صهر التيار الاشتراكي في بوتقة التيار-المدني-الديمقراطي-، ملاحظات انتقادية بصدد مشروع -تحالف يساري- للرفيق رزكارعقراوي الجزء الثاني والأخير


مؤيد احمد
الحوار المتمدن - العدد: 5533 - 2017 / 5 / 28 - 23:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

صهر التيار الاشتراكي في بوتقة التيار"المدني-الديمقراطي"،
ملاحظات انتقادية بصدد مشروع "تحالف يساري" للرفيق رزكارعقراوي

الجزء الثاني والأخير
مؤيد احمد
منهج الرفيق رزكار عقراوي في رؤيته
"لليسار" ومهامه
اولا: لا يعتبر الرفيق رزكار التنوع الموجود في اليسار الحالي كتمايز سياسي نوعي فيما بين قوى اليسار. انه يصور لنا "اليسار" كشئ جامد، ظاهرة واحدة ومنتمي لتيار سياسي وفكري واجتماعي واحد، بدون ان يكون له تاريخ، بدون ان يكون له اصل اجتماعي طبقي متضاد. وبالتالي يضع الرفيق رزكار جميع قوى الاشتراكية و"اليسار" في سلة واحدة ويبررذلك بعدم وجود تمايز واختلاف جدير بالذكر فيما بينها.
ان هذا المنهج لا يرى التنوع في "اليسار" كانعكاس لمعضلات وقضايا اجتماعية وسياسية، وكامتداد، باشكال مختلفة، للصراع الطبقي وصراع التيارات الاجتماعية الدائر في المجتمع. وبالاضافة الى ذلك، لا يأخذ هذا المنهج ذلك بنظر الاعتبار بان النضال النظري، اتخاذ المواقف والتكتيكات السياسية وممارسة اساليب عمل متمايزة، من قبل مختلف قوى اليسار، لعب، وفي المراحل المختلفة من تاريخ اليسار، دورا مهما في خلق التمايز والاستقطاب داخل اليسار والحركة الاشتراكية والشيوعية في العراق والمنطقة.
فاذا نظرنا الى واقع "اليسار" اليوم في العراق والمنطقة، نرى في الحقيقة ان منظمات واحزاب "اليسار"، بالمعنى الذي يطرحه الرفيق رزكار، ليست منتمية الى تيار وتقليد سياسي واحد، وليست من حركة اجتماعية وسياسية واحدة. ان التيارات السياسية والحركات الاجتماعية البرجوازية مثل التيار القومي والاسلامي والفاشي العربي (التيار البعثي)، وبدرجة اقل التيار البرجوازي الاصلاحي والبرجوزاي الليبرالي، رسمت، بشكل رئيسي، الملامح السياسية والفكرية للمجتمعات في العراق المنطقة وسادت آفاقها السياسية والفكرية والاجتماعية داخل قطاعات واسعة من الجماهير فيهما. وبهذا المعنى، ان "اليسار" الذي يمزجه الرفيق رزكار في سلة واحدة، في الحقيقة، ليس واحدا من حيث كونه منفلتا من فلك نفوذ هذه التيارات والحركات البرجوازية السائدة او لا يزال يدور في ذلك الفلك.
لو أمعىنا النظر في مواقف وسياسات واسلوب عمل "اليسار" نرى بانها تتموضع، في المطاف الاخير، على احد قطبي ذلك الصراع الطبقي والصراع الاجتماعي والسياسي والفكري، وخاصة في منعطفاته الحاسمة. فاي تمايز يحصل في صفوف "اليسار" لا يمكن ارجاعه الى نقطة ما قبل تمايزه بالرغم من اية مساعي حميدة.
ثانيا : ان كون دور الشيوعيين والاشتراكيين الثوريين، ضعيف حاليا، في الحياة السياسية في البلاد، لا يجعل الكل، كما يعتقد الرفيق رزكار، متساوون من حيث الافق السياسي والفكري والاجتماعي، ولا متساوون من حيث "القيم الاساسية لليسار". ان ما يعيق تطورالتيار الشيوعي والاشتراكي الثوري وتحويله الى قوة سياسية مؤثرة في المجتمع هو كذلك، وفي التحليل الاخير، مسألة سياسية، امر سياسي وفكري، مسالة تاريخ خاص بكل حزب وكل منظمة بما فيه درجة تطور صراعاته الداخلية لتحقيق هذا التحول. ان الرد الواقعي على معضلات تطور اليسار هو، قبل كل شئ، توجيه النقد لواقع اليسارمن موقع الصراع الطبقي البروليتاري واهدافه التحررية الاشتراكية.
