صلح بريست ليتوفسك


عبد المطلب العلمي
2016 / 2 / 29 - 13:30     

صلح بريست ليتوفسك

عبد المطلب العلمي

انتفاضه اكتوبر1917 كان هدفها استكمال مهام الثوره البرجوازيه التي استنكفت الحكومه المؤقته عن تنفيذها. من اهم شعارات ثوره شباط1917، كان شعار الانسحاب من الحرب . علما ان الحاله في الجيش القيصري كانت يرثى لها ،بالاضافه لاحتلال دول المحور اجزائا من القوقاز و اوكرايينا و بيلوروسيا ،مما كان ينبئ بزوال الدوله الفتيه في حال استمرار العمليات العسكريه . لذلك كان أول مرسومين يوقعهما لينين هما مرسوم الأرض ومرسوم السلام باعتبارهما الهدفين الرئيسيين للثورة البورجوازية، كما أجرى انتخابات المجلس التشريعي في الشهر التالي وكان ذلك الهدف الرئيسي الثالث للثورة البورجوازية.

مرسوم السلام

في الثامن من نوفمبر ،اقر المؤتمر الثاني لسوفييتات عموم روسيا مرسوم السلام .في اليوم التالي انشأ المؤتمر الحكومه السوفييتيه،التي ارسلت فورا برقيه الى القائد الاعلى للجيش، طالبه منه الاتصال بجميع الاطراف المتحاربه، دول المحور و دول الحلفاء، و طلب وقف اطلاق النار و المباشره بمحادثات لعقد معاهده صلح. القائد الاعلى للجيش رفض تنفيذ الامر فتمت اقالته .على الفور قام قوميسار الخارجيه بتوجيه مذكره دبلوماسيه الى سفراء جميع الدول المتحاربه ، طالبا وقف اطلاق النار و المباشره بمحادثات لعقد معاهده صلح .
اجتمع سفراء دول الحلفاء في بتروغراد و قرروا اهمال المذكره الدبلوماسيه،و حرروا مذكره سلموها الى القائد الاعلى للجيش (المقال)يستنكروا فيها تخلي روسيا عن روح و نص معاهده التحالف. في نفس اليوم وجه قوميسار الخارجيه مذكره الى الدول المحايده ،طالبا منهم التوسط لاجراء محادثات سلام .سفراء النروج و السويد و سويسرا ،اكتفوا بالاشاره الى استلامهم المذكره،اما سفير اسبانيا فاشار الى انه ارسل المذكره الى حكومته ،فما كان من حكومه اسبانيا الا ان اقالته رأسا من منصبه بسبب فعلته هذه .
لم يتبقى لدى الحكومه السوفياتيه من منفذ سوى اجراء محادثات سلام احاديه. وافقت دول المحور راسا على الاقتراح السوفياتي ببدء المفاوضات لعقد اتفاق سلام .في 14 اكتوبر وجه لينين نداء الى دول الحلفاء يعلمهم به انه ستبدأ المفاوضات مع دول المحور ، و مقترحا انضمام من يريد من الحلفاء للمفاوضات و الا سنباشر بالمفاوضات وحدنا. نداء لينين بقى دون رد.

عقد اتفاق الهدنه

في التاسع عشر من اكتوبر ، وصلت الى بريست ليتوفسك لجنه المحادثات السوفياتيه برئاسه يوفه ، و بدات المفاوضات مع ممثلي العثمانيين،بلغاريا ،النمسا- المجر و المانيا .اللجنه السوفياتيه طرحت النقاط التاليه للتفاوض:
-وقف اطلاق النار و اعلان هدنه لمده سته اشهر.
-انسحاب القوات الالمانيه من ريغا و الجزر المقابله لها.
-يمنع نقل القوات الالمانيه الى الجبهه الغربيه .
استمرت المحادثات خمسه ايام و اسفرت عن :
-هدنه لمده عشره ايام.
-بقاء جميع القوات في مواقعها.
-اتمام تحريك القوات التي من الممكن ان تكون بدأ تحريكها قبل الاتفاق.
27 اكتوبر صدر قرار الحكومه السوفياتيه بضروره متابعه المفاوضات و تم اعداد توجيهات للوفد تصر على عقد اتفاق سلام وفقا لمرسوم السلام.
الجوله الثانيه من المفاوضات اسفرت عن تمديد الهدنه لمده28 يوما ، مع امكانيه تمديدها اوتوماتيكيا في حال لم يتم اختراقها من اي طرف من الاطراف ، و كذلك المنع التام لتحريك القوات الالمانيه الى الجبهه الغربيه.

