وحدة الهجمة ووحدة المواجهة

حنا غريب
الحوار المتمدن - العدد: 5604 - 2017 / 8 / 9 - 11:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


تعاني شعوبنا العربية من ضغوط المشاكل والقضايا المصيرية عينها بفعل وجودها ضمن شبكة العلاقات الرأسمالية التبعية. وكلما كانت هذه الشعوب تتصدى بنضالها الدؤوب لهذه التبعية لتفتح آفاقا لها للتحرر القومي والوطني والاجتماعي عبر مختلف المعارك والخطوات التحررية المتنوعة التي قامت بها خلال القرن المنصرم، كانت الإمبريالية العالمية تواجهها بسلسلة من الحروب والضغوط والتدخلات المختلفة بما في ذلك الإحتلال العسكري المباشر لمنعها من التفلت من علاقات التبعية. تشهد على ذلك الثورة المضادة التي قامت بها الإمبريالية مؤخراً ضد انتفاضات شعوبنا العربية التي نزلت إلى الشوارع بالملايين تهتف لشعار واحد: الشعب يريد إسقاط النظام.

إن التمعن في مضمون الأحداث الأخيرة التي شهدتها بعض الساحات يكشف مدى التشابك بين الجوانب المترابطة للتحرر القومي والوطني والاجتماعي، من القدس بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، إلى عرسال بمواجهة المجموعات الإرهابية صنيعة الإمبريالية، وصولاً إلى ساحات الحراك الشعبي من أجل المطالب الاجتماعية والاقتصادية، بمواجهة تعليمات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الرامية لتصفية ما تبقى من دولة الرعاية الاجتماعية وخصخصة مؤسسات القطاع العام.

فالهجمة الصهيونية في القدس لتصفية القضية الفلسطينية، تأتي بتغطية عربية رجعية مكشوفة جرت هندستها بوجود دونالد ترامب في السعودية. ولم يصل الإرهاب إلى لبنان بدون رعاته الدوليين وأنظمته الرجعية العربية الحاضنة له، الذين استفادوا من نظامنا الطائفي المذهبي ومن سياسات السلطة في إبقاء شعبنا أسير العصبيات الطائفية والمذهبية وأسير التخلف الاجتماعي والجهل والإفقار وحال العوز. والضغط على لبنان في الجانب الإقتصادي ومن خلال قانون العقوبات المالية كلها إجراءات وأحداث وإن بدت حوادث متفرقة لا يجمعها جامع فمصدرها واحد وهي خاضعة لمنطق واحد، منطق الإمساك بخناق الجماهير الشعبية ومنعها من التوحد كقوة سياسية فعلية وشل قدرتها على الحركة لإبقاء المبادرة بيد البرجوازية التابعة وحلفائها وخلق أدوات فعالة لها لإرباك وفصل حقول الصراع القومي والوطني والاجتماعي بعضها عن بعض، والضغط على الجماهير بلقمة عيشها لإضعافها حتى لا تكون على مستوى المواجهة، بما يؤمن تجديد علاقات التبعية وتأبيدها.

ولا فهم لهذه الأحداث مهما صغرت أو كبرت، قصرت أو طالت، خارج تفسيرها وربطها بالسيطرة الإمبريالية عبر شبكة علاقات التبعية وما أقيم على أساسها من أنظمة سياسية تقوم بتأمين تجديد علاقات التبعية والخضوع للإمبريالية.

القدس:

إن ما جرى ويجري اليوم في فلسطين، وبالتحديد في القدس المحتلة، يؤكد بما لا شكّ فيه الطبيعة العدوانية والعنصرية للإحتلال الصهيوني، الذي يتغذى من ثالوث بائس، يخدم أهدافه بشكل مباشر أو غير مباشر، عماده التآمر الرجعي العربي وضعف اليسار العربي والإنقسام في الساحة الفلسطينية. إضافة لذلك يترجم العدوان الصهيوني على القدس آلية التوسع المعتمدة من قبله مذكراً المحيط العربي بأن المشروع الصهيوني لم ولن يتوقف عند الحدود التي بلغها.

وفي الأساس لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن الكيان الصهيوني ليس كيانا إغتصب أرض فلسطين وهجر شعبها فحسب، بل هو أيضاً كيان – وظيفة كونه قلعة إمبريالية متقدمة تدخل في مهماته حماية هذه الأنظمة التابعة والتي، وفق منطق المصالح المتبادلة، تقوم بتأمين متطلبات تطبيع وضعه ضاربة عرض الحائط مصالح الشعب الفلسطيني والشعوب العربية جمعاء. ولذلك فقد استفاد العدو الصهيوني من نتائج قمة الرياض الأخيرة بعد إعلان سياسة التطبيع والتحالف معه، فاندفع في هجمته متخذاً إجراءات امنية مفتعلة في القدس وهي ليست سوى استكمال لسياساته الاستيطانية المنهجية المتمسكة بمصادرة الأرض والتاريخ بهدف شطب الهوية العربية ونزعها عن القدس وسكانها.

ومع أن إدانة الصهاينة وجرائمهم أمر واجب وضروري؛ فإن الإدانات لم تعد كافية بل ينبغي أن تقترن بالعمل على تعطيل وظيفة هذا الكيان وشل قدراته على تحقيق مآربه في البلدان العربية، بفتح الصراع على مصراعيه ضد أنظمته العربية الحليفة له أيضاً، من خلال تعزيز دور اليسار العربي أساساً ومن خلال تجميع القوى الوطنية والديمقراطية والعلمانية والمدنية في حركة مقاومة عربية شاملة، على الصعيد القومي العام وفي كل بلد من البلدان العربية. ونرى في الهبّة الشعبية التي قام بها المقدسيون، ومن ورائهم الشعب الفلسطيني، متجاوزين حالة الإنقسام الفلسطيني - الفلسطيني بين الفصائل، وفي تحرك الأسرى في معركة الأمعاء الخاوية، وفي العمليات البطولية التي يبادر إليها الشباب الفلسطيني، وفي دور اليسار الفلسطيني في المقاومة الذي يبرز أكثر فأكثر، خريطة طريق لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، التي تبنى اليوم على الأرض على أساس خيار المقاومة وتصعيدها ضد الإحتلال الإسرائيلي..

