالمي فى سبعينات القرن الماضي بين تيّاري الحركة الماركسيّة – اللينينيّة ، الماويّة و الخوجيّة . و مقولات ما سمّاه محمّد لسود ب" الخطّ الوطني الديمقراطي" مقولات متأثّرة بالماويّة وعلى وجه الخصوص بمحتوى" إقتراح حول الخطّ العام للحركة شيوعية العالميّة " الذى طبقت شهرته العالم ( و النصوص التى تناولها السيّد لسود بالنقد فى" نقد الخطّ الوطني الديمقراطي " نصوص تنطوى على إنحرافات قومية جليّة نقدها الماويّون أنفسهم فى وثائق لم يعرّج عليها ناقد الماويّة ) و كان على السيّد لسود أن يُطلق عليها تسميتها العالمية ألا وهي الماويّة كما كان عليه توخّيا للدقّة التاريخيّة أن يطلق على ما سمّاه " الخطّ الألباني " تسميته العالمية ، الخوجيّة . و لكنّه لم يفعل لغرض فى نفس يعقوب أي موقف ذاتي يهدف إلى زرع مفاهيم جديدة " تجاوزيّة " متباينة مع الحركة الماركسية – اللينينية ، فى نفس الوقت الذى يستحوذ فيه بمثاليّة ذاتيّة على نعت الماركسية – اللينينية بالضبط مثلما فعل الوطنيّون الديمقراطيون الماركسيّون – اللينينيّون ( وطد ثوري و وطد ما- ل ) مع إستحواذهم على نعت الماركسية – اللينينية و إنكاره على ماو تسى تونغ مؤسّس الحركة و قائدها !
و عدم تحديد المجموعات المتأثّرة بالماويّة بأنّها ماويّة و تلك المتبنّية للخوجيّة بأنّها خوجيّة معبّر جدّا عن القراءة المثاليّة الذاتيّة اللاتاريخية للسيدّ لسود الذى يزعم إنتهاج القراءة التاريخيّة !
و أمّا المجموعات التى إنقلبت على ماو تسى تونغ و التيّار الماوي عقب تعّرضه للهجوم المسعور الذى شنّه أنور خوجا على فكر ماوتسى تونغ فى كتابه " الإمبريالية و الثورة " والذى إقترن فى أواخر الثمانينات بنشر علني لهجوم سافر شنّه حزب العمّال الشيوعي التونسي آنذاك عن طريق كتاب بإمضاء محمّد الكيلاني ، " الماويّة معادية للشيوعية " ؛ فقد غادرت التيّار العريض للمتأثّرين بالماويّة لترتمي جماعة منها فى أحضان الخوجيّة بصورة متستّرة مثلما هو الشأن بالنسبة للوطنيين الديمقراطيين ( الوطد ) الذين صاغوا فى نهاية الثمانينات بداية التسعينات كرّاسا مهزلة يعيد ببراغماتية / نفعية منافية للمادية الجدلية و الحقائق الموضوعية صياغة التاريخ بما يخدم قراءتهم المثاليّة الذاتية و يحرّف الماركسيّة – اللينينية و يشوّه الماويّة عنونوه " هل يمكن إعتبار ماو تسى تونغ ماركسيّا – لينينيّا ؟ " متسائلين بخبث و تآمر بيّنين عن مدى ماركسيّة – لينينيّة مؤسّس الحركة الماركسية – اللينينية و قائدها ليخرجوه بخزعبلات إنتهازية من صفوف الماركسيين – اللينينيين و يحلّوا محلّه كوطنيين – ديمقراطيين ماركسيين – لينينيين( ماركسيين - لينينيّين مزيّفين طبعا !) فى حين إرتمت جماعة أخرى ، " الوطنيّون الديمقراطيّون بالجامعة " خارج التيّار العريض للمتأثّرين بالماويّة فى ظروف أواخر ثمانينات القرن الماضي لتتنكّر للتجربة الإشتراكيّة الصينية و لتروّج لفترة أنّ كمونة باريس هي التى ينبغى أن تكون النموذج الذى يحتذى لحلّ معضلة إعادة تركيز الرأسمالية فى البلدان الإشتراكية السابقة و تمادي الإنزلاق إلى الهاوية التحريفية و الإصلاحية إلى سقوطهم فى السنوات الأخيرة صراحة فى مستنقع الديمقراطية البرجوازية المسمّاة ديمقراطية إجتماعية ! ( و قد فضحنا خطّهم الإيديولوجي والسياسي فى كتابنا " حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد حزب ماركسي مزيّف " ) .
هذا بينما إنغمس الخوجيّون فى دغمائيّتهم وتحريفيّتهم لتشلّ دعايتهم للخوجيّة فجأة و دون أدنى تفسير بعد إنتهاج ألبانيا طريقا رأسماليّا واضحا و طعن المنشقّون عن حزب العمّال الشيوعي ، بقيادة محمّد الكيلاني فى الظهر كافة التجارب الإشتراكية التاريخية للبروليتاريا العالمية و إرتموا كشيوعيين ديمقراطيين ثمّ كحزب إشتراكي يساري ( فى الواقع يميني رأسمالي ) فى أحضان الديمقراطية البرجوازية لدولة الإستعمار الجديد و فى أحضان النظام الحاكم و أحزابه الأقوى بحثا عن المساهمة فى لعب أيّ دور فى النظام القائم و الحصول على بعض الكراسي ، بلا طائل إلى اليوم و إن إستغلّهم هذا الحزب أو ذاك لمدّة معيّنة .
و فى ما يتّصل ب " المناضلين الشيوعيين " فقد تأثّروا طبعا عند نشأة حلقتهم سنة 1988 ( و هو أمر لا نظنّ أنّه بوسع من يدّعى تطبيق المنهج التاريخي أن يغضّ الطرف عنه ) بالصراعات العالمية داخل الحركة الشيوعية العالمية و صعود الفكر الجبهوي بعد إنتصار الجبهة الساندينيّة فى نيكاراغوا و بالصراعات داخل الحركة الشيوعية فى القطر و خاصة داخل المجموعات الماركسية – اللينينية . غير أنّهم بدلا من بحث تفاصيل الخلافات بين الماويّة و الخوجيّة لمعرفة الحقيقة و المسك بالنظريّة الثوريّة و تطبيقها و تطويرها لإيجاد حركة ثوريّة ، إختاروا صياغة خطّ يقع خارج مكوّني الحركة الماركسيّة – اللينينية و ضدّهما و يغمض العينين عن الجدال الكبير ضد التحريفيّة المعاصرة بما هو مميّز الحركة الماركسيّة – اللينينيّة و أساس من أهمّ أسسها و يتهرّب من القضايا الشائكة بدل مواجهتها وبالتالى وقف ضدّ الحركة الماركسيّة – اللينينيّة برمّتها ، هو خطّ إصطفوا له من الأسماء خطّ التجاوز الذى سنناقش لاحقا . و من البديهي إذن أنّهم وضعوا أنفسهم و من البداية خارج الحركة الماركسية – اللينينية إلاّ أنّهم لم يرغبوا تماشيا مع خطّهم التجاوزي فى أن يقرّوا بهذه الحقيقة ، حقيقة أنّ هدفهم هو تجاوز الحركة الماركسية – اللينينية بتيّاريها و دقّ مسامير فى نعشها مع الإحتفاظ إنتهازيّا و شكليّا بنعت الماركسي- اللينيني الرائج ما يعيد إلى الأذهان ما فعله الوطنيّون الديمقراطيّون الماركسيّون اللينينيوّن ( قبل أن يصبحوا وطد ثوري ما – ل و وطد ما- ل و قد عايشوا التجاوزيّين ) و إحتفاظ التحريفيّين السوفيات من أواسط خمسينات القرن العشرين إلى بداية تسعيناته و التحريفيين الصينيين من إنقلاب 1976 بعد وفاة ماو تسى تونغ إلى يومنا هذا بإسم الحزب الشيوعي و الحال أنّهما صارا حزبين برجوازيّين أعادا تركيز الرأسمالية فى كلا البلدين الذين كانا سابقا إشتراكيين .
و هكذا عن جدارة إقتلعت مجموعة محمّد لسود منذ نشأتها إلى يومنا هذا إقتلاعا ميزة الطفيليّة نسبة إلى الحركة الماركسية – اللينينية التى عرفها التاريخ لا التى يتخيّل أصحاب الخطّ التجاوزي السابحين في عوالم وهميّة إنتماءهم إليها .
ت- التجارب الإشتراكية للقرن العشرين و تصفويّة حزب النضال التقدّمي :
لقد قامت الحركة الماركسية – اللينينية العالمية على مقاومة التحريفية المعاصرة ، السوفياتية منها و الإيطاليّة و الفرنسية واليوغسلافيّة ...، هذه التحريفية التى سعت طاقتها إلى إهالة التراب على التجربة الإشتراكية الأولى للبروليتاري العالميّة، التجربة الإشتراكية السوفياتية زمن لينين و ستالين بالتوازى مع سعيها إلى جرّ الحركة الشيوعية برمّتها إلى مستنقع التحريفيّة و من ثمّة تحويلها إلى أداة فى خدمة الإمبريالية و الرجعيّة . و قد نهض الحزب الشيوعي الصيني بواجب الذود عن تلك التجربة و إنجاز تقييم علميّ لها مدافعا عن ما هو رئيسيّ و هو الصائب و ناقدا رفاقيّا و شارحا و متجاوزا الأخطاء الثانويّة و إن كانت جدّية أحيانا فصاغ على سبيل المثال و منذ خمسينات القرن العشرين باكورات الوثائق التاريخية بهذا المضمار ؛ " حول التجربة التاريخيّة لدكتاتوريّة البروليتاريا "، 5 أفريل 1956 أي عقب أسابيع من نهاية المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي الذى شهد منعرجا حاسما فى تغيير الخطّ الإيديولوجي و السياسي من خطّ بروليتاري رئيسيّا إلى خطّ برجوازي و " مرّة أخرى حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا " ، 29 ديسمبر 1956 و تلت ذلك عدّة وثائق من أشهرها عالميّا إلى سنة 1963 فقط دون ذكر تلك المصاغة إلى سنة 1976 فى الصين الماويّة :
عاشت اللينينية ( أفريل 1960)
لنتحد تحت راية لينين الثورية ( أفريل 1960)
الى الأمام على طريق لينين العظيم ( أفريل 1960)
الخلافات بين الرفيق تغلياتي و بيننا ( ديسمبر 1962)
مرّة أخرى حول الخلافات بين الرفيق تغلياتى و بيننا (1963)
لنتحد على أساس تصريح موسكو و بيان موسكو ( جانفى1963)
أصل الخلافات و تطورها بين قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي و بيننا (1963)
هل يوغسلافيا بلد اشتراكي ؟
مدافعون عن الحكم الاستعمارى الجديد
خطان مختلفان حول مسألة الحرب و السلم (1963)
سياستان للتعايش السلمى متعارضتان تماما (1963)
حقيقة تحالف قادة الحزب الشيوعي السوفياتي مع الهند ضد الصين ( نوفمبر1963)
من أين أتت الخلافات ؟ رد على توريز و رفاق آخرين ( فيفري 1963)
سبع رسائل
قادة الاتحاد السوفياتي أكبر انشقاقيى عصرنا
الثورة البروليتارية وتحريفية خروتشوف
اللينينية و التحريفية المعاصرة (1963)
مرآة التحريفيين (1963)

و ما إنفكّ الماركسيّون - اللينينيّون الحقيقيّون ، الماركسيّون - اللينينيّون - الماويّون ، يدرسون و ينقّبون و ينقدون و يتعلّمون من تلك التجربة رافعين راية المكاسب و ناقدين من منظور شيوعي ثوري النقائص و الهنات و الأخطاء من أجل إنجاز ما أفضل مستقبلا .
