العصافير لا تموت من الجليد القسم الأول الفصل السادس عشر والأخير


أفنان القاسم
الحوار المتمدن - العدد: 4951 - 2015 / 10 / 10 - 13:02
المحور: الادب والفن     

خرجتُ من المستشفى برفقة مارتين وألبير، بائع الحُلم، أعادني إلى بيتي في سيارته الدوشوفو. حزّوا لي رقائق اللحم المعجونة بأضراس الكلب، وضربوني بالإبر المضادة للكُزاز. سمحوا لي بالمغادرة، لكنهم أوضحوا أن عليّ العودة عدة مرات لتبديل الضماد. ألبير كذلك أصيب بعدة جروح خفيفة، لم تتطلب رغم ذلك دخول المستشفى، ولم يزل يحتفظ بضمادة على جبينه.
أعلمتني مارتين أنها طالبة، وأنها تقوم حاليًا بتحضير ماجستير في الأدب الإنجليزي، مضافًا إليه تعلم اللغة العربية في السوربون. قالت لي بالعربية الفصحى:
- كل شيء على ما يرام، يا صديقي العزيز!
سَخِرَتْ بنطقها، مع أن لها نبرة جيدة. قالت لي كذلك إنها تعيش بفضل ترجمات بالإنجليزية والفرنسية، مع أمل أن تتمكن ذات يوم من الترجمة بالعربية. من ناحيته، أعلمني ألبير أنه يقوم حاليًا بتحضير دكتوراه في الفلسفة. وفي الحال، فكرت في عادل، وقلت له لي صديق يقوم أيضًا بتحضير دكتوراه في الفلسفة. تمنى ألبير التعرف عليه، فوعدته بتقديمه له في أول مناسبة. قال لي ألبير أيضًا إنه مكلف بالإعلام في فيدرالية الحزب الشيوعي للدائرة العاشرة.
عندما كنت في المستشفى، أخبرني بيير وجورج الأشقر والمارتينيكي، أن من نتائج الحادث توحيد عمال الشهوة وعمال المتعة من حول النقابات، التي أدانت الطرق الفاشية للحراس، مما عجل في احتلال المصنع بعد الفشل الكلي للمفاوضات. إن الغضب إجماعي، وعميق، لكن المشكل الآن إيجاد حل إرسال المحروقات، لأن الإدارة، المدعومة من الحكومة (حكومة يمين هي هكذا، تتحالف دومًا مع أرباب العمل في مثل هذا النوع من المعارك)، ترفض إرسالها لتمارس الضغط علينا.
إن توقفت الأفران عن العمل، احتاجت إعادة تشغيلها إلى مدة ستة شهور على الأقل، حتى ولو كانت المحروقات جاهزة في الحال بعد توقفها، وستكون النتيجة درامية. في هذه الحال تحديدًا، لن يكون باستطاعة مصنع الأحاسيس الصمود إلا خمسة أيام فقط، مع ما يملك من محروقات.
ثم أخبرني ألبير أن فدرالية الحزب الشيوعي قد وجهت نداء إلى بلديات روح التضامن والتعاون للتعاضد مع عمال الشهوة، وذلك بتزويدهم بالمحروقات. هكذا يمكنهم تحاشي الكارثة مؤقتًا. أدان الحزب الشيوعي كذلك السلوك الداعر، العدائي، والسلبي للإدارة. بدورها، أكدت مارتين أن لحركتنا مدى وطنيًا واسعًا، بما أن كل عمال النسيج في البلد يدعموننا. سنزيل العقبات، لإشباع كل شهواتنا، لأن الإرادة استطاعة.
ونحن نخترق الرَّدْب، رأينا حسين كمن فقد عقله، وأبا لحسن، بسنيه الغارسة إياه في زمن الخراب، لا يمكنه اللحاق به:
- نشبت الحرب الأهلية في بيروت! صاح.
والراديو يزعق بين ذراعيه:
