التدخل العسكري الخليجي في اليمن وأثره على الأمن الإقليمي


لطفي حاتم
الحوار المتمدن - العدد: 4764 - 2015 / 3 / 31 - 00:27
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

اثار التدخل العسكري الخليجي في اليمن حزمة من التحليلات والتساؤلات حول طبيعة الدوافع الحقيقية الكامنة وراء قرار التحالف الخليجي بالتدخل في النزاع اليمني رغم أهدافه المعلنة التي اشارت اليها القوى المتدخلة والمتمثلة بإعادة التوازن بين القوى اليمنية المتنازعة. وبسبب خطورة هذا التدخل وأثاره المستقبلية على الامن الاقليمي أرى ضرورة تناوله بعدد من المحاور تسعى الى حصره باطار عام فضلا عن آفاق تطوره .
1ـ تعديل الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط
ــ اشر التدخل العسكري الخليجي ( * ) المباشر في النزاعات الداخلية لليمن الى ان هناك تعديلا في السياسة العامة للدبلوماسية الأمريكية تتمثل في الابتعاد عن التدخل العسكري الامريكي المباشر في دول الشرق الاوسط خاصة بعد فشلها في العراق ودول اخرى وإيكال مهمة التدخل الى الحلفاء الاقليميين.
ــ ترتبط الرؤية المشار اليها بكثرة من التغيرات الدولية بعد السيادة الدولية لاسلوب الإنتاج الرأسمالي وتطور المنافسة الرأسمالية بين قوى الكولونيالية الجديدة وبين قوى رأسمالية جديدة صاعدة .
ــ تشترط السيادة الأمريكية على الشرق الأوسط تأمين ثلاثة أهداف اساسية في مقدمتها ابعاد روسيا الاتحادية عن المنطقة العربية، اضعاف علاقتها المتميزة مع الجمهورية الإسلامية الايرانية ، فضلا عن اسقاط النظام السياسي في سورية .
ــ ايكال مهمة التدخل العسكري المباشر لدول الشرعية الوراثية في الشؤون الداخلية للدول الاقليمية الاخرى يشترطه غياب قاعدة اجتماعية في الدول العربية ساندة للتوجهات الامريكية وقادرة على حسم النزاعات بطرق سلمية.
ــ ادى غياب القاعدة الاجتماعية الليبرالية الساندة للسياسة الامريكية في دول الشرعية الانقلابية الى تخبط الدبلوماسية الامريكية عند تعاملها مع الاحتجاجات الشعبية وبهذا المسار فقد تحالفت مع الاخوان في مصر والقوى الاسلامية المتطرفة في سوريا والعراق وليبيا .
ــ ايكال التدخلات العسكرية الى الحلفاء الاقليميين عززه انفراد الدول الخليجية بعد الاحتجاجات الشعبية بالقرار العربي وعدم وجود دول عربية قادرة على صد التدخلات الدولية / الإقليمية في الشؤون الداخلية للدول الاخرى .
ــ يشير تحول التحالف الخليجي من قوة اقتصادية مترابطة والرأسمال الامريكي فاعلة في النزاعات الدولية (**) الى قوة عسكرية اقليمية تدخلية الى مسعى امريكي لربط التحالف الخليجي بالقوة الاطلسية وجعله ذراع اقليمي للتحالف الاطلسي.
انطلاقا من هذه المداخل والرؤى السياسية أحاول تحديد طبيعة النزاع الاقليمي وسماته في الظروف التاريخية المعاصرة .
2 ــ النزاع الاقليمي وسماته العاصرة.

ــ اتسم التدخل الخليجي العسكري بصبغة طائفية رغم ارتكازه على تناقض المصالح الاستراتيجية للمراكز الاقليمية ، وبهذا المعنى تتأكد طائفية النزاعات الإقليمية من طبيعة الدول المنخرطة في النزاعات الاجتماعية للدول الأخرى.
ـ تشير هوية الحلف العسكري الخليجي والأطراف العربية المشاركة فيه كونه حلفا مناهضا للتوسع الشيعي الذي تقوده الجمهورية الاسلامية الايرانية والحد من مطالبة ـ التيار الشيعي ـ في المشاركة السياسية ( ***).