و دافع التيّار الآخر للحركة الماركسيّة – اللينينية ، التيّار الخوجي بدغمائيّة تحريفيّة عن التجربة الإشتراكية السوفياتيّة فكال المديح عن عمى دغمائيّ لكلّ التجربة وحتّى للأخطاء التى كشفها ماو تسى تونغ و الحزب الشيوعي الصيني و تطوّر الأحداث الموضوعيّة.
و يأتينا الخطّ التجاوزي ليخلط فى خطوة أولى الحابل بالنابل متحدّثا عن " الإضافات التى يجرى إقحامها على الماركسيّة اللينينية : الستالينية ، الماويّة ، التروتسكيّة ، الأنور خوجيّة ، الغيفاريّة ، الستالينيّة الجديدة ، الغرامشيّة ، الأتوسريّة ..." ( " ضد الذاتيّة - فى أسباب الإنشقاقات و ضرورة التجاوز " ، ص 5 ، بالمناسبة هل منكم من يعرف شيئا عن " الستالينيّة الجديدة " ؟! لعلّ الكاتب قصد البلاشفة الجدد فوضع بمثاليّة ذاتيّة نعته لهم مكان إسمهم ؟! ) ، و فى خطوة ثانية ، ليرمي بكلّ هذا الإرث التاريخي و الدروس النظريّة و العمليّة المستقاة منه فى غياهب النسيان داعيا إلى تجاوزه نحو " التخصيص " بإعتباره " فهما كتبيّا " ضارا و " معيقا لتوحيد الماركسيّة – اللينينية " و " خلافات مؤبّدة " ( نفس المصدر السابق ) و" رؤية تقديسيّة " ( " برنامج حزب النضال التقدّمي "، ص 3 ) أو يقلّصه فى أحسن الأحوال إلى " مجرّد روافد لإغناء التحليل الملموس للواقع الملموس " ( نفس المصدر السابق ، ص 3).
هذه تصفويّة تطال تاريخ الحركة الشيوعية العالمية و التجارب الإشتراكية البروليتارية العالمية تستهدف دفن الماركسية – اللينينيّة الحقيقيّة فى بطون الكتب من أناس يصمّون آذاننا بزعم إتّباع قراءة تاريخيّة و الإنتماء الصميمي للماركسيّة أو بصيغة أخرى هذا منهم تجاوز تصفوي لتاريخ البروليتاريا العالمية لا يفرّق بين الصائب وهو الرئيسي و الخاطئ و هو ثانوي و يرمى بالطفل و الماء المتّسخ كلاهما ، على حدّ تعبير مثال شعبي فرنسي .
و لا يتسنّى لنا فهم هذه التصفويّة إلاّ إذا فهمنا بعمق المنطق الداخلي للخطّ التجاوزي الذى يملى حاجة ماسّة هي هدم الحركة الماركسيّة – اللينينيّة الحقيقيّة للتمكّن من تشييد صرح المشروع التجاوزي على أنقاضها مع الإحتفاظ بلون خارجي شكليّ مضلّل هو إعتبار الخطّ التجاوزي زورا و بهتانا خطّا ماركسيا - لينينيا .
و على هذا النحو يتخلّص هذا الخطّ التصفوي الذى يجعل الماركسيّة – اللينينيّة أثرا بعد عين من معالجة عشرات القضايا الحيويّة ليس أقلّها : لماذا هُزمت تلك التجارب ؟ و كيف تنجز الحركة الشيوعية العالمية أفضل من ذلك مستقبلا ؟ و ينام صنّاع هذا الخطّ المعادي للماركسيّة و اللينينيّة فرحين مسرورين !

ت- لا وجود لشيء إسمه ستالينيّة ، إنّها الماركسيّة - اللينينيّة :
من مقوّمات الهجوم الخروتشوفي التحريفي الكاسح منذ أواسط خمسينات القرن العشرين على دكتاتوريّة البروليتاريا و الشيوعيّة الثوريّة ، قصف ستالين بكلّ أنواع القنابل لتهشيمه كرمز للثورة البروليتارية العالمية و من ثمّة مزيد خدمة الطبقات الرجعيّة و إحباط الطبقات الثوريّة و تعبيد الطريق لفرض خطّ تحريفي فجّ يخدم فى نهاية المطاف البرجوازيّة الجديدة فى الإتحاد السوفياتي و الإمبريالية و الرجعيّة عبر العالم .
وكمكوّن من مكوّنات خطاب الخروتشوفيّة ، وقعت إستعارة مصطلح " الستالينية " من تيتو و رابطة الشيوعيين اليوغسلافيّة و التروتسكيين و إعادة سبكه و تلميعه لرميه فى وجه كلّ من يعارض التحريفيين و كأنّه شتيمة و إنحراف عن الماركسية - اللينينيّة .
و لأنّ ماو تسى تونغ شيوعي ثوري صريح لم يخشى لومة لائم و لم يتهرّب من تحمّل عبء تراث البروليتاريا و إن كان فى طيّاته أخطاء و لأنّه يعى جيّدا أنّ أي علم يتطوّر و يراكم المعارف و النظريّات ، فى جانب من الجوانب ، بكشف الأخطاء و تخطّيها ، لم يتخلّى عن ستالين الماركسي العظيم الذى قام بأخطاء أحيانا جدّية . و إنبرى ليتصدّى للخروتشوفيّة و التحريفيّة المعاصرة برمّتها شرقا و غربا و حتّى تلك التى ظهرت فى صفوف الحزب الشيوعي الصيني . فى مقال " تشويه فؤاد النمري للماوية " سجّلنا ما جاء فى الصفحة العاشرة من " حول مسألة ستالين " ( 1963 ) فى نقد الموقف التحريفي من مسألة ستالين و حزب النضال التقدّمي الذى يحاول خلط الأوراق حتّى تتداخل السبل يعيد صداه ( موقف التحريفي ) فى كتاباته و مواقفه ، سجّلنا الآتى ذكره :
" إنهم لم يقوموا بتحليل تاريخي علمي شامل لحياة ستالين و أعماله ، بل أنكروه إنكارا كليا بدون أي تمييز بين الصواب و الخطأ . و لم يعاملوا ستالين كرفيق بل عاملوه كعدو . إنهم لم يتخذوا أسلوب النقد و النقد الذاتي لتلخيص الخبرة ، بل ألقوا مسؤولية جميع الأخطاء على ستالين و نسبوا اليه " الأخطاء " التى لفقوها عمدا. إنهم لم يعرضوا الحقائق و لم يناقشوا الأمور ، بل شنوا هجمات ديماغوجية شخصية على ستالين بغرض تسميم عقول الناس . لقد شتم خروتشوف ستالين بأنه " قاتل " و " مجرم " و " قاطع طريق " و " مقامر " و " طاغية من نوع إيفان المرعب " و " أكبر دكتاتور فى التاريخ الروسي " و " غبي " و " أبله " و هلم جرا و بينما نعيد ذكر هذه الألفاظ القذرة الفاحشة الخبيثة مضطرين نخشى أن يوسخ ذلك قلمنا و ورقنا ."

و كان الموقف المبدئي للحزب الشيوعي الصيني يتلخّص فى :
" تدافع اللجنة المركزية لحزبنا على أن مآثر ستالين و أخطائه فى علاقة سبعة إلى ثلاثة و أن ستالين مع ذلك يبقى ماركسيا عظيما . إنه بالاستناد إلى هذا التقييم كتبنا مقال " حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا". مثل هذا التقييم صحيح تماما. لقد قام ستالين بعدد معين من الأخطاء فيما يخص الصين . لقد كان وراء مغامرتية " اليسار" لوانغ مينغ ، حوالي أواخر الحرب الأهلية الثورية الثانية ، ووراء إنتهازيته اليمينية فى بداية حرب التحرير . في البداية لم يسمح لنا بالقيام بالثورة مؤكدا أن حربا أهلية تهدد بتخريب الأمة الصينية . ثم عندما إندلعت الحرب أبدى شكا حيالنا و عندما كسبنا الحرب شك في أنه انتصار من نوع انتصار تيتو وفى 1949 و1950 ، مارس علينا ضغوطا قوية جدا. إلا أننا مع ذلك نعتقد أن مآثر ستالين و أخطاءه في علاقة سبعة إلى ثلاثة . و هذا حكم عادل .

في ميادين العلوم الاجتماعية و الماركسية-اللينينية ، سنواصل بانكباب دراسة الأطروحات الصحيحة لستالين. "
( ماوتسى تونغ ، أفريل 1956 " حول العشر علاقات الكبرى" ، المجلد الخامس من مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة ، بالفرنسية – و ذو دلالة كبرى هو تاريخ هذا الخطاب : بضعة أسابيع بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الوفياتي السيّء الصيت ).
