الأزمة السورية والمواجهة الشاملة

حنا غريب
الحوار المتمدن - العدد: 5267 - 2016 / 8 / 27 - 22:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


تطالبنا، من حين إلى آخر، أوساط صديقة وغير صديقة، في معرض نقدها لموقف الحزب الشيوعي اللبناني من الأزمة السورية، بضرورة مراجعة موقفه منها، وتحديد موقعه بوضوح.

ويندرج هذا الحديث في إتجاهات لا تخلو من تباين في مقاصدها، تبعاً لرغبات الطرف الداخلي أو الخارجي المعني به.

وبالرغم من أن وثيقة الحزب السياسية التي أقرّت في مؤتمره الحادي عشر (نيسان 2016) قد تناولت باسهاب محدّدات هذا الموقف، إلا أن ذلك لا يمنعنا من وضع النقاط على الحروف مجدداً حول هذا الشأن، إنطلاقاً من الموقف المستقل والجامع الذي توصل اليه الشيوعيون حول هذه المسألة في مؤتمرهم الأخير.

وبعيداً عن تقييم علاقة الحزب الشيوعي اللبناني مع النظام السوري، الذي لسنا بصدد بحثه في هذه المقالة، إلا أننا نرى وجوب العودة الى بعض المحطات، لا لننكأ الجراح، بل على خلفية تشجيع الحوار والانفتاح على كل الآراء بهدف التطوير والتعديل وانعاش الذاكرة بعدد من المواقف التي اتخذها الحزب نظراً إلى دلالتها التاريخية على موقعه المستقل، والتي قد تكون قد غابت عن هذه الأوساط، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

الحقبة التي شهدت الصدام المسلح بين الحركة الوطنية اللبنانية (بقيادة كمال جنبلاط) والقوات السورية في أواسط السبعينيات، الى حقبة منتصف الثمانينيات التي اتسمت بمراجعة السوريين لموقفهم من دور الشيوعيين الحاسم في قيادة المقاومة الوطنية ضد اسرائيل، بعدما كانوا من داعميها عند انطلاقتها في بداية الثمانينيات، وكنا معاً في مواجهة العدوان الاسرائيلي على لبنان في العام 1982، الى استغلال القوى الظلامية التكفيرية حالة التوتر في العلاقة، واغتيال العشرات من قادة الحزب الشيوعي والمقاومة الوطنية، الى حقبة انتهاء الحرب الأهلية في التسعينيات حيث تعرّض الحزب للحصار والإقصاء، في المجال السياسي العام، وفي الانتخابات النيابية المتكررة، كما في الحقل النقابي والثقافي، وفي شتى المجالات. هذا في الوقت الذي كوفئت فيه العديد من هذه الأوساط المنتقدة لموقفنا اليوم، ومعها ميليشيات الحرب الأهلية بالمنافع والخيرات، والتي سرعان ما إنقلبت مواقف معظمها بمجردّ صدور القرار 1559.

إن الهدف من استعادة هذا التاريخ المتقلب في العلاقة بين الحزب الشيوعي والنظام السوري، هو التأكيد على أن حزبنا كان من بين أكثر القوى عرضة للضغط السياسي من جانب النظام السوري، ولذلك فلا يزايدن أحد علينا في هذا المجال.

وبالرغم من هذا الضغط، والسمات غير السوية التي طغت على علاقة الحزب الشيوعي بالنظام السوري، لم يفقد الحزب البوصلة، واستمر محتفظاً بمواقفه المبدئية واستقلالية قراره، بعيداً عن علاقات التزلّم والتزلّف والذيلية.

لقد وقف الحزب الشيوعي منذ اندلاع الأزمة السورية إلى جانب الشعب السوري ومثقفيه، وأولى تظاهراتهم السلمية في 8 آذار 2011، ووقف الى جانب قضية التغيير الديمقراطي في هذا البلد، باعتبار أن العامل الداخلي هو أحد اسباب هذه الأزمة، لكنه ليس السبب الوحيد، فهناك سبب خارجي أيضاً، وهو ان سوريا ليست جزءاً من المشروع الاميركي الصهيوني الرجعي العربي المتمثل في مشروع "الشرق الاوسط الجديد"، لا بل هي مستهدفة منه.



*** العامل الداخلي هو أحد أسباب الأزمة السورية، لكنه ليس السبب الوحيد، فهناك سبب خارجي أيضاً، وهو ان سوريا ليست جزءاً من المشروع الأميركي الصهيوني الرجعي العربي المتمثل في مشروع "الشرق الأوسط الجديد" ***

وانطلاقا من ترابط جانبي الأزمة، بذل الحزب جهوداً كبيرة في مستهلها مع تشكيلات وشخصيات يسارية وديمقراطية ومدنية تنتمي الى أطياف المعارضة السورية السلمية الداخلية، لتشجيعها على الوحدة على أساس مشروع سياسي وطني وديمقراطي من شأنه خلق استقطاب واضح وتوازن للقوى، يسمح لها بانتزاع رزمة من الاصلاحات الدستورية والسياسية والاقتصادية الأساسية، التي تستجيب لمطالب وتطلعات الشعب السوري نحو الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية، وتعزز من وحدته الداخلية في مواجهة المشروع الاميركي.

