كامبودج: من الخمير الحمر إلى النظام الراهن، مسؤوليات الامبريالية


المناضل-ة
2014 / 5 / 13 - 07:04     

لفهم الصراعات السياسية التي شهدتها كامبودج في الأشهر الأخيرة ، لا غنى عن العودة إلى تاريخ البلد الحديث، وهو تاريخ مأساوي على نحو خاص. تعيد محاكمة اثنان من قادة الخمير الحمر المفتتحة في أكتوبر 2013 إلى الأذهان ان تلك الأحداث خلفت ندوبا ما أبعدها عن الالتئام. لا سيما أن الحاكمين اليوم – بدءا بالوزير الأول، هون سين- متحدرون جزئيا من حركة الخمير الحمر.


لا يمكن إثارة هذا التاريخ دون العودة عمليا إلى الأحداث التي طبعت مجمل سكان تلك المنطقة من آسيا. كما يستحيل عدم العودة إلى مسؤولية الامبريالية.

إن كامبودج، التي يقطنها اليوم زهاء 14 مليون نسمة، هو احد أفقر بلدان العالم ( الرتبة 187 في ترتيب النتاج الداخلي الإجمالي الفردي سنة 2012، في نفس مستوى موريتانيا). وقد تعرض منذ النصف الثاني من القرن 19 للسيطرة الاستعمارية الفرنسية.

من الحرب الهند الصينية...

كان لكامبودج "لؤلؤة الامبراطورية" ضمن الهند الصينية الفرنسية ، وضع حماية وظلت شكليا ملكية مستقلة، لكنها الإدارة المحلية كانت كلها تقريبا مشكلة من موظفين فرنسيين.

سعت فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى الحفاظ على ممتلكاتها الاستعمارية رغم معارضة متنامية من السكان، وانخرطت بدءا من العام 1946 في حرب قذرة في الهند الصينية ضد الفييت منه، وهو جبهة وطنية بقيادة الحزب الشيوعي الفيتنامي بقيادة هوشي منه .

واصل هذا الحزب الانتساب إلى الشيوعية، لكن يبق ببرنامجه لا يمت بصلة إلى أفكار ماركس و لينين. لقد تكون في مدرسة الستالينية، فلم يكن يناضل لإطاحة الامبريالية، بل من أجل "فيتنام محررة من الامبريالية". وبقاموس مستعار من الماركسية كانت منظوراته منظورات وطنيين برجوازيين.

و بالإفادة مما واجهت فرنسا من مصاعب في فيتنام، انتزع ملك كامبودج، نورودوم سيهانوك، سنة 1953 استقلال بلده. وقي مايو 1954 مني الجيش الفرنسي بهزيمة مدوية في ديان بيان فو، واضطر قادة الامبريالية الفرنسية إلى بدء مفاوضات مع الفييت منه.

فرضت الاتفاقات الموقعة بجنيف، في يوليو 1954 ،تقسيم فيتنام إلى قسمين، الشمالي بقيادة الفييت منه و الجنوبي لنظام مرتبط بالمعسكر الغربي. في حقبة الحرب الباردة تلك، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية، التي خلفت فرنسا في مكانة القوة الامبريالية الرئيسة، تريد إن يؤدي استقلال فيتنام إلى تعزيز المعسكر السوفييتي بالمنطقة.

... إلى التدخل الأمريكي في فيتنام

في السنوات اللاحقة، تبين عجز النظام القائم في الجنوب، وقد نسفه الفساد، عن مواجهة القوى التي تحارب بقيادة الحزب الشيوعي، من أجل إعادة توحيد البلد. فاضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تكثيف تدخلها العسكري في فيتنام وأوحلت بدورها، بعد فرنسا، في " المستنقع الفيتنامي". نذكر بان أكثر من 8 مليون جندي أمريكي شاركوا في تلك الحرب القذرة التي صبت فيها الولايات المتحدة الأمريكية من القنابل أكثر مما جرى تفجيره في الحرب العالمية الثانية، وبانها أودت بحياة ملايين الفيتناميين. وحسب حصيلة وضعتها الدولة الفيتنامية في 1995، قتل في الحرب مليون محارب شيوعي و 4 مليون مدني.