بيد أنّ حزب النضال التقدّمي الذى يدّعى زورا الإنتماء الصميمي للماركسية سعى و يسعى هو الآخر على خطى تيتو والخروتشوفيّين و التروتسكيّين إلى الإطاحة بالتجربة التاريخية لدكتاتوريّة البروليتاريا و دفنها ليمرّر مشروعه التجاوزيّ فالقراءة الماديّة الجدليّة و الماديّة التاريخيّة لمسألة ستالين تمثّل حجر عثرة أمام تقدّم المشروع التجاوزيّ ولذلك إلتقط السيف التحريفي ل " الستالينيّة " لينهال به على من يدافع عن ستالين دفاعا مبدئيّا ( الماويّون ) و غيرهم ممّن يدافع عنه دفاعا دغمائيّا ( الخوجيّون ).
يلتقى السيّد لسود و تيتو و الخروتشوفيّون و التروتسكيّون و الإمبريالية والرجعيّة عبر العالم كلّ من زاوية نظره فى السعي المحموم للنيل من " الستالينيّة " أي واقعيّا فى السعي للنيل من الماركسية – اللينينية . حزب السيّد لسود يسير على خطى مشوّهى ستالين و التجربة التاريخية لدكتاتوريّة البروليتاريا حذو النعل بالنعل إلاّ أنّه يختلف معهم فى أنّه يدافع بإنتقائيّة ( سنعود إليها لاحقا ) من حين لآخر عن نقطة هنا و نقطة هناك عن هذا الموقف أو ذاك أو هذا التكتيك أو ذاك و هو مضطرّ إلى ذلك إضطرارا فهي وفق الحيلة النظريّة التى إستنبطها " مجرّد روافد لإغناء التحليل الملموس للواقع الملموس " منها ينهل ببراغماتيّة لا يحسد عليها ما يراه صالحا و مفيدا لترسيخ الخطّ التجاوزي .
و إن كان الوطنيّون الديمقراطيّون الماركسيّون – اللينينيّون ( الوطد الثوري و الوطد م – ل ) يعتاشون لسنوات طوال على الأطروحات الماويّة و هم يتهجّمون على ماو تسى تونغ فإنّ الخطّ التجاوزي يشتم " الستالينية " و يتغذّى من التجربة الإشتراكية التى بناها الشعب السوفياتي بقيادة الحزب الشيوعي هناك حين كان لينين و بعده ستالين على رأسه . كلّ هؤلاء من مدّعى الماركسية – اللينينية و الماركسية – اللينينية الحقيقيّة منهم براء ، يأكلون الغلّة و يسبّون الملّة كما يعبّر عن ذلك مثل شعبي فى تونس !
فى الحقيقة مسألة ستالين كما نقرأ فى وثيقة الحزب الشيوعي الصيني " حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا " أفريل 1956 ، أي أسابيع من المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي والتقرير السرّي لخروتشاف ، وقع التعبير عن أنه " علينا إعتبار ستالين من وجهة نظر تاريخية و النهوض بتحليل كامل و مناسب كي نستشف درسا مفيدا . ما هو صواب و ما هو خاطئ لدى ستالين شأن يهم الحركة الشيوعية العالمية و يحمل سمة المرحلة ."( جان بابى ، الصفحة 22 من " الجدال الكبير الصيني - السوفياتي 1956-1966 "، الطبعة الفرنسية ، منشورات برنار غراسي ، باريس ).

لكن حقيقة أنّ " ما هو صواب و ما هو خاطئ لدى ستالين شأن يهمّ الحركة الشيوعيّة العالميّة و يحمل سمة المرحلة " مزعجة للغاية للخطّ التجاوزي بل غاية فى الإزعاج تسبّب له الصداع تلو الصداع إذ هي تقوّض أطروحاته التصفويّة فكان عليه أن يمحوها من التاريخ بقراءة قال إنّها تاريخيّة ، و هي لاتاريخيّة ، و بممحاة أطفال المدارس الإبتدائيّة ، ناسيا أو متناسيا أنّ الحقائق و الوقائع عنيدة و عنيدة جدّا و أنّ غرباله التجاوزي لن يحجب نور شمس الحقيقة التاريخيّة الساطعة .
ت- تبييض وجه الإمبريالية الإشتراكية :
بإستيلاء الخطّ التحريفي الخروتشوفي على قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي و الدولة السوفياتية و على مفاصلهما و بسط هيمنته عليهما و بمضيّه على طريق إعادة تركيز الرأسماليّة فى الإتحاد السوفياتي ، تغيّر لون الحزب وتغيّر لون الدولة ، بمعنى تغيّرت طبيعتهما من حزب و دولة بروليتاريين إلى حزب و دولة برجوازيين . و تحوّل الإتحاد السوفياتي من بلد إشتراكي إلى بلد رأسمالي تسوده رأسماليّة الدولة المتخفّية وراء مظهر إشتراكي و ما هي فى الواقع إشتراكية . و قد حافظت البرجوازية الجديدة السوفياتية ، التحريفيّون فى السلطة ، على تسمية الحزب الذى غيّروا لونه و جوهره ، بالشيوعي و تسمية الدولة التى غيّروا لونها أيضا بالإشتراكية و ذلك لمغالطة المناضلين و المناضلات الشيوعيّين و الطبقات الشعبيّة محلّيا و عالميّا و تضليلهم حتّى لا يتيسّر لهم كشف الوجه الحقيقي للخروتشوفيّة و الإنقلاب فى الإتحاد السوفياتي و فضحه و من ثمّة إضعاف التحريفيّين و رفع راية الإطاحة بهم . لهذا حقّ على الحركة الماركسية – اللينينية العالمية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني وعلى رأسه ماو تسى تونغ نعت الإتحاد السوفياتي الخروتشوفي فى خمسينات القرن الماضي بالإشتراكي قولا و الرأسمالي فعلا .
ثمّ فى ستّينات القرن العشرين ، أجرى الحزب الشيوعي الصيني دراسات معمّقة لتحليل التطوّرات فى الإتحاد السوفياتي إقتصاديّا و سياسيّا و إجتماعيّا و ثقافيّا فتبيّن أن بلد الإشتراكية الأولى فى عالم القرن العشرين صار عمليّا بلدا إمبرياليّا حقيقة و إعتبارا لمساره التاريخي و الصورة التى يتقدّم بها إلى العالم و طبعا جوهره الموضوعي و لتمييزه عن الرأسماليّة الإمبريالية الغربيّة ، نال تسمية صحيحة و دقيقة هي الإمبريالية الإشتراكية . و فى أدبيّات ستّينات القرن الماضي و سبعيناته ، كان الماركسيّون – اللينينيّون بقيادة الحزب الشيوعي الصيني و على رأسه ماو تسى تونغ يضيفون وصفا بسيطا إلى الإمبريالية الإشتراكية عادة بين قوسين " إشتراكيّة قولا و إمبرياليّة فعلا " .
و من المقالات و الكتب التى دبّجها الماويّون الصينيّون فى الغرض بالذات نذكر على سبيل المثال لا الحصر هذه الوثائق التاريخية :
- لنميط اللثام عن التحريفيّين السوفيات بصدد ثقافة الشعب كلّه ( أكتوبر 1967)
- التحريفيون السوفيات يطوّرون اقتصادا رأسماليا على طول الخط ( أكتوبر 1967)
- السينما السوفياتية فى خدمة إعادة التركيز الشامل للرأسمالية ( أكتوبر 1967)
- براهين دامغة عن إعادة تركيز الرأسمالية من طرف التحريفيين السوفيات فى المناطق الريفية (نوفمبر1967)
- دكتاتورية برجوازية يمارسها التحريفيون فى الاتحاد السوفياتي ( نوفمبر 1967)
- التحريفيون السوفيات يحوّلون حزب لينين إلى حزب تحريفي ( نوفمبر 1967)
- النتائج الشهيرة لتطبيق طغمة التحريفيين السوفيات ل" سياسة اقتصادية جديدة "( نوفمبر 1967)
- الخط التحريفي فى التعليم فى الاتحاد السوفياتي ( نوفمبر 1967)
- ما هي اذا " رفاهة الشعب كلّه " التى يفتخر بها التحريفيون السوفيات ؟ ( ديسمبر 1967)
- ليسقط القياصرة الجدد (1969 )
- بتحرّكاتها العنيدة ضد الصين ، لا تفعل طغمة التحريفيين السوفيات سوى حفر قبرها ( مارس 1969)
- لينينية أم امبريالية اشتراكية ؟ ( أفريل 1970 )
- الامبريالية الاشتراكية السوفياتية جزء من الامبريالية العالمية ( ديسمبر 1975).
وكتاب - الإمبريالية اليوم ، منشورات القرن أ 100 ، بالفرنسية ، باريس 1976.
وكتاب - إنحلال الإتحاد السوفياتي ، منشورات القرن أ 100 ، بالفرنسية ، باريس 1978( نشر فى الصين سنة 1975 ).
و كتاب :
“Ugly Features of Soviet Social-Imperialism”, a collection of articles from 1973-1975 exposing the Soviet ---union--- as an imperialist power and international exploiter. (Peking: FLP, 1976), 96 pages
http://www.bannedthought.net/China/MaoEra/GreatDebate/UglyFeaturesOfSovietSocial-Imperialism-1976.pdf

و عالميّا لم يفعل الخوجيّون سوى ترديد المقولات و الحقائق التى توصّل إليها أوّل ما توصّل إليها الماويّون الصينيّون .
و عمّق الماويّون عبر العالم نقاش المسألة و من أهمّ الأدبيّات المتحصّل عليها تلك التى أنتجها الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الأمريكية : عدد خاص من مجلّة " أوراق حمراء " سنة 1974 ( تأليف تنظيم " الإتحاد الثوري " المكوّن الرئيسي المؤسّس للحزب الشيوعي الثوري سنة 1975 ): " كيف وقعت إعادة تركيز الرأسمالية فى الإتحاد السوفياتي و ماذا يعنى ذلك للنضال العالمي ؟ " و مقالات فى مجلّة " الثورة " عدد 52 سنة 1984 و كتابان لريموند لوتا سنة 1983 و هذه روابط تلك المقالات و الكتب تباعا :
The Red Papers, #7: How Capitalism has been ---restore---d in the Soviet ---union--- and What This Means for the World Struggle, by the Revolutionary ---union--- (predecessor organization to the RCP), Chicago: October 1974.

