في التفاعل مع احتجاجات الريف ج 2


يامنة كريمي
الحوار المتمدن - العدد: 5554 - 2017 / 6 / 17 - 21:15
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية     


2-الحراك... وتهمة الأعلام أو الرايات.
وجهت السلطات المغربية للمحتجين والمحتجات في كل من الحسيمة والناظور وإمزورن وسلوان... اتهامات ثقيلة كتهمة الانفصال والعمالة للخارج وتهديد أمن واستقرار البلد... لعدة أسباب، تبعا لها، منها رفع العلم الأمازيغي وعلم محمد بن عبد الكريم الخطابي، وعدم رفع العلم الوطني. الأمر الذي دفع بعض المتتبعين للشأن المغربي إلى إعادة النظر في النازلة ومحاولة فهمها من خلال التدقيق في معنى لفظة علم. ثم محاولة البحث في السياق الذي جاءت فيه تلك التهمة الموجهة لنشطاء الحراك. وكانت البداية بتحديد معنى العلم.
العلم: يعني الراية والتي شكليا معروفة لدى الجميع، لكن ما يغيب عن البعض هي دلالة العبارة. فالراية تعني علامة منصوبة للرؤية لغرض تواصلي كالإعلان عن الهوية والتعريف بالشخص. ومنذ زمن بعيد استعملت الراية في الحروب من أجل التمييز بين الحليف والعدو. ثم توسع استعمالها ليشمل المجال البحري والحقل الثقافي والرياضي وغيرها، وكان آخر تلك الأغراض استخدام الراية كعلامة وشارة للتمييز بين البلدان في أبعادها الجغرافية والسياسية.
وعليه فالعلمين اللذين رفعا في احتجاجات منطقة الريف، الأول، بألوان قوس قزح يتوسطه حرف "زا" المكتوب بتيفيناغ، هو شارة الثقافية الأمازيغية عالميا. وقد وضعت تلك الراية في التسعينيات من القرن الماضي من طرف أكاديميين وحقوقيين من كل المعمور. ودلك العلم معترف به وحاضر باستمرار في كل التظاهرات الثقافية.
أما راية محمد بن عبد الكريم الخطابي فهي الراية التي كان يحملها الجيش الريفي خلال حروب المقاومة والتي كانت تميزه عن الجيوش الأخرى. ونظرا للانتصارات التي حققتها المقاومة في الريف في البداية، ثم الاستماتة والصمود الذي أبداه محمد بن عبد الكريم وأهل الريف جميعا في المرحلة الثانية، رغم تحالف إسبانيا مع أطراف أخرى ورميهم لأهل الريف، مدنيين وعسكريين، بغاز "الصفر" مما أرغم محمد بن عبد الكريم على الاستسلام فداء لأرواح أهل المنطقة. وهذه نبذة عن سياق الأحداث التي جعلت من محمد بن عبد الكريم الخطابي ورايته، مفخرة تاريخية للمغرب والمغاربة. تلك المفخرة التي طالها الإهمال من الجهات المسؤولة عن الإرث الثقافي والتاريخي للمغرب إلى درجة أن العلم البطولي تحول إلى تهمة وجريمة يؤاخذ بها كل من أراد الحفاظ على الذاكرة والتاريخ.
واستنادا إلى ما تم توضيحه، فإن رفع المحتجات والمحتجين بالحسيمة/ الريف للعلم الأمازيغي أو راية عبد الكريم الخطابي، ليس انفصالا ولا خيانة وإنما الغرض هو رغبتهم في الإعلان عن خصوصية هويتهم الأمازيغية وتاريخ المنطقة المشرف الذي يشكل محمد بن عبد الكريم الخطابي ورايته أحد رموزها ودلك من باب الاعتزاز بتلك الهوية ودلك التاريخ واحتجاجا على كل محاولات تدنيس وإقبار ذلك الإرث المجيد. لأن معظم الحكومات التي توالت على المغرب منذ الاستقلال كان لها موقف واحد من الريف هو التهميش والتفقير، ومن "ريافة" التخوين وعدم الثقة، بدعوى أن محمد بن عبد الكريم سعى للانفصال. وهو ادعاء باطل وجائر لأن الحرب التي قادها الخطابي كانت ضد الحماية وليس ضد السلطان ولدلك حتى وإن سلمنا بدعوى الانفصال، فهو انفصال أو ثورة على سلطة الحماية لأنها هي التي كانت تحكم المغرب وقتها. وبالتالي فحرب أهل الريف ودفاعهم عن منطقتهم، تحت أي صفة كانت، هو مقاومة وليس انفصالا. أما الجهة التي عملت على تكريس هذه الأحكام في حق أهل الريف، فدوافعها في تلفيق التهم لمحمد بن عبد الكريم ولأهل الريف، كما تشهد على دلك كتب التاريخ، هو رغبتها أولا في إزاحتهم من الصورة لما اكتسبوه من تقدير واحترام مقابل ما قدموه للبلد من تضحيات يشهد بها العالم الأمر الذي كان يزعج تلك الجهة السياسية. وثانيا ضمان الجلوس قرب كرسي العرش بعد أن فشلت محاولتها في الجلوس عليه.
