ثيوقراطية أم إستراتوقراطية أم ديمقراطية أم بزرميطية؟


خليل كلفت
الحوار المتمدن - العدد: 4167 - 2013 / 7 / 28 - 00:41
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

1: الديمقراطية هى حكم الشعب؛ والثيوقراطية هى الحكم الدينى، أو الدولة الدينية، أو حكم الله، أو الحاكمية لله، أو الحكم بمرجعية الشريعة، أو مبادئ الشريعة لا فرق، أو صيغة "الإسلام -أو غير الإسلام- دين الدولة"؛ والإستراتوقراطية من كلمة "إستراتوس" stratos اليونانية بمعنى "جيش" هى الحكم العسكرى أو حكم أو سلطة الجيش، وللحكم العسكرى تسميات وأشكال كثيرة منها حكم اللجنة العسكرية أو المجلس العسكرى أو "الخونتا" junta مثل الحكم العسكرى للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة المشير طنطاوى فى أعقاب ثورة يناير. أما البزرميطية فهى الصيغة العملية الفعلية التى تجمع بين عناصر شتى لها وجود مادى وأيديولوچى فعلىّ فى المجتمع والثقافة والدولة حيث الجيش جزء أساسىّ وقوىّ لا يتجزأ من الطبقة الحاكمة وسلطتها التنفيذية التى هى السيدة الفعلية لكل سلطات الدولة ليس فى العالم الثالث فقط بل فى البلدان المتقدمة التى تزعم لنفسها الديمقراطية وفصل السلطات المتوازنة للدولة فى الشمال؛ وحيث يمثل الدين سلطة أيديولوچية أو سلطة أيديولوچية وعملية مهما بلغ تطبيق مبدأ فصل الدين عن الدولة من العمق والشمول. فهل للديمقراطية مكان فى هذه الصيغة الفعلية البزرميطية؟ ورغم أنه لا مكان للديمقراطية كمكوِّن رئيسى من المكوِّنات فى صميم بنية الدولة إلا أن الديمقراطية الشعبية من أسفل، وهى المعنى الحقيقى الوحيد الأوحد لكلمة الديمقراطية الملتبسة الملغزة، قائمة بالفعل بعد انتزاعها فى سياق ثورات اجتماعية وسياسية فى البلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة الحالية؛ كما أنها يمكن أن تقوم فى أزمنة الثورات السياسية الشعبية فى بلدان العالم الثالث ولكنْ بصورة محدودة ومؤقتة لأن هذه البلدان، التى لم تعرف ثورات اجتماعية، عاجزة اقتصاديا عن تأمين الشروط الاجتماعية-الاقتصادية التاريخية للديمقراطية الشعبية من أسفل كحالة قابلة للتحقيق بعمق وللبقاء والحياة طويلا.
2: واليوم تدور فى مصر مواجهة حاسمة بين جماعة الإخوان المسلمين الفاشية الإرهابية وحلفائها من جانب، وعدوّيْن لَدُودَيْن لها، من الجانب الآخر، كلٌّ من ناحيته، يتمثل أحدهما فى الطبقة الحاكمة ودولتها وجيشها، ويتمثل الآخر فى الثورة الشعبية. وهذا لأن تناقضات متعددة تتداخل ومنها التناقض بين الثورة الشعبية والطبقة الرأسمالية التابعة الحاكمة ككل، والتناقض بين الثورة الشعبية وقطاع الإسلام السياسى الإخوانى السلفى منها، والتناقض بين الثورة الشعبية وقطاع الدولة القومية البراجماتية، والتناقض بين هذيْن القطاعين الرئيسييْن، القطاع القومى بقيادة السيسى (فى هذه اللحظة)، والقطاع الإسلاموى بقيادة المرشد، من قطاعات الطبقة الحاكمة، الرأسمالية التابعة للإمپريالية.
3: وبدون الجيش لا يستطيع الشعب أن يتفادى حربا أهلية مدمرة مع جماعات إرهابية مدجَّجة بالسلاح، وبدون الشعب لا يستطيع الجيش أن يتحرك لأن الانقلاب العسكرى والحكم العسكرى ينطويان على صعوبات كبرى فى عالم اليوم من الداخل ومن الخارج. ولأن الثورة مستمرة فإن الثورة المضادة مستمرة، وهذه الثورة المضادة هى الطبقة الرأسمالية بقطاعيْها القومى والإسلامى فى زمن الثورة، وهدفهما معا فى فترة التحالف الاضطرارى، وهدف كل منهما من ناحيته فى فترة احتدام الصراع بينهما، هو تصفية الثورة. غير أن الصراع بينهما جعل الصدام بينهما أمرا لا مناص منه، وملحًّا وعاجلا وفوريًّا. وهنا ينبغى أن يكفّ الكُتّاب والمثقفون السياسيون الماركسيون عن تصوراتهم الساذجة عن كتلة فولاذية أو جرانيتية واحدة تشكلها الطبقة الرأسمالية الكبيرة، وأن يفهموا الدور الكبير السلمى و"الحربى" الذى لعبته التناقضات داخل الطبقة الرأسمالية الكبيرة على المستوى المحلى والإقليمى والعالمى فى تطور التاريخ الحديث كله فى العالم كله. إنه صراع أيديولوچى بين قطاعيْن رأسمالييْن يريد كلٌّ منهما السيطرة الشاملة على الاقتصاد والسلطة ويتحول الصراع الأيديولوچى إلى صراع سياسى وإلى صراع عسكرى أو مسلَّح عندما تقتضى الضرورة خاصةً فى فترات الاضطراب والثورة والتحديات الكبرى.
