ذكرى مؤلمة منذ البداية


محمد علي مقلد
الحوار المتمدن - العدد: 5531 - 2017 / 5 / 25 - 12:52
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

ذكرى مؤلمة منذ البداية

تحية إلى حسن حمدان مهدي عامل في ذكرى اغتياله وإلى أرواح المقاومين في ذكرى التحرير.


استشهاد مهدي عامل هو الذي أيقظ في داخلي سلسلة من أسئلة، طرحتها على نفسي غداة اغتياله، وأعيد طرحها مع كل حديث عن التحرير والمقاومة. أسئلة هي في وجه من وجوهها دفق عاطفي وجداني، لكنها في جوهرها تساؤلات، تبدو ساذجة، في السياسة: لماذا اغتالوه وهو المناضل الصلب ضد الامبريالية والصهيونية والاستعمار؟ وكيف يقتل القاتل مناضلاً مثله في جبهة المواجهة ذاتها مع الامبريالية والصهيونية والاستعمار؟ هل نسمي القاتل مناضلاً مقاوماً ضد العدو؟ هل يتجرأ غير الجاهل على قتل المفكرين؟ أليس قاتله واحداً ممن لم يقرأوا أي عنوان من عناوين كتبه؟ أليس يشبه كل القتلة؟ أليس يشبه ذاك الأمّي الذي قتل فرج فوده؟ أو الأمي الآخر الذي لم يقرأ رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ ثم حاول أن ينتقم من كاتبها، فقط لأنه كاتبها؟ أليس يشبه قاتل الشيخ صبحي الصالح تحت جبته، وقاتل الصحافي كامل مروة في مكاتب جريدة الحياة؟ والمفكر حسين مروة في سرير المرض؟ وذيب الجسيم وكامل صبّاح وهاني زين الدين وخضر جوني، وهم على صهوة النضال في مقاومتهم الوطنية ضد الاحتلال الاسرائيلي؟
لحظة اغتياله حفزتني على إعادة النظر بكل شيء، بمضمون الثورة وبالتحالفات وبأساليب النضال، وبالتفاؤل التاريخي الذي كان حسن حمدان يوقعنا فيه ويوهمنا بأننا نقترب من محطة الانتصار الأخيرة كلما قدمنا المزيد من التضحيات. لم يكن دم كمال جنبلاط كافياً لنقتنع بأن من يدير دفة المقاومة يمضي بها في اتجاه معاكس لدماء الشهداء. ومن أسف ومرارة كالعلقم، حتى دم الذي أطلق المقاومة، دم جورج حاوي، لم يكن كافياً ليقتنع أصحاب النوايا الحسنة بأن جبهة الممانعة لم تكن تريد تحرير الأرض من الاحتلال الاسرائيلي، بل كانت ولا تزال تستخدم المقاومة ومناسبة التحرير وتوظفهما في قطاع التجارة القومية والدينية واليسارية.
موته أيقظ في داخلي التساؤل عن جدوى النضال. ليس هذا يأساً، بل دعوة للاستجابة لما كان يطلبه حسن حمدان، الفكر النقدي، قراءة الماضي بعين نقدية. ليس يأساً، فأنا مستمر حتى اللحظة في العمل مع من يشبهني وأشبهه، على فتح كوة في جدار الخيانات السياسية التي يرتكبها صباح مساء أهل الحكم ولصوصه ومافياته، وفي جدار الخيانات الوطنية التي ارتكبناها جميعاً خلال الحرب الأهلية، أحزاباً في السلطة وفي المعارضة، في الثورة وفي الثورة المضادة، بحق الوحدة الوطنية والدولة والقانون والدستور، بحق الشعب اللبناني المنتشرة كفاءاته في أربع زوايا الأرض وفي كل الميادين، بين أهل العلم والفن والأدب، كما بين التجار ورجال المال والأعمال، بحق الثورة التي جعلناها مقاومة للاحتلال، ورسمناها أيقونة للغزل الموسمي، فيما راحوا يجعلونها، كما الأوطان، مطية وفدية لشراء التسويات والصداقات وطقوس العبادة وصكوك الإيمان ومراسم الاحتفال بعودة الغائب.
***************************
يوم طلع نعيك من الإذاعات شهيدا لفت انتباهنا لقب الدكتور الذي كان متوارياً خلف تواضع بلا حدود وتحت جبة من دون عمامة ولا ربطة عنق...
حين ظهر إسم هلال بن زيتون على غلاف " تقاسيم على الزمان " كنسخة شاعرية من حسن حمدان الانسان وطارق الخطيب المفوه على المنابر، حمل الشاعر ملامح ذويه. غير أن أسماء مهدي وطارق وهلال بن زيتون توارت، يوم خرج إلى النور ديوان جديد بعنوان " فضاء النون " ووقعه حسن حمدان بإسمه الحقيقي.
تلك هي أسماؤك...
فسلام على أسمائك التي لا تموت
**************
كنا نمشي في جنازتك وكأن على رؤوسنا الطير. وكنت أنت ملء الشوارع والعيون ، وصورتك في المخيلة محفورة كالحب الأول، كالطعنة، وغبارك يملأ الكتب والرؤوس ووكالات الأنباء، ودماؤك تسيل من شرايين لا تعرفها ، وموتك يلف أعناق الوطن .