ـ تطرح طائفية النزاعات الاقليمية الكثير من التساؤلات الموجعة منها : ما هي عواقب التدخلات العسكرية الإقليمية في النزاعات الوطنية ؟ ومنها ما علاقة تلك التدخلات العسكرية بالشرعيتين العربية والدولية ؟ . وقبل هذا وذاك ما هي علاقة التدخل العسكري الخليجي في اليمن بالنزاعات الدولية ؟
للتقرب من مضامين الاسئلة المثارة نعمد الى إثارة بعض الموضوعات الساندة لرؤانا السياسية.
الموضوعة الاولى ـ شكل التدخل العسكري بقيادة السعودية سابقة اقليمية تاريخية خطيرة اشترطتها تغيرات كثيرة في فكر المملكة السياسي تجاوزت استراتيجية تاريخية تتمثل في:
أ ــ المساعدات المالية للقوى الاسلامية المتحالفة معها وتطوير انشطتها في ادارة النزاعات الداخلية في دول المنطقة.
ب ــ التعويل على القوى الاسلامية المتطرفة في محاربة الانظمة السياسية المناهضة للنهوج السياسية للمملكة السعودية ، فضلا عن الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه المملكة للقوى الارهابية ومساندتها بهدف الاطاحة ينظم سياسية مناهضة لمصالحها الوطنية .
الموضوعة الثانية ــ انتقال الدبلوماسية السعودية من مرحلة عدم التدخل والاعتماد على قوى اجتماعية سلفية بديلة جرى كسرها بعد تقديم المساعدة العسكرية الى البحرين لقمع الاحتجاجات الشيعية .
الموضوعة الثالثة ــ شكل الانتقال الى التدخل العسكري المباشر نقلة دبلوماسية هامة تتفاعل فيها كثرة من العوامل أهمها مباركة الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوربية للنهج العسكري السعودي الجديد.
3 ــ التدخل العسكري والشرعيتين الدولية والعربية
ــ استند التدخل الخليجي العسكري في اليمن على مبدأ التحالفات العسكرية التي اعتمدتها دبلوماسية الولايات المتحدة لمواجهة الازمات الدولية والإقليمية وقد بدأت هذه السياسة في المنطقة العربية بعد الغزو العراقي لدولة الكويت في عام 1990 .
ــ شكلت سياسة التحالفات العسكرية التدخلية بعد انتقال حلف الاطلسي من عقيدته الدفاعية الى العقيدة الهجومية خرقا فاضحا للمواثيق الدولية ولشرعة الامم المتحدة الرافضة للتدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول الوطنية فضلا عن خرقها لصلاحيات مجلس الامن الدولي وحقه في وضع الدول "المتمردة" تحت الفصل السابع .
ــ اعتماد تشكيل الاحلاف العسكرية التدخلية من قبل حلف الأطلسي وحلفاءه الإقليمين شكل منعطفا تاريخيا في السياسة الدولية يدفع الدول المناهضة للسياسة الاطلسية الى تشكيل احلاف عسكرية مضادة وما ينتج عنها من حروب وكالة تارة وتدخلات عسكرية تارة اخرى.
ــ مناهضة التدخل العسكري المباشر في اليمن للشرعية الدولية يتزامن وخروج الجامعة العربية عن لوائحها الداخلية حيث تنص معاهدة الدفاع المشترك على مساندة الدول العربية للدولة العربية ضحية العدوان الخارجي بعكس الحالة اليمنية التي ترقى نزاعاتها الداخلية الى حرب أهلية. ( **** ).
4 ـــ ان أهداف التدخل العسكري في اليمن
عند التدقيق في التصريحات المعلنة يتوخى التحالف العسكري الخليجي الى تحقيق اهداف عديدة منها ( أ) اعادة الشرعية للنظام السياسي اليمني الناتج عن المبادرة الخليجية الخاصة في اليمن ؛
(ب) تحطيم القوة العسكرية لقوات (أنصار الله) والقوى المتحالفة معها؛
(ج) المطالبة بتسليم الحوثيين لأسلحتهم وتسليم مؤسسات الدولة للشرعية السياسية .