4: والحقيقة أن القوة غير متكافئة حيث تواجه قوة الأيديولوچية الدينية الإسلامية قوة السيطرة الفعلية المتجذرة الراسخة لدولة الأيديولوچية الرأسمالية القومية الحاكمة منذ عقود وعهود، وتُواجه فى الوقت نفسه قوة الثورة الشعبية التى تتمثل الحلقة الرئيسية الحالية من نضالها فى تحرير الشعب المصرى من خطر الدولة الدينية الإسلامية. ولأن قوة الأيديولوچية الدينية الإسلامية أضعف من أن تواجه هاتين القوتين الكبيرتيْن فى وقت واحد، أو حتى فى وقتين مختلفين، فإن من قبيل الانتحار السياسى الكامل أن يُقْدِم الإخوان المسلمون على الدخول فى صراع حاسم ومواجهة حاسمة "هنا والآن" مع عدويْهم اللدوديْن: الثورة الشعبية والثورة المضادة الرأسمالية القومية. على أن الميل إلى الانتحار الجماعى ماثل فى صميم بنية الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية المماثلة فقد يقومون باغتيالات أو يخططون لاغتيالات لا يحسبون جيدا رد الفعل عليها من الطرف الآخر فيتعرضون للإعدامات والاعتقالات والسجون والتنكيل والتعذيب فى أزمنة الحل الأمنى كحلٍّ أساسى تعزِّزه أبواق أجهزة الإعلام والصحافة والدعاية والمؤسسات الدينية الرسمية بقيادة فقهاء السلطان، فى غياب الديمقراطية والصراع الفكرى. وكان أبرز مثال على الانتحار الجماعى هو الصدام مع عبد الناصر فى 1954 بعد شهر عسل معه، وكان شهر عسل قاصرا عليهم حيث أمعن الحكم العسكرى الناصرى الناشئ فى تدمير الديمقراطية والليبرالية والشيوعية جميعا. ويكون الانتحار الجماعى دائما بسبب ظنهم الخاطئ امتلاك القوة الكافية للانتصار فى معركة يبدأونها، تماما كما يحدث مع فاشيات أخرى أتفه شأنا منها مثل جماعة التكفير والهجرة، أو أقوى وأخطر منها بما لا يقاس كالفاشية الهتلرية أو الفاشية الصدامية.
5: وقد انطلق الإخوان المسلمون فى أعقاب ثورة يناير من التحالف الاضطرارى الذى أقامه المجلس العسكرى معهم فسارعوا إلى السيطرة على السلطة التشريعية بمجلسيْها وعلى رئاسة الجمهورية وعلى تأسيس الدستور، ثم شرعوا بخطى حثيثة واسعة وبالتالى خطرة عليهم وعلى غيرهم فى أخونة الدولة والمجتمع. وبالأخونة السريعة المتسارعة هدَّد الإخوان وحلفاؤهم المصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للقطاعات الحاسمة من الرأسمالية الكبيرة ودولتها ومؤسستها العسكرية؛ فكان الصدام الذى لا يمكن تفاديه مع هذه القطاعات. وبالطبع فإن كل جماعة أيديولوچية جديدة تأتى إلى الحكم تحمل معها نظرية وممارسة سياسة مناظرة للأخونة مثل "البلشڤ-;---;-----;---ة" فى روسيا، أو "التشييع" فى إيران الخمينى، أو "العسكرة" الناصرية و"التجييش" الناصرى فى مصر، أو إضفاء الطابع النازى أو الفاشى فى ألمانيا أو الياپان وغيرهما. غير أن الأخونة فى مصر اعتمدت سرعة خطرة على النفس وكذلك على الغير لأسباب مفهومة وبنتائج معروفة، وكانت الأخونة تفتقر إلى إنجازات يعتمد عليها نجاحها، كما اعتمد نجاح البلشڤ-;---;-----;---ة على إنجاز الثورة البلشڤ-;---;-----;---ية، ونجاح التشييع على إنجاز الثورة التى أطاحت بنظام ملك الملوك، الشاهنشاه، كما اعتمدت العسكرة الناصرية فى مصر على منجزات استقلالية أحاطت عبد الناصر بشعبية كاسحة. وفيما اندفعت فى التركيز على الأخونة، وعلى الإنفاق السخىّ عليها، لم يقدِّم الحكم الإخوانى أىّ تنازلات اقتصادية أو سياسية مهما كانت بسيطة أمام الثورة الشعبية بل أمعن فى الاعتداء المتواصل على الحقوق والحريات والنضالات الثورية الاحتجاجية، بحيث ازدادت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التى تفجرت الثورة لتغييرها تفاقما وتردِّيا واستفحالا؛ فكان الصدام الذى لا يمكن تفاديه مع الثورة الشعبية. وهكذا وقع الإخوان والسلفيون بين سندان الرأسمالية القومية وجيشها، من ناحية، ومطرقة الثورة الشعبية، من ناحية أخرى، كلٌّ من ناحيته، وإنْ كان غياب السياسة المبدئية يؤدى إلى تشابكات واختراقات وتنسيقات وحتى تحالفات لا سبيل إلى تفاديها والحالة هذه، حيث تلعب دورا سلبيا لا سبيل إلى إنكاره ولا مهرب من دفع ثمنه غاليا فى ظل الحكم الجديد الذى ينشأ الآن.
6: وهناك مَنْ يروْن أن الحكم الإخوانى فى الفترة المنصرمة كان هدية من السماء أو هدية من الجيش للشعب والثورة وكذلك للرأسمالية المصرية القومية؛ لماذا؟ لأن التجربة الفعلية بكل نتائجها قضت على شبح الحكم الدينى، ربما لعشرات السنين. غير أن التجربة كانت تنطوى على خطر مدمِّر فَلَوْلَا "تزامُن" موجة يونيو-يوليو من ثورة يناير، بقيادة حركة "تمرُّد"، ضد الحكم الإخوانى السلفى مع استعداد الجيش لحسم معركته المحتومة مع هذا الحكم، وهذه أشياء غير مضمونة، لانتقل نجاح الأخونة وقيام جمهورية مصر الإسلامية بكل كوارثها من مجال الاحتمالات الكابوسية إلى عالم كابوسىّ فعلىّ. وفى مثل هذه الأحوال يُقال "قدَّر الله وما شاء فعل"؛ وما حدث بالفعل، أىْ الإنقاذ المحتمل أو المرجَّح أو الأكيد من جمهورية مصر الإسلامية، "يستاهل الحمد".