إن وضع الكل في سلة واحدة، لا ينجم عنه شيئا سوى مسخ هذه الحدود الطبقية والسياسية والفكرية، وبالتالي احاطة التيار الاشتراكي الثوري بجمع هائل من قوى "اليسار" بدون "النظرية"والافق و"النقد" و"المواقف السياسية"المتمايزة وصهره في التيار"المدني الديمقراطي" وقوالب اليسار البرجوازي واليسار الهامشي وغيرهما.
ثالثا: على ضوء ما تم ذكره اعلاه، ان الرفيق رزكار لا يركز على نقطة مهمة وجوهرية، وهي ان ضعف الاستعداد الذاتي للتيار الاشتراكي الثوري، للتيار الشيوعي، اي لليسار المعاصر لا يكمن في ايلاء او عدم ايلاء الاهتمام بتحقيق الاصلاحات ولا في عدم الاستجابة للم قوى اوساط "اليسار". ان ضعف هذا التيار يكمن اساسا في نقص مبادراته لتلبية مهام قيادة وتنظيم نضالات البروليتاريا المعاصرة ضد راس المال والرأسمالية وانظمته السياسية الغارقة في الرجعية وايديولوجيته الاستعبادية، سواء في فترة الركود السياسي او النهوض الثوري.
ان تجربة "اليسار" عموما تجاه الاحداث التي شهدتها المنطقة، خلال اكثر من 6 سنوات الماضية، في فترة النهوض الثوري في مصروتونس، وبعدها في فترة تراجع الثورة، اثر ضربات الثورة المضادة البرجوازية والامبريالية المستمرة، علمتنا دروسا مؤلمة. ان ضعف دور التيار الاشتراكي الثوري والتيار الشيوعي في المنطقة لقيادة وتنظيم جماهير العمال والمحرومين والمهمشين اثناء النهوض الثوري كان جليا امام الجميع. بالرغم من اني لست هنا بصدد تقييم تجربة اليسار تجاه الاحداث الثورية في المنطقة، اود التأكيد، وعلى العكس مما يطرحه الرفيق رزكار، على ان الانجرار وراء المشاريع البرجوازية الاصلاحية ولعبتها البرلمانية المملة في عهد الهبات الثورية لا يشكل نموذجا جيدا كي تحتذى به البروليتاريا والاشتراكيين الثوريين في منطقتنا
باختصار، ان هذا التصور وهذا المنهج، المشار اليه اعلاه، لرؤية اليسار متأثر بالمنهج الميكانيكي لليسار البرجوازي. ان التطبيق العملي لهذا المنهج يؤدي، بطبيعة الحال، الى الدعوة للم قوى "اليسار" في "تحالف يساري"، تحقيق مشروع "الدولة المدنية"، الابتعاد عن اثارة "الخلافات" والتركيز فقط على "المشتركات" ...والخ.
ان التحالف داخل الحركة الاشتراكية والشيوعية واليسار امرممكن ولكن كنتيجة لخوض صراع فكري وسياسي ماركسي حاد وعميق بوجه تيار اليسار البرجوازي التقليدي واليسار الراديكالي الهامشي وغيرهما. هذا، بالاضافة الى فضح عداء القوميين والاسلاميين- القوميين ذوي الصبغة "اليسار"ية للقيم الانسانية والتحررية والاشتراكية. وهذا يناقض فكرة تقليل اهمية "الاختلافات" والتركيز على تشكيل التحالفات الصورية فيما بين قوى "اليسار".
غير ان كل ذلك، وكما اشرت اليه في الجزء الاول من هذا المقال، لا ينفي القيام بالعمل المشترك في مجالات وميادين معينة كقسم من تلك التي يذكرها الرفيق رزكار في مشروعه. سادرج تلك المجالات في اخير المقال.
