اثنان وتسعون عاماً... ويزداد شباباً

حنا غريب
الحوار المتمدن - العدد: 5326 - 2016 / 10 / 28 - 09:32
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     



يحتفل حزبنا اليوم بالذكرى الثانية والتسعين لتأسيسه. هذا التأسيس الذي جاء على وهج الثورة الاشتراكية في روسيا التي شكلت منارة أمل للشعوب حول العالم واستجابة وطنية موضوعية لحاجات شعبنا بتحقيق الاستقلال والتحرر الوطني والاجتماعي... فتحية للرواد الأوائل عمالاً ومثقفين ونقابيين، الذين اجتمعوا وأعلنوا إنشاء حزب الشعب اللبناني، الذي أصبح في ما بعد، الحزب الشيوعي اللبناني. تحية إلى يوسف ابراهيم يزبك وفؤاد الشمالي والياس قشعمي وفريد طعمة وبطرس حشيمي وإلى من انضم إليهم، أرتين مادايان وسعد الدين مومنة. والتحية لمناضليه وقادته الابرار الذين غادرونا ومنهم من دخل السجون والمعتقلات وتعرضوا للقمع والاضطهاد وعانوا ما عانوه من أجل قضية وطنهم وحزبهم من أجل وطن حر وشعب سعيد، والتحية أيضاً لفرج الله الحلو وجورج حاوي ونقولا الشاوي، ولشهداء الحزب جميعاً الذين سقطوا على مدى 92 عاماً من النضال.



منذ ذلك الوقت، مر حزبنا بمراحل عديدة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بنضالات شعبنا وقضاياه الأساسية، في النضال الوطني في الثورة السورية ومن أجل استقلال لبنان من الانتداب الفرنسي، ثم ضد المشروع الصهيوني في فلسطين، ثم في الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق المطالب للعمال والفلاحين والموظفين والمعلمين والفقراء، ومن أجل إعلاء شأن التعليم الرسمي والرعاية الاجتماعية والثقافة الوطنية، مروراً بالحرس الشعبي والأنصار ووصولاً إلى إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول" ضد الاحتلال الإسرائيلي. ومن خلال كل هذه المعارك ومعموديات الدم والعرق التي انخرط الشيوعيون فيها بتجرد وتفان، كان الحزب فيها يؤكد، بالقول والممارسة أنه فعلاً حزب الشعب والتقدم والاشتراكية.



لن أتكلم عن ماضي الحزب أكثر من ذلك. فالحديث هو عن الحاضر والمستقبل. واليوم وبعد المؤتمر الحادي عشر، تنصبّ جهود الحزب للتصدي للواقع المأزوم في بلدنا، من أجل إنتاج برنامج نضالي وميزان قوى راجح، يسمح بإحداث خرق في بنية النظام الطائفي المذهبي المولّد للحروب والعاجز عن إنتاج دولة تشكل مرجعية لمعالجة مشاكل المواطنين مدركين بذلك ضخامة الصعوبات والمأزق الذي يعيشه البلد بحكم تبعية هذا النظام للخارج.



إضافة إلى ذلك، فقد أثبت تطور لبنان، أن القوى السياسية التي احتلت المسرح السياسي لم تكن فقط عاجزة عن إدارة الشأن العام، بل أنها شكلت عائقاً أمام تأمين أبسط شروط الحياة اليومية للبنانيين. وقد انطوت هذه المرحلة على تطييف منهجي غير مسبوق للحياة السياسية اللبنانية، وعلى التوظيف السياسي لتحويل الطوائف إلى أحزاب صافية قائمة بذاتها. ما أدى إلى اختصار مجمل العملية السياسية في البلد بحفنة من أمراء الطوائف الذين أحكموا سيطرتهم على القرار السياسي والاقتصادي والمالي. فهذه القوى السياسية المهيمنة هي هي المسؤولة عما آلت إليه الأوضاع في لبنان، بحكم عجزها عن إخراج البلد من مأزقه، ليس فقط لكونها مهجوسة حصراً بمصالحها الأنانية الفئوية والضيقة، بل لكونها أيضاً تمارس السلطة عبر هذا النظام السياسي الطائفي المأزوم أصلاً.



فالأزمة تكمن في نظامنا السياسي لا في الرئاسة، وما يجري اليوم على هذا الصعيد ليس سوى محاولة بائسة لإنقاذ هذا النظام الطائفي البالي من التحلل والانهيار، ولإعادة تقاسم الحصص في السلطة التنفيذية، وترتيب البيت الطائفي بما ينسجم مع التغيرات المستجدة في توازنات القوى بينها. أما تغليف هذه الخطوة بادعاء الحاجة إلى انقاذ الدولة والوطن، فإنه ليس سوى ذرّ للرماد في العيون. وتساورنا شكوك كبيرة حول ما قد تنطوي عليه هذه الصفقة من مواقف فعلية، تتعلق بالقضايا والتحديات الكبرى التي يواجهها لبنان راهناً. فلو حصلت هذه الصفقة قبل سنتين ونصف السنة من الفراغ لكانوا وفّروا على اللبنانيين كل تلك المعاناة والأعباء التي دفعوا ثمنها في أمنهم ومعيشتهم وحياتهم اليومية؟ يبقى الحل المطلوب لتجاوز هذا المأزق الذي يعيشه اللبنانيون في إجراء تغيير فعلي لأسس تشكيل السلطة والمؤسسات السياسية، ومدخلها بالدرجة الاولى اعتماد قوانين عصرية أربعة: قانون للانتخابات النيابية والبلدية قائم على النسبية وخارج القيد الطائفي، وقانون مدني موحد للأحوال الشخصية، وقانون وطني للأحزاب السياسية، فضلاً عن قانون ينظم موضوع الإقامة ويحرّر هذا الأخير من قيد سجلات النفوس المتقادمة.