تستند أهداف الحملة العسكرية الخليجية الى مواقف سياسية تعتمدها دول التدخل الخليجي تتمثل باعتبار (انصار الله) مليشيا ارهابية موالية لإيران وليس طرفا وطنيا.
ومن جهة اخرى فان الاهداف المعلنة لدول التدخل العسكري الخليجي ومباركتها (عربيا) تبررها رؤية استراتيجية سعودية تتلخص بالوقائع التالية ــ
ــ الواقعة الاولى : خشية السعودية من محاولة (انصار الله) ضرب استقرار امن المملكة بسبب علاقتهم المذهبية مع ايران. وبهذا المعنى فإن توطد مكانة الحوثيين في الحياة السياسية ربما تدفع الطائفة الشيعية في السعودية الى المطالبة بحقوقها السياسية والاجتماعية.
ــ الواقعة الثانية : سيطرة الحوثيين على النظام السياسي في اليمن تثير الكثير من الاشكالات الفرعية للمملكة اهمها التداخل القبلي بين الدولتين، وجود الكثير من المتنفذين في القوات المسلحة السعودية ذوي الجذور اليمنية ناهيك عن طول الحدود بين الدولتين.
ـــ الواقعة الثالثة: تحكم الحوثيين في الموانئ اليمنية فضلا عن باب المندب باعتباره ممرا بحريا حيويا ربما يشكل خطرا على عبور الصادرات النفطية والتجارة البحرية ( **** *).
5 ـ حدود التدخل العسكري الخليجي وآفاقه
من المعروف ان استخدام القوة العسكرية في النزاعات الداخلية يهدف الى تحقيق اهداف استراتيجية كاستبدال نظام سياسي بنظام أخر او اجبار نظم سياسية متمردة على تلبية اهداف تشترطها الدول المتدخلة عسكريا ، أو دعم شرعية نظام سياسي. بهذا السياق فان الحالة اليمنية لا تخضع لتلك المعايير نظرا لوجود كثرة من العوامل المحلية المتشابكة والتي يتصدرها ما يلي:
1 ــ التدخل العسكري الخليجي في اليمن لم يستهدف نظاما سياسيا بل يطالب بفرض نظام سياسي لم تكتمل ملامح شرعيته بسبب استمرار الاحتجاجات الشعبية التي بدأت عام 2011 فضلا عن مناهضة بعض الاطراف السياسية اليمنية للمبادرة الخليجية.
2 ــ استهدف التدخل العسكري الخليجي فصائل ( وطنية ) تشكل أطرافا سياسية في بناء المصالحة الوطنية رغم لجوء بعضها الى النهوج العسكرية واستيلائها على مؤسسات الدولة اليمنية.
3 ــ أضفى التدخل العسكري الخليجي شرعية على سلطة سياسية لم يكتمل بنائها وما حمله ذلك من مساندة التدخل العسكري الخليجي لطرف سياسي ضد اطراف متنازعة أخرى.
4 ـ أدى التدخل العسكري الخليجي المتشح بصبغة مذهبية بالجمهورية الإيرانية الإسلامي بزيادة تدخلها في النزاع الداخلي حيث انها تعاملت مع الحوثيين كونهم قوى شرعية خاصة بعد استيلائهم على مؤسسات الدولة اليمنية ( * *****).
أخيرا لابد من القول ان النزاع القبلي المذهبي باليمن يعني بالتحليل الاخير نزاع بين قوى طائفية تتسم بروح (الثورة ) كما يسميها الحوثيين وبين قوى تكفيرية يمثلها فرع القاعدة في اليمن والذي يستمد العون من حزب الاصلاح ناهيك عن روح انفصالية يمثلها الحراك الجنوبي .