مأزق "اليسار" الحالي في العراق والمنطقة
ان اليسار الحالي الذي يدعو الرفيق رزكار الى لمه في "تحالف يساري" يتألف في الواقع من عدة يسار!. فالقضية الجوهرية، من وجهة نظر التيار الاشتراكي الثوري، هي ان عرش هذا "اليسار" بمجمله، من المروجين للقبول بالامر الواقع وحاملي راية المساومة باي ثمن مع البرجوازية الاسلامية والقومية والليبرالية..الخ، من نمط الحزب الشيوعي العراقي والآخرين، الى الماويين والجيفاريين و"اليسار" القومي الذي لا يربطه رابط بالشيوعية والماركسية، وصولا الى اليسار الراديكالي الهامشي بمختلف اشكالهم، بما فيها بقايا تقاليد هذا اليسار الهامشي داخل حزبنا وحركتنا، بات يهتز، ولم يعد لهم مسند راسخ يحافظون به على توازنهم.
ان عرش كل هذا "اليسار" اصبح مهتزا ليس بسبب الازمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتفاقمة والحروب والمآسي والدمار التي لا تزال تعاني منها الجماهير في العراق والمنطقة، ولا بسبب التطورات والتغييرات الكبيرة التي شهدها ولا يزال يشهدها العالم فحسب، اذ ان كل هذه تشكل الظروف المحاطة بـ "اليسار". ان عرشه بات يهتز اساسا بسبب عجزه عن لعب دور مؤثر في تقوية نضالات الطبقة العاملة والجماهير الكادحة وفي تنظيم مقاومتها ضد هذه الظروف نفسها. وكذلك، بسبب انقطاعه عن، وافتقاره الى رؤية طليعية لقيادة نضال الملايين من شرائح العمال والمضطهدين والكادحين المسحوقين، نضال المفقرين والمهمشين والمعطلين عن العمل ونضال النساء والشبيبة وشتى الفئات المحرومة.في العراق وسائر انحاء المنطقة. والاهم من ذلك، بسبب عجز هذا "اليسار" عن لعب اي دور يذكر لبناء التنظيم الاشتراكي والثوري بين صفوف الطبقة العاملة وفئاتها الكادحة الواسعة. يضاف الى كل ذلك، فشل هذا اليسار في بعض بلدان المنطقة في قيادة نضال العمال والكادحين الثوري، في الظروف الثورية كتلك التي انبثقت في مصر وتونس سنة 2011.
ان اسلوب العمل السياسي والتنظيمي وآليات عمل هذا "اليسار"، بما فيه اليسار الراديكالي الهامشي، هو اسلوب سياسي وآليات عمل خاص بالمحيط البرجوازي الفوقي المنعزل عن العمال والكادحين، خاص بدائرة الحياة السياسية للبرجوازية والبرجوازية المتوسطة والصغيرة التي تخيم بظلالها على المجتمع . ان "اليسار" يعمل ضمن هذا الاطار السياسي البرجوازي ويطبق تقاليده السياسية واساليب عمله المتنوعة، من العمل "البرلماني" الشكلي والاصلاحات الجزئية الى العمل من نوع "جماعات ضغط"، من استعمال اساليب العمل المتخلفة للاحزاب البرجوازية القومية، الى الاعمال الصورية السياسية والاعلامية وخوض الحملات الدعائية وصولا الى عقد التحالفات السياسية الشكلية مع الاحزاب والمنظمات. ان هذه الاساليب والآليات تجعلهم يستمرون في المشهد السياسي كطرف ضمن هذه الاجواء البرجوازية بعيدا عما تواجهه الطبقة العاملة والمحرومين من المعضلات والتحديات.
ان العمال والكادحين والفئات المهمشة والمظلومة ومنظماتهم ومقاومتهم اليومية لتحسين ظروف عملهم ومعيشتهم ونضالاتهم السياسية، ظاهرة اخرى تجري بشكل موازي لكل هذا الصرح السياسي الفوقي الهائل للبرجوازية والبرجوازية الصغيرة. ان التيار الاشتراكي واليسار المعاصر يتخندق، بطبيعة الحال، في قلب الصراع الطبقي .فمن هذا الموقع ينطلق لمواجهة البرجوازية وتياراتها السياسية والفكرية ويتصدى لنفوذ افكارها وسياساتها داخل جماهير العمال والكادحين وعلى صعيد المجتمع و"اليسار".