ونحن منفتحون للتعاون والتفاعل والتحالف مع القوى السياسية بمقدار استعدادها - فعلاً لا قولاً - لاعتماد نهج الإصلاح وصياغة السياسات التي تضع القضايا الوطنية الكبرى، ومن ضمنها هذه القوانين الإصلاحية، في مركز الصدارة من اهتمامها. ومن هذا المنطلق وضع الحزب أمامه جملة من المهمات على الصعيد الوطني والاجتماعي والحزبي:



أولاً: العمل للخروج من مأزق اتفاق الطائف، المنتهي أصلاً، ومواجهة القوى السياسية التي تستميت اليوم للدفاع عنه وإعادة إحيائه. وعندما نشير إلى ذلك، فان ما نقصده بالذات هو التمهيد لبديل تاريخي يتمثّل في إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية المقاومة. وعملنا وسنعمل في المرحلة المقبلة بكل الوسائل من أجل تجميع القوى الديمقراطية والعلمانية، استناداً إلى ضرورة اللقاء في ما بينها لتقييم فشل تجاربها التوحيدية السابقة واستناج الدروس والعبر للإفادة منها في صياغة برنامجها وتوحيد قواها والعمل على إحداث خرق في خارطة توازنات القوى، من أجل الضغط لإقرار القوانين الإصلاحية التي يفترض أن تشكّل الركائز الأساسية للدولة الديمقراطية المنشودة.



ثانياً: انطلاقاً من رؤية الحزب لأزمة الرأسمالية اللبنانية التي تشكل الوجه الآخر لأزمة النظام السياسي عينه. نطرح في هذا الإطار مشروعاً شاملاً لبناء الدولة الديمقراطية، دولة الرعاية الاجتماعية، مدخله تغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال إقرار نظام ضرائبي تصاعدي جذري، يطال الثروات والمداخيل العالية، والارباح وعائدات رأس المال على أنواعها، وتصحيح سياسات الانفاق العام المشبعة بكل أشكال الهدر والفساد والافساد، ووقف استخدام إدارة الدين العام كأداة للاستمرار في نهب الشعب اللبناني، وتشجيع نمو القطاعات المنتجة والمنفتحة على آفاق التطور التكنولوجي وعلى خلق فرص العمل، وإعادة صياغة مجمل جوانب سياسات الحماية الاجتماعية، وبخاصة ما يتعلق منها بصيانة وتحسين القوة الشرائية للأجر والرواتب وتعزيز التقديمات الاجتماعية وإقرار مشروع التغطية الصحية الوطنية الشاملة ومشروع التقاعد، وتجسيد حقّ اللبنانيين الفعلي في العمل والصحة والتعليم والسكن والنقل العام، هذا بالإضافة إلى استرداد الأملاك العامة البحرية والنهرية.



ثالثا: على المستوى العربي فنرى أن المشروع الاميركي العدواني، مشروع الشرق الأوسط الجديد، لا يواجه إلّا بنقيضه، أي بالمقاومة العربية الشاملة، بالسياسة والاقتصاد والاجتماع والعمل العسكري، وبخيار يساري عروبي واضح ومستقل، مستنداً إلى روح انتفاضات شعوبنا العربية وتوقها لبناء حركة تحرر عربية من نوع جديد. إنه التحدي المطروح أمام اليسار العربي اليوم، والذي عليه يجب العمل، بهدف حل أزمة البديل الثوري، كي يحجز هذا اليسار له مكانة وموقعاً ودوراً في مستقبل المنطقة، وليبني الدولة الوطنية الديمقراطية المقاوِمة.



رابعاً: من أجل تحقيق هذه المهمات أطلق الحزب ورش عمل على المستوى الحزبي الداخلي في مجالات الاعلام والتثقيف والتنظيم والعلاقات الخارجية والعمل النقابي والورش الفكرية وغيرها من مجالات، بغية استقطاب منتسبين جدد إلى صفوفه بالتزامن مع العمل على اعادة جمع شمل الشيوعيين. ونحن نعير عملية اعادة البناء هذه اهمية كبرى، ونعد الشيوعيين في العيد الثاني والتسعين أن يكون حزبهم على أبواب المؤتمر 12 أكثر منعة وقوة وتجدداً. إننا نعاهد شعبنا وشهداءنا على أن نكون دوما الطليعة المقاتلة من اجل وطن علماني ديمقراطي مقاوم يحقق امال الشعب اللبناني بالتقدم والرخاء والعدالة الاجتماعية.



(&) الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني



(*) الكلمة ألقيت أثناء حفل الاستقبال الذي نظمه الحزب في بيروت، بمناسبة الذكرى الـ 92 لتأسيسه



تعليقات الفيسبوك