"عَقْبَ استفزاز متعمد، هاجمت عناصر من ميليشيا الكتائب سيارة كبيرة لنقل الفدائيين، كانوا في طريقهم من منطقة الطريق الجديدة إلى مخيم تل الزعتر، بعد انتهاء أحد احتفالات المقاومة. سَبَّبَ الهجوم قتل بعض الركاب، ونقل الحمى إلى مناطق أخرى."
ردد حسين بطريقة غير معقولة:
- لماذا لا يذبحون مومسي الغائط المتوحشين أولئك؟ لماذا لا ينهون عليهم، يا ماخور الغائط؟ أين البنادق؟ أين المدافع؟ أين الرجال؟...
- الرجال هم ها هنا، صاح أبو لحسن بصوته الهالك، هم ها هنا! وهذه الكتف –قال وهو يكشف عن كتفه المندمل جرحها- التي مزقها القرش لشاهدة عليّ!
- اللغم!
- القرش! رميته في شبكتي، فرماني بين أسنانه، كما رمى الكلبُ سالمَ بين أسنانه!
- في شبكتك!
- كان من اللازم أن آكله أو يأكلني.
- فأكل أحدكما الآخر!
- ليس تمامًا.
- تصرفتَ كرجل على كل حال!
- كل القروش التي اصطدتها في كل المدن الساحلية للمغرب أكلتها إلاه، فهو قرش من طولون، ليس من عندنا.
- كالكلب الذي عض سالم، كلب ليس من عندنا!
- رجل هو سالم!
- أرجل الرجال!
رافقتني مارتين حتى حجرتي، وركض ألبير إلى موعد، وهو يرميني بقوله: الحالة في لبنان ليست في غاية الجودة، ومن اللازم الترقب باحتراز. سألني إن كان لي أقرباء هناك. أخي، قلت له. هز رأسه عدة مرات، ووعد بالعودة ليأخذ مارتين. استقبلتني مارتا، وقبلتني، وهي تشكر مارتين لعنايتها بي.
- هل سمعتِ الأخبار؟ قلت لمارتا.
- أية أخبار؟ طلبت مارتا، حائرة.
- بيروت تشتعل!
توترت ملامحها:
- لا تقلق، سينتهي بهم الأمر إلى إيجاد حل.
جلست مارتين مبتسمة، مشجعة.
- سينتهي بهم الأمر إلى إيجاد حل، أعادت مارتين، من اللازم الآن أن يرص الفدائيون والقوى الوطنية الصفوف، لأن المخطط يهدف إلى تصفيتهم كلهم.
عندئذ سمعنا الصوت الصارّ لحسين:
- بلادي... بلادي... بلادي...
فتح ثورة عالأعادي!
فهمت مارتين ما يقوله بالعربية، وابتسمت.
- أخي فدائي، قلت لها.
أجابت تحت سحر كلمة "فدائي":
- مهمات هامة بانتظاره، ما في شك.
طلبت مني مارتا المجيء للأكل، لم أكن جائعًا، لكنها ألحت. أكلت مارتين معي، وأطرت مارتا. سألتها إذا ما كان طبقًا إفريقيًا.
- طبق سنغالي، حددت مارتا.
- طبق سنغالي! دَهِشَت مارتين.
- نعم، طبق سنغالي، أكدت مارتا.
- طبق سنغالي، أعادت مارتين، وهي تَطْعَمُ الطبق الطيب المذاق.
حَزَرَت ما فيه:
- ذرة، رز، بصل، ...، ما هذا الطعم الحار خفيفًا؟
- دقيق الفلفل الأحمر، هناك أيضًا قليل من الياسمين، وبعض القرنفل. لكن على الخصوص هناك لحم الغنم، أجود اللحوم. هل تعرفين لماذا؟ لأنه لحم بلا شحم. هل أعجبك؟
- كثيرًا.
- هذه هي المرة الأولى التي تأكلين فيها طبقًا سنغاليًا؟
- نعم.
- المرة الأولى؟
- نعم.
- حتى ولا مرة واحدة من قبل؟
- لا.
- والحال هذه، سأعلمك طريقة تحضيره.
- نعم، علميني.
- وإن أردتِ، سأعلمك أطباقًا سنغالية أخرى، أطباقًا...
- نعم، علميني، علميني.
- ...عديدة.
- نعم، علميني، علميني، علميني.


يتبع القسم الثاني الفصل الأول