ان صعود التيار الاشتراكي في المجتمع، في العراق والمنطقة وقلب ميزان القوى السياسي والفكري لصالحه داخل الحركة العمالية هو في الحقيقة عملية واحدة لا ينفصم الواحد عن الاخر، انما يقوى الواحد الاخر. ان البرجوازية واحزابها تستخدم العمال والكادحين والجماهير الشغيلة كوقود لعملها السياسي وصراعاتها، فعلى نفس المنوال، وان باشكال اخرى، يتصرف اليسار البرجوازي وحتى اليسار الراديكالي، تجاه العمال والكادحين والحركة العمالية وتياره السياسي الشيوعي.
إن الرد على معضلات التيار الشيوعي والاشتراكي، معضلات اليسار المعاصر هي مهمة عاجلة امام الشيوعيين، امام الاشتركيين الثوريين وكل من يعرف نفسه كيسار معاصر ويدق قلبه لقضية تحررالانسان ومساواته. ولكن علينا ان نميز بدقة بين هذه المهمام الملحة والعاجلة وضرورة انجازها واجراء النقاش بصددها وبين الانجرار وراء مشاريع اليسار البرجوازي الذي لن ينجم عنه شيئا سوى التخلي عن تحقيق تلك المهام والخضوع لطوق مسيرة التيار الاشتراكي الثوري باجندة قوى هذا اليسار البرجوازي التقليدي او اليسار الراديكالي الفوقي المنعزل والهامشي.
اليسار البرجوازي
ان تاريخ تيار اليسار البرجوازي، تاريخ ملئ بايقاع الهزائم بالطبقة العاملة ونضالها التحرري وإلقاء الضربات بتيارها الشيوعي الثوري. تخندق هذا التيار السياسي والفكري، على صعيد العالم العربي والشرق الاوسط، في خندق البرجوازية خلال غالبية المعارك الحاسمة والثورية التي خاضتها العمال والكادحين والمحرومين بوجه راس المال وممثليه السياسيين وانظمته.
انه تخندق في مصر، بذرائع النضال ضد الاسلام الاخواني، في خندق الثورة المضادة البرجوزاية للجنرال عبدالفتاح السيسي. وهو يتحالف اليوم في العراق مع الصدريين بذريعة تقوية التيار"المدني الديمقراطي" في المجتمع وانشاء "الدولة المدنية"، وفي السبعينيات من القرن الماضي دخل في التحالف مع البعثيين الفاشيين مبررا ذلك بحماية البرجوازية "التقدمية" بوجه الامبرياليين. وفي ايران، شارك حزب توده وجناح الاكثرية من الفدائيين في تثبيت الحكم الدموي للخميني والاجهازعلى الثورة في ايران في 1979.
ان هذا اليسار، الذي يتبنى سياسات البرجوازية، ويتخندق في كل هذه المنعطفات التاريخية في معسكر الرجعيين وجزاري الثورات، مناهض للطبقة العاملة والجماهير الكادحة وسيظل عائقا امام اي تحرك ثوري للطبقات والفئات المحرومة. فلا يمكن لهذا التيار ان يعتبر ضمن الحركة الاشتراكية او حتى اليسار بالمعنى الدقيق للكلمة في عالمنا المعاصر وعلى صعيد المنطقة طالما ظل متمسكا بذلك المنهج واسلوب العمل السياسي. المطلوب هو تخلى هذا "اليسار" عن تلك السياسات والاستراتيجية لا جمع الاشتراكيين واليسار تحت قبته!.
مغزى "الدولة المدنية" و"مجتمع مدني ديمقراطي"
1. واضح، ان القصد من "مجتمع مدني ديمقراطي" و"الدولة المدنية" في مشروع الرفيق رزكار هو نفسه الذي يطرحه الحزب الشيوعي العراقي ويعني ايجاد بناء فوقي سياسي وحقوقي وثقافي "مدني ديمقراطي" على العلاقات الاقتصادية الراسمالية السائدة في العراق وحماية هذه العلاقات عن طريق شكل معين من الدولة البرجوازية، اي الدولة البرجوازية "المدنية".
