ايران 5+1 ، جنيف 2، وتفكيك جبهة الاسلام السياسي”الممانع“


عصام شكري
الحوار المتمدن - العدد: 4299 - 2013 / 12 / 8 - 03:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

نووي ايران وكيماوي سوريا وطائرات حزب الله بدون طيار، ترسانات ستراتيجية لمحور الاسلام السياسي المعادي لامريكا والغرب واسرائيل. توضع هذه الترسانات اليوم في اغلبها تحت طائلة التفكيك باتفاق امريكي روسي. هل يعني ذلك الاتفاق من الناحية العملية انهاء "ممانعة" الاسلام السياسي الراديكالي للغرب بعد عقود ؟ هل يعني بداية سقوط الدعامة الايديولوجية الاهم لذلك المحور والتي استند اليها لعشرات السنين من اجل الهيمنة على مقدرات الجماهير بشعارات ديماغوجية بررت القتل والسجون والحروب؛ الشيطان الاكبر، الغرب المستكبر، اتحرير القدس ورمي اليهود في البحر؟!

"الشبح" الثوري الذي برز قبل سنتين في تونس ومصر وليبيا وسوريا، ادى الى فقدان توازن البرجوازية، ليس فقط ممثلة بالحكومات العربية الدكتاتورية الفاسدة، بل ايضا للحكومات ”الامبريالية“ الكبرى التي بدت شديدة القلق من الريح الثورية العاصفة بمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا والتي الهمت مليارات البشر بما فيها مواطنيها انفسهم.

ولكي لا يبدو طرف الاسلام السياسي الممانع لامريكا واسرائيل في المنطقة مغلوبا على امره او معترفا بالتنازل لعدوه اللدود، فانه بدأ يسلك طريق الواقعية السياسية !. وبدلا من ادعاءات المؤامرة الدولية، والشيطان الاكبر، وتحرير فلسطين من النهر الى البحر، باتت تلك الانظمة وتوابعها الدونكيشوتية تتحدث عن الدبلوماسية الدولية وطاولة الحوار والعقلانية والمراحل الانتقالية للتغيير.

منذ ضرب النظام السوري غوطة دمشق بالاسلحة الكيمياوية وقتل اكثر من الف مواطن للتخلص من سيطرة المعارضين له حول دمشق تم، وباتفاق دولي، لفلفة الموضوع بعد تدخل روسيا وتهديداتها. وسرعان ما تم الاتفاق على التهدئة وبشكل يحافظ على ماء وجه كل من المعارضة البرجوازية ومن خلفها من السعودية وقطر وتركيا من جهة والنظام الدموي وشبيحته وخلفه الجمهورية الاسلامية وحزب الله وبالطبع روسيا والصين.

فسرعان ما تخلت امريكا عن خيار "الضربة العسكرية" واقتصر الامر في النهاية على امرار قرار يقضي بتدمير اسلحة الاسد الكيمياوية في البحر وبشكل اقرب الى المجاملة الدولية لجريمة ارتكبت في وضح النهار. اما على الجبهة السياسية فان الصراع بين قوى المعارضة وقوات النظام لم يسفر عن اي تقدم لاي منهما بل الى المزيد من التدمير والطائفية. جنيف 2 اقترحت كتجسيد للاتفاق الامريكي الروسي من اجل وضع المنطقة، مرة اخرى، "تحت السيطرة".

الجمهورية الاسلامية ، ومن خلال قبولها بالاتفاق مع 5+1 افصحت عن تنازلها الواضح الى امريكا منذ استيلاء الخميني على السلطة واعلانه امريكا الشيطان الاكبر في العالم. اليوم تسعى الجمهورية الاسلامية لتصوير الخضوع والاذعان للارادة الامريكية ك"انتصار دبلوماسي" يؤكد على حيوية الجمهورية الاسلامية !!. الا ان الازمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها النظام وحالة التذمر والنقمة الواسعة داخل صفوف الجماهير من شظف العيش والفوارق الطبقية الهائلة والقمع الوحشي وحملات الاعدامات ومن التدخل الفض لرجال الدين والملالي في حياتهم، هي التي اجبرت النظام على هذا الخضوع.