7: على أن دروب الشرّ كثيرة ومنها ما يسمَّى بالمصالحة أو التوافق أو التعايش مع الإخوان والسلفيِّين فهذه المبادرات طُرُق مفتوحة إلى الجحيم مفروشة بنوايا حسنة حينًا وبنوايا شريرة أحيانا من أطراف متعددة فى الصراع. والميوعة والتهاون جريمة وضياع. فقد يعود الإخوان والسلفيون إلى رشدهم فيقبلون بمجرد البقاء السياسى والاقتصادى و"الدَّعَوِىّ" بتنازلات من جانب الحكم الجديد، منها الخروج الآمن للقيادات الإخوانية والسلفية، حقنا للدماء. وعبْر هذه الدروب والمتاهات والأنفاق يمكن أن يتسلل من جديد دعاة وأنصار الدولة الدينية أو الثيوقراطية. فما العمل؟ أعتقد أن طريق السلامة يتمثل فى إلغاء الدستور الإخوانى السلفى "المعطل" والذى يجرى إحياؤه بالاكتفاء بمجرد إدخال تعديلات عليه، وفى حظر وحلّ كل الجماعات والحركات والأحزاب الإسلامية الإرهابية التى تقوم على أساس دينى صريح أو مموَّه، مع العزل السياسى الصارم لقياداتها وكوادرها العليا والمتوسطة، وفى محاكمة ومعاقبة كل قيادات هذه الجماعات والأحزاب وكل المسئولين عن التخطيط أو التنفيذ أو التحريض فى الجرائم التى وقع فيها قتلى وجرحى وفى جرائم الترويع والإرهاب.
8: ومن ناحية أخرى فمثل كل الأحزاب الرأسمالية والإمپريالية فى العالم كله تكون الغالبية الساحقة من أعضاء وأنصار وقواعد جماعات وأحزاب الإسلام السياسى من أبناء وبنات الطبقات الشعبية والفقيرة من العمال والفلاحين والكادحين والعاطلين عن العمل. وتتناقض المصالح الحقيقية لكل قواعدها مع المصالح الطبقية لقياداتها التى تنتمى قِمَمُها إلى الطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية؛ رغم التضليل الأيديولوچى الذى يوحِّدها ويصنع تماسكها التنظيمى. ومع عزل القيادات والمسئولين عن الجرائم السياسية والجنائية من كل الأنواع بالإضافة إلى العقوبات الصارمة العادلة ينبغى أن يكون التعامل مع هذه القواعد بإعادة التربية السياسية والفكرية بدمجهم فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بما فى ذلك انضمامهم إلى الأحزاب السياسية. ومن الجلىّ أن تحقيق هذا لا يتفق مع الاقتصار على الحلّ الأمنى بمتلازمته القمعية والدعائية الهجومية بلا تمييز، ولا سبيل إلى دمج القواعد فى المجتمع والحياة السياسية إلا بإطلاق حرية تكوين الأحزاب وكل الحريات والحقوق كإطار عام للصراع الفكرى الناجع وإعادة التربية للجميع على كل حال: قواعد الجماعات والأحزاب الإسلامية والمصريِّين بوجه عام بعد تجربة مريرة من مصادرة الحياة السياسية فى مصر على مدى عقود وعهود.
9: على أن تجربتنا المريرة مع الإسلام السياسى لن تنتهى حتى فى أفضل الشروط عند هذا الحد. وذلك على مستوييْن: المستوى الأول فى الأجل القريب والمتوسط والطويل؛ لأن ما لا يمكن تفاديه حتى فى الأجل القصير هو انزلاق الإسلام السياسى ومعه المجتمع والدولة إلى الأعمال الإرهابية المعهودة من قبل رغم الاختلافات السلبية والإيجابية فى الشروط التى تحيط بها عما سبق فى السبعينات والثمانينات والتسعينات؛ مثل غياب أىّ تعاطف شعبى مع الإسلام السياسى وليس مع الإرهاب بالطبع فى السابق فى مقابل الحقد الانتقامى الأعمى ضد الرأسمالية القومية وضد الثورة الشعبية المنتصرتيْن فى معركة الإطاحة بهم وإقصائهم. وفى الأجل المتوسط وبالأخص الطويل هناك مخاوف من إحياء جماعات وأحزاب الإسلام السياسى حيث من المنطقى أن تُنْبِت الأرضية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتردية والمتسارعة التدهور فى مصر كما فى غيرها من بلدان العالم الثالث نفس أزهار الشر، فتُعيد البيئة المتخلفة إنتاج نفس الكابوس الذى ظننا أننا طردنا شبحه الثقيل.
10: ويتصل هذا بسؤالٍ حارت البرية فيه فى سياق جَلْد الذات من جانب اليسار. فكما يقول لنا الإخوان والسلفيون (بالطبع قبل محنتهم الحالية): "فشلتُم ونجحنا"، يلوم اليسار نفسه ككل وبعضُه البعضَ على الفشل فيما نجح فيه الإسلام السياسى من التحوُّل إلى قوة لها شأنها بل إلى "رقم صعب" فى السياسة المصرية. والحقيقة أن مُرَكَّب اتساع نطاق الفقر والتهميش والحرمان، من ناحية، والحلّ الأمنى الخالص الذى تمت فيه تصفية الحياة السياسية والصراع الفكرى وكل ديمقراطية حقيقية منذ انقلاب 23 يوليو العسكرى، من ناحية أخرى، بالتدهور الذى يلازم هذا المُرَكَّب اقتصاديا وثقافيا، كان وما يزال يؤدى إلى إحياء كل الميول التراثية والسلفية والأصولية الدينية فى المجتمع وبالتالى فى السياسة. ويصبّ فى صالح هذا الإحياء واقع النظام نصف الدينى نصف المدنى الذى يُقيم شراكة أزلية وأبدية وسرمدية بين الدين والدولة. ومع أنه كان يمكن للإسلام السياسى أن ينمو فى السرّ والعلن فى جوٍّ من التعاطف الشعبى ضد اضطهاد الدولة للإخوان المسلمين فى عهود الرئاسات السابقة، مع توظيف أموال طائلة قدمتها دول النفط الغنية على شاطئَىْ الخليج العربى والفارسى فى هذا الإحياء، فإنه عاجز بدوره عن تحقيق اختراق سياسى كبير بدون تطوُّر كبير فى الحركة الشعبية العفوية التى لا تخضع إلا لقانونها الخاص، وليس لرغبة الأحزاب أو المجموعات السياسية.