ان الصاق كلمات من امثال "المدنية" و"حرة" و"انسانية" بالدولة، وحذف طابعها الطبقي، يخفي عن الجماهير المضطهدة جوهر الدولة، فهو تقليد قديم تمارسه التيارات البرجوازية المختلفة لاخفاء كنه الدولة الطبقي ووظيفتها الاجتماعية بمثابة اداة "اضطهاد طبقة ضد طبقة اخرى".
فالدولة والحكومة والنظام السياسي هي مقولات سياسية وبالتالي مرتبطة بالمجتمع والانقسام والصراع الطبقي فيه. انه ليس من اسلوب التيار الاشتراكي ان يخلق الغموض بصدد الدولة، غير ان اليسار الاصلاحي، بالعكس، يعمل وفق هذا الغموض. ان "الدولة المدنية"، المطروحة من قبل الحزب الشيوعي العراقي، توحي بان الدولة ظاهرة ما فوق الطبقات وانه من الممكن ارساء هذه "الدولة" في العراق في وقت تكون سلطة الدولة الواقعية بايدي تيارات الاسلام السياسي والقوميين الميلشياتيين. ان شعار "دولة القانون" لحزب الدعوة الاسلامي في العراق، و"حكومة تكنوقراط" للعبادي رئيس الوزارء الحالي، امثلة حية على كيفية خلق الغموض واخداع الجماهير بصدد كنه "الدولة" و"الحكومة" و"القانون" وجلب انتباه الناس الى ما تريده التيارات البرجوازية الحاكمة.
2. ان شعار ومطلب "الدولة المدنية" هو شعار الحزب الشيوعي العراقي ومنبثق من منهجه السياسي. تم طرحه تجاه الاوضاع السياسية في العراق وبالاخص بالارتباط مع سياسة هذا الحزب لقولبة الاحتجاج الاجتماعي الصاعد في البلاد والحركة الاحتجاجية لصيف 2015 وما بعدها في اطار توجهاته السياسية.
فاولى مميزات هذا الشعار وكما اشرنا اليه اعلاه هو إزالة اي انطباع بوجود علاقة بين "الدولة" وتقسيم المجتمع الى الطبقات والصراع الطبقي فيه، وبذلك خلق الاوهام بصدد البناء الفوقي السياسي والايدولوجي الذي تعيش في اطاره العمال والجماهير المحرومة وبالنتيجة شل طاقاتها الثورية لاسقاط هذا البناء الذي تديم البرجوازية وتياراتها السياسية الاسلامية والقومية من خلاله سيادتها.
والميزة الثانية، هي ان هذا الشعار يخدم اليسار البرجوازي بانزال مستوى المطلب بخصوص شكل الدولة والنظام السياسي في العراق الى المستوى الذي تقبله حلفائه من تيارات الاسلام السياسي. وهكذا، تم استبدال مطلب "فصل الدين والقومية عن الدولة والتربية والتعليم"، الذي هو الشرط الضروري لايجاد اي تغيير جدي في اركان النظام السياسي القائم في العراق، بـ "الدولة المدنية".
3. ان نقيض مفهوم "الدولة المدنية"، حسب التعريف، هو الدولة التي ستكون سلطتها بايدي المدنيين، لا بايدي العسكريين او الميليشيات المسلحة. هذا، في حين ان ما نواجهه في العراق ليس الحكم العسكري بالمعنى الحرفي للكلمة ولا حكم القوى الميليشية المسلحة الصرف، بل حكم القوى والتيارات والاحزاب البرجوازية الاسلامية والقومية التي لها اذرع ميليشياتية مسلحة.