http://www.bannedthought.net/USA/RU/RP/RP7/RU-RP7.pdf
“Notes Toward an Analysis of the Soviet Bourgeoisie”, by Lenny Wolff and Aaron Davis, Revolution, #52, Summer 1984, 39 pages
http://www.bannedthought.net/USSR/RCP-Docs/Wolff-Davis-1984.pdf
Soviet Education: Reading, Writing, and Revisionism”, by Leona Krasny, Revolution, #52, summer 1984, 22 pages
http://www.bannedthought.net/USSR/RCP-Docs/Krasny-1984.pdf
“Against the ‘Lesser Evil’ Thesis: Soviet Preparations for World War 3”, by Mike Ely, Revolution, #52, Summer 1984, 27 pages.
http://www.bannedthought.net/USSR/RCP-Docs/Ely-1984.pdf
The Soviet ---union---: Socialist´-or-Social Imperialist? Essays Toward the Debate on the Nature of Soviet Society, compiled by the Editors of The Communist, theoretical journal of the Revolutionary Communist Party, USA, (Chicago: RCP Publications, 1983), 212 pages
http://www.bannedthought.net/USSR/RCP-Docs/Soviet---union----Debate1983.pdf
The Soviet ---union---: Socialist´-or-Social Imperialist? Part II: The Question Is Joined, Raymond Lotta vs. Albert Szymanski, full text of the New York City Debate, May 1983. (Chicago: RCP Publications, 1983), 90 pages.
http://www.bannedthought.net/USSR/RCP-Docs/SUSoSI/SUSoSI-II-1983-Entire.pdf

و يخرج علينا السيّد لسود الماركسي– اللينيني جدّا جدا زاعما منذ أواخر ثمانينات القرن العشرين ليهاجم توصيفا علميّا صحيحا يعكس واقعا حقيقيّا ، مغتنما السياق العام للحرب الشعواء ضد الماويّة عالميّا و محلّيا و مستندا إلى مقولة للينين لا تنسحب على الإتحاد السوفياتي فى الستّينات و السبعينات و متناسيا طبعا التعاطي الجدّي و المسؤول شيوعيّا مع الواقع الملموس و تحليله تحليلا ملموسا و مع الوثائق التاريخيّة للماويين الصينيين و الحركة الماركسيّة – اللينينية العالمية بهذا الغرض . و ما هذا من زعيم التجاوزيّين إلاّ إساءة لذكرى لينين العظيم .
ففى" الخطّ الألباني و التنكّر السياسي - فى نقد المنطلقات الذاتيّة و الممارسة الإنتهازية والتسخيريّة " يفصح عن أن توصيف الإتّحاد السوفياتي منذ الستّينات بالإمبريالية الإشتراكية توصيف ذاتي لا غير و بالتالى خاطئ و دليله على ذلك مقولة للينين لا تنطبق على البلد الذى إستولت عليه التحريفية و أعادت فيه تركيز الرأسمالية . إستغرب :
" ويا للغرابة ، لم يتحوّل الاتّحاد السوفياتي إلى الاشتراكية الديمقراطية فحسب، بل ولا حتى إلى الرأسمالية التنافسية، بل أصبح دفعة واحدة وبقدرة قادر امبرياليا. وهذه القراءة ، التي وصفها البعض محقين بأنها إكلينيكية ، من حيث أنها تربط انسحاب الحياة من أنسجة شخص بتبخر الاشتراكية من نسيج مجتمع كامل ، لا تستحق أن نقف عندها طويلا. فمصطلح " الامبريالية الاشتراكية "، في عرف الماركسية اللينينية التي لا تخضع السياسة للهوى بل تخضع كل تحليل لمقتضيات الانطلاق من الواقع والرجوع إليه ، هي موقف الاشتراكيين الديمقراطيين في البلدان الإمبريالية الذين يصطفون إلى جانب بورجوازياتهم ضد الطبقة العاملة، وزعيمهم والأشهر من بينهم هو كاوتسكي الذي وصمه لينين بهذه الصفة. أما القول بأن الامبريالية تأتي بعد الاشتراكية ، فهو قلب لموازين الأمور وخلط للمقاييس، يلتقي مع قولة تاتشر التهكمية بأن الامبريالية ليست هي أعلى مراحل الرأسمالية كما قال لينين الذي تسخر منه تاتشر والبوكت كل على طريقته، بل إن الرأسمالية هي أعلى مراحل الاشتراكية ."
و فى " لوائح المؤتمر الأوّل " يشير دون خجل من دعم جرائم الإمبرياليّة الإشتراكيّة فى حقّ العمّال و الشعب السوفياتي و فى حقّ كثير من شعوب العالم و من تزوير الواقع و الكذب على ذقون الماركسيّين – اللينينيّين عبر العالم الذين حاربوا التحريفيّة السوفياتيّة بكلّ ما أوتوا من طاقة إلى " البلدان السائرة فى النهج الإشتراكي أي الإتحاد السوفياتي و الدول الدائرة فى فلكه حتّى بداية التسعينات " .
على هدي التروتسكيين و حديثهم عن الإتحاد السوفياتي على أنّه إشتراكي " مشوّه بيروقراطيّا " قبل إنهياره ( " الإرباكات البيروقراطيّة و التعطّل اللاوظيفي " حسب " لوائح المؤتمر الأوّل " ، ص 3 ) و على النقيض من لينين و ما توصّلت إليه الحركة الماركسيّة – اللينينيّة بقيادة الحزب الشيوعي الصيني من حقائق و ما صدعت به الأحزاب و المنظّمات الشيوعية الماركسيّة – اللينينيّة في أربعة أركان المعمورة من موقف سليم وصحيح قائم على الفهم العلمي للواقع الملموس( منها ما لخّصه ماو تسى تونغ سنة 1970 فى : " التحريفيّة فى السلطة يعنى البرجوازيّة فى السلطة ") يجحد محمّد لسود واقع و حتّى إمكانيّة تحوّل بلد إشتراكي إلى بلد رأسمالي إذ لا يمكن حسب رأيه التروتسكي المناهض للماديّة الجدلية ، " تبخّر الإشتراكيّة من نسيج مجتمع كامل " و نقطة إلى السطر فالمسألة منتهية إذن و بساط الحديث فيها مطويّ . و قد فضحت قوّة مجريات أحداث إنهيار الإتحاد السوفياتي أواخر ثمانينات القرن الماضي و بداية تسعيناته طبيعة الإتحاد السوفياتي لعيون أبسط الناس و لعلّ مجادلا من هؤلاء أعاد السؤال متوجّها بسخرية و مرارة رأسا إلى محمدّ لسود : كيف حصل " تبخّر الإشتراكيّة من نسيج مجتمع كامل " ؟!
و الأكيد أنّ صاحبنا سيواجه لحظات حرجة بل غاية فى الحرج تجعله يتصبّب عرقا حيال هكذا سؤال إذ هو لا يملك أيّ جواب علمي ماركسي- لينيني و سيلجأ على الأرجح إلى تفسير تآمري للتاريخ لا أكثر و لا اقلّ . و لعلّ من المحرج جدّا له أيضا أن يشرح لنا و خاصة للشعب الأفغاني و الشيوعيين الأفغانيين الذين قاتلوا جيوش الإتحاد السوفياتي و ضحّوا الكثير منهم بحياته فى أتون الحرب الإمبرياليّة السوفياتية فى أفغانستان و مدى علاقتها بالشيوعية .
و بموقفه المبيّض لوجه الإمبريالية الإشتراكية و جرائمها ضد البروليتاريا و شعوب العالم يفتح حزب النضال التقدّمي على نفسه أبوابا يستعصي عليه إغلاقها ولو بذل الوسع و زاد عليه و قد لاحظنا إضطرابا و تعجبا كبيرين و عدم فهم أصلا لسياسة الإتحاد السوفياتي الإمبرياليّة تجاه مصر فى كرّاس " فلسطين طبقيّا " ففى الصفحة 11 نلفي محمد لسود يحوّر الحقائق و يتحدّث على خلاف الماركسيّين – اللينينيّين الحقيقيّين المناهضين عالميّا للتحريفيّة المعاصرة ، عن " مجموعة الدول الإشتراكيّة و الإتحاد السوفياتي بشكل خاص " و لم يفقه لماذا ساند السوفيات عبد الناصر إقتصاديا و عسكريّا رغم أنّه " ملطّخ الأيدى بدماء الشيوعيين " ( ص 24 ) و ليس بوسعه أن يدرك السياسات الإمبريالية و السعي إلى تقسيم العالم و إعادة تقسيمه و الإستحواذ على مناطق النفوذ إلخ طالما لا يرى فى الإتحاد السوفياتي إلاّ بلدا إشتراكيّا فى حين أنّه إمبريالي إشتراكي لذلك يفصح عن تقييم خارج الموضوع " الخطأ الذى إقترفه السوفيات هو مساندتهم الإقتصاديّة و العسكريّة للنظام البورجوازي الناصري ، فهي خطوة خاطئة من أصلها " ( ص 24 ) و يصف تعامل السوفيات مع عبد الناصر ب " الغبن التجاري و السذاجة السياسيّة " ( ص 31 ) و يعتبر " الدور السوفياتي " " منذ البداية مبنيّا على سوء فهم و سوء تفاهم " ( ص 36 ) و أكثر من ذلك يتعجّب عندما يستجيب السوفيات لطلب السادات العون فى أكتوبر 1973 فيقول بعد إيراد جملة تنتهى بنقطة تعجّب " نحن نوافق عليها لأنّها فى محلّها تماما ". بإختصار، يتجمّع لدينا من صفحة إلى أخرى إختلاق الأعذار والتماس الأسباب الواهية و لخبطة كبيرة فى فهم سياسة الإتحاد السوفياتي الإمبريالية الإشتراكية حيال مصر و الشرق الأوسط بسبب مواصلة إعتباره بلدا إشتراكيّا !
