سنوات الجمر ... فى عمر مصر (2011 - 2014) : الجزء الثانى.


طارق حجي
الحوار المتمدن - العدد: 4477 - 2014 / 6 / 9 - 22:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

وجاء اليوم الذى حلم به الإخوان منذ أسس حسن البنا (ومن وراءه شركة قناة السويس والمخابرات البريطانية وسلطان نجد وملك الحجاز ) ففى 30 يونيه 2012 أصبح محمد مرسي وهو رجل بلا أي معني سوي كونه من إختاره المرشد العام للإخوان المسلمين ليكون رئيسا لمصر. بعد أيام قليلة من هذا التاريخ جمعتنى مناسبة اجتماعية بأهم شخصين فى السفارة الأمريكية فى القاهرة وهما السفيرة ونائبها الذى يحمل لقب "نائب رئيس البعثة". فى هذا اللقاء سألتهما عن سبب المدة الطويلة التى استغرقتها عملية فرز الأصوات وهل هناك احتمال ان تكون المدة قد طالت لإقناع المجلس الأعلي للقوات المسلحة بضرورة إعلان فوز محمد مرسي ؟ وفأجأتنى السفيرة بقولها أن أحمد شفيق حصل بالفعل على أصوات أكثر مما حصل عليه محمد مرسي ولكن "ربنا ستر" واقنعنا كل الأطراف بأن إعلان فوز محمد مرسي سيجنب مصر حربا أهلية كانت ستؤدي لتدخل أمريكي عسكري ! وكان ردي أن وصول الإخوان لحكم مصر هو الذى سيجلب الحرب الأهلية فروح مصر ونهج الإخوان متضادان بالطبيعة. فأخذت السفيرة الأمريكية تشرح بشكل مسهب كيف أن الإخوان قد أصبحو تيار سياسي معتدل وذكرت شيئا تحقق قبيل نهاية نفس العام (2012) عندما قالت : ان نضج وتطور الإخوان وصل لدرجة قبولهم بدولة إسرائيل بل وبتطوعهم لترويض "حماس" (الإسم الأصلي لحماس هو "الإخوان المسلمون فرع غزة" وتبدل ل "حماس" وهى إختصار "حركة المقاومة الإسلامية" فى 1986 وبتوجيه شخصي من شيمون بيريز رئيس وزراء اسرائيل الأسبق ورئيس دولة إسرائيل الآن). وبالفعل فقد طور الإخوان المسلمون فى مصر إتفاق هدنة وعدم إعتداء (بأوسع تعريف متصور لتعبير "عدم الإعتداء") بين منظمة حماس التى تحكم فى مقاطعة غزة وبين الحكومة الإسرائيلية ووقع المرشد العام للإخوان المسلمين فى مصر على هذا الإتفاق كضامن لإلتزام حماس بتنفيذ إتفاق عدم الإعتداء على إسرائيل. وهكذا بدأ حكم الإخوان المسلمين لمصر بتأييد أمريكي عارم وقبول من المجلس الأعلي للقوات المسلحة المصرية. وستمر سنوات لنعرف ما الذى حض المجلس على قبول هذه الضغوط : هل إقتنع المجلس بأن عدم تسليم حكم مصر للإخوان سيؤدي فعلا لحرب أهلية فى مصر ؟ أم أن تهديدات أمريكية أقسي هى التى دفعت المجلس لقبول وصول الإخوان لحكم مصر ؟ أم أن المجلس رأي أن وصول الإخوان لحكم مصر ليس من قبيل تسليم مصر للإخوان وإنما هو من قبيل تسليم الإخوان لمصر ! ... ورغم أنني لا أستطيع أن أقدم بشكل موثق ما يثبت قناعتى فإن ضميري يفرض علي أن أقول أننى أعلم أن المجلس الأعلي للقوات المسلحة المصرية لم يكن يرغب على الإطلاق فى تسليم حكم مصر للإخوان. بل رفض رئيس المجلس العسكري فى مرحلة سابقة للإنتخابات الرئاسية فى 2012 إقتراحا من الأستاذ محمد حسنين هيكل بإسناد منصب رئيس وزراء مصر لمحمد مرسي ، ويومها قال رئيس المجلس للأستاذ هيكل : "غير معقول أن أسلم الحكومة للإخوان". ولكن هذا كان سابقا لوصول زخم الضغوط الأمريكية لما وصل له فى مايو ويونيه 2012. وبعد ستة أسابيع من وصول محمد مرسي لرئاسة مصر قام برضاء أمريكي تام بإقصاء أهم شخصين فى القوات المسلحة المصرية وهما وزير الدفاع ورئيس الأركان وتم تعيين أصغر أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية اللواء (وقتها) عبدالفتاح السيسي وزيرا للدفاع وقائدا عاما للقوات المسلحة مع ترقيته لرتبة الفريق. ومنذ الأسابيع الأولي لتولي محمد مرسي منصب رئيس مصر بدأت مكتب الإرشاد وهو أعلى هيئة فى جماعة الإخوان المسلمين فى تنفيذ "خطة التمكين" التى قال المرشد السابق مهدي عاكف أنها تعني وجود شخصية إخوانية فى كل المواقع الهامة فى الدولة ؛ وهو ما بدأت عملية تنفيذه بسرعة من الأيام الأولي لمحمد مرسي فى القصر الجمهوري. وقد أصاب تعيين بعض الشخصيات العارية من المؤهلات والقدرات عدا الإنتماء للجماعة ذهول المصريين ولا سيما عندما وضع الإخوان مسخا فى منصب وزير الإعلام ومسخا ثانيا فى منصب وزير الثقافة. وضمن عملية التمكين أو بالأحري "أخونة مصر" تم سلق دستور 2012 الذى لا يدرك كل من له دراية بالدساتير انه كان دستورا يؤسس بجلاء لدولة غير مدنية بل لدولة دينية. وإستمرت عملية أخونة الدولة المصرية المتعجلة. وقبل نهاية سنة 2012 كان كل المصريين غير المنتمين لجماعة الإخوان قد وصلوا لقناعة بإستحالة ترك عملية أخونة الدولة المصرية لتكتمل لأن فى ذلك القضاء المبرم على روح مصر واستبدالها بروح أخري لا تتواءم مع المكونات التاريخية والثقافية والإجتماعية لأقدم دولة ومجتمع على سطح الكرة الأهلية. وكان وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي من هؤلاء الذين إستشعروا خطورة ما يقوم به الإخوان. لذلك فقد قام بالدعوة لإجتماع تحضره كل ألوان الطيف الفكري والسياسي للتباحث. ولكن نائب المرشد (خيرت الشاطر) قام بإلغاء الإجتماع فى ذات اليوم الذى كان مقررا ان ينعقد فيه. وعندما وصلت رسالة الإخوان للمجتمع بانه لا مجال لمناقشة مع احد حول مجريات عملية أخونة مصر ، لم يعد هناك بديل من التمرد والعصيان العام. وبدأت الحشود الجماهيرية تتوالي تحت شعار "إرحل". وعندما تواصل الصمم الإخوانى نبتت فكرة جمع توقيعات من المصريين الرافضين لحكم الإخوان. وبينما إتفق نائب المرشد خيرت الشاطر والسفيرة الأمريكية آن باتيرسون على أن عدد التوقيعات لن يتجاوز مليون او مليونين فقد فوجيء العالم بتجاوز عدد التوقيعات 20 مليونا ... وهو ما أعطي المقاومة السياسية دفعة معنوية هائلة فقدمت لمحمد مرسي طلباتها والمتمثلة فى أن يجري إستفتاء شعبيا حول بقاءه او رحيله ، او يدعو لإنتخابات رئاسية مبكرة ، او أن يستقيل. وأمام رفضه للخيارات الثلاثة أعلنت القوي السياسية انها يتحشد الملايين فى العديد من مدن مصر للمطالبة برحيل الرئيس الإخواني وحددت يوم 30 يونيه 2013 لهذه الحشود ، وهو اليوم الأخير فى سنة محمد مرسي الرئاسية الأولي. ومرة أخري تجتمع السفيرة الأمريكية بنائب المرشد ويتفقا على ان الحشود ستكون صغيرة ومحددودة وغير مؤثرة. بل ان السفيرة الأمريكية أبرقت يومها لحكومتها مؤكدة ان ميدان التحرير سيخلو قبل منتصف الليل من الحشود. ولكن الرياح تأتى بما لا تشتهيه سفن الإخوان وسفن الأمريكيين ! فقد إحتشد أكثر من ثلاثين مليون مصري ومصرية فى عدد كبير من مدن مصر فيما يمكن وصفه بأكبر ثورة شعبية فى العالم. يومها كان أمام الجيش المصري خياران لا ثالث لهما : إما أن يصمت ولا يكون له موقف مؤيد لجماهير الشعب المصري وهو ما يعنى قتال دموي فى شوارع مدن وقري مصر بين الرافضين لحكم الإخوان وبين ميليشيات الإخوان المسلحة والمدربة ، وإما الإنحياز لجانب الشعب (كما فعل الجيش المصري منذ أسسه محمد علي منذ أكثر من قرنين) ... وفى يوم 3 يوليو 2013 تناغم جيش مصر مع روحه وعقيدته الوطنية وإنحاز لجانب ملايين المصريين الذين كانوا هم من قرر الا يستمر حكم الإخوان لمصر - إنتهى المقال الثاني من سلسلة "سنوات الجمر فى عمر مصر : 2011 - 2014).


تعليقات الفيسبوك