الفصل الثاني: كيف يولد رأس المال؟

كارلو كافيرو
2016 / 8 / 6 - 09:25     



كارلو كافيرو.

ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو



الفصل الثاني من كتاب "ملخص رأس المال لكارل ماركس" للكاتب الإيطالي الأناركي كارلو كافيرو. كافيرو نشر الكتاب في حزيران عام 1879 باللغة الإيطالية، ومن ثم ترجمه إلى الفرنسية الكاتب جايمس غيللوم عام 1910. أبدى كارل ماركس، ضمن رسالة بريدية وجهها إلى كارلو كافيرو، إعجابه بالكتاب ورأى فيه أفضل ملخص شعبي لـ"رأس المال"، ومن ثم أعيد نشر الكتاب الصادر عام 2008 في دار نشر "الكلب الأحمر" (Le Chien Rouge)

--

منخلالدراسةدقيقة لمعادلة رأس المال، نلاحظ أن مسألة ولادة رأس المال بحسب التحليل الأخير تعود إلى التالي: إيجاد سلعة يمكن بيعها بسعر أعلى من كلفة إنتاجها؛ إيجاد سلعة بين أيدينا يمكن أن تزيد القيمة بحيث يتسنى عند بيعها أن نكسب مالا أكثر من ذلك الذي أنفقناه لشرائها. يجب أن تكون سلعة مرنة يمكنها أن تتمدد قليلا بحيث يمكن تكبير حجم قيمتها. هذه السلعة فريدة بوجودها، يطلق عليها اسم قوة العمل.

ها هو رجل يريد الاستثمار، رجل يراكم الثروة، ويريد أن ينتج رأسمالا. فيذهب إلى السوق، بحثا عن قوة العمل. لنتبعه. يتجول في السوق، فيلتقي بالعامل،الذي جاء إلى المكان عينه، ليبيع السلعة الوحيدة التي يملكها، قوة العمل. ولكن العامل لا يبيع قوة عمله ككتلة واحدة، لا يبيعها بأكملها؛ فهو يبيع جزءاً منها، لفترة معينة، ليوم أو أسبوع أو شهر…

إذا باعها بأكملها، يصبح هو بحد ذاته سلعة؛ وبالتالي لن يكون عاملا، إنما عبدا لرب عمله.

يتم احتساب سعر قوة العمل وفق التالي: يتم جمع سعر الغذاء والملابس والمسكن وكل ما هو ضروري للعامل، خلال سنة، ليحافظ باستمرار على قوة عمله بحالة طبيعية؛ ويضاف إلى هذا السعر مجموع لما يحتاجه العامل خلال سنة حتى ينجب ويهتم ويرعى أولاده، تبعا لحالته؛ ونقسم المجموع على 365 يوما، عدد أيام السنة، ونحصل على الرقم اليومي الضروري، للمحافظة على قوة العمل: فيصبح لدينا السعر اليومي؛الذي هو الأجر اليومي للعامل. إذا أدخلنا ضمن هذا الحساب ما هو ضروري للعامل حتى ينجب ويهتم ويرعى أولاده، لأن ذلك هو امتداد لقوة عمله. إذا باع العامل قوة العمل، بشكل كامل، وأصبح هو بالتالي سلعة، أي عبدا لرب عمله، فيصبح أولاده الذين أنجبهم سلعة، مثله، أي عبيدا لرب العمل؛ لكن العامل لا يُستَلب إلا بجزء من قوة عمله، ولديه الحق بالحفاظ على الجزء الباقي منها، والأخير نجد جزءا منه في العامل والجزء الآخر في أولاده.

بواسطة هذا الحساب نحصل على السعر الدقيق لقوة العمل. ووفق قانون التبادل الذي ناقشناه في الفصل السابق، فإن السلع لا يمكن تبادلها إلا مقابل سلع لها القيمة عينها، أي أن سلعة معينة لا يمكن تبادلها مقابل سلعة أخرى إذا كان العمل الذي تتطلبه السلعة الأولى لا يتساوى مع العمل الذي تتطلبه الثانية. لكن العمل الضروري لإنتاج قوة العمل يتساوى مع العمل اللازم لانتاج الأشياء الضرورية للعامل، وبالتالي إن قيمة الأشياء الضرورية للعامل تتساوى مع قيمة قوة عمله. إذا كان العامل يحتاج إلى 3 فرنكات للحصول على كل الأشياء الضرورية له ولأسرته، فمن الواضح أن هذه الفرنكات الثلاث ستكون سعر قوة عمله ليوم واحد.

الآن لنفترض أن الأجر اليومي للعامل، الذي احتسبناه فيما سبق، يصل إلى ثلاثة فرانكات. لنفترض كذلك أنه لإنتاج 15 غراما من الفضة يحتاج العامل إلى ست ساعات عمل، أي ما يعادل ثلاثة فرانكات.