و نودّ أن نسأل السيّد لسود و أشياعه : ما قولكم فى مدّ الإتحاد السوفياتي أواخر خمسينات القرن العشرين و بداية ستّيناته الهند و تحديدا حكومة نهرو بالأسلحة لتستعملها فعلا ضد الصين الإشتراكية فى النزاع على الحدود بين الصين و الهند ؟ و ما قولكم فى تحالف السوفيت حينها مع الإمبريالية الأمريكيّة و الرجعيّة الهنديّة ضد الصين الإشتراكيّة ؟ و ما قولكم فى تقديم الإتحاد السوفياتي فضلا عن السلاح ، للمساعدات الماليّة و الإقتصادية للرجعيّة الهنديّة و أيديها ملطّخة بدماء آلاف الشيوعيّين و سجونها مكتظّة بالشيوعيين والشيوعيّات و التقدّميين ، و الطبقات الشعبيّة تقمع و تجوّع ؟
لقد فضح الحزب الشيوعي الصيني تلك السياسة المعادية للينينيّة و الأمميّة البروليتارية و التى لا يمكن أن تصدر عن بلد إشتراكي حقّا :
" إنّ موقف و سياسة القادة السوفيت حول مسألة الحدود الصينيّة الهنديّة تثبتان بوضوح أنّهم قد خانوا الشعب الصيني ، و الشعب السوفياتي ، و شعوب جميع أقطار المعسكر الإشتراكي ، و الشعب الهنديّ ، و جميع الشعوب و الأمم المضطهَدة . و قد أخذ يتّضح أكثر فأكثر أنّ القادة السوفيت لم يعودوا يعتبرون المستعمِرين ، وعلى رأسهم الولايات المتّحدة ، و رجعيّي مختلف البلدان أعداء لهم . فالماركسيّون اللينينيّون و الشعوب الثوريّة و الصين على وجه الخصوص هم الذين أصبحوا أعداءهم . "
يكثّف هذا الإستنتاج جملة الحقائق التى كشفها مقال " حقيقة تحالف قادة الحزب الشيوعي السوفياتي مع الهند ضد الصين " بقلم هيئة تحرير صحيفة " جينمينجيباو "، 2 نوفمبر( تشرين الثاني ) بيكين 1963.
تقتضى اللينينية ضمن ما تقتضيه التحليل الملموس للواقع الملموس . فهل حلّل السيّد لسود تحليلا علميّا ملموسا طبيعة المجتمع السوفياتي و طبيعة الدولة السوفياتية ؟ لا . و هل إستأنس بتحاليل الحركة الماركسية – اللينينيّة و هو يدعى تبنّى الماركسية – اللينينية ؟ لا .
ما يفعله بتصفويّة بيّنة هو مرّة أخرى محو التاريخ و الوقائع و الوثائق التاريخيّة بجرّة قلم ثمّ يملئ الفراغ الناجم عن ذلك بأطروحات تروتسكيّة و بمقولة صاغها لينين فى إطار مغاير هو إطار الحرب العالمية الأولى قبل عقود بصدد الموقف التحريفي لجلّ الأحزاب الإشتراكية فى أوروبا تجاه الحرب و مساندة برجوازيتها الإمبريالية عوض تطبيق السياسة اللينينية للإنهزامية الثورية أي القيام بالثورة البروليتارية فى ظلّ الحرب العالمية و ليس التذيّل للبرجوازية .
هذا ما جنح إليه محمّد لسود فى حين أنّ الماركسيين – الليننيين بقيادة ماو تسى تونغ قد أخذوا تلك المقولة اللينينيّة بعين الإعتبار لكنّهم لم يقصروا جهدهم على ترديدها بل كرّسوا التحليل الملموس للواقع الملموس و أوضحوا للعالم قاطبة أن الإتحاد السوفياتي إشتراكي قولا و إمبريالي فعلا ، و هذا هو المقصود بالإمبريالية الإشتراكية كحقيقة موضوعيّة لا يرقى إليها شكّ لم يجحدها بمثاليّة سوى التروتسكيّون و الخروتشوفيّون و الإمبرياليّون و الرجعيّون . و فى هذه النقطة كما فى نقاط سابقة و لاحقة لمسنا و نلمس و سنلمس لمس اليد أنّ السيّد لسود و جماعته ينهلون الكثير و الكثير من التروتسكيّة التى ، فى موضوع الحال ، لم تعتبر ، على عكس الحركة الماركسية – اللينينية ، أنّ إنقلابا جدّ فى الإتحاد السوفياتي منذ أواسط الخمسينات بل ظلّت تدافع و إلى أواخر ثمانينات القرن الماضي و بداية تسعيناته عن أنّ الإتحاد السوفياتي بقي إشتراكيّا على أنّه " مشوّه بيروقراطيّا " و عن أنّ إعادة تركيز الرأسمالية فيه مستحيلة . و جماعة محمّد لسود تكرّر على مسامعنا خاصة أنّ الإتحاد السوفياتي ظلّ إشتراكيّا و هو قول ببساطة يجافى الحقيقة الموضوعية التى كشفتها دراسات الحركة الماركسية – اللينينية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني و على رأسه ماو تسى تونغ . و يحلّ أصحاب المشروع التجاوزي التروتسكيّة محلّ الماركسيّة – اللينينية و يزعمون أنّهم ماركسيّون – لينينيّون . ماركسيّتهم – اللينينيّة أقرب إلى ماركسيّة – لينينية التروتسكيّين و أبعد ما تكون عن ماركسية – لينينية الحركة الماركسية – اللينينية تاريخيّا ، ماركسيّتهم - اللينينيّة شكلا و التى تساوى التحريفيّة مضمونا تضعهم إلى جانب الإمبريالية و جرائمها و تجعلهم يتذيّلون لها و يبرّرون " السياسة التحريريّة السوفياتيّة " ( ص 37 من " فلسطين طبقيّا " ) . إلى هذا توصلهم مثاليّتهم و تروتسكيّتهم !

ج- فهم حزب النضال التقدّمي للإشتراكية فهم غريب عن الماركسية – اللينينية :
فى كرّاس " ما هي الإشتراكية ؟ عشر شبهات و عشر توضيحات حول الإشتراكية العلميّة " ، جاد علينا محمّد لسود بمفهوم للإشتراكية أقلّ ما يقال فيه أنّه غريب فى غربته عن الحركة الماركسية – اللينينية . فحسب رأيه ، الإشتراكية :
" هي النظام الذى يمتلك فيه الشعب وسائل الإنتاج ( الأراضي ، المناجم ، المصانع ، الطرقات ، الموانئ ...)" (ص 3 ).
و هذا التعريف فضلا عن كونه هلامي يجعل المعالم غائمة و قد ينسحب على عديد البلدان التى هي فى الواقع ليست إشتراكية من وجهة النظر الماركسية كما سنرى ، يردّد صدى رأي شائع فى صفوف الجماهير التى لا تعرف حقّ المعرفة علم الشيوعية أو تجهله تماما. و متى ألفينا مثل هذا التعريف يصدر عن زعيم حزب النضال التقدّمي تصاب أجسادها بقشعريرة كما يصاب ذوى الآذان الخبيرة بالموسيقى بقشعريرة حينما يبلغ مسامعهم نشاز فى الغناء أو العزف ؛ و قد نصاب بالغثيان حين نلفيه يقلب العلاقة بين الإشتراكية كما وضّحها لينين فى " الدولة و الثورة " مثلا و الشيوعيّة رأسا على عقب فتصبح حسب الفكر التجاوزيّ الذى يعتنقه " الشيوعيّة ... الدرجة العليا من الإشتراكيّة " !!!
فأين هذا التعريف الهلامي الفضفاض للإشتراكيّة الذى لا يميّز بين الإشتراكيّة من وجهة نظر الماركسيّة و الإشتراكيّات الأخرى التى عرضها ماركس و إنجلز فى " بيان الحزب الشيوعي " و الإشتراكيّات المتنوّعة الأخرى من صنف الإشتراكية الديمقراطية بأزياء قديمة و جديدة ، من تعريف ماركس للثورة الإشتراكية على أنّها ، كما جاء فى تصدير هذا المقال ( كارل ماركس ، " الصراع الطبقي فى فرنسا 1848-1850 " ) :
" إعلان للثورة المستمرّة ، الدكتاتورية الطبقية للبروليتاريا كنقطة ضرورية للقضاء على كلّ الإختلافات الطبقية ، و للقضاء على كلّ علاقات الإنتاج التى تقوم عليها و للقضاء على كلّ العلاقات الإجتماعية التى تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ، و للقضاء على كلّ الأفكار الناجمة عن علاقات الإنتاج هذه ." ؟
و قد أورد لينين فى " الدولة و الثورة " ، و على وجه الضبط بالصفحة 92 ، فى مطلع " الإنتقال من الرأسماليّة إلى الشيوعيّة " ما قاله ماركس فى " نقد برنامج غوتا " :
" ... بين المجتمع الرأسمالي و المجتمع الشيوعي تقع مرحلة تحوّل المجتمع الرأسمالي تحوّلا ثوريّا إلى المجتمع الشيوعي . و تناسبها مرحلة إنتقال سياسيّة أيضا ، لا يمكن أن تكون الدولة فيها سوى الدييكتاتوريّة الثوريّة للبروليتاريا..." ( التشديد على الديكتاتوريّة الثوريّة للبروليتاريا فى النصّ الأصلي).
مفهوم الإشتراكية كما طوّرته الحركة الماركسية – اللينينية و تاليا الحركة الماوية ، الماركسية – اللينينية – الماوية ، بناء على تعاليم ماركس و لينين و على التجارب الإشتراكية التاريخية و خاصة منها السوفياتية و الصينية و على النظريّة التى طوّرها معلّمو البروليتاريا العالمية ، مفهوم ينهض على أعمدة ثلاثة . الإشتراكية نمط إنتاج ، و دولة دكتاتوريّة البروليتاريا ، و مرحلة إنتقاليّة نحو الشيوعية تعدّ العامود الأساسي من بين الأعمدة الثلاثة التي يقوم عليها المفهوم العلمي لإشتراكية . ففى نصّ محاضرة له ألقاها فى المركّبات الجامعيّة عبر الولايات المتّحدة الأمريكيّة فى 2009 - 2010 عنوانها " كلّ ما قيل لكم عن الشيوعيّة خاطئ : الرأسماليّة أفلست و الثورة هي الحلّ " ، كتب أحد القادة الماويين البارزين عالميّا ، المختصّ فى الإقتصاد السياسي ، ريموند لوتا ( و هو من قيادات الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية ) و صاحب البحوث العديدة و العميقة بشأن التجارب الإشتراكية السوفياتية و الصينيّة و الكتب المتعلّقة بالإمبريالية الإشتراكية السوفياتيّة ( أنظروا على الأنترنت موقع
www.thisiscommunism.org) :
" ما هي الإشتراكية ؟
لنرفع بعض الغموض . ليست الإشتراكية مجرّد إمتلاك الحكومة لبعض المؤسّسات أو بضعة تعديلات حكومية - فكافة الحكومات الرأسمالية تقوم بذلك . و الإشتراكية ليست أمرا يقوم به أوباما - أوباما ليس إشتراكيّا .
