حسن خليل - كاتب وناشط يساري مصري- في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: مهمات اليسار المصري الملحة.


حسن خليل
الحوار المتمدن - العدد: 4320 - 2013 / 12 / 29 - 14:35
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -120 - سيكون مع الأستاذ حسن خليل - كاتب وناشط يساري مصري -  حول: مهمات اليسار المصري الملحة .


ليس سهلا معالجة هذا الموضوع في ظل حالة السيولة السائدة محليا و عالميا و في المنطقة. و بالطبع لا معني لتكرار المحفوظات عن الاشتراكية و العدالة و الديمقراطية أو حتي عيش حرية عدالة اجتماعية . فهي لا تقدم جديدا بل تشوش الفكر و السلوك العملي أيضا. لنحرر عقلنا و نعود للتصميم الأولي و نبدأ من جديد و نفحص البناء بكامله عبر دراسة للواقع الملموس. و ليس المطلوب أن ننتهي بقائمة بالأهداف و المطالب فربما تأتي في وقت لاحق. فهذه أحيانا أيضا تشوش الفكر عن السياق الذي يصنعها أو يقف ضدها. فقد يتحقق هدف و لكنه لا يخدم مجمل السياق و قد يكون هدفا ما ممكنا و لكنه ليس مدرجا علي القائمة المطبوعة في الفكر. أن البحث عن مهمات اليسار يجب أن يركز علي هذا السياق و علي استشراف المستقبل القريب و المتوسط . و رغم ذلك فيجب أن يصل تحليلنا إلي نقطة جوهرية و مركزية لأننا لا نتحدث عن مهمات اليسار بل عن مهمات اليسار الملحة.

نقطة الانطلاق

نقطة انطلاقنا أن اليسار يعتمد الصراع الطبقي أداة و يسعى للتعبير عن مصالح الطبقات الشعبية مع التأكيد علي أن سلوك هذه الطبقات فعل مستقل تماما عن اليسار ربما باستثناء لحظات خاصة جدا في التاريخ. فما هي صورة الصراع الطبقي الدائر محليا و عالميا؟ لنتوقف لحظة و نسأل سؤالا أظنه محوريا في هذا السياق و هو أولوية السياسية علي الاقتصاد أم العكس . عندما نتكلم عن الصراع الطبقي فأننا نتكلم عن صراع اجتماعي شامل يحتوي مستويات متعددة اقتصادية و سياسية و ثقافية و قانونية الخ فالصراع الطبقي يجد انعكاساته المعقدة في كل مناحي الحياة. و حينما نتحدث عن أولوية الجانب الاقتصادي فنحن ضمنيا نتحدث عن مساحة زمنية واسعة نسبيا. فمثلا مبارك لم يكن مستبدا إلا لأن الاستبداد كان حتميا كي تجني طبقته الأرباح الهائلة من ريع الدولة و من عرق الكادحين. و هذا أيضا الركن الأساسي في تفسير الانتشار الواسع لليمين الديني و أيديولوجيته الشديدة الرجعية و التخلف فهي كانت الغطاء الأيديولوجي الضروري لتمرير الاستبداد و هي لم تكن أيديولوجية قاصرة علي ما يسمي تيار الإسلام السياسي بل هي أيضا أيديولوجية الطبقة الحاكمة لحد كبير .فالعنصر الاقتصادي هو القادر علي تفسير كل هذه الظواهر في كليتها .كما أن العنصر الاقتصادي قد يكون أيضا المفسر المباشر لواقعة سياسية محددة . مثلا أنهيار الاقتصاد المصري عام 1987 و العجز عن دفع فوائد الديون كان سببا مباشر لتغيير علاقة النظام بصندوق النقد الدولي. لكن من ناحية أخري فأن ثورة يناير كفعل سياسي أعادت بناء مجمل الحياة السياسية . السياسية هنا -و ليس الاقتصاد – هي مفتاح فهم الواقع المصري ككل في أعقاب الثورة . و حتي علي مستويات أصغر يمكننا أن نجد أن السياسية كانت مفتاح أساسيا لفهم تعرجات الواقع . مثلا أخذ نظام مبارك موقفا حادا من الإخوان عقب مظاهرة الأزهر العسكرية التي أقاموها . فلا يمكن فهم سلوك نظام مبارك حينذاك دون هذه الحادثة المحددة . أن المستوي السياسي يعمل ضمن المستوي الاقتصادي الأوسع تأثيرا زمنيا غالبا .التناقض الاجتماعي بين من يملكون و من لا يملكون هو محرك التاريخ لا شك في هذا و من هذا التناقض تنبع تناقضات عديدة في مستويات و مجالات مختلفة . و أحد هذه التناقضات التابعة يمكن أن تكون في لحظة معينة لها الأولوية حتي علي العنصر الاقتصادي المباشر فنجد السياسية لها الأولوية أو القانون أحيانا أو حتي أمور شديدة الثانوية في حد ذاتها – مثلا توريث الحكم لجمال مبارك – أو شخصية هذا المسئول أو ذاك – بالتأكيد الشخصية المحافظة البيروقراطية لمبارك طبعت بطابعها عصره كله.لذا فمن الضروري بحث كل ظاهرة بشكل جدي للوصول إلي ذلك التناقض ذي الأولوية في هذه الظاهرة تحديدا علي أن نفهمها في السياق العام للصراع الطبقي. و كاتب هذا السطور كتب مقالا عن دور الأزمات السياسية في تخلص الرأسمالية المصرية من مآزقها المتتالية.
 