كان نوردوم سيهانوك، على رأس دولة كامبودج، ينهج سياسة توازنات بين مختلف القوى المتواجهة بالمنطقة. شارك عام 1955 في مؤتمر"عدم الانحياز" في بادونغ باندونيسيا الذي نظمته الدول الرافضة الاندماج في احد المعسكرين السوفييتي و الأمريكي المتجابهين آنذاك.

وسعى، وهو يقمع المعارضين، لاسيما الشيوعيين الكامبودجيين، الى عدم الظهور كبيدق للأمريكان، ما كان قد يؤدي إلى فقده الاعتبار لدى السكان، وحاول إبقاء البلد بمنأى عن الحرب الدائرة عند جاره الفيتنامي.

لهذا السبب انتهى به الأمر في 1965 إلى رفض المساعدة العسكرية الأمريكية، و سار أبعد ساعيا صراحة إلى التحالف مع الصين بقيادة الحزب الشيوعي لماو تسي تونغ، ما كان يبدو تحديا للولايات المتحدة الأمريكية.

كان سيهانوك يتساهل مع وجود معسكرات الفيتكونغ بكامبودج، على الحدود مع فيتنام، مع قبول مد الولايات المتحدة الأمريكية قصفها الجوي الى كامبودج لتدميرها، ملقية بذلك بساط قنابل على سكان هذا البلد. لم تكن هكذا سياسة قابلة للاستمرار أمدا طويلا.

كادمبودج تنجر الى الحرب

قررت الولايات المتحدة الأمريكية إزاحة سيهانوك، فنظمت إطاحته في 1970 من طرف الجنرال لون نول الذي كان تابعا لها بالكامل. وكان النظام الجديد بقيادته مواليا صراحة للأمريكان، وقابلا التدخل العسكري الأمريكي على ترابه. كما كان قمعيا بوجه خاص، وفاسدا و ممقوتا أكثر فأكثر من قبل السكان.

وتطورت تجربة حرب غوار بقيادة الحزب الشيوعي الكامبودجي المؤسس عام 1960 من قبل مجموعة مناضلين كانوا أقاموا في فرنسا بين عامي 1949 و 1953 لأجل الدراسة. فيما لم يكونوا غير شباب ديمقراطي وطني، انخرطوا في الحزب الشيوعي. وكان بول بوت، واسمه الحقيقي سالوث سار، أحدهم، وأصبح القائد الرئيس للخمير الحمر، وهو الاسم الذي عرف به الشيوعيون الكامبودجيون.

وبخلاف الفيتناميين الذين كانوا مرتبطين بالسوفييت، كان شيوعيو كامبودج يقيمون علاقات مميزة مع صين ماو. وحصلوا على دعم السياسي من سيهانوك الذي نفى نفسه إلى الصين بعد إطاحته و سعى إلى إيجاد قوى تتيح له مواصلة القيام بدور سياسي.

عندها انجر البلد كليا إلى الحرب. وفقدت الحكومة المركزية بالتدريج التحكم بمعظم البلد. وهرب السكان بكثافة من مناطق الحرب لاجئين إلى العاصمة بنوم بينه.

ولقي نظام لون نول نفس مصير نظام فيتنام الجنوبية، وانهار أمام تقدم الخمير الحمر الذين دخلوا العاصمة بنوم بينه يوم 17 ابريل 1975.

الخمير الحمر في السلطة

كان قادة الخمير الحمر شكلوا جهازهم العسكري في الأدغال، بعيدا عن رقابة الجماهير،ـ التي كانوا محتاطين منها لدرجة إبقاء كل ما يتعلق بمنظمتهم السياسية [انغكار، أي المنظمة بلغة كامبودج]في سرية تامة. وأثناء مدة طويلة ، ظل دور بول بوت مجهولا لدى الأكثرية، حتى المناضلين، الذين لا يعرفون قائدهم سوى تحت اسم " الأخ رقم 1".