فى الواقع ، الإشتراكية أشياء ثلاثة :
أوّلا، الإشتراكية شكل جديد من السلطة السياسية فيه المضطهَدون و المستغلّون سابقا ، فى تحالف مع الطبقات الوسطى، و الحرفيين و الأغلبية العظمى من المجتمع ، تتحكّم فى المجتمع بقيادة حزب طليعي ذو نظرة نافذة . و هذا النوع من سلطة الدولة يراقب المستغِلّين القدامى منهم و الجدد . و يوفّر إمكانية ديمقراطية - أ- تطلق العنان لإبداع الناس و مبادراتهم فى كافة الإتجاهات و - ب - توفّر لجماهير الشعب الحقّ و القدرة على تغيير العالم و الإضطلاع بإتّخاذ القرارات الهامة ؛ و يشجّع على النقاش الأبعد مدى ، و يحمى حقوق الفرد . و هذه الدولة الإشتراكية التى أتحدّث عنها هي دكّة إطلاق الثورة فى أماكن أخرى من العالم .
ثانيا ، الإشتراكية نظام إقتصادي جديد حيث الموارد و القدرات الإنتاجية للمجتمع يمتلكها المجتمع عبر تنسيق الدولة الإشتراكية ، و حيث الإنتاج منظّم بوعي و مخطّط لتلبية حاجيات المجتمع ، و لتجاوز لامساواة المجتمع الرأسمالي الطبقي - مثل إضطهاد الأقليّات القومية و تبعيّة النساء . إنّه إقتصاد منظّم لتشجيع الثورة فى العالم و لحماية الكوكب . فيه يكفّ الإستغلال و الربح عن التحكّم فى المجتمع و فى حياة الناس . و تكفّ المؤسسات الصيدلية الكبرى و مجمّعات التأمين و المالية عن تحديد معايير تقديم الرعاية الصحّية و البحث العلمي . ستكفّ عن الوجود . لن توجد بعدُ شركة الجنرال موتورز أو البوينغ - ستكفّ عن الوجود هي الأخرى - موجّها تطوّر النقل و إنتاج الطاقة لحاجيات الربح .
ثالثا ، الإشتراكية مرحلة تاريخية إنتقالية ، بين الرأسمالية و الشيوعية ، مرحلة صراع ثوري و تجريب لتحويل كافة الهياكل الإقتصادية ، و كافة المؤسّسات والعلاقات الإجتماعيّة، و كافة الأفكار و القيم التى تأبّد تقسيم المجتمع إلى طبقات.
وما هي الشيوعية ؟
هنا أودّ أن أقرأ جملا من بيان " الثورة التى نحتاج ... و القيادة التى لدينا " للحزب الشيوعي الثوري :
" الشيوعية : عالم حيث يعمل الناس و يناضلون معا من أجل الصالح العام ... حيث يساهم كلّ فرد بما يقدر عليه فى المجتمع و يتلقّى ما يحتاج إليه للعيش حياة حَرِيّة بالإنسان ... حيث لن توجد بعدُ إنقسامات داخل الشعب تخوّل للبعض أن يحكموا البعض الآخر و يضطهدوه ، سالبينهم ليس فقط وسائل الحياة اللائقة و لكن أيضا معرفة و وسائل الفهم الحقيقي للعالم و العمل على تغييره " . ( ترجمة شادي الشماوي – موقع الحوار المتمدّن ).
و من يريد التعمّق فى المسألة و مزيد فكّ الخيوط المتشابكة بهذا الصدد يحتاج إلى العودة إلى كتاب لينين ، الكتاب المنارة التى يمقته التحريفيّون والإنتهازيّون بجميع أرهاطهم و نقصد " الدولة و الثورة " و إلى " كتاب الإقتصاد السياسي " الشهير بكتاب شنغاي 1974 الذى صاغه عمّال و كوادر حزبيّون صينيّون بتوجيه من القيادات الماويّة العليا وعلى رأسها ماو تسى تونغ ، و الذين كانوا يرفعون راية الطريق الإشتراكي و يحاربون الطريق الرأسمالي فى الصين و داخل الحزب الشيوعي الصيني و عالميّا ، و قد دبّج ريموند لوتا تقديما لهذا الكتاب الأخير و خصّصه لمعالجة التخطيط الإشتراكي الماوي حينما أعاد نشره فى تسعينات القرن العشرين و إنّ هذا التقديم لفائق الأهمّية .
وقد طوّر ماوتسى تونغ الفهم الماركسي – اللينيني للإشتراكية تأسيسا على إستيعاب عميق لتعاليم الماركسيّة – اللينينيّة و على التجارب السوفياتية و الصينية و فى تعارض مع الخطوط التحريفية ، فنَحَتَ نظريّة مواصلة الثورة فى ظلّ الإشتراكية و كرّسها عمليّا فى الثورة الثقافيّة البروليتارية الكبرى 1966- 1976 التى مثّلت أبعد نقطة بلغتها البروليتاريا فى سيرها نحو الشيوعية لكن محمّد لسود يتعمّد محوها بممحاته اللاتاريخية فى الوقت الذى يدّعى فيه إتّباع قراءة تاريخيّة. و ملخّص هذه النظريّة فى كلمات هو أنّ التحليل المادي الجدلي كما طوّره ماو تسى تونغ يبيّن حقائق أنّ الصراع الطبقي يتواصل فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا و أنّ نتيجة الصراع الطبقي و الصراع بين الطريق الإشتراكي و الطريق الرأسمالي على أساس التناقضات التى يفرزها المجتمع الإشتراكي نفسه و الندوب الباقية من المجتمع القديم و الحقّ البرجوازي ، غير مضمونة و غير مضمون أيضا مسبّقا المضي قدما على الطريق الإشتراكي و بالتالى إمكانيّة الردّة و إعادة تركيز الرأسمالية واردة جدّا فى بلد إشتراكي مثلما حصل ذلك فى الإتحاد السوفياتي ؛ و أنّ البرجوازية الجديدة موجودة فى صفوف القيادات العليا للحزب السائرة فى الطريق الرأسمالي و أنّ وسيلة و طريقة مواصلة تثوير المجتمع و الحزب الشيوعي كمحور لهذا المجتمع الإشتراكي و محاربة التحريفيّة و إسترجاع أجزاء السلطة التى إستولى عليها أعداء الشيوعية و مواصلة المضيّ على الطريق الثوري نحو الشيوعية كجزء لا يتجزّا من الثورة البروليتارية العالمية هي الثورة الثقافيّة البروليتاريّة الكبرى التى أنقذت الصين الماويّة من براثن التحريفية لعقد من الزمن .
كلّ هذا رمى به أصحاب حزب النضال التقدّمي عرض الحائط متجاهلين الواقع و ضاحكين على الذقون و يبقى السؤال لماذا ؟
هذا السلوك التصفوي اللاتاريخي أملته و تمليه مقوّمات مشروع الخطّ التجاوزي الذى لا يرغب و لا يقدر على التوغّل فى نقاش دكتاتوريّة البروليتاريا و لا نقاش كيفيّة منع إعادة تركيز الرأسمالية و الإنتقال من الإشتراكية إلى الشيوعية و القضايا التى أفرزتها التجارب التاريخية للبروليتاريا العالمية و دروسها و أخطائها ، إذ هي مسائل لا تعنيه و يخشى كلّ الخشية أن تعيده إلى مربّع الماويّة و الخوجيّة و صراع الخطّين صلب الحركة الماركسية – اللينينية . فى الوقت الذى لا بدّ فيه من الإنكباب على بحث المسائل الشائكة و حسمها لتجنّب الغموض و التلاعب اللذان لا يصلحان أساسا لبناء حركة ثوريّة ، يفضّل السيّد لسود سلوك سياسة النعامة و يدفن رأسه فى الرمضاء !
هذا من ناحية ، و من ناحية ثانية ، تخوّل التعريفات الهلاميّة لأصحاب المشروع التجاوزي أن يتفانوا فى تبييض وجه التحريفية أي البرجوازيّة الجديدة فى الإتحاد السوفياتي التى إستولت على السلطة السياسيّة هناك منذ أواسط الخمسينات ، بعد وفاة ستالين و التى حوّلت أوّل بلد إشتراكي إلى إمبرياليّة إشتراكيّة يتستّر عليها حزب النضال التقدّمي كما مرّ بنا و" حتّى بداية التسعينات " حسب " لوائح المؤتمر الأوّل " ( ص3 و ص 10) و البرجوازيّة الجديدة فى الصين التى إنقلبت على الإشتراكية و أعادت تركيز الرأسماليّة هناك منذ 1976 ، بعد وفاة ماوتسى تونغ ؛ و أن يضمّوا إلى البلدان الإشتراكية جملة من البلدان ليست قط إشتراكية . فنراهم فى " ما هي الإشتراكية ... " ( ص 4 ) يتحدّثون عن الصين و كأنّها لا تزال إشتراكية ف" أصبح التخلّى عن البناء الإشتراكي إحتمالا أقلّ جاذبيّة للصين و لبقيّة الدول السائرة على نفس النهج " و تغدو الصين الرأسماليّة منذ أواسط سبعينات القرن الماضي بضربة العصا السحريّة لمحمّد لسود تخرج القرّاء من عالمنا الواقعي إلى العالم المثالي للسيّد التجاوزي قوّة تقاوم الإستعمار و الإستغلال " القوّة التى يتحكّم بمقدراتها الحزب الشيوعي و يوجّهها لمقاومة الإستعمار و الإستغلال " ( ص 18 من المصدر السابق ) و تمسى الأحزاب التحريفيّة فى أمريكا اللاتينيّة أحزابا " أصيلة " و يجرى التطبيل و التهليل ل " المدّ اليساري فى أمريكا اللاتينيّة ". و يرسل محمد لسود " رسالة تعزية " إلى سفير جمهوريّة فينزويلا فى الجزائر بتاريخ 6 مارس 2013 فى حين أنّ واجب الشيوعيين الحقيقيّين هو فضح التحريفيّة و إلحاق الهزيمة بها و كشف الحقيقة الطبقيّة للتجربة البوليفاريّة و أمثالها من التجارب الشعبويّة التى لا تخرج عن إطار النظام الإمبريالي العالمي و الدعاية للمشروع الشيوعي الثوري الذى لا يقدر سواه على القضاء على الإمبريالية و الرجعيّة و تحرير الإنسانيّة . و لكي يلمس القرّاء لمس اليد البون الشاسع بين الخطّ الشيوعي الماوي الثوري و الخطّ الإصلاحي ، ندعوهم إلى عقد مقارنة بين نصوص حزب محمد لسود عن فنيزويلا و مقالنا المعنون " هوغو تشافيو و بؤس اليسار الإصلاحي " فى مارس 2013 المنشور على الحوار المتمدّن بالموقع الفرعي لناظم الماوي و ضمن العدد 13- أفريل 2013 من نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " وعنوانه " مواقف " يساريّة " مناهضة للماركسيّة " الذى تجدونه بمكتبة الحوار المتمدّن .