الثورة المصرية بشكل عام

تميزت الثورة المصرية في يناير 2011 بصراع مركب و متعدد الأطراف . فمن ناحية هناك انتفاضة شعبية هائلة ضد الاستبداد و القمع و ألإفقار و النهب لنظام مبارك. و من ناحية أخري صراعا بين القوي الرأسمالية الرجعية داخل النظام نفسه بين شريحته الأكبر العسكرية البيروقراطية و بين شريحته الرجعية الدينية.و عقب الثورة أنفتح الباب أمام حياة سياسية وليدة من ناحية و عملية سياسية ثورية من ناحية أخري و ارتفعت وتيرة الحركة الاحتجاجية التي شملت قطاعات واسعة من الشعب. من الناحية الأساسية كانت الحياة السياسية الوليدة تحت هيمنة الرجعية الدينية و الأحزاب اليمينية المدنية و بعض من القوي الديمقراطية . الحياة السياسية كانت ملك للبرجوازية الكبيرة و هذا منطقي فهي الأقدر علي الأنفاق و الحشد و الأكثر تنظيما . و استمرت الظاهرة بعد 30 يونيو الحياة السياسية من ناحية لجنة الخمسين ملك لهذه الطبقة و من ناحية أخري الإخوان يمتلكون المعارضة . لا ينفي هذا وجود قسم محدود من الطبقة الوسطي الديمقراطية تشارك أيضا. سواء قبل 30 يونيو أو بعدها كما اتضح من الانتخابات البرلمانية الأولى و من تركيب لجنة الخمسين كذلك. أما العملية السياسية الثورية فهي بكاملها ملك للطبقة الوسطي الديمقراطية و داعميهم من فقراء المدن . و هي عملية سياسية معادية من حيث الأساس للحياة السياسية الرسمية و تنتهج أساليب مختلفة عنها . و قد كان هدف المجلس العسكري في فترة حكمه ضم – بالقمع الشرس – هذه العملية الثورية و إخضاعها للحياة السياسية. و ما معركة محمد محمود قبيل انتخابات البرلمان إلا صورة من هذا. و في انتخابات الرئاسة مالت قوي ثورية لمرسي تعبيرا – من جانب – عن رفضها لهذه الحياة السياسية المنظمة . لكن صعود مرسي لم ينجم عنه إلا الاستمرار في نفس المخطط و أضيف ألية تحطيم الحياة السياسية تحطيما بالإعلان الدستوري و المواجهات المستمرة بين مرسي و أجهزة الدولة المختلفة.لكن في مواجهة تدهور الحياة السياسية في عهد مرسي خاصة بعد مسيرات لا للدستور انتعشت العملية الثورية عبر المواجهات المفتوحة مع الإخوان خصوصا في المحافظات. و نجحت هذه العملية الثورية في فرض نفسها في النهاية علي الحياة السياسية و الإطاحة بمرسي. بعد 30 يونيو تراجعت العملية السياسية الثورية لسببين من ناحية ادعاء الإخوان أن أعمالهم الإرهابية هي أستمرار لها و من ناحية أخري التحالف المؤقت الذي نشأ في مواجهة الإخوان. و سوف نعرض ل 30 يونيو فيما بعد . الآن يجب أن نوسع مساحة الرؤية لننظر خارج الحدود