11: أما اليسار الماركسى فقد عانى مثل الإخوان المسلمين، رغم سلمية حركته فى كل العهود مقابل الإرهاب المسلح لدى الإخوان والسلفيِّين، فى البداية من إجهاض انقلاب 23 يوليو العسكرى لاحتمالات تطوره، ثم لضربات ذلك الانقلاب، ومن الحل الأمنى ومجتمع الرأى الواحد والديكتاتورية العسكرية، ولكنه عانى أيضا من مخططات احتوائه من جانب نظام عبد الناصر بالذات بعد إخراجهم الاضطرارى من السجون والمعتقلات بضغط سوڤ-;---;-----;---ييتى بشرط حلّ الأحزاب الشيوعية. وكان اليسار الماركسى مضروبا من داخله بالتبعية السائدة لخط الحزب الشيوعى السوڤ-;---;-----;---ييتى، وبما فرضه ذلك الخط عليه مثل نظرية اتجاه مصر فى ظل نظام عبد الناصر، مثل بلدان أخرى فى العالم الثالث بزعامات متنوعة، إلى الاشتراكية التى لم تكن فى مصر سوى شعار ملائم لملكية الدولة ورأسمالية الدولة وطبقتها البيروقراطية الرأسمالية. وترنَّح اليسار الماركسى أيضا تحت وطأة ضربات السقوط المدوِّى للأنظمة العسكرية القومية، وتحت وطأة ضربات الانهيار الشامل لبلدان النموذج السوڤ-;---;-----;---ييتى وتكشُّف الطبيعة الحقيقية لثورات القرن العشرين المسماة بالاشتراكية فى أوروپا وآسيا وكوبا فى أمريكا اللاتينية؛ بصورة فتحت الباب أمام أزمة جديدة هى الكبرى بين أزمات الماركسية. وهناك بالطبع حقيقة أن اليسار الشيوعى لا يمكن أن ينمو ويزدهر ويحقق نجاحات سياسية جماهيرية إلا فى حالة من تفجُّر الحركة العمالية والشعبية العفوية وعلى مدى زمن طويل ممتدٍّ يسمح بعمق الالتقاء بين علمهم الماركسى والحركة العفوية للجماهير العمالية والشعبية؛ وهذا على عكس أوهام ساخنى الرئوس من أفراد ومجموعات اليسار الشيوعى.
12: وينطوى المستوى الثانى للمسألة الثيوقراطية على جانبيْن، دستورى ومجتمعى، مترابطيْن يشكِّلان إلى الآن قَدَرَنا المتمثل فى الابتعاد التام عن العلمانية والتمسك بعدم العمل بمبدأ فصل الدين (أىْ الإسلام فى الحالة المصرية) عن الدولة بحكم طبيعة الدولة وحالة المجتمع. وفيما يتعلق بالجانب الدستورى فقد درجت الدساتير المصرية منذ دستور 1923 على تكريس مادة "الإسلام دين الدولة"، هذه المادة المعادية للعلمانية، و"يخلو دستور 1882 المصرى من ذكر "الإسلام"، وقد أورده دستور 1923 إذْ نصت المادة 149 على أن "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية"، وتكرَّر هذا النص ذاته فى مشروع دستور 1954 (المادة 195)، واحتفظ الدستور الدائم (1971) بنفس النص (المادة 2)، وأضاف إليه تعديل هذا الدستور فى 1981 ما جعله: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع" (المادة 2)، وتكرر النص الجديد كما هو عند تعديل الدستور فى 2007 (المادة 2)، وفى الإعلان الدستورى التأسيسى بعد ثورة يناير، وفى الدستور الإخوانى السلفى المعطل الذى يجرى الآن إحياؤه بالاكتفاء بتعديله بدلا من إلغائه (المادة 2)، ولن نقف هنا عند النصوص الإسلامية الجديدة التى يحفل بها هذا الدستور.
13: "كما جاء ذكر الإسلام فى سياق النص على عضوية ’رجال الفقه الإسلامى‘، فى تشكيل ’المحكمة العليا الدستورية‘ بالإضافة إلى انتخاب القضاء العالى العادى والإدارى و’الشرعى‘ لثلاثة من القضاة التسعة الذين تتألف منهم المحكمة المذكورة (المادة 187 من مشروع دستور 1954)، ولم يتكرر مثل هذا النص فى الدستور المصرى بعد ذلك. على أن المادة 11 من كل من الدستور الدائم (1971) وتعديله فى عام 2007 نص على ما يلى: ’تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها فى المجتمع، ومساواتها بالرجل فى ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية‘".
