أدباء دمروا الأدب الفلسطيني إميل حبيبي


أفنان القاسم
الحوار المتمدن - العدد: 4640 - 2014 / 11 / 21 - 19:04
المحور: الادب والفن     


قبل كل شيء أريد أن يفهم القارئ، وعندما أقول يفهم لا أعني أنه محدود الإدراك، وإنما أن يكون الأمر واضحًا لديه، فأتدارك كل سوء فهم، أنني في هذه العجالة عن إميل حبيبي –وعن محمود درويش وسميح القاسم في مقالي السابق- لا أقوم بعملية نقد لأعمال الكاتب، وإنما بعملية نقض، اعتمادًا مني على ناحيتين، الأولى سلوك الكاتب وانعكاس هذا السلوك على إنتاجه، والثانية علاقة الكاتب بالسلطة وموقعه فيها. باب السلوك يشمل كل سيكولوجية لغة الكاتب مع إلغائي الكلي لمَانَوِيّة طبقية أو بنيوية فكرية، أنا بورجوازي إذن مدان أو أنا ماركسي إذن همام (!)، وباب العلاقة بالسلطة يشمل الأدب أدبًا كقيمة إبداعية مع وعيي الكامل أن الأدب كموقف ضد السلطة لا يكفي، هناك استثناءات فيما يخص أدباء السلطة، ومن هذه الناحية نحن لا نحاسبهم على قربهم منها أو بعدهم عنها، نحاسبهم على أعمالهم، فتشفع قيمتها الأدبية لهم، وليست هذه حال كتاب السلطة الفلسطينية، كتاب السلطة عندنا من جوه السلطة لا من بره، السلطة كخليط بليط (!) من ذرائع وطنجية وديماغوجية يكتبون حسب معاييرها، لا حسب معايير العمل الإبداعي.

تقتصر علاقتي الشخصية بالمتشائل، أريد القول بإميل حبيبي، على لقائين أو ثلاثة وتلفونين أو ثلاثة، وكان حبيبي هذا الخليط من المتشائم المتفائل، في شكله، في ظله، في فكره، في لهجته، في موقفه، التوفيقي في كل شيء. لم أزل أسمعه يصرخ على التلفون –في الطرف الآخر أبو جهاد- وكل أفراد مخابرات العالم تسمع في قاعة الفندق، "دولتان للشعبين"، وهو يعرف أن أفراد كل مخابرات العالم تسمعه، فيلح، يعيد، يكرر، وأنا بيني وبين نفسي أقول "المتفائل والمتشائم فيه يصرخان فأيهما لهذه وأيهما لتلك؟" ولو بقي حيًا لما أراحني بجواب، كما هو حال كل أعماله، لما أراح نفسه بجواب، لأن الشعور بالذنب يطارده إلى اليوم وهو داخل قبره: كحزب شيوعي وقّع وثيقة استقلال إسرائيل، كطرف اشترى أسلحة وطائرات للهاغانا، وكجائزة رئيس دولة إسرائيل إسحق شامير في ذلك الوقت (1992). فمن فعل ماذا؟ المتشائم أم المتفائل؟ من الأفضل ألا يعرف، أو أن يتجاهل معرفة أيهما، وإلا ما قطع إميل حبيبي الطريق الشائكة لتجربته السياسية وبالتالي تجربته الأدبية. كان معلقًا بين لحظتين حياتيتين في كل شيء، في المطعم أي طبق من اثنين يختار، وفي الكنيست هل هو العربي أم اليهودي؟ الإسرائيلي كان يقول لأنه مع الدمج (الاندماج) تحت تبريرات أفلاطونية (أليسه سعيدًا أبا النحس؟) لواقع لامعقول تريحه من عنائه، فلحظة العبث التي هي لحظتان كانت تطارده بلا هوادة، حتى بعد نجاحه في أن يكونَ ابنَ سلطةِ هذا الواقعِ اللامعقولِ كعضو في الكنيست، إذ حكى لي أنهم كانوا يضربونه في أحد الأزقة، بعد نقاش حاد في برلمانهم، وهو يصيح "أنا فلان عضو الكنيست!" ويواصلون ضربهم حتى يهلكونه، وفي الأخير يعتذرون له، ويتركونه ليجمع أشلاء المتشائم والمتفائل الغارقين في دمهما عن الرصيف، ويضعهما في ثوبه.