التدخل الإمبريالي يعقد الصورة أكثر . فالطرف الإمبريالي بعد المفاجأة الأولى للثورة تصور أنه يمكن أن يجند الثورة ذاتها لصالح مشروعه لهيمنه شاملة علي المنطقة كجزء من صراع القوي العالمية. و من هنا الدعم المحموم من الولايات المتحدة للمشروع الإخواني . لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فقدرة الولايات المتحدة علي التأثير تتراجع و المشروع الإخواني نفسه شديد الخطورة كما يتضح من سوريا و من ليبيا. و في مصر التي تحتل مركزا خاصا فأن المشروع الإخواني رغم تقديمه لكل ما طلب منه فشل في الحكم . فكانت 30 يونيو و ما تلاها في مواجهه الولايات المتحدة – و لو شكليا – بما أنها في مواجهة الإخوان. يضاف للتدخل الإمبريالي مستوي أخر من التعقيد و هو صراع القوي الإقليمية – الحقيقية أو الافتراضية – علي النفوذ و الغنائم في تلك المجتمعات التي أنهكتها الثورات الشعبية و أبرزها إيران و تركيا ثم قطر و غيرهم
 


30 يونيو و المرحلة الانتقالية


30 يونيو تحالف عرضي بين تقريبا مجمل طبقات الشعب و القوي السياسية ضد الإخوان برئاسة الجيش . هذا التحالف العرضي بدء في التفكك التدريجي بعد إزاحة مرسي . تفكك ناجم عن حدة التناقضات الطبقية بين مكوناته من ناحية و عن السلوك السياسي للحكومة و المتحكمين . ثم قررت الطبقة الحاكمة فك هذا التحالف بإصدار قانون التظاهر و ما لحق ذلك من أعتقال عدد من النشطاء.و فك هذا التحالف العرضي من قبل قوي النظام أوقع اليسار و غيره في مأزق حرج مازال كثيرين لا يدركونه. فمن ناحية إذا أرادوا تحدي المرحلة الانتقالية و أفشالها فهم بذلك لا يفعلون سوي تمديد هذه المرحلة الانتقالية و أبعاد لحظة الوصول لمجتمع منظم بشكل طبيعي. و هذا في حد ذاته لصالح قوي النظام التي تهيمن بل يحمل مخاطر أستدعاء ديكتاتورية عسكرية سافرة و مدعومة شعبيا أيضا. كما أنهم بعرقلة المرحلة الانتقالية أنما يصطفون – موضوعيا – مع الإخوان و القوي الإرهابية الأخري مهما علت صيحاتهم بالاستقلال.و من ناحية أخري فأن أستمرار تأييد المرحلة الانتقالية يعنى الاصطفاف مع قوي النظام -موضوعيا أيضا-و المشاركة في جوقة التهليل له رغم مخاطر الدولة الأمنية التي لا شك فيها. و هذا المأزق المركب ناجم عن أن الصراع بين القوي العسكرية و البيروقراطية ضد الإخوان أخذ بعدا شعبيا لصالح العسكر بشكل واضح و تأكد ذلك بسلوك الإخوان الإرهابي. يقول المثل حينما تتصارع الأفيال يعاني العشب . و ليس أدل علي هذا المأزق من الموقف من الدستور الجديد. بين تأييده للخلاص من المرحلة الانتقالية و الاستفادة من بعض التحسينات التي يحتويها مقارنة بدستور 2012 و المغامرة بتأييد النظام . و بين رفضه و المغامرة الأكثر خطورة بإقرار دستور أسواء منه ( 2012 أو 71) و استطالة المرحلة الانتقالية.أن كثيرا من اليساريين يحصرون رؤيتهم لقضية الدستور في حدود الحياة السياسية و مكوناتها بل أن بعضهم يصل لحد الغرق في النص نفسه و يضفي عليه قوة ليست له . أن المأزق المشار الية هو تجلي لمأزق الثورة – و سنعود لهذه النقطة – المستمر منذ يناير 2011 . أن القضية ليست قضية دستور القضية هي السلطة السياسية هذا هو جوهر الأمر و كل انحراف عن فهم جوهر الصراع يقود بلا جدال لنتائج خاطئة . فلا قوي الثورة قادرة علي فرض سلطتها و لا النظام موحدا مما يستنهضها و أنما منقسما علي نفسه في صراع مرير علي السلطة بين الإخوان و غير الإخوان. و يذيد من حده هذا المأزق الطبيعة الشعبية لثورة 30 يونيو – سمها حلقة أو انتفاضة أو ما تشاء – فقد فوض الشعب هذا النظام كي يعبر به إلي حياة طبيعية و هذا التفويض هو أقوي سلاح في جعبته و هنا فارق أساسي مع تجربة الاختيار بين مرسي و شفيق.
 