14: "كذلك تورد دساتير مصر ذكر ’الدين‘ غير مقترن بالإسلام فينص دستور 1923 على ما يلى: ’المصريون لدى القانون سواء. وهم متساوون فى التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين‘ (المادة 3). وينص مشروع دستور 1954 على ما يلى: ’المصريون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة أو الآراء السياسية أو الاجتماعية‘ (المادة 3)، مؤكدا مبدأ المساواة بمزيد من القوة. ويعود دستور 1971 وتعديله فى 2007 إلى صيغة دستور 1923 تقريبا فى هذا المعنى فينصان على ما يلى: ’المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة‘ (المادة 40). وورد ’الدين‘ فى سياق اعتباره قوام الأسرة بصيغة: ’الأسرة أساس المجتمع وقوامها الدين والأخلاق والوطنية‘ (المادة 48 من مشروع دستور 1954، والمادة 9 من كل من دستور 1971 وتعديله). وينفرد دستور 1971 وتعديله بالتأكيد على "مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية" (المادة 12 من كل منهما)، كما ينفردان بالتأكيد على أن ’التربية الدينية مادة أساسية فى مناهج التعليم العام‘ (المادة 19 من كل منهما). كما أنهما ينصان على أنه ’تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية‘ (المادة 46 من كل منهما). وتنفرد المادة 5 من تعديل 2007 للدستور الدائم بالنص التالى: ’ولا تجوز مباشرة أى نشاط سياسى أو قيام أحزاب سياسية على أى مرجعية أو أساس دينى‏،‏ أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل‘ ( فى المادة 5 وهو مضاف إلى المادة 5 من الدستور الدائم)". (حول الفقرات 12 و 13 و 14، انظرْ مقالى المعنون " المادة الثانية من الدستور المصرى الدائم (دستور 1971) والعلاقة الملتبسة بين الدين والدولة"، 23 فبراير 2011)
15: وهذا الأساس الدستورى لهذا الربط الوثيق بين الدين للدولة، لهذا التديين أو التقديس للدولة والسياسة، وهذا التسييس أو هذه الدولنة للدين والمقدَّس، لم يأتِ من فراغ بل جاء من تراث مجتمع تقليدى يقف فى منتصف الطريق نحو التحديث المسدود. لماذا؟ لأن المجتمع المصرى التقليدى، فى سياق العصر الحديث، لم يكن بمستطاعه السير حتى النهاية على طريق التحديث الثقافى والفكرى والسياسى دون أن ينخرط فى الوقت نفسه فى عملية تراكمية طويلة من التطور الرأسمالى بالتصنيع والتحديث الشاملين بكل آثاره على الدولة والمجتمع، فى سياق سيطرة معادلة "ثورة سكانية بدون ثورة صناعية"، بحكم التأخر المحلى الأصلى والسيطرة الإمپريالية والاحتلال البريطانى، والعجز عن كسر مقتضيات هذه المعادلة فى سياق ما سمِّىّ بتصفية الاستعمار. وطالما ظل طريق التطور الرأسمالى بالتصنيع والتحديث مسدودا أمامنا خلال الفرصة الأخيرة التى قد يمنحنا إياها عالم اليوم فإن مستوى له وزنه من الدولة العلمانية سيظل بعيدا إلا عن أحلامنا أو بالأحرى أوهامنا. والحقيقة أن السلطة الدينية بكل أشكالها فى الأزهر ودار الإفتاء والمسجد والكنيسة والتعليم والإعلام وأسرتنا النووية والممتدة وكل شيء، تنيخ بكلكلها على دولتنا ومجتمعنا كما ظلت تفعل طوال الألفيات منذ الثيوقراطيات الكبرى طوال العهود الفرعونية بوثنياتها أو دياناتها "غير السماوية" (مقابل الديانات "السماوية" التى تنحصر فى الديانات الإبراهيمية: اليهودية والمسيحية والإسلام، التى نشأت فى منطقتنا العربية الحالية ثم انتشرت فى باقى العالم). ولا شك فى أن السلطة الدينية المجتمعية، حتى دون أن تتحول إلى دساتير أو قوانين، منبع لا ينضب للرجعية والطائفية والفتنة. ولاحظوا أننى لا أتحدث هنا عن الدين، فليس هنا مجال الحديث عن الدين، بل أتحدث عن السلطة الدينية وتديين وتقديس المجتمع والدولة والسياسة.
16: أم هى الإستراتوقراطية؟ أىْ الحكم العسكرى فى شكل من أشكاله العديدة التى تتشابه بعضها دون أن تتطابق تماما. ويبدو لى أن خلطا كبيرا يسود المسألة الجيشية أو الحكم العسكرى عند كتابنا السياسيِّين ومنهم كتاب ماركسيون. فمنذ قيام نظام يوليو 1954 بعسكرة الدولة والمجتمع وقيام رأسمالية بيروقراطية الدولة والحكم العسكرى ودولة المخابرات والديكتاتورية الپوليسية التى يتم تصنيفها بدورها على أنها ديكتاتورية عسكرية، جرت تحت الجسر مياه كثيرة. ومنذ البداية سرعان ما صارت شعبية عبد الناصر عاملا رئيسيا فى السياسة المصرية وحتى العربية بل حتى العالمية. وكان اعتماد حكم عبد الناصر على الأجهزة المخابراتية والأمنية التى خلقها أو صقلها أو طوَّرها، وليس على حزب حقيقى، بل على تصفية الحياة السياسية والحزبية بفرض نظام الحزب الواحد من خلال الاتحاد القومى أو الاتحاد الاشتراكى كتنظيم سياسى أوحد ملحق بالأجهزة المخابراتية والأمنية، ومن البديهى أن من المستحيل أن يوجد حزب حقيقى فى غياب تعددية حزبية حقيقية وليست صورية، وليس على پرلمان مستقل حتى بأدنى درجة بل على مجلس أمة ملحق بنفس الأجهزة المخابراتية والأمنية. ومع هذا فإن عبد الناصر لم يَعُدْ يحكم بوصفه ضابط جيش، أىْ رجلا عسكريا، بل حكم على أساس شعبية جارفة وزعامة كاسحة، ولهذا كان رئيس الجمهورية الوحيد "المنتخب" حقا فى مصر، منذ قيام النظام الجمهورى فيها وإلى هذه اللحظة، فى إطار نظام اختيار الپرلمان الصورىّ لرئيس الجمهورية ولكنْ محاطا بالشعبية الجارفة الكاسحة الساحقة حقا. وهنا تمييز لا يمكن إلا تسجيله بين بداية حكم الرئيس معتمدا على قوته العسكرية الانقلابية، واستمراره بعد ذلك رئيسا معتمِدا على شعبيته المصرية والعربية والعالمية فى زمن استقلالات العالم الثالث، وحتى عندما انكسر جيشه فى هزيمة 1967 خرج الشعب لإرجاعه عن تنحِّيه، ليقود حرب الاستنزاف الشهيرة. وهكذا لم يَعُدْ حكم عبد الناصر يقوم على الشرعية الانقلابية التى بدأ بها بل قام على الشرعية الشعبية التى اكتسبها بمنجزاته الاستقلالية حسبما نظر إليها الشعب العفوى من جانب واحد دون مُدْرِكٍ لخطورة تدميره للديمقراطية وخلقه لطبقة رأسمالية استغلالية واستبدادية وفاسدة جديدة على أساس ملكية الدولة فى فترة استثنائية من النهب باسم الاشتراكية والقومية العربية.