المحادثات حول عقد اتفاق السلام (المرحله الاولى)
المحادثات لعقد اتفاق السلام بدأت في التاسع من كانون الاول .الوفد السوفياتي تكون من اربعه بلاشفه و اثنان من الاشتراكيين الثوريين بالاضافه لثمانيه عسكريين و خمسه من اعضاء السوفييتات ، ترأس الوفد بوخارين .
طرح الوفد السوفياتي شروطه لعقد اتفاق السلام على النحو التالي :
-عدم ضم اي اراضي احتلت من قبل اي طرف من الاطراف و الانسحاب منها.
-الاستقلال التام للدول التي فقدته نتيجه الحرب.
- القوميات التي لا ترغب في البقاء جزئا من دوله معينه ، يجب السماح لها بتكوين دولتها الخاصه او الانضمام الى اي دوله اخرى شريطه القيام باستفتاء نزيه .
-السماح بتكوين حكما ذاتيا للاقليات القوميه.
-عدم دفع اي تعويضات.
-مسائل المستعمرات تحل على الاسس الوارده اعلاه.
-عدم السماح باي اضطهاد قومي من قبل القوميات الاقوى و الاكبر.
بعد ثلاثه ايام من المحادثات الاوليه ،صرح رئيس وفد دول المحور عن الموافقه على الاسس السوفياتيه مع تحفظ حول مصير فلندا و ليتفا و بولندا.حسب قوله :بما ان هذه الكيانات ابدت موقفا واضحا برغبتها الانفصال عن روسيا،فان اي محادثات بينها و بين المانيا لا تعتبر ضم قصري من قبل المانيا لهذه الدول.
خلال الجوله التاليه من المحادثات طرح السوفييت اقتراحا بانسحاب قواتهم من الاراضي العثمانيه و الايرانيه و النمساويه-المجريه التي احتلوها مقابل انسحاب المانيا من فلندا و بولندا و ليتفا .يتبع الانسحابات استفتاء حول حق تقرير المصير، تحت اشراف دول محايده مع التاكيد بعدم وجود اي قوى عسكريه في تلك المناطق سوى قوات الشرطه. في المقابل اقترح الالمان اعتبار تصريح زعماء فلندا و بولندا و ليتفا و ايستلانديا حول رغبه شعوبهم بالانفصال عن روسيا(في تلك المناطق بعد احتلالها من قبل المانيا تم تشكيل حكومات صوريه تابعه فعليا لالمانيا) ،بمثابه تصريح عن حق تقرير المصير و السماح لهذه الدول بالخروج من روسيا و بدء محادثاتهم مع المانيا حول الانفصال. كذلك تسائل رئيس الوفد الالماني عن امكانيه انسحاب روسيا من الاجزاء الغير محتله المانييا من اراضي القوميات المذكوره اعلاه لكي يتم توحيد الاراضي القوميه. بالاضافه الى ان الوفد الالماني اشار الى ان اوكرايينا (السوفييت المركزي الاوكراييني)يرغب بالمشاركه في المفاوضات بشكل مباشر.
رجع الوفد الى بيتروغراد للتشاور.عقدت اللجنه المركزيه اجتماعا قررت فيه متابعه المفاوضات مع اطاله مدتها على امل تغيير في الموقف الحربي على ساحات القتال الاخرى.على اثر ذلك صاغ لينين قرار الحكومه السوفياتيه بمتابعه المحادثات و صد محاولات دول المحور تسريعها و الضغط باتجاه نقلها الى ستوكهلم مع التاكيد على اهميه تعزيز الجبهه خوفا من اختراق الماني، و كذلك توجيه وزير الخارجيه تروتسكي لرئاسه الوفد بالاضافه الى راديك البولندي من الاراضي المحتله من قبل النمسا-المجر، لمعرفته بدقائق الاوضاع القوميه في تلك المناطق.