كل هذا جميل، وماذا عن أدبه؟

خلال لقاء في جامعة باريس الثامنة، سألني عن تونسي ترجم المتشائل إذا كنتُ أعرفه –انظر كيف هو مطارد دومًا بشخصيته المزدوجة!- لم أكن أعرفه، كنت قد تصفحت الترجمة لدى الناشر لارماطان، ترجمة ركيكة قلت له، ففحصني بنظرة عميقة، ولم يعلق. وفي إحدى المرات، عندما كنا نجتمع في معهد العالم العربي قبل تأسيسه، وكان للمعهد مشروع ترجمة عدد من الكتب ونشرها على حساب المعهد –يجب التأكيد على ذلك- لدى أكبر دار نشر فرنسية غاليمار، اقترحتُ المتشائل. وبالفعل، عندما صدرت تلفن لي إميل من المعهد إياه وقد تم تأسيسه، كان مدعوًا إلى المشاركة في حلقة أدبية، وعبّر عن ذلك بأنهم غرقى "حتى شوشتهم" التعبير المتشائلي بلسانه، تمنيت له النجاح ولكتابه، مليون نسخة ستباع "إن شاء الله"، فتنهد، وقال لي "إن شاء الله". مع الأسف، فشل الكتاب فشلاً ذريعًا، وسحب من المكتبات بعد عدة أسابيع، على الرغم مما يرى رولان بارت من كونية النص السردي الكيانية بالنسبة للنص الشعري، لأن خصوصيات الأسلوب الحبيبي، خصوصيات المقامة والجاحظ وأدب السيرة، لا يمكن نقلها، وعند نقلها تفقد كل نكهتها، أضف إلى ذلك أن القارئ الفرنسي المعاصر قارئ لا يلتفت إلى الوراء كما هو حاله عندنا، ولا يبهجه الأدب الساخر، وفوق هذا أدب سياسي: رواية "كانديد" لفولتير مثلاً التي استوحى إميل حبيبي منها المتشائل، منها لا من أدب التشرد الإسباني كما يقول بكل سهولة بعض النقاد الأشاوس، أساءت إلى عمله، وعملت على قتله في الغرب في مهده. لكن لهذا دلالة أخرى، ما يحمله المتشائل في أحشائه كنص من عوامل تدميره.

لماذا دمر إميل حبيبي الأدب الفلسطيني؟

مجرد هيمنته على كل هذا الرهط من الأدباء الفلسطينيين الذين تأثروا به -كما يقول الناقد صقر أبو فخر- عبارة عن تنميط وتفتيت وتدمير للأدب الفلسطيني: "تمكن من أن يُعبّد طريقاً لنفر من الروائيين الجدد أمثال يحيى يخلف وتوفيق فياض وأحمد عمر شاهين ورشاد أبو شاور وسحر خليفة وفاروق وادي وحزامة حبايب وسامية عيسى وأحمد رفيق عوض وإبراهيم نصر الله وغيرهم. ولعل سلمان ناطور، ولا سيما في روايته «أنت القاتل يا شيخ»، هو الأكثر قربًا من إميل حبيبي خاصة في أسلوبه الساخر والهذياني أحياناً." (لحظي، ويا لحظي! لم يذكرني الكاتب، وأنا، على أي حال، لا أنتمي إلى كل هذه الجوقة!).

يختلط السردي والوصفي في كل أعمال إميل حبيبي، وخاصة في المتشائل، اختلاط المتفائل بالمتشائم، إلى درجة لا تستطيع فيها التمييز بين ما هو وصفي وما هو سردي: "فإذا صدقتم حكاية التجائه إلى أخوته الفضائيين، ورحتم تبحثون عنه في ديامس عكا القديمة، فقد يصيبكم ما أصاب المحامي مع المجنون". يسرد عن أخوته واصفًا إياهم بالفضائيين، وعندما يقول فإذا صدقتم حكاية التجائه إلى أخوته الفضائيين، تمر مرور الكرام على الفضائيين كصفة وتحيلها إلى أخوته كعنصر سردي في محل مضاف ومضاف إليه، وكذلك الأمر مع ديامس عكا القديمة، القديمة كصفة لعكا وعكا القديمة المكان كعنصر سردي، وفي عبارة فقد يصيبكم ما أصاب المحامي مع المجنون، المحامي والمجنون صفتان لشخصين وفي الوقت ذاته عنصران سرديان. إنها خاصية كل تقليد أدبي كلاسيكي، وكما يقول عالم اللسانيات جيرار جينيت، في التقليد الأدبي الكلاسيكي هناك وظيفتان متمايزتان نسبيًا، الأولى وظيفة الوصف الأكثر ظهورًا اليوم، لأنها فرضت نفسها منذ بلزاك، في تقليد النوع الروائي، وهي من النوع التفسيري والرمزي في آن، التوصيف المتشائلي على أحسن وجه، والثانية وظيفة السرد، وهي من النوع الزخرفي، الموزاييك المتشائلي، والبلاغة التقليدية، البلاغة التي ينتمي إليها أدب حبيبي، بلاغة تضع المحسنات اللفظية على مستوى واحد وتعابير الأسلوب، ما بين محسنات الخطاب: فيبدو الوصف الرحب التفصيلي كاستراحة في الحكاية، لدور جمالي محض، كالنحت في واجهة كلاسيكية. وسينتهي الأمر بالإكثار من الوصفي المحسناتي –وهذه هي حال الكتابة الحبيبية وكل مدرسته- إلى تدمير توازن الحكاية السردية وزوالها.



باريس الجمعة 2014.11.21