هكذا يزرع القباج بذور الفتنة.


سعيد الكحل
الحوار المتمدن - العدد: 5290 - 2016 / 9 / 20 - 14:58
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

من المغالطات التي يروج لها الشيخ القباج ويسعى يائسا أن يستمد منها مشروعية إطاره الإيديولوجي والتنظيمي الذي يشتغل داخله ويتكلم باسمه ، أنه فكريا وإيديولوجيا وتنظيميا وأفقا سياسيا أنه "ابن التربة المغربية" ، وأن مرجعيته هي مرجعية جميع المغاربة كما في قوله (أنت تتحدث عني بالكذب ، تريد أن تقطع عني تاريخي تريد أن تقطعني عن واقعي ). فعن أي تاريخ يتحدث القباج ؟ وعن أي واقع يزعم أنه يصدر عنه في فتاواه وعقائده ؟ لعل القراء الكرام يتساءلون أين أثر علماء المغرب واجتهاداتهم في فكر القباج ومواقفه المتشددة ، بل أين تأثيرهم عليه في قبول المشاركة في الانتخابات ودخول البرلمان كمؤسسة تشريعية ؟ وما مبرر استشهاد القباج بعلماء غير علماء المغرب إن كان فعلا ابن هذا الواقع وهذا التاريخ ؟ إن التاريخ المغربي يشهد أن اختيار المغرب للتعددية الحزبية وللنظام الديمقراطي لم تفرزه فتاوى الفقهاء واجتهاد العلماء والشيوخ ، بل هو اختيار الشعب المغربي برمته . فالمغاربة ليسوا بحاجة إلى شيوخ وفقهاء ينظمون حياتهم السياسية ويجيزون لهم تشكيل الأحزاب والمشاركة في الانتخابات ويحلون لهم العضوية في البرلمان . لكن السيد القباج ، بحكم تشدده وولائه لمذهب غير المذهب الذي أجمع عليه الشعب المغربي وغدا ثابتا من ثوابته، أقحم الدين في السياسة من زوايا عديدة أبرزها:
1 ـ الإفتاء "بوجوب الانتخابات" شرعا تصويتا وترشيحا. وقد استند في فتواه هذه على علماء سعوديين دون علماء المغرب ، وضمنهم ابن العثيمين الذي أفتى بأن "الانتخابات واجبة" "أدخلوها". ومادامت المشاركة في الانتخابات واجبة فإن مقاطعتها إثم يُعاقب عليه . وهذا مخالف للبيئة الفكرية والثقافية المغربية وكذا الدستور الذي حظي بشبه إجماع المغاربة . إذ تُعتبر المشاركة في الانتخابات حقا من حقوق المواطنين السياسية إن شاءوا مارسوه وإن شاءوا امتنعوا دون أن يشعروا أنهم ارتكبوا إثما مع الله أو مخالفة قانونية تستوجب العقاب القانوني .فالانتخابات شأن سياسي وليس ديني.
2 ـ "التصويت على الأصلح واجب شرعي". بخلاف الواقع السياسي والديني والثقافي والقانوني ، أفتى القباج بأن التصويت لصالح حزب العدالة والتنمية والتعاون معه واجب شرعي بحجة أنه "الحزب الأصلح الذي يجب التصويت له" و"الواجب شرعا التعاون معه ودعمه". وقد استند في فتواه على فتوى ابن العثيمين الذي بيّن فيها من يجب التصويت لهم بقوله: "لا بد أن نختار من نراه صالحاً" ؛ليستنتج القباج ما يلي (وها هنا لفظان لا بد من الوقوف معهما:الأول: لفظ الوجوب الذي أكده بقوله: “لا بد”
وقوله: “أبداً رشح من تراه خَيِّرَاً”.وهذا يعني أن المسلم الذي لا يصوت على أهل الصلاح في مقابل أهل الفساد آثم؛ لأن الواجب كما عرفه الأصوليون هو “من يثاب فاعله ويستحق تاركه العقاب”.) . فالقباج لم يكتف بفتوى وجوب المشاركة في الانتخابات ، بل جعل التصويت لفائدة مرشحي حزب العدالة والتنمية "واجبا شرعا" يأثم تاركه . ولم يسبق لعلماء المغرب أن أصدروا فتوى على هذا النحو الذي يقسم المغاربة إلى فئتين : فئة الصالحين/الأخيار وفئة الطالحين/الفاسدين/الأشرار /أعداء الدين: (ومأخذ القول بالوجوب بينه الفقيه بقوله: “إذا تقاعس أهل الخير من يحل محلهم؟ أهل الشر؟). ومن شأن هذه الفتاوى المتطرفة أن تشيع الكراهية وتوقظ الفتنة بين المغاربة الذين دأبوا على التمييز بين الأحزاب على أساس البرامج الانتخابية ومدى استجابتها لتطلعات وآمال المواطنين وليس على أساس ديني أو عرقي. وليعلم القباح ومن والاه أن المستعمر الفرنسي حاول تقسيم المغاربة على أساس إثني (عرب وأمازيغ ) لكنهم تصدوا لهذا المخطط . بل لم يعرف المغاربة حركات إسلامية في عهد المستعمر كما لم يعهدوا الحديث عن التفرقة المذهبية لأنهم كانوا على مذهب واحد . بينما مفهوم الإسلاميين والعلمانيين ارتبط بظهور جماعة الإخوان المسلمين التي قسمت الشعوب إلى مؤمنين وكفار ، ولا تخلو كتب الإسلاميين من نعت خصومهم بالعلمانيين بعد أن أعطوا معاني قدحية لهذا المفهوم بإقرار بنكيران نفسه (وفيما يتعلق بمفهومي التغيير والإقصاء اللذين شملهما التعديل والترتيب ،فلقد كانا يحيلاننا إلى أن تلك الأحزاب التي نشأت في حضن فكر غربي كالاشتراكية واللبرالية والعلمانية لا وجه للالتقاء معها ، لدرجة أنه كان عندنا من يسمي "الاشتراكيين" بـ"اليهود").
فالسيد القباج يمثل التيار المتطرف الإقصائي الذي يكفر مخالفيه أكانوا سياسيين أو مفكرين أو فنانين لأنهم يكشفون عن مخطط الحركات المتطرفة التي جاء الخطاب الملكي يعري حقيقتها ويحذر منها . وبهذا ينتصر الخطاب الملكي لأفكار ومواقف سعيد الكحل وكل المفكرين والصحافيين والفنانين والسياسيين الذين يتصدون لهذه المخططات التي وعى الشعب المغربي بخطورتها على استقراره إثر الهجمات الإرهابية في 16 ماي 2003 ، والتي لم ينفذها العلمانيون ولا اليساريون ولا الذين "تربوا في حضن الفكر الغربي" ، ولكن خطط لها ونفذها من تربوا وتشبعوا بالفقه التكفيري الدخيل على الشعب المغربي والذي يحضنه ويغذيه وينشره القباج وأمثاله النهاري وأبو النعيم وغيرهما كثير بتواطؤ من حكومة حزب العدالة والتنمية الذي تجرأ ورشح منهم القباج للانتخابات البرلمانية القادمة لولا تدخل السيد والي الجهة الذي ألغى ترشيحه لعدة اعتبارات منها أنه سُبة في حق الوطن والشعب والمؤسسات ، وأن البرلمان مؤسسة لها حرمتها ولا مكان فيها للمتطرفين أعداء القيم الإنسانية .