وبعودتنا إلى مسألة رفع علم محمد بن عبد الكريم والعلم الأمازيغي، يقول أهل الموقف، لا يحق لأي كان أن يجعل منهما موضوع اتهام، ويستغلهما كذريعة لتركيع المطالبين بحقوقهم وتكميم أفواههم. العلمان إرث تاريخي وثقافي مشرف ويستحق كل الحماية والتكريم...ونشطاء الحراك بالريف أبرياء من التهم الملفقة لهم لأن ملفهم المطلبي وفي كل المناطق خال من أي دعوة مشبوهة.
أما فيما يخص الشطر الثاني من "تهمة العلم" وهي عدم رفع العلم المغربي. وهي نقطة تم التركيز عليها خلال التحقيق مع المعتقلين والمعتقلات بدليل أن سؤال: "لماذا لم ترفعوا العلم المغربي؟" كان حاضرا وبوزن ثقيل.
والجواب كان مفاده، وكما جاء عند معظم المعتقلين والمعتقلات، هو أن القاعدة في الاحتجاجات، تتمثل في رقع المحتجات والمحتجين لشعارات وعلامات أو أعلام القضايا التي يطالبون بها وينددون بما طالها من ظلم وفساد. وبالتالي فرفع رمز الثقافة الأمازيغية وراية الخطابي هو بسبب الحيف والإقصاء الذي ألحق بهما منذ الاستقلال والمطالبة بإعادة الاعتبار لهما.
وبناء عليه فإن رفع العلم المغربي لا يوافق سياق الاحتجاج لأنه لا يشكل موضوع شكوى. ناهيك عن أن الحراك يدور داخل التراب الوطني والخطاب موجه لمسؤولين مغاربة الأمر الذي لا يتطلب رفع شارة التعريف بالهوية، إلا إذا أثبتت لنا الجهات التي صدرت عنها "تهمة العلم" في حق نشطاء الحراك، أن هناك قانون يجبر الشخص في المغرب أن يشهر بطاقة هويته عندما يكون داخل بيته وبين أهله.
ويصر أصحاب الرأي على عدم ترك "تهمة العلم" تمر دون الإشارة إلى أمر يتطلب إعادة النظر فيه من طرق الجهات المسؤولة. وهو شيوع ظاهرة رفع العلم المغربي في كل الأماكن وفي كل المقامات وإجبار البعض على رفعه مثل ما يحدث خلال الأنشطة الثقافية والفنية مما يشكل حالة شاذة، تسيء للمغرب والمغاربة وذلك كما يلي:
- إن مقام وسياق رفع علم المغرب هو الأعياد والمناسبات الوطنية والمؤسسات العمومية وشبه العمومية وما دون ذلك يشكل حالة شرود أو تطرف.
-إرغام الفنانين والفنانات سواء المغاربة أو غيرهم على حمل العلم المغربي في سهرات الغناء والرقص هو من جهة تجني على الراية المغربية، ومن جهة أخرى، تضييق على الغير ومس بالحريات الشخصية.
-إرغام السلطات المغربية الطبقات الشعبية على رفع العلم المغربي في كل حركاتهم وسكناتهم له دلالتين على الأقل خادشة لكرامة فئات الشعبية،
* الدلالة الأولى، هي وجود نوعين أو مستويين من المواطنين: المواطنون "الماركة أو العلامة" كمستوى أعلى وتشكله السلطات المغربية، والمواطنون "سواقية" وهو المستوى الأدنى وهي الطبقات الشعبية. مع العلم أن لا أحد يمتلك الحق والمشروعية للخوض في الموضوع.
* الدلالة الثانية هو أن المواطنين- الماركة لهم حق فرض الرقابة والوصاية على عقيدة الانتماء لدى المواطنين- سواقية. (التفاصيل موضوع المقال القادم).
وعلى أساس ما تم توضيحه فإن عدم رفع العلم المغربي في حراك الريف لا يشكل تهمة ضد المحتجين والمحتجات لأنهم في هذا الجانب كانوا عمليين وتصرفاتهم مضبوطة وواضحة وخالية من أي خلط بين الأمور. فقد رفعوا رموز وشعارات الحاجيات الضرورية للعيش الكريم التي حرموا منها، كالشغل والتعليم والصحة والحقوق التاريخية والثقافية والحريات... وهذا لا يخالف القانون ولا القيم الإنسانية. والاحتجاجات داخل البلد ليست مجالا مناسبا لرفع العلم الوطني.
وبالتالي، إن كان هناك خطأ في احتجاجات الريف فلن يكون إلا صمم الحكومة وعدم قدرتها الانصات لمطالب نشطاء حراك الريف. وعجزها عن التقدير الجيد للوضع، والتفاعل معه بشكل إيجابي من خلال الإقرار أولا، ببداهة المطالب ومشروعيتها ثم الشروع في تحقيقها عوض الخوف من الاستفزاز والسعي لتلفيق وتوزيع التهم في كل الواجهات إلى أن انقلب السحر على الساحر.
يتبع