عقد مالك المال اتفاقا مع العامل، حيث وعده بدفع قوة عمله بسعر يعادل 3 فرانكات باليوم. إنه برجوازي صادق تماما وحتى مؤمن، وشديد الحرص على عدم الغش مع السلعة التي يملكها العامل (قوة العمل). لا يمكننا لومه للأجر الذي دفعه للعامل سواء في نهاية اليوم، أو الأسبوع، أي بعد ما أنتجه هذا الأخير: لأن ما قام به يمارسه كذلك بالنسبة لبقية السلع حيث تتحقق قيمتها وفق استعمالها، مثل إيجار منزل أو مزرعة، حيث يدفع مبلغا من المال عند حلول الأجل.

يتشكل العمل من ثلاثة عناصر، هي التالية:

1) قوة العمل؛ 2) المادة الأولية للعمل؛ 3) وسيلة العمل. مالك المال، بعد أن اشترى من السوق قوة العمل، اشترى كذلك المادة الأولية، وهي القطن؛ ووسيلة العمل، أي المعمل بكل أدواته، وحضر كل شيء؛ وبالتالي يبقى عليه أن يبدأ فورا بالعمل. "يبدو أن التحول من المؤكد حصوله في ملامح شخصيات قصتنا. فمالك المال يأخذ زمام المبادرة، وبصفته كرأسمالي، سيمشي في المقدمة؛ مالك قوة العمل سيتبعه كعامل لديه؛ الأول سينظر نظرة متسائلة، معبرا فيها عن أهميته وانشغاله؛ أما الثاني سيبدو خجولا، مترددا، ومضطربا، كمن أحضر جلده للسوق، ولا يمكنه الانتظار سوى لشيء واحد: أن يتم دبغه. (1)"

يصل الشخصان إلى المعمل، حيث يستعجل رب العمل عامله لكي يبدأ عمله: بصفته كغازل، يضع بين يدي العامل 10 كيلو من القطن.

العمل يتلخص باستهلاك العناصر الذي تؤلفه: استهلاك قوة العمل، استهلاك المواد الأولية، استهلاك وسائل العمل. يحتسب استهلاك وسائل العمل على النحو التالي: مجموع قيمة كل وسائل العمل، المعمل، الأدوات، المواقد، والفحم…، ونطرح مجموع قيمة كل المواد القابلة للاستخدام التي يمكن أن تبقى وسائل العمل موضوعة خارج الاستعمال بحسب وظيفتها: ونقسم ما بقي على عدد الأيام التي يمكن أن تستغرقها وسائل العمل، فنحصل على رقم الاستهلاك اليومي لوسائل العمل هذه.

عاملنا يعمل لمدة 12 ساعة يوميا. في نهاية يوم العمل، يكون قد حول 10 كيلو من القطن إلى 10 كيلو من الخيطان، فيسلمها لرب عمله، ويترك المعمل ليعود إلى منزله. ولكنه على طول الطريق، تتوارد إلى رأسه أفكار مماثلة لتلك التي تعج بها رؤوس العمال حين يبدأون بحساب، من خلف ظهور أرباب عملهم، ماذا سيربح رب العمل من الـ 10 كيلو من الخيطان. - في الحقيقة، لا أعلم كم سيدفع لقاء هذه الخيطان، يقول لنفسه، ولكن الحساب سيجريه بسرعة. رأيت أن سعر كيلو القطن في السوق يبلغ 3 فرانكات. استعمال وسائل العمل يمكن أن تبلغ 4 فرانكات في اليوم. إذا يصبح لدينا التالي:

لشراء 10 كيلو من القطن= 30 فرنك

لاستعمال وسائل العمل= 4 فرانكات

أجر عملي اليومي= 3 فرانكات

يصبح المجموع= 37 فرنك

وبالتالي تصبح قيمة الـ 10 كيلو من الخيطان 37 فرنك. لكن هكذا لن يربح رب العمل شيئا، لأنه دفع ثمنه كما هو، دون زيادة أو نقصان؛ حتى أنه فعل الأمر عينه معي، فقد دفع لقاء قوة عملي 3 فرانكات باليوم؛ إذا، لن يجد ربحا سوى ببيع الخيطان بأكثر مما تستحق. لا بد له أن يفعل ذلك: وإلا، فإنه سيصرف 37 فرنك ليحصل على 37 فرنك فقط، دون أن نحسب الوقت الضائع والجهد المبذول. هذا هو حال أرباب العمل! عبثا يحاولون أن يظهروا صادقين تجاه العامل الذين اشتروا منه قوة عمله: لكنهم دوما لديهم نقطة ضعف، ونحن العمال نعرف عوالم مهنتنا، سنكتشف ذلك على الفور. ولكن بيع السلعة بسعر أعلى مما تستحقه، هو تماما كبيع سلعة بوزن زائف، وهذا ما ترفضه السلطة. إذا، في حال كشف العمال أنماط احتيال أرباب العمل، سيرغم الأخيرون على إغلاق معاملهم، ولانتاج السلع المتوافقة مع حاجاتنا، يمكن أن يؤدي إلى افتتاح مؤسسات حكومية كبيرة: وذلك سيكون أفضل بكثير.