و وقع تضمين " برنامج حزب النضال التقدّمي " جملة معبّرة عن التفكير التحريفي التروتسكي المنفلت من كلّ عقال و المناهض للماركسية – اللينينية و الواقع الملموس هي " تمثّل بلدان البناء الإشتراكي حالة إنتقاليّة على حدة وهي تظلّ تقدّميّة طالما طبّقت مبدأي الملكيّة العامة لوسائل الإنتاج و السيطرة السياسيّة للطبقة العاملة " ( ص 3 ) ويضاف إليها فى ذات الصفحة تتمّة منطقيّة غاية فى المثالية و التنكّر لما لا تخطئه عين و للمبادئ الشيوعية هي : " إنهيار جملة من تجارب البناء الإشتراكي ، و ليس حتّى كلّ هذه التجارب " .
و الواقع أنّه اليوم ومنذ عقود لم يعد يوجد أي بلد إشتراكي على وجه الأرض . و بشأن فنيزويلا صغنا مقالا مرّت بنا الإشارة إليه و فيه فائدة لا يستهان بها لمن يرنو الإنكباب على تفحّص المسائل عن كثب بعيدا عن التبريرات التروتسكيّة التى تساق و العموميّات و الهلاميّات التجاوزيّة الإنتهازية المناهضة للشيوعية . كما نقترح تفحّص مقالات ترجمها شادي شماوي متصّلة بفنزويلا و كوبا و كوريا إلخ و كتابه " الثورة الماوية فى الصين : حقائق و مكاسب و دروس " ففائدة هذه الوثائق عظيمة و أكيدة بهذا المضمار وهي متوفّرة كذلك على موقع الحوار المتمدّن .
و مماّ تقدّم نستشفّ أنّ إشتراكية محمّد لسود و من لفّ لفّه غارقة فى التروتسكيّة و المثاليّة و خلط الحابل بالنابل و لا تتماشى بحال من الأحوال مع الواقع الملموس و لا تعكسه البتّة و هي فى تضارب بيّن و جليّ مع الإشتراكية كما فهمتها الحركة الماركسية – اللينينية و فهمها الماركسيّون – اللينينيّون – الماويّون الجناح الثوري للحركة الماركسية – اللينينية الذى صارع جناحها الخوجي الدغمائي التحريفي عالميّا و منذ سبعينات القرن العشرين و ألحق به الهزيمة النكراء .
ح- الإشتراكية العلمية أم الشيوعية ؟
غالبا ما تردّد جلّ إن لم نقل كلّ الملل التى تدّعى الماركسية – اللينينية الإشتراكية العلمية عوضا عن الشيوعية . و المجموعة التى أسّست حزب النضال التقدّمي تشكّلت ك " مناضلين شيوعيين " وتاليا تدحرجت إلى" النضال التقدّمي " جاعلة من " الإشتراكية العلمية " مرجعا لها عوضا عن علم الشيوعية .
الإشتراكية العلمية مرجع هذا الحزب وهي كذلك مرجع حزب الكادحين الوطني الديمقراطي و مرجع الوطنيّين الديمقراطيّين الماركسيّين اللينينيّين و مرجع الحزب الوطني الإشتراكي الوطد و مرجع حزب العمّال التونسي إلخ ؛ الإشتراكية العلمية مرجع فرق تروتسكيّة و خوجيّة و " ماويّة " إلخ و الحال أنّ هذا من طرفهم جميعا تنازل نظري قاتل حيث بدلا من الدفاع المستميت عن الشيوعية و علم الشيوعية ، علم الثورة البروليتارية العالمية ، يتخفّى هؤلاء و أولئك وراء صيغة عامة وردت فى كتيّب إنجلز " الإشتراكية الطوباوية و الإشتراكية العلمية " و قد تجاوزها هو و ماركس و لينين و عاد إلى إستعمالها الإنتهازيّون أمام أمرين إثنين هما الهجوم المسعور و المستمرّ على الشيوعية لعقود الآن محلّيا و عالميّا ، و السعي لنيل الحضوة بالقبول القانوني و الجماهيري محليا .
لقد نبّه ماركس من خطر التنازل النظري فقال ( كما ذكره لينين فى " ما العمل ؟ " ، فقرة " إنجلز و أهمّية النضال النظري " ) : " إيّاكم و المساومة بالمبادئ ، إيّاكم و " التنازل " النظري " .
و لكن هيهات أن يلتزم التحريفيون الإصلاحيّون بالمبادئ الماركسية ! هيهات أن يلتزم المتمركسون بمبادئ الشيوعيّة !
و على الرغم من أنّ لينين أوضح بجلاء ما بعده جلاء أنّ الإشتراكية ما هي إلاّ مصدر من مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة أي الإقتصاد السياسي و الفلسفة و الإشتراكية فإنّ جماعة حزب النضال التقدّمي تتفتّق مواهبها بتخريجات مذهلة إذ تجعل الإشتراكية العلمية مساوية للماركسية و الحال أنّها فى فهم لينين ليست سوى مكوّن و مصدر من مكوّنات و مصادر ثلاثة و أدهى من ذلك تجعل منها مساوية للماركسية – اللينينية على غرار ما صرّحت به فى نهاية الصفحة الثانية من " برنامج حزب النضال التقدّمي " : " الإشتراكية العلمية أي الماركسية – اللينينية " !!! وهي تخريجة عبقريّة للغاية تذكّرنا بتخريجة الوطنيّين الديمقراطيّين الماركسيّين اللينينيين زعما " نمط الإنتاج الإشتراكي العلمي" !!!
وقد سلف لنا خوض جدال بهذا الصدد فى كتاب أفردناه لنقد الخطّ الإيديولوجي و السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد ( " حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد حزب ماركسي مزيّف " ) و إليكم ما خطّه قلمنا حينها و هو يصحّ بشأن حزب النضال التقدّمي و أمثاله :
" الشيوعية ، لا الإشتراكية العلمية :
وعادة ما تعرّف الجماعات ... التي تدعى الإنضواء تحت لواء الشيوعية نفسها إيديولوجيا بأنّها تتبنّى الإشتراكية العلمية وهذا منها فى يوم الناس هذا خطأ نظري نشرحه فى الحال.
و مثلما سجّلنا بالعدد الأوّل من نشرية " لا حركة شيوعية دون ماوية " ، ضمن مقال " الديمقراطية البرجوازية القديمة ام الديمقراطية الجديدة الماوية " الإشتراكية إشتراكيات ( و الشيوعية اليوم شيوعيات) : " و يكفى بهذا المضمار التذكير بعنوان كتاب إنجلز " الإشتراكية الطوباوية و الإشتراكية العلمية " من ناحية أولى ؛ و فقرات ماركس و إنجلز فى البيان الشيوعي : " الإشتراكية الرجعية : أ- الإشتراكية الإقطاعية ب- الإشتراكية البرجوازية الصغيرة ج- الإشتراكية الألمانية والإشتراكية "الحقّة "، الإشتراكية المحافظة أوالبرجوازية ، من ناحية ثانية ؛ و مقالات لينين عن الإشتراكية الديمقراطية و عن الإشتراكية الإمبريالية من ناحية ثالثة ؛ و كتابات الشيوعيين الماويين ، زمن ماو و بعده ، عن الإمبريالية الإشتراكية و عن مفهوم الإشتراكية دون صراع طبقي الخوجية و عن الإشتراكية ( دكتاتورية البروليتاريا و نمط إنتاج و مرحلة إنتقاليّة نحو الشيوعية ) كمرحلة إنتقالية من الرأسمالية إلى الشيوعية مديدة تعجّ بالصراعات الطبقية و تتضمنّ كلا من إمكانية التقدّم نحو المجتمع الشيوعي العالمي و إمكانية إعادة تركيز الرأسمالية ..."
قال إنجلز فى مستهلّ المقال الأوّل من كرّاسه المنشور سنة 1892 " الإشتراكية الطوباوية و الإشتراكية العلمية " :
" إنّ الإشتراكية العصرية ، من حيث مضمونها هي فى المقام الأوّل ، نتيجة لملاحظة التناقضات الطبقية السائدة فى المجتمع العصري بين المالكين و غير المالكين ، بين الرأسماليين و العمّال الأجراء ، من جهة ، و لملاحظة الفوضى السائدة فى الإنتاج من جهة أخرى . ولكن هذه الإشتراكية تبدو فى البدء ، من حيث شكلها النظري ، كأنّها مجرّد إستمرار، أكثر تطوّرا و إنسجاما ، للمبادئ التي صاغها المنورون الفرنسيون الكبار فى القرن الثامن عشر" .
و عند نهاية هذا المقال الأوّل ، خلص إنجلز إلى أنّ " و لهذا لم تعد تبدو الإشتراكية الآن إكتشافا حقّقه من قبيل الصدفة هذا العقل العبقري أو ذاك ، بل صارت تبدو نتيجة ضرورية للنضال بين الطبقتين الناشئتين تاريخيّا، البروليتاريا والبرجوازية.