السياسية مقابل الاجتماعية

فى مواجهة المأزق المركب مأزق الثورة ككل و مأزق الحياة السياسية عقب 30 يونيو – كما أشرنا من قبل – ظهر توجه و سط اليساريين و بعض منظمات المجتمع المدني يمكننا تسميته بالتوجه "السياسي" و خلاصته أن علينا أن – كقوي يسار و الخ – أن نشكل معارضة سياسية تستند للقانون و حقوق الإنسان و منظمات المجتمع المدني لمقاومة بطش النظام و قمعه و تغوله. و هذا الطرح علي وجاهته -بشكل عام – يعيبه أساسا أن كل هذه الدائرة هي بلا جذور شعبية حقيقية من ناحية و تراوح بين أيدي النظام نفسه . فالنظام هو من يسمح بالمنظمات الحقوقية و غيرها و هي تدور في فلك القانون الذي صنعه هو. و بالطبع تستند هذه لدعم دولي لكنه يحمل ثمنا باهظا نراه الآن واضحا في شبه التربح و الترويج لأجندة أجنبية و الخ .
و علي الجانب الأخر فأن أتجاها أخر يري أن حلا للمأزق المشار ألية يمكن تسميته "الاجتماعي" أي أن تركز قوي الثورة علي بناء مرتكزات علي الأرض عبر بناء مؤسسات نقابات و جمعيات و تحالفات و تعاونيات الخ . أي أن تخلق بديلا اجتماعيا يمكنه في مرحلة لاحقة أن يكون أساسا لتعديل النظام بشكل ما. و رغم أن مثل هذا التوجه أفضل كثيرا من التوجه "السياسي" من ناحية أنه يركز علي خلق أساسا لقوي الثورة فأنه يصطدم أيضا أولا بعدم الإجابة علي سؤال ما العمل الآن و ليس غدا و كذلك يصطدم بالروح الحماسية لدي الشباب الذين لا يمكنهم أن يروا أشياء من نوع قانون التظاهر تمضي دون مواجهه واسعة – رغم أنها غير ممكنه عمليا.
و سوف أرجي تناول أوسع لهذين التوجهين لأخر المقال حتي نستعرض مازق الثورة بشكل أكثر عمقا. و لنركز الآن علي جزء أخر من الصورة و هو الدولة.



الدولة كتجسيد للمأزق


كما هو معروف فأن الدولة المصرية هي أقدم دولة في العالم . و هذا بحد ذاته نعمة و نقمة. و مع انهيار الناصرية انسحبت الدولة من التنمية من ناحية و أصبحت أداة الاستغلال الأكثر فسادا. فرأسمالية المحاسيب لم تقم إلا علي أكتافها و نهبا لريعها الذي هو ملكا للشعب و خصما مما يمكن تقديمه له.و كان من الطبيعي أن يؤدي الفساد و الافساد لتحلل تدريجي لهذه الدولة التي تحولت إلي ساحة صراعات علي المغانم المحرمة بدلا من أن تكون حتي جهازا بيروقراطيا يخدم الطبقة الحاكمة بشكل عام و يؤمن حكمها. و الثورة لم تنادي أبدا باستبدال هذا الجهاز بل علي العكس طالبته بإنجاز أهدافها في الحرية و العدالة الاجتماعية. فاقتصرت علي المطالبة المثالية بإعادة هيكلتها . أي لم تبادر الثورة بطرح دولة جديدة مهيكله سلفا لصالحها لاستبدال تلك الفاسدة المتعفنة. رغم رفق الثورة مع الدولة فأن الثورة المضادة لم تكن كذلك فالصراع الضاري بين جناحها الحديث و الديني كان يدور جانبا أساسيا منه حول هذه الدولة مصدر القوة و الغنائم . و هو ما أضاف تحللا علي التحلل . و يمكن رؤية تجليات هذه الظاهرة الأوسع خارج الحدود في ليبيا و اليمن. فالصراع علي النفوذ علي أرضية التحلل الاجتماعي لابد و أن يؤدي لتحلل الدولة و صوملتها كما يقال. و كثيرين لا يلقون بالا لمخاطر تحلل الدولة المصرية باعتبارها أمرا مستبعدا أو مجرد حيلة لتخويف قوي الثورة. و الحقيقة أن هذا خطرا حقيقيا ماثلا يوميا لكل ذي عنين في أختفاء الأمن و العودة للولاءات الطائفية و العشائرية و حتي إهمال القانون و معاقبة المجرمين مباشرة من قبل السكان الغاضبين بأبشع الأشكال. و بالقطع ذلك لا يتساوي مع ليبيا فقط ليبيا تمثل مستقبله. و يمكن فهم وضع الدولة أولا بادراك تحللها التدريجي السابق علي الثورة علي خلفية الفساد ثم مساهمة الثورة الكبيرة في مذيد من تفكيك الدولة بفعل الثورة ذاته و ليس باستهدافها بشكل خاص و في نفس الوقت غياب مؤسسات شعبية أكثر ديمقراطية يمكنها أن ترشد و تمتن هذه الدولة المتحللة.
 