17: ولم يأت بعد عبد الناصر فى مصر حاكم يعتمد على شعبية كاسحة إلا تلك الشعبية المحدودة والقصيرة للغاية التى اكتسبها السادات من اتخاذه قرار حرب أكتوبر وخوضها رغم اتخاذه قرارات الكارثة السياسية (معاهدة السلام مع إسرائيل) التى استثمر فيها تلك الحرب، وتلك التى حاول مبارك أن يلفقها لنفسه بوصفه صاحب الضربة الجوية فى حرب 1973؛ فيما كان هذا الرئيسان يقومان ليس بخلق ثروة جديدة بل بخصخصة الثروة القائمة فى ملكية الدولة بكل ما يترتب على هذا من نتائج تتعلق بالحكم والسلطة من خلال ما يسمَّى بزواج المال الذى صار فى أيدى رجال الأعمال فى القطاع الخاص المسيطر والسلطة التى انفصلت عن ارتباطها العضوى السابق برأسمالية الدولة. وكتعبير ليس عن إيمان بالديمقراطية والحرية والتعددية الحزبية بل كاستجابة للتغيرات الناشئة فى تكوين وبنية الطبقة الرأسمالية الكبيرة، التابعة كما كانت دائما، بدأ السادات واستكمل مبارك بناء نظام سياسى يقوم على التعددية الحزبية الصورية انطلاقا من أن القطاعات السائدة اقتصاديا وسياسيا وأيديولوچيا داخل الطبقة الحاكمة تتركز قيادتها العليا وكوادرها وعضويتها فى الحزب الوطنى الحاكم الذى حل محل الاتحاد الاشتراكى والذى ظل يقوم على إغراء جيش من النُّخَب بالمغانم الاقتصادية والإدارية للحكم، دون أن يكون حزبا حقيقيا فهذا مستحيل بدون تعددية حزبية حقيقية.
18: فهل كان حكم عبد الناصر بعد توطيده على أساس شعبيته، وحكم السادات وبالأخص بعد حرب أكتوبر، وحكم مبارك طوال عهده الطويل الممتدّ، رغم اعتمادها جميعا على سيطرة الأجهزة المخابراتية والپوليسية، حكما عسكريا أو إستراتوقراطيًّا بالمعنى الصحيح؟ فى الحقيقة، ينبغى الانتباه قبل كل شيء إلى أن الخلفية العسكرية لرئيس الجمهورية لا تعنى بالضرورة أننا إزاء حكم عسكرىّ؛ فلم تكن أمريكا مثلا تحت الحكم العسكرى عندما كان الچنرال آيزنهاور رئيسا ولا فرنسا عندما كان الچنرال ديجول رئيسا. ولا تكفى الخلفية العسكرية لرؤساء مصر الثلاثة لإثبات انطباق مقولة الحكم العسكرى على عهودهم. ورغم الديكتاتورية العسكرية والمخابراتية والپوليسية طوال عهود الرؤساء الثلاثة لم يكن قادة الجيش بوصفهم كذلك يحكمون مصر، وذلك باستثناء الفترة التى حكم فيها مجلس قيادة الثورة فى أعقاب انقلاب 23 يوليو العسكرى، إلى أن تآكل ذلك المجلس ولم يبق منه فى القيادة السياسية العليا بعد أن أكلت "الثورة" أبناءها، وبعد مقتل أو وفاة المشير عبد الحكيم عامر، سوى السادات كنائب للرئيس عبد الناصر قُبَيْلَ وفاته أو مقتله، وباغتيال السادات انتهى عهد حكم رجال يوليو 1952. ويبدو أن تاريخ شعار "يسقط حكم العسكر" حديث جدا، وكان غائبا أو فى حكم الغائب أثناء حكم مبارك. ويبدو أنه ظل غائبا فى الأسابيع الأولى أو الأشهُر القليلة الأولى فى أعقاب لثورة بل أخْلَتْ قوى الثورة الميادين ظنا منها أن المجلس العسكرى سوف يحقق أهداف الثورة الشعبية ما دام قد انقلب على مبارك وأنقذ الشعب من استمرار الحرب الأهلية التى كان قد بدأها مبارك. ولم يبرز هذا الشعار إلا عندما اصطدمت قوات الجيش مع مظاهرات قوى الثورة، فكان ذلك، وبصورة عفويةٍ ذاتِ فطرة سياسية سليمة، فى مواجهة ممارسات فعلية لقوات الجيش بقيادة المجلس العسكرى.
19: وهنا ينبغى أن نميِّز بدقة بين الحكم العسكرى المباشر للجيش، من ناحية، وبين وجود الجيش كعنصر فعال من عناصر الحكم الطبقى فى البلدان الرأسمالية المتقدمة والتابعة على السواء، من ناحية أخرى. ومن هنا كانت المطالبة بإسقاط حكم العسكر سليما فى عهد طنطاوى على رأس الحكم العسكرى المباشر للجيش، رغم خطيئة تورُّط قوى الثورة بعناد فى إسقاط ذلك الحكم، باعتباره "حكم العسكر"، رغم أن البديل الجاهز الوحيد لم يكن سوى الإخوان المسلمين وحلفائهم، بوضوح يفقأ العين. وإذا كان حكم طنطاوى حكما عسكريا مباشرا برجال المجلس العسكرى أىْ الطغمة أو "الخونتا" Junta فإن حكم مبارك لم يكن كذلك رغم الديكتاتورية العسكرية والمخابراتية والپوليسية لأن چنرالات الجيش لم يكونوا يحكمون البلاد إلا كجزء قوىّ لا يتجزأ اقتصاديا وسياسيا من الطبقة الرأسمالية التابعة الحاكمة بقيادة مبارك فى سياق ما يسمَّى بحكم الشخص، حكم الرئيس وأسرته ورجال عصابته، مع استعداد لا سبيل إلى الشك فيه لتوريث السلطة لولىّ العهد "المدنى" تماما؛ بعد التمهيد لذلك بانتخابات رئاسية كان أغلب المرشحين فيها من "المدنيِّين". والحقيقة أن السلطة التنفيذية هى السيدة الأولى الكلية الجبروت بين سلطات الدولة الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. ومن المؤسسات الأكثر قوة ونفوذا وجبروتا بين مؤسسات السلطة التنفيذية المؤسسة العسكرية أو الجيش بكل فروعه برا وبحرا وجوا ومخابراتيًّا. ولا شك فى أن الجيش يحكم كعنصر رئيسى من عناصر السلطة التنفيذية التى تتغوَّل فى أغلب الأحيان على السلطتين التشريعية والقضائية؛ وهذا فى كل بلدان العالم باختلافات وفوارق متنوعة. فهل يمكن التخلص من، أو "إسقاط"، الدور الرئيسى للجيش فى الحكم، فى أىّ بلد فى العالم؟ بالطبع لا؛ اللهم إلا عند التخلص معه فى الوقت نفسه من السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية فى سياق انقراض الدولة (بالمعنى السوسيولوچى بالطبع وليس بمعنى البلد وشعبه)، ولا يكون هذا إلا بالتحرر من المجتمع الطبقى وإقامة مجتمع شيوعى لاطبقى لا يحتاج إلى دولة. ولا مجال هنا للاسترسال كثيرا فى هذا الموضوع؛ والمهم أن يكون تركيزنا دائما على إسقاط الحكم العسكرى المباشر مع مقاومة الديكتاتورية العسكرية والمخابراتية والپوليسية وانتزاع الحريات والحقوق الديمقراطية ضدهما ورغم وجودهما.