وفي وقت يردد فيه العامل كل هذا التحليل الجميل، يصل إلى منزله؛ وهنا، بعد أن تناول عشاءه، ذهب إلى سريره، ونام نوما عميقا، وحلم بزوال أرباب العمل وقيام المعامل الوطنية (2).

نم، يا صديقي المسكين، نم بسلام، ما دام لا يزال لديك القليل من الأمل. نم بسلام، يوم خيبة الأمل سيأتي قريبا. ستتعلم قريبا كيف أن رب عملك سيبيع سلعتك بفائدة، دون أن يغش أحدا. حتى هو سيعلمك كيف يمكن لك أن تصبح رأسماليا، رأسماليا كبيرا، وتكون في الوقت عينه صادقا للغاية. ثم إن نومك لن يكون هنيئا. سترى في لياليك رأس المال، ككابوس يضطهدك ويريد سحقك. وبعين مرتعبة ستراه ينمو، كوحش بمئة مخلب يبحث عن مسام جسدك حتى يمص دمك. وأخيرا ستراه يأخذ أحجاما ضخمة للغاية، سوداء ورهيبة، بعينين وفم تبصق النيران؛ وستتحول مخالبه لأنابيب ضخمة، سترى مقتل الآلاف من البشر، الرجال والنساء والأطفال. من جبينك سيتساقط عرق الموت، لأن دورك، ودور زوجتك وأولادك سيأتي قريبا… وستطغى على أنينك الأخير ضحكة مبتهجة للوحش، سعيدا بحالته المزدهرة لأن نذالته قد تضخمت.

لنرجع إلى مالك المال.

هذا البرجوازي، النموذج في النظام والدقة، قد أجرى كامل الحسابات ليوم العمل؛ وهنا كيفية تحديده لسعر 10 كيلو من الخيطان:

لـ 10 كيلو من القطن بـ 3 فرانكات للكيلو= 30 فرنك

لاستعمال وسائل العمل= 4 فرانكات

ولكن فيما يتعلق بالعنصر الثالث الذي يدخل ضمن تكوين سلعته، هذا الرقم الذي سجله لا يندرج ضمن أجر العامل. لأنه يعلم جيدا أن هناك فرقا كبيرا بين سعر قوة العمل ونتاج قوة العمل هذه. راتب يوم العمل لا يمثل كل ما أنتجه العامل خلال يوم العمل. فمالك المال يعلم جيدا أن أجر 3 فرانكات التي يدفعها تمثل الحفاظ على عامله خلال 24 ساعة، ولكن ليس ما أنتجه هذا الأخير خلال 12 ساعة عَمَلَ خلالها في معمله. لأنه يعلم ذلك،تماما كما المزارع يعلم الفرق بين كلفة العناية ببقرة حتى تعطيه الحليب والجبنة والزبدة… قوة العمل لديها هذه الخاصية الفريدة التي تعطي أكثر مما تكلف، ولذلك، على وجه التحديد، ذهب مالك المال إلى سوق العمل لشرائها. والعامل ليس لديه ما يقوله. فقد حصل على سعر عادل لسلعته؛ قانون التبادل جرى احترامه تماما، وليس لديه الحق في التدخل في طريقة استعماله بما يفعله رب عمله بشحمه ولحمه.

لقد افترضنا أعلاه، أنه خلال 6 ساعات عمل يمكن انتاج 15 غراما من الفضة، أي ما يساوي 3 فرانكات. هكذا، إذا خلال 6 ساعات عمل قوة العمل أنتجت 3 فرانكات، فخلال 12 ساعة تنتج 6 فرانكات. هنا الحساب الذي يبين قيمة 10 كيلو من الخيطان:

لـ 10 كيلو من القطن بـ 3 فرانكات الكيلو= 30 فرنك

لاستعمال وسائل العمل= 4 فرانكات

لـ 12 ساعة من قوة العمل= 6 فرانكات

المجموع= 40 فرانكا

وهكذا، يكون صاحب المال قد صرف 37 فرنك، وحصل على سلعة تساوي 40 فرنك: كما ربح 3 فرانكات؛ وماله أنتج له "القليل".

المسألة تم حلها، وهكذا يولد رأس المال.

--

الهوامش:

(1) العبارات بين مزودجين استخرجت حرفيا من كتاب كارل ماركس، رأس المال. [ملاحظة الكاتب جايمس غيللوم الذي ترجم هذا الكتاب من الإيطالية إلى الفرنسية].

(2) إشارة إلى تعاونيات الإنتاج التي أنشئت في باريس بشباط/فبراير 1848 للعاطلين عن العمل وقد أدى قرار وقفها إلى اندلاع انتفاضة العمال في شهر حزيران/يونيو 1848 [ملاحظة المحرر].



تعليقات الفيسبوك