استنادا الى الرؤى المشار اليها يواجهنا السؤال التالي ـ ما هو مآل التدخل العسكري الخليجي في اليمن؟ للإجابة على التساؤل المذكور نرى ان هناك ثلاث احتمالات يمكن توصيفها بما يلي:
الاحتمال الأول ـ نجاح وساطة دولية / اقليمية تدفع الاطراف المتنازعة الى الحوار انطلاقا من اعادة الشرعية الوطنية للسلطة السياسية لفترة انتقالية ، وفي حال نجاح هذا المسعى تكون دول التحالف الخليجي جزء من تسوية شاملة وليس طرفا مقررا.
الاحتمال الثاني ـ انزلاق اطراف النزاع الاجتماعي اليمني الى حرب أهلية تكون محصلتها مزيدا من التدخلات الإقليمية الساندة لهذا الطرف أو ذاك.
الاحتمال الثالث ـ استمرار التدخل العسكري الخليجي وتطويره الى تدخل قوات عسكرية برية وما ينتج عن ذلك من حرب طويلة لا يمكن التكهن بنتائجها الفعلية.
استنادا الى بنية التحليل السياسية ورؤاه الفكرية نعمد الى يمكن بلورة الاستنتاجات التالية:
الاستنتاج الاول ــ شكل التدخل العسكري الخليجي سابقة تاريخية خطيرة عرّضت الامن الإقليمي لنزاعات عسكرية يصعب تحديد آثارها المستقبلية.
الاستنتاج الثاني ـ أشر انتقال المملكة السعودية من مساندة قوى سياسية مقاتلة نيابة عن مصالحها الاستراتيجية الى التدخل المباشر في النزاعات المحلية الى تحولها لقوة اقليمية تدخلية تحظى برعاية أطلسية .
الاستنتاج الثالث ـ يستهدف التدخل العسكري الخليجي المساند لطرف وطني ضد فصيل وطني أخر بناء انظمة سياسية موالية لدول الشرعية الوراثية المناهضة للديمقراطية السياسية.
الاستنتاج الرابع ــ تبني مبدأ انشاء قوة عربية مشتركة يقود الى اجهاض النظم السياسية الوطنية الرافضة للهيمنة الاقليمية / الدولية ناهيك عن تدمير مستلزمات بناء أمن إقليمي على أساس توازن مصالح دوله الوطنية .

الهوامش
* أعمد الى تسمية التدخل العسكري الخليجي بسبب طبيعة القوى الاساسية المشاركة فيه المتمثلة بالدول الخليجية الخمسة رغم مشاركة بعض الدول العربية الاخرى .
** يساهم التحالف الخليجي بفاعلية في النزاعات الدولية حيث تشكل موارده النفطية اداة سياسية للضغط على اقتصادات البلدان المستهدفة من الرأسمال الأمريكي.
*** شكلت فتوى جامع الازهر ضد الحشد الشعبي في العراق المشكل استنادا الى نداء المرجعية الشيعية دعوة مذهبية للحد من المد الشيعي.
**** ينص البروتوكول الاضافي لمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية وملحقها العسكري على أن أي عدوان على أي دولة موقعة على البروتوكول يعتبر عدواناً على باقي الدول وأي مساس بدولة من الدول الموقعة على البروتوكول مساساً صريحاً بباقي الدول الموقعة على البروتوكول .
***** استنادا الى اهمية باب المندب يمكن فهم تصريحات القيادة المصرية القائلة بان امن الخليج يعتبر خطأ احمرا ومشاركتها في التدخل العسكري الخليجي في الجمهورية اليمنية .
****** تعاملت ايران مع انصار الله ( كسلطة ) شرعية حيث احيت اتفاقيات معطلة من قبل الحكومة السابقة وشكلت جسرا جويا يوميا مع الحوثيين الامر الذي يخالف روح المصالحة الوطنية والحوار الداخلي فضلا عن اعتباره تدخلا في الشؤون الداخلية لدولة وطنية ذات سيادة.
******* تتحدد الصبغة المذهبية للنزاع الاجتماعي اليمني من طبيعة القوى الاجتماعية المنخرطة فيه والتي يمكن تحديد هوياتها المذهبية بوضوح ، انصار الله وحزب الشعب اليمني، حزب الاصلاح ، فضلا عن القاعدة.



تعليقات الفيسبوك