20: ومن الجلىّ أن الديمقراطية كلمة حق أريد بها باطل. فإذا كان من حق الشعب أن يحكم نفسه بنفسه ولنفسه، وهذا هو معنى الديمقراطية، فقد كانت الديمقراطية منذ القرن الخامس قبل الميلاد فى أثينا شعار ملاك العبيد رغم ديكتاتوريتهم وليس لصالح الفقراء الأحرار أو العبيد البؤساء. وفى العصر الحديث، الرأسمالى، صار هذا الشكل أو ذاك من الديكتاتورية البرچوازية/الرأسمالية، يتزيَّن باسم الديمقراطية، مع أن هذا المجتمع حتى فى أعرق ديمقراطياته المزعومة يخلو من كل ديمقراطية اللهم إلا فى حالة وجود ديمقراطية شعبية من أسفل ليس كمنحة من حكمها الديمقراطى بل منتزعةً منها انطلاقا من أزمنة الثورة فى تلك البلدان. فما بالك بالعالم الثالث ومصر؟! وفى كل البلدان الرأسمالية المتقدمة تسود حالة من الجمع بين حريات وحقوق الديمقراطية الشعبية من أسفل التى ترسخت بصورة دستورية وقانونية أو فى تقاليد الممارسة السياسية والاقتصادية، وبين جبروت الدولة الطبقية بكل مؤسساتها ومنها المؤسسة العسكرية، بدون حكم عسكرى مباشر، وبين السلطة الدينية الثيوقراطية، بدون حكم دينى أو دولة دينية. وينتقى هذا الخليط أو المزيج أو المركَّب "البزرميط" لنفسه تسمية الديمقراطية ويتزين بوضع تاجها على رأسه داعيا شعوب ودول وبلدان العالم إلى أن تحذو حذو نموذجه البراق. فما بالك بالعالم الثالث ومصر؟! (راجع مقالى المعنون "الديمقراطية ... ذلك المجهول"، 30 مارس 2011). ولعلنا نؤكد فى سياق هذا الإبحار فى محيطات ".. الطِيَّات"، أن الكاكوقراطية kakocracy ظلت تمثل نظام أو فوضى الحكم فى مصر فى الجانب الأكبر من حكم السادات وطوال حكم مبارك وفى العام الإخوانى السلفى المنصرم برئاسة مرسى. وتعنى هذه الكلمة المركَّبة من كلمتين يونانيتين حكم أشقياء وأسوأ عناصر المجتمع: ألم يكن حكم الشخص فى عهد مبارك أو حكم المرشد فى عهد مرسى كذلك؟!
21: وخلال هذه المواجهة يثير بعض الكتاب والمثقفين مخاوف من الحكم العسكرى والديكتاتورية العسكرية بقيادة السيسى. ويبدو أن السيسى يتمتع بشخصية كاريزمية قوية وثقة بالنفس وبقدرات خطابية ديماجوچية أوحت للبعض بإحياء شبح عبد الناصر ويصوِّر الإعلام أسطورته على أنه زعيم وقائد و ناصر جديد. وقد يكون منطقيا أن تثير شخصية كهذه مخاوف ميول إلى الزعامة والرئاسة لدى هذا الفريق الأول قد تنتهى إلى الحكم العسكرى من جديد. على أنه يمكن أن يسعفنا ما سبق قوله بشأن التمييز الضرورى بين الحكم العسكرى المباشر والديكتاتورية العسكرية. أما الحكم العسكرى المباشر فإن إحياءه بالغ الصعوبة فى مصر الآن بحكم الرفض الداخلى والعالمى، وإذا أصيبت قيادة الجيش المصرى بجنون الحكم العسكرى المباشر الذى لا مبرر له الآن إلا احتمال وجود ميول إلى الزعامة لدى عناصر كاسحة النفوذ داخل هذه القيادة، ولا مبرر لمثل هذا الاعتقاد، فمن المرجَّح أن يردعها الرفض الداخلى والرفض العالمى بالإضافة إلى اتجاهٍ لا يخفى على أحد من جانب الحكم الجديد، الذى قام الجيش بتوليته بصفة مؤقتة ولكنْ القابل للاستمرار بعد انتهاء ما يسمىَّ بالفترة الانتقالية، نحو دمج قيادات قوى المعارضة وقيادات قوى الثورة فى الحكم الجديد، تجاوبًا مع ميول قوية لدى الطبقة الحاكمة، بحكم مصالحها الاقتصادية والسياسية، نحو ليبرالية عالم-ثالثية بدلا من كلٍّ من حكم الشخص، والحكم العسكرى المباشر، والحكم الإسلامى. وعلى العكس فإن الديكتاتورية العسكرية لم ولن تنتهى فى إطار الثورة الشعبية الحالية، فنحن لا نتجه إلى مجتمع لاطبقىّ وبالتالى لادولتىّ.