كان قادة الخمير الحمر حذرين بوجه خاص من كل الفئات الميدينة التي يعتبرون أنها أشد استعصاء على التحكم من الجماهير الفلاحية. هذا ما حدا بهم فور دخولهم بنوم بينه إلى تنظيم إجلاء تام للسكان ونفيهم نحو القرى. وفيما بعد لقيت باقي المدن المصير ذاته.

مستعيرين شعار ماو الذي سعى إلى جعل الصين" وثبة كبرى الى أمام"، كان الخمير الحمر يتحدثون عن "وثبة عظمى الى أمام": يجب ان يبلغ البلد الاكتفاء الذاتي الغذائي بسير حثيث ويعيش في استكفاء.

هذه التصورات، الرجعية بمجمل الأحوال، باتت هذيان غباوة عند دفعها حتى نهايتها القصوى: كان النظام يزعم، بمبرر قطع أي صلة بـ"الغرب البرجوازي"، التخلي حتى عن الأدوية، مفضلين رسميا علاجات الخمير التقليدية . هكذا ظلت المستشفيات مهجورة طيلة فترة حكم الخمير الحمر، باستثناء بنية مخصصة لأقلية من الاطر القيادية.

نظم النظام المجتمع برمته على شاكلة معسكر عمل هائل حيت يتعين على جميع السكان تكريس النفس للزراعة و أشغال السقي، فارضا شروط حياة مرعبة وديكتاتورية شرسة كان من ضحاياها العديد من الخمير الحمر، بعد حملة من "التطهيرات" وفق التقاليد الستالينية. ويُقدر عدد قتلى نظام بول بوت بزهاء 2 مليون ، نتيجة القمع والعمل الاجباري ونقص التغذية.

بول بوت، خليفة ستالين وماو

لم يكن لتلك التصورات أي آصرة بالأفكار الشيوعية التي واصل الخمير الحمر الانتساب إليها مدعين أنهم "الغوا النقد". كانت تلك الرؤية الوطنية و النكوصية في تعارض مع أفكار ماركس و لينين، الذين لم يتصورا المجتمع الشيوعي إلا على نطاق عالمي، على أسس تطور الرأسمالية ذاتها.

سيمثل المجتمع الشيوعي تقدما على الرأسمالية لأنه سيكون قادرا على تنظيم تعاون البشر واستغلال ثروات الكوكب على نحو اكثر عقلانية. وكل تصور آخر لن يمثل غير نكوص قياسا بما بلغت الرأسمالية من تطور.

وليس من أصغر جرائم الستالينية أنها أزالت الافكار الأممية من داخل الحركة الثورية. نشرت البيروقراطية الستالينية، المتحدرة من انحطاط ثورة 19017 الروسية، داخل الحركة الشيوعية تصورات وطنية مناقضة لتلك التي ألهمت سياسة سنوات النظام السوفييتي الاولى، من قبيل " إمكان بناء الاشتراكية في بلد واحد" و الضرورة المزعومة للنضال من أجل تشكيل جبهات وطنية .

كان بول بوت و أنصاره ورثة الستالينية و أحد تنويعاتها، أي الماوية. لكن لم يكن بوسع نظام الخمير الحمر أن يفرض نفسه بكامبودج لولا سنوات الحرب التي سببتها الامبريالية لهذا البلد، مع كل المصائب المترتبة عنها، على الصعيد المادي والإنساني. إن الامبريالية أول من أغرق هذا البلد في فوضى المعارك وهمجيتها، متيحة للخمير الحمر إيجاد أنصار قادرين على استعمال هكذا عنف ضد السكان لاحقا.

الامبريالية تتحالف مع الخمير الحمر

في العام 1979، ردا على سياسة عدوانية من السلطة القائمة في بنوم بينه، اجتاحت الفيتنام كامبودج و أطاحت نظام بول بوت، مستبدلة إياه بحزب منشقين عن الخمير الحمر(FUNSK)، ومنهم هون سين الذي لا يزال حتى اليوم على رأس كامبودج.