مأزق الثورة المصرية بشكل عام :
(ملحوظة أجزاء من هذا منقولة عن مقالات سابقة)

قامت الثورة المصرية ضد نظام رأسمالي متخلف تابع يتخذ من الاستبداد الشامل شكلا لحكمه. و من الناحية الأساسية لم تطرح الثورة إلا تجاوز شكل الحكم الاستبدادي لشكل حكم تعددي. و رغم أنه لو حدث و أنتقل شكل الحكم في مصر لهذه الصورة جدلا فسيكون هذا تقدما مهما. إلا أن السؤال هو هل يمكن أقامة نظاما تعدديا سواء برلمانيا أو رئاسيا في مصر مع الاحتفاظ بنفس النظام السياسي الاجتماعي الرأسمالي التابع؟

النظام البرلماني في أوروبا لم ينشأ مجرد أن قوانين وضعت و دساتير كتبت تتيح تعدد الأحزاب و تداول السلطة و الفصل بين السلطات. بل نشأ هذا النظام لتوفر أساس مادي له. يتمثل هذا الأساس المادي في مستوي عال من التشغيل و مستوي عال من التراكم الرأسمالي -بما في ذلك نهب المستعمرات - يسمح بأن تكون كتله ضخمة من السكان -وخاصة الطبقة الوسطي- قانعة بهذا النظام. كما يتمثل هذا الأساس المادي بتطوير أيديولوجية رأسمالية -و غالبا قومية- تشكل مضمون الوعي العام لهذه الكتلة و تخفي حقيقة أن هذا النظام التمثيلي الديمقراطي هو ديكتاتورية طبقية لصالح الطبقة الرأسمالية. و بدون توفر هذين العنصرين يصبح بناء شكل حكم تعددي أمرا مستحيلا.بل أن هذا الشكل في الحكم ينقلب إلي ديكتاتورية سافرة في الأزمات الكبري -الحروب مثلا و الكوارث الاقتصادية- ففي مثل تلك اللحظات يسحب السكان تأييدهم لهذا الشكل و تظهر حقيقته كديكتاتورية رأسمالية و يصبح بقاؤه مستحيلا. النظام البرلماني لا ينهي الصراع الطبقي لكنه يحاول وضع أطر لهذا الصراع بما يخدم مصالح الرأسمالية. و حينما يشتد الصراع الطبقي يتخلى البرلمان عن دوره للديكتاتورية الصريحة.

و الأزمة المالية العالمية بدأت تكشف طبيعة هذا النظام البرلماني لشعوب شمال المتوسط.فإذا بها تكتشف أن أنظمه حكمها التي تدعي الحكم باسم الشعب أنما تعمل -خصوصا في اللحظات الحاسمة- لصالح طغمة مالية صناعية مهيمنة معززة بترابط وثيق مع نظائرها في البلدان الأخري

