حول وحدة اليسار: علام يتفق اليساريون في العراق؟


نادية محمود
الحوار المتمدن - العدد: 5507 - 2017 / 4 / 30 - 23:23
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

تصاعدت هذه الايام نداءات حول وحدة اليسار اكثر من اي وقت مضى، خاصة بعد بيانات التنديد التي صدرت ضد الهجوم على مقر الحزب الشيوعي العراقي في الديوانية في شهر نيسان الجاري وعلى الاخص من الرفيق رزكار عقراوي، زكي رضا، والدكتور كاظم حبيب. رغم ان هذه لم تكن المرة الاولى التي يجري الحديث فيها عن وحدة اليسار، الا ان هذه المرة الاولى التي جرى التعبير عنها، حسب علمي - الكتابة عنها، اجراء بعض الاتصالات واللقاءات الاولية لاجل هذا الهدف. بالتأكيد ان كل حديث عن توحيد او "وحدة" امر يعطي الشعور بالقوة والتفاؤل، ولها دائما وقع طيب على الاذان. ولكن السؤال الذي سيطرح، على ماذا يمكن ان يتفق اليساريون؟.
لنرسم لوحة لوضع المجتمع في العراق لنعرف معها مالذي يمكن ان يتفق على عمله اليسار في اوضاع الهجمة متعددة الابعاد التي تتعرض لها.
تتعرض حياة الطبقة العاملة في العراق والجماهير اقتصاديا الى هجمة شرسة وعلى رأسها فرض البطالة التي تشمل الملايين من الشباب، والتي ادت فيما ادت الى تحول هؤلاء الشباب الى ذخيرة بشرية للميلشيات، ليس دفاعا عن الميلشيات بل من اجل تأمين دخل للمعيشة وكما اثبتت بعض الابحاث العلمية التي صدرت مؤخرا. ان توفير فرص عمالة للعاطلين مسائل لا تؤرق البرجوازية لا في العراق ولا في اي مكان في العالم. الدول المتقدمة تجعل القسم العامل يدفع بطالة الضمان للجزء العاطل من الطبقة العاملة، وهي تضيق الخناق على الطبقة العاملة يوما بعد يوم. العراق كدولة رأسمالية ريعية لديه وظيفة ومهمة محددة في الاقتصاد الراسمالي العالمي وهي تزويد الراسمالية العالمية بالوقود، بالنفط، وليس مطلوبا منه اكثر من ذلك. البرجوازية الحاكمة في العراق تستخرج فائض القيمة والارباح من عملية بيع النفط. وهي ارباحا وفرت لها مليارات من الدولارات لم تكن تحلم بها قبل استلامها للسلطة السياسية، فلماذا البحث عن سبل جديدة للحصول على الارباح، خاصة وان السبل الاخرى خاسرة من البداية. حيث ان المنتوج الصناعي والزراعي يأتي باسعار ارخص من خارج العراق مما ينتج في داخله. لذا فان الدعوات الى قيام العراق بالتنمية، التنمية الوطنية، التنمية الاقتصادية اصبح ضرب من الخيال. الذي يؤرق الطبقة السياسية الحاكمة في دولة تفتقر لملامح دولة، هو كيفية ادامة هذا العز وهذا الخير الذي رزقهم به الله وامريكا بعد 2003.
ولاجل ادامة هذا العز المندلق "بفضل الله وابار النفط" تتبنى الطبقة السياسية البرجوازية المهيمنة بشكل رسمي او غير رسمي ستراتيجية ثلاثية الابعاد، عدم توفير ضمانات المعيشة على اشكالها، استخدام الميلشيات والارهاب السياسي المباشر وغير المباشر، والتحميق الثقافي. عدم توفير ضمانات البطالة هو سلاح مجرب يركع العاطل عن العمل على ركبتيه، يضطره للالتحاق بالميلشيات من اجل تضمين مصدر معيشة له. القمع والارهاب السياسي لا يمارس من قبل الدولة بل من قبل الاحزاب والميلشيات التي تقوم بهذا بمعزل ونيابة ومن فوق مؤسسات الدولة. والتحميق الثقافي وصل ما بعد عام 2003 الى حدود تدفع المرء للتساؤل اين كان كل هذا، ومن اين خرجت كل تلك الممارسات؟ تقوى العشائر، وتصبح اقوى من الدولة ومؤسساتها. بل يصبح دور الدولة خاضعا لامرة العشائر وبالاستعانة بها.
هذه الاستراتيجية للطبقة البرجوازية الاسلامية الحاكمة، تقتضي بدون شك ستراتيجيات مضادة، ستراتيجيات مقاومة. دفاع طبقي متعدد الاشكال والمستويات، عن العمال والجماهير الدفاع ضد البطالة ومن اجل تأمين الضمان الاجتماعي للقوى العاطلة عن العمل، توفير الامان الذي تفتقده الملايين في العراق نتيجة الصراعات الطائفية والقومية، توفير الحريات السياسية والشخصية التي تتعرض للتجاوزات باسم "الخطوط الحمراء" و"المقدسات"، الدفاع عن حقوق المرأة التي تتعرض الى هجمات متواصلة بفضل قوى الاسلام السياسي والعشائرية مجتمعتين. تأمين حق الحياة والمعيشة للملايين التي نزحت بسبب الحرب، ولحماية حياة مئات الاف من الشباب التي انضوت للميلشيات.
بالتأكيد ان لكل حزب ستراتيجيته وبرنامج عمله، وان هنالك اختلافات في تصورات واجابات الاحزاب اليسارية على القضايا التي تمسك بخناق المجتمع. الا ان السؤال هو على ماذا يمكن الاتفاق في سلسلة غير متناهية من التحديات والصعوبات والمعضلات التي يتعرض لها المجتمع. وما هي الحلقة الاساسية التي ان امكن الامساك بها يمكن ان تسهل نضالنا على اصعدة اخرى. وهل يمكن ان يجري هنالك تعاون، اقول "تعاون" بين القوى اليسارية، على صعيد تنظيم الطبقة العاملة والشباب والنساء في العراق من الاسفل، ام على صعيد فوقي، من الاعلى، كالدخول في الانتخابات مثلا، كما يرى البعض بان سبب هذه الدعوات يعود لهذا الهدف الاخير.
ارى، ومن اجل ان يكون بروز تيار اليسار في المجتمع في العراق امرا واقعا وليس مجرد امنيات، ان يبدأ العمل على تحديد عمل واحد او قضية واحدة للعمل عليها او التعاون بين القوى اليسارية للعمل المشترك عليها، لتختبر قوى اليسار نفسها قدرتها على العمل المشترك وسيفصح عن وجود (او عدم) أمكانية لوحدة لقوى اليسار. بالنظر الى القضايا التي تمسك بخناق المجتمع في العراق اليوم وهو الامن والامان، كيف بامكان القوى اليسارية ان تلعب دورها في فرض الامن، انهاء الميلشيات، او القضية المهمة الاخرى هي تأمين ضمان البطالة للعاطلين عن العمل، او حتى القدرة على تنظيم مناسبة مثل الاول من ايار بشكل مشترك، لهي امور يمكن ان توضع على اجندة عمل اليسار. ان النداء الى ابراز اليسار كقطب في المجتمع يمسك زمام الامور ولديه حلا لاخراج المجتمع من المأزق الذي فيه من الحرب والازمات الاقتصادية، وتنظيم الطبقة العاملة والجماهير تنظيما طبقيا من اجل نفسها ولنفسها بوجه الطبقة الاسلامية البرجوازية الحاكمة هي لمهام شاخصة امامنا تنتظر الانجاز.



تعليقات الفيسبوك