عرسال:

ان التصدي للإرهاب ومقاومته هو فعل وطني ديمقراطي يحصن الوطن ويقطع الطريق على أعدائه في تمرير مشاريعهم. لكننا ندرك في الوقت عينه أن المحصلة النهائية لهذه المواجهة، أي ماذا سيجني منها شعبنا مقابل تضحياته التي يقدمها، إنما تتعلق بالإتساق بين التصدي لهذه الظاهرة الإرهابية ومحاربتها، وبين وعي لها، وعياً وطنياً ديمقراطياً ثورياً، لأن هذ الإتساق بأبعاده المرتبطة بتحرير الأرض وتحرير الإنسان الذي حرر هذه الأرض سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، هو الذي يحمي المنجزات ويؤمن الوحدة الوطنية.

ومن هنا نرى إن تحرير جرود عرسال من الإرهاب على أيدي المقاومة الإسلامية والجيش اللبناني في ظل احتضان ودعم وطني وشعبي، هو إنجاز وطني كبير يطرح مجدداً أمام اللبنانيين أولوية التصدّي المشترك للمخاطر الخارجية المتأتية من المشروع الأميركي - الإسرائيلي وأدواته من أنظمة وقوى سياسية ومجموعات إرهابية. وفي هذا الإطار ونحن نحيي كل الذين شاركوا في تحقيقه وفي مقدمتهم الشهداء الذين سقطوا في معركة تحرير جرود عرسال وكذلك الجرحى، فإننا ندعو إلى ضرورة استكمال تحرير باقي الجرود وضرب أي قاعدة أمنية ثابتة للإرهاب وتجفيف منابعه، مشددين أيضاً على ضرورة استمرار التصدي للخطر الداخلي النابع من النظام الطائفي – المذهبي ومن الخطاب المذهبي لبعض القوى السياسية اللبنانية الساعية لضرب البعد الوطني لهذه المعركة لتحسين موقعها في المعادلة الداخلية. وفي الإطار ذاته، دعونا وندعو كل الشيوعيين والوطنيين للتصدي لأي عمل إرهابي بكل الوسائل المتاحة والضرورية دفاعاً عن أهلهم وقراهم والعمل بشكل مشترك من أجل مواجهة هذه المخاطر الداهمة وفق برنامج واضح ورؤية وطنية موحدّة.



السلسلة والضرائب والهجمة على التقديمات الاجتماعية:

وفي هذا المناخ المليء بالمخاطر التي يغذّيها العدو الصهيوني والمنظمات الإرهابية على حدّ سواء، والتي تتطلب تعبئة جميع اللبنانيين كي يكونوا جاهزين للمواجهة، جاءت الإجراءات الإقتصادية- الإجتماعية المعتمدة من قبل الحكومة اللبنانية مصحوبة بالكثير من الفجوات والإشكالات وعلامات الاستفهام.

وهنا يقتضي التذكير بأن تجميد الرواتب والأجور في لبنان منذ عشرين عاماً، قد جاء كأحدى مقررات باريس 3 تنفيذاً لسياسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهو ليس إلاً شكلاً من أشكال الهجمة لإضعاف مناعة شعبنا ومقاومته.

صحيح أن سلسلة الرتب والرواتب قد أقرّت بشكل مبدئي، ولكن هذا الإقرار لم يكن هبة ممنوحة من الفئات الحاكمة بقدر ما كان الثمرة الطبيعية للنضال الدؤوب الذي خاضته الحركة الشعبية وهيئة التنسيق النقابية على إمتداد فترة تزيد عن خمس سنوات. وصحيح أيضاً أن مصادر تمويل السلسلة قد إنطوت على خروقات نسبية مهمّة في بعض جوانب السياسة الضريبية، كإستحداث زيادة ضريبية على الريوع المصرفية والعقارية. ولكن مع ذلك، فإن الصيغة التي أقرّت بها السلسلة تضمنّت تمييزاً فاقعاً بين القطاعات بإعطاء زيادات متفاوتة بين قطاع وآخر، ومحاولة مكشوفة لشقّ الحركة النقابية وعلى تقليص بل حتى إلغاء ما تبقى من دولة الرعاية الاجتماعية.

كذلك فإن الشبهات لا تزال تحيط بصيغ مقترحة لتمويل السلسلة، ما يهدد بإعادتها إلى المربع الأول، وهو ما يجب التحرك لمواجهته نقابياً وشعبياً، حيث تستمر الجهود المشبوهة قائمة على قدم وساق لعدم إخضاع رأس المال المصرفي والعقاري (بما فيها الأملاك البحرية) للضرائب الإستثنائية التي كان لحظها مشروع تمويل السلسلة، في مقابل التوسع المتزايد في إقرار شتى أنواع الضرائب والرسوم غير المباشرة التي تطال الفقراء وأصحاب الدخل المحدود والتي من شأنها أن تفاقم أوجه عدم العدالة والمساواة بين المواطنين. والعبرة الأساسية بالنسبة إلى الحركة الشعبية تكمن في منع قيام - الرأس المال الكبير - بردود فعل إنتقامية عبر اللجوء إلى رفع أسعار الإستهلاك ورفع الأقساط والتلاعب بتكاليف المعيشة.



تعليقات الفيسبوك