وفي منطقة اخرى لهذا المحور، لبنان، يواجه حزب الله ، التنظيم الاكثر عقائدية داخل هذا المحور بسبب احتكاكه المباشر باسرائيل، مأزقا سياسيا عميقا نتيجة قراره ”اللا ارادي“ بالخوض في "الوحل" السوري وخاصة بعد معارك القصير؛ انخفاض ارصدته السياسية بشكل كبير حتى داخل محازبيه وملاليه بل وحصول انقسامات داخل الطائفة الشيعية نفسها ازاءه. اما سبب تصفية اسرائيل لحسان اللقيس – القائد الميداني العسكري له مؤخرا فلا يرجع حتما الى محاولتها الرد على ”جحود“ امريكا ضدها بل الى اعادة شحن الاجواء لاستعادة حزب الله لبعض البريق الذي فقده خاصة وان قافلة شهداءه اليوم تأتي من العمق السوري بدلا من ”الجنوب الصامد“.

الخيط الرابط لكل الاحداث المتسارعة الاخيرة هو هبوط منحنى المحور الممانع للاسلام السياسي الذي تمثله الجمهورية الاسلامية وحلفاءها في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين (حماس والجهاد). ان الاتفاق الايراني مع دول 5+1 وجنيف 2 المتوقع في اواخر كانون الثاني المقبل سيسهم بشكل اكيد وان بشكل ابطئ على مواقف حزب الله ويحوله من مقاوم الى "شريك سياسي“ ولكن (وللمفارقة هذه المرة) دون رصيد اجتماعي كالسابق. فعدا عن تقليل التمويل عن هذا الحزب وربما الطلب منه صراحه انزال شعاراته الحادة ضد ”المستكبر“ من قبل قيادة المرشد نفسه، فانه سيتحول الى قائمقام للضاحية والجنوب لا اكثر.

ليس سبب هذه التغيرات قرار الانظمة البرجوازية التحول الى المصالحة طوعا بسبب ما يدعى انه تراجع الوهج الثوري او تحول الربيع العربي الى ”صيف“ قائض بل بالعكس. فالثورات التحررية التي اندلعت في المنطقة والتي حاول الغرب ان يجهضها باستقدام الاسلاميين الموالين له، واهتزاز عروش العديد من الحكومات الدكتاتورية، ومنها سوريا وايران، واسقاط الجماهير لحكومتين في مصر وقريبا في تونس وخروج مهول لجماهير سوريا لاسقاط نظام فاشي متوارث، كل ذلك دفع قوى الاسلام السياسي الى التخبط في محاولة للحصول على موطئ قدم داخل الاحداث، الا ان حصتها لم تكن الا المزيد من الانزواء والتراجع بسبب تحررية الثورات، مما ادى الى دفعها دفعا الى احضان ”اعداءها“ لانقاذ مصيرها.

قلنا مرارا ان حياة الطبقة البرجوازية لم تعد ممكنة دون دم وقتل وارهاب ودين وطائفية وتمييز ضد المرأة وتحقير للقيم الانسانية. ليس ممكن لهذه الطبقة بعد اليوم ان تديم حياتها بشكل روتيني وطبيعي وبالتالي فهي تقع في قلب تناقض وتعارض قطبي مع طموحات الجماهير بالحرية والمساواة والرفاه والثقافة الانسانية والابداع وتطوير الحياة والدفاع عن كرامة البشر من التطاول عليها من قبل الدين والقومية والتعصبات المذهبية والتمييز الجنسي.

مع معاهدة ايران و5+1 ومع جنيف 2 وبغض النظر عن النتائج المباشرة لهذه الاتفاقيات والمؤتمرات فان المؤكد هو ان تغييرا جديا قد شرع عنوانه انحدار نفوذ الاسلام السياسي المعادي للغرب في المنطقة بشكل ينزع عنه قدراتها الايديولوجية ويضعه في تضاد قطبي مع حركة الجماهير المطالبة بالحرية والعلمانية والمساواة والكرامة الانسانية.



تعليقات الفيسبوك