لذا،ان طرح شعار"الدولة المدنية" او الاصح النظام السياسي "المدني" في العراق، من قبل الحزب الشيوعي العراقي ومن يشاركه في ذلك، لم يأت كنقيض لحكم البرجوازيين الاسلاميين- الطائفيين والقوميين، انما كاصلاح ضمن نفس النظام القائم والطلب من نفس هذه القوى الاسلامية والقومية الحاكمة المحاصصاتية والفاسدة القيام بانجازه. وهذا ما نراه في اقدامهم على التحالف مع احدى القوى المؤسسة للنظام السياسي الحالي الذي هو التيار الصدري، ونراه في سياساتهم تجاه الحركة الاحتجاجية ومساعيهم لتأطيرها في اطار مطلب "المدنية" دون المساس بايديولوجية الدولة وقواها الطبقية الاسلامية والقومية واخيرا في شل طاقات الحركة الاحتجاجية بجرها الى اللعبة البرلمانية واشغالها بازدياد مقاعد "التيار المدني الديمقراطي" في البرلمان. ان شعار"الدولة المدنية" اصبح رمزا لهذا التيار السياسي المساوم في الحياة السياسية في العراق وفي الحركة الاحتجاجية وبالتالي له معنى سياسي محدد وهو سياسة المساومة مع الاسلاميين والإتفاق معهم للادامة بالنظام السياسي البرجوازي القائم تحت مبررا ذلك بمطلب "المدنية".
ان عدم رفع شعار ومطلب "علمانية وغير قومية" الدولة من قبل الحزب الشيوعي العراقي نابع من ذلك المنهج والتوجه السياسي الذي اشرنا اليه وليس من باب الاعتبارات العملية مثل "حساسية الجمهور"من كلمة "العلماينة او"غير قومية" والخ. ان الحزب الشيوعي العراقي لا يرى ضرورة طرح شعار "فصل الدين والقومية عن الدولة والتربية التعليم" اذ ان ذلك يعني المطالبة بتغيير اركان النظام السياسي الاسلامي- الطائفي والقومي الحالي وبالتالي المضي ابعد من مجال تحقيق الاصلاحات الجزئية والصورية التي تعقد كل آماله عليها.
4. طالما الحديث يدور حول الدولة، فان الشيوعيين والتيار الاشتراكي الثوري، يناضلون من اجل ارساء دولة بروليتارية اشتراكية او بتعبير اخر جمهورية اشتراكية (حكومة عمالية)، اي الدولة التي تكون سلطتها بايدي المجالس العمالية والجمهور الشغيل لتحقيق التحول الثوري الاشتراكي. ففي مسار النضال من اجل تحقيق هذه الاهداف وتجاه الاوضاع السياسية الحالية في العراق، نحن نطرح مطلب "فصل الدين والقومية عن الدولة والتربية والتلعيم" وسيبقى هذا شعارا ومطلبا محوريا طالما بقى النظام السياسي الحالي قائما. غير اننا وفي الوقت الذي نطرح هذا الشعار نقول بوضوح للطبقة العاملة والجماهير الكادحة بان اي نظام سياسي "علماني وغير قومي" سيبقى نظاما سياسيا برجوازيا طالما لم تكن الطبقة العاملة والجماهير المحرومة ومجالسها وممثليها القوة الحاكمة الرئيسة في البلاد.
ان الدولة البروليتارية الاشتراكية ستكون بدون شك دولة "علمانية وغير قومية". غير ان بامكان البرجوازية ارساء نظام حكم يقوم على اساس "علمانية وغير قومية" الدولة حتى في اوضاع العراق الحالية اذا اقتضت مصالحها ذلك. اننا في الوقت الذي نرفع هذا المطلب في مسيرة نضالنا الحالي ونعمل على تحقيقه لا ننزل بهدفنا من حكومة عمالية، جمهورية اشتراكية، الى "حكومة علمانية وغير قومية". واضح ان الحكومة العمالية ليس في جدول اعمال الحزب الشيوعي فلا نتوقع ذلك منه. غير ان طرحه لـ"الدولة المدنية" جاء لخفض مستوى المطلب "الديمقراطي" العام المتمثل بـ "فصل الدين والقومية عن الدولة والتربية و التعليم" الى المستوى الذي يقبله بعض "الاسلاميين المعتدليين" والصدريين وغيرهم.