***************
لا تعد إلينا على هيئة قوس النصر ، أو في صورة نبي ، إننا لم نعد نقوى على تعاقب الغزاة والأنبياء. إننا لكثرة ما أدمنّا على كلامك بتنا " لانملك إلا أن ننتصر ". هكذا كنت تقول . كنا نضحك من تفاؤلك وكنت تضحك من جهلنا . وها أنت ما زلت يا مهدي ضاحكا ملء القبر ، ضاحكا من أصدقائك الذين لم يصدقوك ومن أعدائك الذين صدقوك أكثر منا ، فقتلوك .

وإذا كنا ياحسن قد فقدنا بغيابك بعضا من نكهة الصبر وشهية العناد ، فلأن الكورس قد شرد عن اللحن ، ولأن أفراد الجوقة تاهوا في ركام من عزف منفرد(مقاطع من مرثية )






المقاومون حرروا الأرض من الاحتلال. هذا بعض من كفاءات شعبنا التي تغنى بها المناضلون في أربع أرجاء الأرض. هذا ما إنجزه المقاومون من شجعان الشعب اللبناني. لكن! هذا ما بدده المقاولون على جبهة الممانعة. أولئك حرروا الأرض من رجس الاحتلال، وهؤلاء حرروا السياسة من الأخلاق، والدولة من القانون، والوطن من السيادة.في بلادنا، الهدف المعلن من المقاومة هو تحرير الأرض، أما هدفها المضمر فهو تحرير الوطن من الدولة.
إنه تقليد قديم ورثناه عن أسلافنا، عن السلطنة التي لا تزال منذ قرنين تمنع الديمقراطية من اختراق تخومها. من خط كلخانة، عام 1836، إلى استفتاء أردوغان على الدستور، ومن أول لقاء محاصصة بين عبد العزيز بن آل سعود ومحمد بن عبد الوهاب عام 1876، أي بين المالك والمطوّع، حتى آخر مؤتمر عقد البارحة في المملكة مسار واحد ، شجرة استبداد واحدة جذورها راسخة في بلادنا من المحيط إلى الخليج، وأغصانها ممالك وجمهوريات وراثية. وشعوبنا على الدوام مرغمة على السقوط في فخ ثنائيات مغلوطة. عليها دوماً أن توالي لا أن تختار. وإذا كان خيار فهو ليس حرّاً.
علينا أن نختار في الإسلام بين معاوية وعلي أو بين الملك والسلطان والولي الفقيه، بين السلفية والأصولية، وفي السياسة بين الرئيس بالوراثة والحاكم العسكري والقائد إلى الأبد. بين الوطن القومي المسيحي أو الاسلام هو الحل. بين أن ندمر أوطاننا بأيدينا أو بقوى خارجية نستدرجها لقتلنا. بين أن نستبدل الوطن بالأمة أو بالأممية، بأمة عربية أم بأمة اسلامية. بين أن نكون مع السعودية أو مع إيران، مع طغيان صدام حسين وحافظ الأسد أو مع طغيان الامبريالية، مع الطغيان الأميركي أو مع الطغيان الروسي. مع الممانعة أو مع الشيطان الأكبر.
هذه عينات من أسئلة الاستبداد. وأكثرها استبداداً حين يسأل المقاوم: هل أنت مع المقاومة أم ضدها، أو حين يطلب من اللبناني أن يكون واحداً من اثنين، إما مواطناً إما مقاوماً.
يبدأ بناء الدولة يوم تتوقف اسئلة الاستبداد هذه ويتوقف الاتجار بالمقاومة ويهدى إنجاز التحرير للشعب اللبناني ويصير الاحتفال بالمناسبة جزءاً من تقاليد الجمهورية، من تقاليد الوطن وتتويجاً لسيادة القانون على الحدود، كل الحدود، وخصوصاً سيادة القانون داخل الحدود على كل الأراضي اللبنانية.