و علي مستوي أخر طرحت قوي الثورة ما تسميه "العدالة الاجتماعية" و هي كناية عن أعادة توزيع الثروة ولو جزئيا لصالح أوسع قطاعات الشعب. و لا يمكن النظر لإعادة توزيع الثروة بمعزل عن مستواها و عن الطبقات المشاركة في إنتاجها. فالطبقة الأكثر عددا في مصر الآن -و التي لعبت دورا رئيسيا في الثورة- هي طبقة المهمشين -أو أشباه البروليتاريا - الذين يقعون بشكل شبه كامل خارج عملية الإنتاج و هم بالتالي لحد بعيد خارج أي أعادة توزيع للثروة إلا بشكل هامشي. فمثلا أبرز شعارات العدالة الاجتماعية وهو الحد الأدنى للأجور لا ينطبق عليهم لأن ليس لهم أجور أساسا. فالرأسمالية المصرية بأجنحتها المختلفة لم تتدهور و تتحول للتبعية إلا لعجزها المزمن عن أقامة تنمية كفيله باستيعاب جموع السكان. و هزيمة 67 العسكرية لم تأتي إلا لمزيد من تعميق أزمة الرأسمالية المصرية. و مع هذا التدهور و مع توقف التنمية تضخمت في مصر بشكل سرطاني تلك الطبقة المهمشة . أذن فإعادة توزيع الدخل يجب أن تنطوي علي أمرين أولهما أنتزاع علي الأقل جزء من الفائض الضخم الذي يوجه للطبقة الرأسمالية ذاتها و ثانيهما أستئناف التنمية الصناعية و الزراعية الضرورية لأمداد السكان بحاجتهم و استيعاب المهمشين.

.و مع الفشل في تطوير قوي الإنتاج تراجعت أيديولوجية الناصرية أيضا و عجزت الرأسمالية المصرية عن أن تقدم أيديولوجية مهيمنة تصوغ حكمها خاصة في العقود الماضية فاستعارت الإيديولوجية الدينية الرجعية و كرستها و هذا هو أساس صعود تنظيم الإخوان و التنظيمات السلفية. فهي كلها مدعومة من السلطة التي ليس لها ما تقدمه لأوسع الجماهير.فنتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة تعكس ما عملت الرأسمالية علي تكريسه طوال العقود السابقة عبر الإعلام و التعليم.

مأزق الثورة المصرية أذن هو أنها تحاول تغيير شكل الحكم الاستبدادي بشكل أخر تعددي ضمن النمط الرأسمالي التابع بينما هذا النمط لم يلجا لشكل الحكم الاستبدادي إلا لعجزه المزمن عن توفير تطوير كافي لقوي الإنتاج و بالتالي بناء أساس مادي لنظام تعددي.الثورة المصرية تحاول أن تجبر الرأسمالية علي أتخاذ شكلا للحكم لم تتخلي عنه هي نفسها إلا كنتيجة لعدم قدرتها علي توفير متطلباته. بالتعبير الشائع الثورة المصرية تحاول عمل من "الفسيخ شربات”.

علي مستوي أخر فأن نفس هذه الثورة فجرت الصراع التقليدي علي السلطة بين أجنحة الطبقة و هو صراع دموي دائما بما أن نفس الطبقة أخذت الاستبداد شكلا لحكمها و بالتالي حالت دون تصفية أكثر سلمية لصراعاتها. و ها نحن نري الإخوان يقومون بأعمال إرهابية في الشارع و قبله مؤامرات متنوعة في مواجهة خصومهم و الأخرين بالطبع يردون كل سعيا للسيطرة علي السلطة . و قد كانت صراعات الطبقة بين أطرافها دائما عنيفة و دموية حتي في عدم وجود الثورة (أزمة مارس 54 – ثورة التصحيح 71 ) وجود الثورة هو الذي طرح إعادة توزيع كعكة السلطة و بالتالي فجر الصراعات التقليدية. مأزق الثورة هنا أنها فتحت الباب لصراع أجنحة الطبقة بينما تفتقد القدرة علي حسم هذا الصراع علي السلطة.