الخط الاصلاحي -المساوم والخط الثوري
داخل اليسار المعاصر
1. بالرغم من التطورات الحاصلة على الصعيد العالمي في واقع الحركة العمالية والاشتراكية والشيوعية فان الانقسام بين الخط الثوري والخط الاصلاحي -المساوم والانتهازي داخل هذه الحركة وبالتالي داخل اليسار المعاصر، خاصة في منطقة الشرق الاوسط والعالم العربي، لا يزال يشكل انقساما محوريا واساسيا. ان هذا الانقسام مبعثه ليس"التحليل المشخص للظروف المشخصة" وليس استنتاج مهام "مشخصة" تجاه "اوضاع مشخصة"، ان مبعثه هو الرؤية والمنهج وكامل البرنامج الاجتماعي لهذا الخط او ذاك في الحركة العمالية والاشتراكية وفي حركة "اليسار" عموما.
من المعلوم، اننا لا نعتبر القوميين، و"القوميين -الاسلاميين" ذوي الزي "اليساري" ضمن اليسار اذ انهم ليسوا الا جناح من الاجنحة البرجوازية، جناح "يساري" داخل الحركة القومية و"القومية -الاسلامية" وهم اعداء الطبقة العاملة والتيار الاشتراكي والشيوعي. ان رسم الحدود الفاصلة مع هذا الجناح والتصدي لافكارهم ونفوذ آفاقهم مهمة نضالية حياتية في كل ميادين النضال الفكري والسياسي والاجتماعي للبروليتاريا المعاصرة في المنطقة. ليس بقليل عدد القوميين "اليساريين"! ومنظماتهم في العراق والمنطقة الذين يحملون الافق السياسي البرجوازي القومي ويبيعونه للبروليتاريا كحل لمعضلاتها هذا في حين ان البروليتاريا في هذه المنطقة باتت مخنوقة ومسحوقة اساسا بايدي راس المال المالي العالمي وشريكه راس المال "القومي" وتياراته السياسية الحاكمة.
2. ان جوهر برنامج واستراتيجية اليسار البرجوازي في عهد الركود وعهد النهوض الثوري هو نفسه، تحقيق الاصلاحات الجزئية وسد الطريق امام الثورة. فاشكال الدولة التي يطرحها هذا اليسار في مسار تحقيق هذا البرنامج، "الدولة المدنية" او غيرها لا تغير من جوهر الموضوع. في الواقع ان رسم الخطوط الفاصلة بيننا وبين المنهج الاصلاحي -المساوم، في الاوضاع الحالية او في الظروف الثورية، يشكل قضية ومهمة غاية في الاهمية.
لقد راينا كيف ان الصراع السياسي في مصر واثناء النهوض الثوري تم قولبته في قالب آليات واسلوب عمل الاحزاب البرجوازية وكيف تمت قولبة السياسة والاعتراض السياسي والاجتماعي للملايين من الجماهير في مسار اجراء الانتخابات البرلمانية وانتخاب رئيس الجمهورية وحسب الآليات البرجوازية للحكم. هذا في حين كانت الملايين من الناس في الشوراع والساحات وهي قوة جبارة ثورية ولكنها فشلت في ان تنظم نفسها بشكل سلطة كي تقدم على تحقيق مطالبها باتخاذ اجراءات اشتراكية فورية. بدل ذلك ظلت الجماهير في حالة ترقب فيما كانت الاحزاب والتيارات البرجوازية تعمل ليل نهار لايجاد مخرج من ازمتها العميقة وتسعى لفرض آليات عملها على المسار السياسي في اليلاد.
ميادين العمل المشتركة بين اطراف اليسار
ان مشروع الرفيق رزكار لطرح وحدة اليسار في "تحالف يساري" وبالرغم من ملاحظاتي عليه، محل تقديري واحترامي كمبادرة شخصية مخلصة ،ولكن باعتقادي وكما بينت في جزئي هذا المقال، ان ادغام سياسة التيار اليسار الاصلاحي في مشروعه يجعله مشروعا سياسيا محددا نختلف معه عليه من حيث الاساس.