عاد الخمير الحمر الى الغابات. وساندهم من جديد سيهانوك الذي كان عارضهم فترة بعد انتصارهم. وبما أن فيتنام كانت حليفا للاتحاد السوفييتي، رفضت الولايات المتحدة الأمريكية، وبقية المعسكر الغربي، الاعتراف بالنظام الكامبودجي الجديد. وفي منظمة الأمم المتحدة، ظل ممثل من الخمير الحمر في مقعد كامبودج، وبوجه خاص استفاد الخمير الحمر من الدعم المالي و العسكري للولايات المتاحدة الأمريكية و الصين. وبفعل ذلك استمرت حالة الحرب عقدا إضافيا في كامبودج. كان كامبودج إحدى بؤر عدم الاستقرار المتوقفة تسويتها على علاقات الشرق و الغرب. وكان زوال الكتلة السوفييتية وانسحاب الاتحاد السوفييتي من المنطقة قد أتاح للقوى العظمى الغربية توقيع اتفاقات باريس في أكتوبر 1991 التي وضعت كامبودج تحت وصاية منظمة الأمم المتحدة حتى تنظيم انتخابات، مع إدارة البلد من قبل سلطة مؤقتة للأمم المتحدة في كامبودج (APRONUC)، مسنودة بنشر زهاء 21 ألف جندي.

نتجت عن الانتخابات التشريعية المنظمة في مايو 1993 أغلبية نسبية للحزب الملكي بنسبة 47 % ، وهو حزب يجمع انصار سيهانوك FUNCINPEC على حساب حزب الشعب الكامبودجي، الاسم الجديد للحزب الذي وضعه الجيش الفيتنامي في السلطة بقيادة هون سين. و تشكلت حكومة ائتلاف بين الحزبين في 16 يونيو بقيادة وزيرين أولين: الأمير نورودوم سيهانوك و هون سين. ويوم 24 سبتمبر 1993 أعيدت الملكية و اعتلى سيهانوك العرش.

توطيد الاستقرار لصالح زمرة عسكر وساسة

عارض الخمير الحمر، المبعدين من السلطة، النظام وواصلوا التحكم بمناطق هامة على حدود تايلاند التي كانت تساندهم. لكن، بدءا من العام 1996، حظي النظام بانضمام قسم منهم. وأدت الخلافات إلى تفكك ما بقي من تلك الحركة. في 1997 تعرض بول بوت ذاته لـ"تطهير"، و توفي، حسب ما ُيعلم اليوم، سنة 1998 فيما كان معتقلا من قبل رفاق له.

أدت نهاية حالة الحرب إلى إعادة نظر في التوازن بين من كانوا يتقاسمون السلطة بقمة الدولة. جرى امتحان قوة خرج منه هون سين منتصرا بتنظيم انقلاب في 1997 مكنه من تحجيم مكانة القوى الملكية، لكن دون إلغائها.

ومذاك، ُيسير هون سين الدولة دون شريك. وعبر عن رغبته في البقا ء وزيرا أولا حتى عمر 74، أي 12 سنة إضافية. .. أتاح توطيد استقرار النظام اغتناء قادة الجيش والاستيلاء على المناصب " المجزية"، وتملك أجود الأراضي مع إعادة التملك الخاص بعد عهد الخمير الحمر. وتتقاسم زمرة متحدرة من آفاق متنوعة – خمير حمر قدماء وملكيون- السلطة والتمكن من فرص الانتفاع. والجميع يحمي مصالح الرأسماليين، ومعظمهم أجانب- الذين ينظمون الاستغلال الفاحش للطبقة العاملة الكامبودجية.

القائد الراهن للمعارضة، سام رانسي، متحدر من الحركة الملكية. بعد أن كان وزيرا في 1994، جرى إبعاده وانتهى إلى خلق حزبه الخاص في 1998 باسم "حزب سام رانسي". ولهذا بالأقل فضل توضيح حدود برنامجه. ..

ومنذ سنوات عديدة، وحد المعارضة بوجه هون سين لكنه لا يمثل بتاتا أمل تغيير، في أي مجال، طالما هو على صورة الزمرة السياسية التي تتنازع السلطة منذ سنوات.

31 مارس 2014

مجلة Lutte de Classe عدد 159 (ابريل 2014)

تعريب : المناضل-ة



تعليقات الفيسبوك