رؤية مستقبلية

ثورة يناير رفعت شعار الشعب يريد إسقاط النظام . و بعد ثلاث سنوات و ثلاث مراحل لم يسقط النظام بعد . أزيح مبارك للحفاظ عليه ثم تم تجنيب المجلس العسكري – و ليس انهاء سلطته كما يتوهم البعض – أيضا للجفاظ علي النظام و جاء الإخوان بمباركة أمريكية لنفس الغرض حتي فشلوا في القيام بالمطلوب منهم . و سقطوا هم أيضا لكن النظام بمعني السياسيات و الشخوص و هيكل الدولة مازال كما هو . و لن يتحقق أبدا شعار "الشعب يريد أسقاط النظام" طالما لا يرافقه شعارا يقول الشعب يريد أقامة كذا . و هذا يلخص أزمة هذه الثورة تلخيصا شاملا. و يكشف أيضا الطبيعة الطبقية للقوي البرجوازية الصغيرة التي تتصدر مشهدها السياسي. فهي غير قادرة علي تقديم بديلا . لا علي مستوي الشعار و لا حتي علي المستوي العملي كل طاقتها الثورية تتلخص في الانفجارات الزاعقة. و الشعارات الجزئية تنبع من نفس المنبع مثل يسقط حكم العسكر أو كل من خان الخ . كلها شعارات محكوم عليها بالحفاظ علي جوهر ما ترفضه رغم نجاحها في تبديل الوجوه أحيانا. و في فقرة سابقة تناولنا المقابلة بين التوجه السياسي و التوجه الاجتماعي وسط اليسار. و كلاهما يدور في نفس الأطار و أن كان يركز علي جانب ما من جوانب النضال المطلوب أما الدفاع عن الحريات العامة أو بناء بديل اجتماعي. و كلاهما لا يقدم شعارا جامعا للنضال . أن شعار "جمهورية ديمقراطية شعبية " يجب أن يكون أساس كل نضال في أي مجال كان بما في ذلك الفكري و السياسي. و هذا الشعار يقتضي بناء بديل أجتماعي يكون أساس اقامة هذه الجمهورية . و لا شك أنه شعار ليس قريب التحقيق لكن لا يوجد للاسف شعار اخر أكثر قربا فكما ذكرنا حتي الشعب يريد أسقاط النظام لم يتحقق و لم نقترب من تحقيقه بعد 3 سنوات. أن الدول التي شهدت تقدما اجتماعيا تكشف أن هذا التقدم لا يمكن تحقيقه دون يسار يستند ألي حركة عمالية و حركات مقاومة اجتماعية واسعة و قوية تشكل ظهيرا له. اليسار في مصر مطلوبا منه أن يسعي لبناء هذا البديل الاجتماعي حول شعار جمهورية ديمقراطية شعبية. هذا البديل مكونا من نقابات و جمعيات و مؤسسات الخ تكون بمعني ما وازنه للدولة المتهاوية و في نفس الوقت ضمانه ضد الفوضي. و بالطبع لا يمكن أن نستدير لمطالب الحريات العامة و لا لدولة القانون الخ لكن نراها من منظور تحقيق الجمهورية الديمقراطية الشعبية.

الجمهورية الديمقراطية الشعبية هي جمهورية يحكمها تحالف طبقي واسع و هي شكل مرن يستوعب مستويات متعدده من التقدم و التراجع حسب تطورات الصراع المحلي و العالمي. و هي بالقطع جمهورية مدنية علمانية ديمقراطية تعددية و هي أيضا جمهورية تنموية بالأساس.

هل يحق لنا أن نأمل؟

وسط كل هذا التخبط و الإرهاب و التفكك و وسط كل هذا الغياب اليساري عن الشعب و وسط صراعات الطبقة العنيفة بأجنحتها و وسط كل هذا التخلف الأيديولوجي و السياسي و سط كل تلك المصائب التي تنهمر علي رؤوسنا يوما و راء يوم هل يحق لنا أن نأمل؟
نعم يحق لنا أن نأمل
يحق لنا أن نأمل لان شعبنا استيقظ علي ثورته و اصبح الاستمرار تحت نفس النظام أمرا مستحيلا شرط أن نلتزم بهذا الشعب شرط أن نتغلغل في تربته شرط الا نتصور أننا أوصياء عليه أو متحدثين باسمه و طبعا شرط أن نقدم له النصيحة لتحقيق مصالحه.
يحق لنا أن نأمل لأن اليسار أخذ يتخلص و أن ببطئ و تردد من الدوجمائية و السفسطة الفارغة و عاد لحد ما يري العالم كما هو و ليس كما تصوره الكتب شرط أن نساهم في أنضاج تيارات يساريه جديدة تستلهم روح هذا القرن.
يحق لنا أن نأمل لان ثورتنا جاءت مبكرة في موجة ثورية عالمية مرتبطة بإعادة ترتيب العالم ثورة ستعيد ترتيب هذا العالم و تطلق حركات جديدة و قوي جديدة و أفكار و نظريات جديدة .




تعليقات الفيسبوك