و لم تبق مهمتها إبتداع نظام إجتماعي على أكثر ما يمكن من الكمال ، بل غدت دراسة التطوّر الإقتصادي التاريخي الذى أدّى بالضرورة إلى نشوء هاتين الطبقتين وإلى نشوء الصراع بينهما ، و إيجاد الوسائل فى الوضع الإقتصادي الناجم عن هذا التطوّر ، من أجل تسوية النزاع . و لكن الإشتراكية السابقة لم تكن متلائمة مع هذا الفهم المادي للتاريخ مثلما كان فهم الماديين الفرنسيين للطبيعة غير متلائم مع الديالكتيك و مع علم الطبيعة الحديث." ( الطبعة العربية ، دار التقدّم موسكو ، ص 38 و 65) .
إذن نشأت الإشتراكية العصرية مع المجتمع العصري نتيجة صراع الطبقتين الناشئتين البروليتاريا و البرجوازية و بدأت أقرب إلى أفكار فلاسفة الأنوار - القرن 18 - " و إكتشافا من قبيل الصدفة هذا العقل العبقري أو ذاك" لتغدو إشتراكية علمية بما هي تعتمد دراسة التطوّر الإقتصادي التاريخي ، و الفهم المادي التاريخي لذلك صارت تسمّى إشتراكية علمية بعدما كانت طوباوية . و عليه الإشتراكية كوحدة أضداد ، تناقض إنقسمت ( بمعنى " إزدواج الواحد " اللينيني و الماوي ) إلى طوباوية و علمية كمظهري هذا التناقض . و تمكّنت الإشتراكية العلمية من إلحاق الهزيمة بالإشتراكية الطوباوية و سادت عالميّا إلاّ أنّ هذه الإشتراكية العلمية ستشهد هي ذاتها صراعات داخلية ستفرز عديد التياّرات أهمّها التياّر الماركسي الذى لن يفتأ يتطوّر هو ذاته و " ينقسم " ( بمعنى إزدواج الواحد ) فى مسيرة نموّه و حركة تطوّره إلى اليوم .
" حتى بين المذاهب المتعلّقة بنضال الطبقة العاملة و المنتشرة بخاصة فى صفوف البروليتاريا ، لم ترسّخ الماركسية مواقعها دفعة واحدة ... و حين حلّت الماركسية محلّ النظريات المعادية لها ، و المتجانسة بعض التجانس ، سعت الميول التي كانت تعبّر عنها هذه النظريات وراء سبل جديدة . فقد تغيّرت أشكال النضال و دوافعه ، و لكن النضال مستمرّ ... بنضال التيّار المعادي للماركسيّة فى قلب الماركسية ... لقد منيت إشتراكية ما قبل الماركسية بالهزيمة ، وهي تواصل النضال ، لا فى ميدانها الخاص ، بل فى ميدان الماركسية العام ، بوصفها نزعة تحريفية ."
( لينين : المختارات فى ثلاثة مجلدات ، المجلد الأوّل، الجزء الأوّل، ص 86-87 ضمن نص " الماركسية و النزعة التحريفية " ).
و" أدّى النضال ضد المحرّفين إلى نهوض مثمر فى تفكير الإشتراكية العالمية النظري بقدر ما أدّى جدال إنجلس مع دوهرينغ قبل عشرين سنة . " ( مصدر سابق ، ص 89 ) و يخلص لينين إلى أنّ " نضال الماركسية الثورية الفكري ضد النزعة التحريفية ، فى أواخر القرن التاسع عشر، ليس سوى مقدّمة للمعارك الثورية الكبيرة التي ستخوضها البروليتاريا السائرة إلى الأمام ، نحو إنتصار قضيّتها التام، رغم كلّ تردّد العناصر البرجوازية الصغيرة و تخاذلها ." ( المصدر السابق ، ص 95).
و" التحريفية هي شكل من أشكال الإيديولوجية البرجوازية . إن المحرفين ينكرون الفرق بين الإشتراكية و الرأسمالية و الفرق بين دكتاتورية البروليتاريا و دكتاتورية البرجوازية . و الذى يدعون إليه ليس بالخط الإشتراكي فى الواقع بل هو الخط الرأسمالي ". (ماو تسي تونغ : خطاب فى المؤتمر الوطنى للحزب الشيوعي الصيني حول أعمال الدعاية ، مارس 1957 )
و يبرز جليّا أن الإشتراكية التي إنكبّ إنجلز على الخوض فيها فى ذلك الكرّاس تحيل على الصراع الطبقي و المادية التاريخية و هذا لا يعدو أن يكون مكوّنا من مكوّنات الماركسية الثلاثة وهو ما أكّده لينين فى " مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " حيث إعتبر مذهب ماركس " بوصفه التتمّة المباشرة الفورية لمذاهب أعظم ممثلى الفلسفة و الإقتصاد السياسي و الإشتراكية "( لاحظوا جيّدا أنّه لم يستعمل مصطلح " الإشتراكية العلمية " بل فقط " الإشتراكية " مثلما فعل فى كرّاس " كارل ماركس " ). ف" مذهب ماركس "، الماركسية ، : " هو الوريث الشرعي لخير ما أبدعته الإنسانية فى القرن التاسع عشر: الفلسفة الألمانية ، و الإقتصاد السياسي الإجليزي ، و الإشتراكية الفرنسية . و إنّنا سنتناول مصادر الماركسية الثلاثة هذه ، التي هي فى الوقت نفسه أقسامها المكوّنة الثلاثة."( لينين ، المختارات فى ثلاثة مجلدات ، المجلد 1، الجزء 1، ص 78/79).
و من هنا لا يفعل من يريد أن يماثل بين الماركسية أو الشيوعية و " الإشتراكية العلمية " سوى العودة إلى ما قبل لينين و اللينينية و ليّ عنق الشيوعيين إلى الخلف ، نحو القرن 19 . و هذا بوضوح إنحراف نظري و كذلك تنازل نظري - سياسي يهدونه على طبق لأعداء الشيوعية مقدّمين أنفسهم بتعلّة عدم تنفيرالجماهير ، على أنّ هدفهم الأسمى بالتالى هو الإشتراكية و ليس الشيوعية بطورها الأدنى الإشتراكية وطورها الأعلى الشيوعية ، وفق كتاب لينين " الدولة و الثورة "، يتوصلون إليه عبر الصراع الطبقى الذى تعترف به و تقرّه حتى البرجوازية والذى لا يحدّد بحدّ ذاته من هو الماركسي .
فى رسالة وجهها ماركس إلى فيدميير ، بتاريخ 5 مارس / أذار 1852 ، أعرب عن أنّه :
" فيما يخصنى ليس لى لا فضل أكتشاف وجود الطبقات فى المجتمع المعاصر و لا فضل إكتشاف صراعها . فقد سبقنى بوقت طويل مؤرخون برجوازيون بسطوا التطوّر التاريخي لصراع الطبقات هذا ، و إقتصاديون برجوازيون بسطوا تركيب الطبقات الإقتصادي .و ما أعطيته من جديد يتلخّص فى إقامة البرهان على ما يأتى :
" 1- إن وجود الطبقات لا يقترن إلاّ بمراحل تاريخية معينة من تطوّر الإنتاج 2- إنّ النضال الطبقي يفضى بالضرورة إلى ديكتاتورية البروليتاريا ، 3- إنّ هذه الديكتاتورية نفسها ليست غير الإنتقال إلى القضاء على كلّ الطبقات و إلى المجتمع الخالى من الطبقات...".و معلّقا على ذلك ، كتب لينين: " ... الأمر الرئيسي فى تعاليم ماركس هو النضال الطبقي هذا ما يقال و ما يكتب بكثرة كثيرة. بيد أنّ هذا غير صحيح . و عن عدم الصحة هذا تنتج ، الواحد بعد الآخر ، التشويهات الإنتهازية للماركسية و ينتج تزويرها بحيث تصبح مقبولة للبرجوازية. ذلك لأنّ التعاليم بشأن النضال الطبقي لم توضع من قبل ماركس ، بل من قبل البرجوازية قبل ماركس ، وهي بوجه عام مقبولة للبرجوازية . و من لا يعترف بغير نضال الطبقات ليس بماركسي بعد ، و قد يظهر أنّه لم يخرج بعد عن نطاق التفكير البرجوازي و السياسة البرجوازية. إنّ حصر الماركسية فى التعاليم بشأن النضال الطبقي يعنى بتر الماركسية و تشويهها و قصرها على ما تقبله البرجوازية . ليس بماركسي غير الذى يعمّم إعترافه بالنضال الطبقي على الإعتراف بديكتاتورية البروليتاريا . و هذا ما يميّز بصورة جوهرية الماركسي عن البرجوازي الصغير ( وحتى الكبير) العادي ."( لينين ،" الدولة و الثورة " ص 35-36 ، الطبعة العربية ، دار التقدّم موسكو ).
و على ضوء ما تقدّم نستخلص أنّ دعاة " الإشتراكية العلمية " بكلمات لينين يشوّهون الماركسية بإنتهازية و يزوّرونها و يبترونها لتصبح مقبولة لدى البرجوازية . و يتغافلون عن ما يميّز " بصورة جوهرية " الماركسي عن غيره . و لئن عرّف لينين حينها الماركسي بمن " يعمّم إعترافه بالنضال الطبقي على الإعتراف بديكتاتورية البروليتاري " فإنّ الشيوعيين الثوريين الماويين ، و بعد مراكمة تجارب إشتراكية بقيادة أحزاب شيوعية فى الإتحاد السوفياتي و الصين خاصة ، يضيفون أنّ الماركسي صار من يعترف بتواصل وجود الطبقات و التناقضات الطبقية و التناحر الطبقي فى ظلّ الإشتراكية و بضرورة مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا ( نظرية مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا كما صاغها ماو و طبّقها فى خضمّ الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ).
و ننهى هذه النقطة بالتأكيد على أنّ إيديولوجيتنا هي الشيوعية و ليست الإشتراكية العلمية و الشيوعية ، قال ماوتسى تونغ فى " حول الديمقراطية الجديدة " ( 1940 ، م 2) " هي نظام كامل للإيديولوجيا البروليتاري وهي فى نفس الوقت نظام إجتماعي جديد . و هذا النظام الإيديولوجي و الإجتماعي يختلف عن أي نظام إيديولوجي و إجتماعي آخر ، وهو أكثر النظم كمالا و تقدّمية و ثورية و منطقية فى التاريخ الإنساني ." " ( إنتهى المقتطف)
===============================================================



تعليقات الفيسبوك