المرحله الثانيه من المحادثات

في هذه المرحله تراس تروتسكي الوفد السوفياتي ، و اصبح يطرح شروطا و نقاط غير متفق عليها سواء مع الحكومه او مع الوفد المرافق . و اطلق ندائات للجيش الالماني للقيام بالثوره و للبروليتاريا الالمانيه لاخذ الامور بيدها و التضامن مع الدوله السوفييتيه . اي انه عارض توصيات لينين بضروره عقد اتفاق سلام باي ثمن ،طارحا شعار لا حرب و لا سلم اي ايقاف الحرب دون عقد اتفاق سلام و كأن المانيا هي الطرف الاضعف و لن تعاود الهجوم على الجبهه السوفياتيه. و تحولت المحادثات الى تمارين في الاهانات اللفظيه المتكرره من قبل تروتسكي للوفود و رد رئيس الوفد الالماني الذي كان دائما يبدأ بقوله اعترض بشده على هذاالاسلوب . حتى انه قال في احد تصريحاته: لا ادري هل جئت الى هنا للتفاوض حول السلام ام جئت الى المحادثات لتحويلها الى منصه لخطاباتك الناريه البلشفيه التي لا صله لها بالمفاوضات . كذلك استغل صفته الديبلوماسيه لكي يقوم بالدعايه و التحريض بين جنود الحاميه مما استدعى توجيه استنكار خطي الماني حول لادبلوماسيه مثل هذه التصرفات. اما في اجتماعات الوفد السوفياتي المغلقه فقد حاول العسكريون ثنيه مؤكدين له ان الوضع على الجبهات مزري و اذا هجمت دول المركز فحتما سنخسر على الاقل ثلثي اراضينا و معظم معداتنا العسكريه، و كان رده دائما انكم لا تفهمون بالسياسه ايها العسكريون.
في هذه الاثناء وصل الى بريست ليتوفسك الوفد الاوكراييني ، و باشر محادثاته مع الالمان معلنا ان السوفييت المركزي الاوكراييني مستقل و لا يخضع للحكومه السوفياتيه.و طرح مطالبه بضم مقاطعه خولمشن البولنديه الى اوكرايينا و كذلك غاليسيا الشرقيه و بوكفينا المحتلتان من قبل النمسا- المجر .وافق الالمان على ضم خولمشن الى اوكرايينا ، اما غاليسيا الشرقيه و بوكفينا فستكون مستعمره نمساويه-مجريه مع حكومه من الاوكرانيين.
في الجلسه التاليه قام رئيس الوفد الالماني بالتصريح بان المباحثات و بما انه لم تنضم اليها اي من دول الحلفاء ،فسيكون هدف المفاوضات توقيع اتفاق سلام انفصالي.النقطه المهمه التاليه كانت استفساره حول موقف الوفد السوفياتي من مشاركه اوكرايينا بالمحادثات كطرف مستقل.المفاجئه كانت موافقه تروتسكي على هذا ،مع علمه ان حاله الحرب كانت معلنه بين بيتروغراد و كييف.
في اليوم التالي طرح الالمان مطالبهم امام الوفد السوفياتي،المطالب كانت مجحفه لكنها مرتكزه على موازين القوى انذك و تلخصت بالشكل التالي:بولندا و اجزاء من اوكرايينا و بيلوروسيا بالاضافه الى ليتفا و جزر مونزوند و خليج ريغا (هذه الاراضي كانت بالفعل محتله ) ،يجب التنازل عنهم لصالح المانيا و النمسا-المجر. الوفد السوفياتي طلب مهله عشره ايام للتشاور مع الحكومه.

الصراع داخل الحزب

في السابع من كانون الثاني 1918 نشر لينين "اطروحات حول السلم"التي لاقت مقاومه كبيره من الذين سموا حينها الشيوعيين اليساريين.طرحهم تركز على رفض مطالب المانيا و انه من الافضل تقويض الدوله السوفياتيه ،عن التفاهم مع الامبرياليين .و ان الدوله السوفياتيه سوف تموت اذا لم تقم ثوره بروليتاريه في اوروبا،فالافضل لها الموت بشرف و طالبوا باعلان " الحرب الثوريه" على الامبرياليه في سبيل الثوره العالميه .تروتسكي كعادته تقلب و تذبذب بين الموقفين معلنا شعار لا حرب و لا سلم.كتب لينين لاحقا حول موقف تروتسكي هذا:" يقول الرّفيق تروتسكي أنّ السّلام سيكون خيانة بأتمّ معنى الكلمة ... إنّني أؤكّد أنّ وجهة النّظر هذه خاطئة كليّا عندما تضاف إلى الاعتبارات العسكريّة اعتبارات أخرى فإنّه لا يبقى غير الجمل ، لاشيء أكثر من ذلك . إنّ القيام بالسياسة على هذا النّحو غير ممكن..." .
اما في الاجتماع الموسع ل اللجنه المركزيه المنعقد في 8 كانون الثاني ،طرح لينين موقفه :" الحرب الثورية تحتاج جيشا، وليس لدينا جيش ... وليس هناك شك في أن السلام الذي نحن مضطرون لإبرامه الآن - فاحش، ولكن إذا بدأت الحرب، سيتم كنس حكومتنا وسيتم توقيع اتفاق السلام من قبل حكومة أخرى" .مع كل ذلك ،نتيجه التصويت كانت ضد موقف لينين الذي حاز على 15 صوتا، اما لا حرب و لا سلم فحاز على16 صوتا،الغلبه كانت لموقف الشيوعيين اليساريين24 صوتا.
مؤتمر السوفييت الثالث و بعد مناقشه الموقف من اتفاق السلام ،كان قراره تخويل الحكومه باتخاذ القرار المناسب.بدوره اعطى لينين تعليماته للوفد لاطاله المفاوضات و في حاله طرح المانيا لانذار ،التوقيع الفوري.

يتبع تجدد العمليات العسكريه و توقيع اتفاق اكثر اجحافا.



تعليقات الفيسبوك