استقلالنا الموهوم


مشعل يسار
2017 / 11 / 22 - 11:32     

يحل اليوم في الثاني والعشرين من تشرين الثاني عيد استقلال لبنان كدولة. وإني لأهنئ بالعيد شعبنا اللبناني الأبي وإن كان هذا العيد مجرد حلم أطفال لدى شعبنا البريء سياسياً. فأي استقلال هذا الذي نحن نعيش في ظله يا ترى؟
نتخيل أننا مستقلون، بيد أننا لسنا كذلك. فالحرية هي كما قال ماركس عن حق الضرورة حين نعيها. والضرورة موضوعية وليست ذاتية، أي تصنعها قوى خارجة عن إرادتنا. قوى اقتصادية منتجة متطورة وذات حجم جاذب مقرر، بينما نحن لا ننتج سوى الأحلام والأخيلة والخدمات البسيطة نقدمها لمن ينتج خيرات مادية ملموسة. وهذا بالذات يقرر مستوى استقلالنا المتدني ونسبته الضئيلة في الواقع.
حتى الدول والتجمعات السياسية الكبرى ليست مستقلة بالمعنى المطلق وهي رهينة تفاعلها وتصارعها فيما بينها، التفاعل والتصارع اللذين قد يوديان بوحدتها ككيان مستقل ويفتتانها في لحظة ضعف إربا إرباً بحيث كل إرب يتجاذبه من هم أقوى منه وأكبر حجما وثقلاً.
ولمما يزيد الطين بلة أن تدني مستوى القوى المنتجة لدينا وضحالة وعيها السياسي ونشوء دولنا في العصر الإمبريالي عوامل جعلتها أكثر فأكثر في مصاف الدول التابعة التي تحكمها وتحدد مستوى تبعيتها برجوازيات كومبرادورية لا تقوى إلا على بيع بلادنا في سوق النخاسة حيث هي تتصدرنا وتقرر نيابة عنا ويخدمها في تحكمها إقطاع سياسي موروث عن الماضي الإقطاعي كتشكيلة اقتصادية بائدة بكل عاداته وتقاليده. وبهذا هو قادر على ان يخدم بكفاءة برجوازيتنا الكومبرادورية الناشئة كطفيليات على جذع الشجرة الاستعمارية العاتية.
وسيبقى استقلالنا المشوه المنقوص المأزوم الظاهري كما هو إلى أن تتكافل وتتضامن قوى الشعب البسيط المتوزع ما بين عامل ومزارع شبه بدائيين في ظل بنيتنا الاقتصادية المتخلفة، وعاطل عن العمل لم ينحدر بعد إلى درك متعاطي المخدرات، وذي مهنة حرة غير ميسرة أحواله ذاك التيسر الذي يُشعِره أنه أقرب إلى من هم فوق، ومثقف حر غير منباع بأبخس الأثمان لتاجر نفط أو غير نفط مبتذل، وموظف رسمي لا يد طولى له ليسرق ما يتيسر من مال الخزينة، وطالب تغلي في نفسه ثائرة الشباب والطموح والتوق إلى عالم أفضل... كل هؤلاء إذا اجتمعوا تحت قيادة حالمة ومتنورة، حالمة بوطن حر وشعب سعيد، وفي الوقت نفسه قادرة على دراسة الواقع من بنية تحتية وقوى فاعلة دراسة صادقة، وأعدوا العدة وأطلقوا العنان لثورة اجتماعية لا تخضع لقواعد اللعبة التي فرضها المتحكمون منذ زمن طويل كانتخابات طائفية أو حتى خارج القيد الطائفي كما يحلم بعض من مناضلينا المتراجعين عن النهج الثوري، فيما البرجوازية تلجأ إليه بكل سرور لتشويه مغزى الثورة السليم.
ومجتمعنا الموبوء بتقاليد بالية على رأسها التملك الفردي لوسائل الإنتاج ولوسائط العيش كالمنشآت والأبنية والأراضي ورأس المال الكبير الناشئ عن خدمة الاحتكارات العالمية والأرض التي باتت تضيق أكثر فأكثر بالشعب البسيط فلا يجد له في بلاده حتى مرقد عنزة لأنها باتت سلعة غالية الثمن لا يقوى على شرائها، بات عليه لكي ينطلق إلى الأمام في معارج التقدم أن يتحرر من أسارها. فمن دون الأرض مثلا لا يسعك حتى أن تقيم حديقة عامة أو ملعبا للأطفال أو للرياضة ناهيك بالحاجات الأساسية الأخرى للناس. ومن دون المال لا يمكنك أن تبني اقتصادا يخدم الفئات المسحوقة ويمنحها الحق في الحياة الكريمة.
الطغمة الحاكمة باتت عاجزة حتى عن الحكم من دون إرادة خارجية غريبة أو قريبة تحركها كما تحرَّك الدمى. عاجزة عن أن تنظف البلاد من القمامة التي باتت تشكل بيئة عيشنا في كل زاوية وعلى جانبي كل طريق وفي كل برية قريبة أو بعيدة. عاجزة عن أن تؤمن لنا بحرا نظيفاً نقتات من خيراته أو نلجأ إليه صيفاً لنكسب بعض الصحة والاستجمام وهو يحدنا على طول حدودنا غربا. عاجزة عن أن تؤمن عملا للشباب الطالع الطامح يعفيه من السفر إلى خارج بلاده بحثا عن أسباب العيش الكريم. عاجزة عن أن تستغل ثروتنا التاريخية الهائلة فنكون أقلّه بلدا سياحيا (في لبنان مثلا) يجد له مكانا في تقسيم العمل الدولي الحديث بعد أن باتت بلدان وشعوب عن بكرة أبيها عاطلة عن العمل متسولة لا تعرف كيف تكسب قوتها في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي الحاصل في مقابل تخلفنا ومع إنتاج الصين وبضع مناطق أخرى من العالم ما يكفي العالم كله ويزيد في ظل القدرة الشرائية المحدودة للشعوب خارج المليار الذهبي. عاجزة عن أن تنفض غبار الماضي عن اقتصادنا ونمط عيشنا فنلحق بالركب الحضاري العالمي ونسهم في مسيرته.
إذن عندما تتحدث برجوازيتنا الحاكمة بحماس وحميّة عن عيد الاستقلال فهي تنافق وتوارب وتحاول أن تبعث في نفوسنا ما تبقى من روح وطنية تريدها فينا خدمة لمصالحها التي تجهد لتصويرها وكأنها مصالح الوطن. وهنا يصح فيها ما قيل من أن الوطنية هي آخر ملاذ للأوغاد. فما دام الوطن ليس وطن شعبه يعيش فيه بكرامة وإباء ورفاه، فهو وطن مستملك ومصادر من قبل البرجوازيين ونحن فيه مستأجرون ندفع أغلى الأثمان لنعيش على أرضه ولننعم بأقل ما يمكن من خيراته.
تهانينا بعيد الاستقلال الآتي بعقولنا وسواعدنا وهممنا. وكل عام وأنتم بخير!!!!



تعليقات الفيسبوك