ولكن هذا المسعى فشل بسبب عوامل عدّة، أهمها: تراجع سلمية التحركات الشعبية، وتسارع عسكرة الصراع من قبل قوى الثورة المضادة، والتعظيم المصطنع لسماته الطائفية، وتصاعد التوظيف الاقليمي والغربي عبر القوى الارهابية والمتطرفة السورية منها وغير السورية، وتآكل القاعدة السياسية والاجتماعية للقوى الديمقراطية واليسارية والعلمانية الداخلية.

ومع إقرار الحزب بأن التحالف الإمبريالي الرجعي قد استفاد الى حدّ كبير من ضخامة الخلل البنيوي في أداء النظام السوري على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن قناعاته المبدئية لم تهتزّ، الى حدّ التعمية على محاولة إعادة تكرار النموذج الليبي في هذا البلد، كجزء من مشروع "الشرق الأوسط" الجديد، الذي يرعى تدفقات السلاح والمال والاعلام والمجموعات الأصولية من كل حدب وصوب الى سوريا بهدف تقسيمها وتفتيتها طائفيا ومذهبيا وبين عربا واكراد.

لقد نجح المشروع الاميركي في تشتيت المعارضات السورية المختلفة، والحاق معظمها بالمشاريع الملتبسة والمشبوهة، كما برز الإنحسار المريع لدور القوى اليسارية والديمقراطية والمدنية المعارضة... وبرغم ذلك فإن الحزب قد حسم قناعاته بشكل صريح معتبراً أن المهمة الأكثر إلحاحا تقضي بضرورة مواجهة المشروع الاميركي بمشروع آخر نقيض له، وهو مشروع المواجهة الشاملة في اطار جبهة مواجهة عريضة يسارية مدنية وديمقراطية وفق برنامج تغييري ديمقراطي من شأنه مواجهة مشاريع التفتيت المنهجي التي يجري إعدادها لسوريا وللمنطقة.

*** المهمة الأكثر إلحاحاً تقضي بضرورة مواجهة المشروع الاميركي بمشروع آخر نقيض له، وهو مشروع المواجهة الشاملة في اطار جبهة مواجهة عريضة يسارية مدنية وديمقراطية***

وينطلق الحزب من قناعته بأن تنامي الاعتراض الشعبي على النظام خلال العشرية المنصرمة، ما كان ليتحقق لولا عاملين أساسيين متلازمين: تزايد معدلات الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي والتشوهات الاقتصادية التي إقترنت بها السياسات النيوليبرالية للنظام من جهة، وترسّخ سياسات القمع المقونن والمصادرة الفجّة للحريات الشخصية والعامة، وخصوصاً حرية العمل السياسي والنقابي، من جهة ثانية. مجددا الادانة الصريحة لكل أعمال العنف والبطش – الصادرة سواء عن النظام أو عن المعارضات المسلحة – التي تطال عموم المواطنين المدنيين والمناطق المدنية، وعلى رفع الصوت ضد كل أشكال الحصار التمويني والمعيشي الممارس على أي من قطاعات الشعب السوري، مهما تنوعت مشاربها السياسية والاجتماعية والإثنية.

وفي إنتظار نضوج القضية الأهم، أي قضية تبلور القاعدة السياسية والاجتماعية القادرة على حمل قضية التغيير السياسي والاجتماعي الديمقراطي في سوريا، يؤكد الحزب أنه سيواصل بذل كل الجهود المتاحة في سبيل تحقيق هذا الهدف بالتعاون مع كافة الشخصيات والقوى اليسارية والديمقراطية والمدنية السورية، بهدف تهيئة الظروف المؤاتية لحلّ سياسي للأزمة السورية نابع من الداخل، من ارادة الشعب السوري بشكل رئيسي، قبل ان يأتي بالمظلة الخارجية عبر مؤتمرات جنيف، التي ستأخذ في الاعتبار مصالح ونفوذ الدول المشاركة فيه، بينما المطلوب بالأولوية تحقيق مصالح الشعب السوري في بناء دولة مدنية علمانية ديمقراطية في سوريا وفق الأسس والمبادئ التي تحفظ وحدة الأراضي السورية، ووحدة مكوّنات النسيج الإجتماعي السوري، وتعطي الاكراد حقوقهم في اطار هذه الدولة، وتحفظ أيضا المقومّات الأساسية للدولة السورية بما فيها الجيش والقوى الأمنية والقطاع العام والمرافق والمؤسسات العامة والبنى التحتية الأساسية.

ومن المؤكد أن تجسيد التوافق على تفاصيل هذه المباديء وشروط تنفيذها، سوف يجعل نظام ما بعد الأحداث غير ما كان قائما قبلها.

* الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني



تعليقات الفيسبوك