آخذين ذلك بنظر الاعتبار، ان الرفيق رزكار يطرح في مشروعه ميادين ومجالات عدة بامكان قوى اليسار ان تنسق وتعمل بشكل مشترك وانا اتفق معه حول هذا الامر اذ سبق وان أكدت في بداية الجزء الاول من هذا المقال بان العمل المشترك في تلك الميادين وبالرغم من كل الاختلافات امر ممكن. ادرج هنا قسم من المجالات التي يطرحها الرفيق رزكار في مشروعه والتي اشاركه الراي بان قوى اليسار متفقة بصددها وبالتالي من الممكن ان تقوم هذه القوى بالتنسيق والعمل المشترك آزائها. انه يذكر في مشروعه هذه المجالات:
• "الدفاع عن حقوق العمال وسائر الكادحين، وسن قانون عمل تقدمي معاصر، وضمان حق التنظيم والإضراب، ضمان البطالة، الحد الأدنى المناسب للأجور، دعم الأنشطة المطلبية بكل الآليات والوسائل المشروعة كالتظاهرات الاحتجاجية السلمية، والإضرابات العمالية."
• "نبذ المحاصصة الطائفية والقومية ومواجهة التعصب القومي والديني والمذهبي، ومناهضة الاستبداد والفساد وسلطة الميليشيات"
• "توفير الأمان للجماهير، ومناهضة العنف والإرهاب والقمع من كافة الجهات سواء في الحكم او المعارضة".
• "العدالة الاجتماعية وأكبر قدر ممكن من المساواة."
• " حقوق الإنسان، حقوق الأقليات الدينية والقومية استنادا الى مواثيق حقوق الإنسان الدولية، حقوق المرأة والمساواة الكاملة ومناهضة كافة أنواع العنف ضدها، حقوق الأطفال والشبيبة."
• "الحريات السياسية والاجتماعية، مثلا حرية التعبير، حرية العقيدة الدينية والدنيوية، حرية الممارسة الاجتماعية، حرية التنظيم الحزبي... حرية الصحافة، حرية النقد ... الخ."
• "منظمات ونقابات جماهيرية تقدمية مستقلة وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني."
هذا، واتفق مع بعض الاجراءات العملية المشتركة التي يطرحها الرفيق رزكار لليسار: "اتخاذ مواقف مشتركة داعمة إذا تعرض أي فصيل يساري لأي نوع من التضييق او الاضطهاد او الاعتداء" . و"التنسيق والعمل المشترك في قيادة المظاهرات والإضرابات الجماهيرية، والاحتفال بشكل مشترك بالمناسبات التقدمية مثل 1 أيار- ماي، عيد المرأة..... الخ."
وفيما يخص الاجتماعات واللقاءات التي ستنعقد بالارتباط مع مبادرة الرفيق رزكار لـ "وحدة اليسار" فان ممثلي حزبنا مستعدون للمشاركة فيها لتوضيح آرائنا بصدد الموضوع واغناء النقاش .وتبعا لذلك يمكن الحديث عن ميادين العمل المشتركة.
كلمة اخيرة
ان منهج وبرنامج واسلوب عمل تيار اليسار الاصلاحي عائق امام نهوض التيار الماركسي ويحول دون تسلح الجيل الشاب الصاعد في العراق والمنطقة بافق هذا التيار الشيوعي . ان التيار الماركسي بحاجة الى ان يقوي نفسه مستقلا عن التيارات الاخرى لليسار البرجوازي واليسار الراديكالي. انه بحاجة الى ان يجعل من برنامجه الاجتماعي وافقه الثوري قوة طليعية يدفع بسائر "اليسار" لاتخاذ مواقف اكثر راديكالية بوجه البرجوازية وتياراتها السياسية والفكرية في المنطقة. ان استقطاب اليسار حول برنامج واجندة كهذا واجراء الحوار والنقاش بصدده امر ملح وضروري.
فبالتالي ان فتح باب الحوار واللقاء والتنسيق، على صعيد العراق ومنطقة الشرق الاوسط والعالم العربي، فيما بين قوى اليسار الماركسي اي التيار الشيوعي مهمة عاجلة وحيوية ومن الخطاء اهماله.
على ضو ء ما تقدم بالرغم من اني لست مع ايجاد "تحالف يساري" وفق مشروع الرفيق رزكار ولكن وفي الوقت نفسه من المدافعين عن اجراء اوسع النقاشات حول المسائل التي تهم وضع اليسار ومعضلاته ومن المدافيعن عن العمل المشترك في الميادين العملية الممكنة بين القوى اليسار .
27 أيار2017
النهاية



تعليقات الفيسبوك