22: ومن الجلىّ أن الديكتاتورية العسكرية كمكوِّن جوهرى من مكونات الحكم العالم-الثالثى لا تتناقض مع تركيبة من الليبرالية الاقتصادية المتوحشة والحكم الليبرالى المحدود بعيدا عن التعددية السياسية والحزبية والفكرية العميقة ولكنْ بعيدا أيضا عن ثنائية الحكم العسكرى المباشر والحكم الإسلامى الإخوانى السلفى. وفى كل الأحوال فإنه لا فكاك من الديكتاتورية والديكتاتورية العسكرية أو الپوليسية للرأسمالية المصرية التابعة من أعلى والأمر البالغ الأهمية هو أن تخلق الثورة الشعبية أدواتها ومرتكزاتها الحقيقية للديمقراطية الشعبية من أسفل، وهذا ما ابتعدت عنه الثورة المصرية إلى الآن بحكم تخصُّصها الضيِّق فى إسقاط حاكم وراء حاكم، ناظرةً دوما إلى أعلى، غير عابئةٍ وغير واعيةٍ بأن تصنع لنفسها مرتكزات قابلة للبقاء والحماية والتوسيع والتطوير فى شكل الديمقراطية الشعبية من أسفل، هذه العبارة الواحدة التى تلخِّص كل الأهداف المعلنة لثورتنا وكل مقتضيات وشروط وآفاق تحقيق هذه الأهداف. وهناك مَنْ يقفز إلى المطالبة بترشيح السيسى للرئاسة على أساس اعتزاله، وذلك فى سياق الحماس المفرط لدوره كقائد عام للقوات المسلحة فى القضاء على الحكم الإخوانى السلفى. ويفترض الرفض الشديد لهذا الاحتمال، مهما كان بعيدا عن اتجاه حقيقى لدى الجيش أو السيسى، على تصوُّر ساذج بأن رئيس الدولة فى مصر فى ظل الرأسمالية التابعة الباقية سيكون، أو ينبغى أن يكون، من الممثلين الحقيقيِّين للثورة، وهذا تصوُّرٌ لا يقنع أىّ ثورى جادّ، وهو فى جوهره تصوُّر يمينىّ حتى النخاع، لأنه لا يقوم فى الحقيقة إلا بدفع مناضل ثورىّ أو قوة ثورية إلى خدمة الطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية؛ ولعل هذا هو ما يحدث الآن من الناحية الفعلية بحكم طبيعة الحكم الجديد المنشود.
23: وهناك لغط سخيف حول عدم حاجة الجيش أو السيسى إلى تفويضٍ للبدء الفورى فى التصدِّى لواجب الجيش فى الحرب على الإرهاب. وقد طالب السيسى الشعب بالنزول بعد الاتفاق مع رئيس الجمهورية وبالطبع بعد موافقة قيادة الجيش ومجلس الدفاع الوطنى. ولم يكن من حقه أو من حق الجيش كله أن يبادر ببدء الحرب على الإرهاب أو ضد أىّ خطر داخلىّ أو خارجى فهذا قرار سياسى بعد موافقة قيادة الجيش وإلا لكان بوسع قيادة متهورة للجيش أن تورِّط البلاد فى حرب أو حرب أهلية خطرة ربما كانت هناك وسائل سياسية لتفاديها أو للتخطيط الشامل لخوضها. ولا أظن أن جيشا فى العالم يملك حق الرد الفورى التلقائى على خطر داخلى أو خارجى؛ وقد رأينا الكونجرس الأمريكى يتخذ قرار الحرب غير مرة على مرأىً من العالم كله رغم دعاوى خطر القدرة النووية لدى صدام، فى حالة العراق. وتتمثل القضية الحقيقية بعيدا عن دعوة السيسى إلى "نزول" الشعب يوم الجمعة 26 يوليو 2013 فى أن الشعب كان سينزل على كل حال، كما اعتاد فى سياق اعتصام متواصل منذ أشهُر، وكان من الضرورى أن ينزل وبقوة لاستكمال مهام موجة 30 يونيو الثورية، بعد بدء الحرب الأهلية الإخوانية السلفية فى سيناء وفى كل مكان فى مصر، بعد عزل مرسى فى 3 يوليو. وكانت الدعوة إلى النزول من جانب قيادات حركة "تمرُّد" لا تهدأ، بل كانت الأصوات قد بدأت ترتفع ضد تقاعس أو تباطؤ الجيش والأمن حيال سقوط القتلى والمصابين فى سيناء.
24: فإلى أين تقودنا الثورة؟ أو نقود نحن الثورة؟ ولا مناص هنا من التوقف قليلا عند مقولة أن الثورة يعقبها ما سبقها. وما يسبق الثورة السياسية فى سياق ثورة اجتماعية كما حدث فى البلدان الرأسمالية المتقدمة الحالية فى الشمال، يختلف عما يسبقها فى بلد رأسمالى متقدم أو تابع فى غياب ثورة اجتماعية. وفى العصر الحديث تتمثل الثورة الاجتماعية فى التحول الرأسمالى الحديث الشامل التراكمى على مدى زمنى طويل، وعندما تأتى ثورة سياسية فى سياق هذا التحول الرأسمالى الانتقالى فإن هذا التحول التقدمى الذى سبق الثورة السياسية يواصل تطوره. وبحكم قيادة الطبقة الرأسمالية التى نشأت تراكميًّا مع هذا التحول فإنها تسيطر على الاقتصاد وتستولى على السلطة. غير أننا نجد أمامنا ما يسمَّى بالديمقراطية الشعبية من أسفل؛ فما الذى سبق الثورة السياسية فكان من شأنه أن يأتى بهذه الديمقراطية؟ وتسبق عناصر ومكوِّنات وجذور هذه الديمقراطية أيضا الثورة السياسية. ذلك أن التحول الرأسمالى السابق للثورة السياسية ليس مجرد تطور اقتصادى للصناعة والزراعة والسوق والتكنولوچيا بل هو تطور اجتماعى اقتصادى لا تنشأ من خلاله الطبقة الرأسمالية الكبيرة وحدها بل تنشأ كذلك وبصورة تراكمية أيضا طبقات عديدة أهمها الطبقة العاملة فى الصناعة والزراعة والتجارة وغيرها. ولا تشارك هذه الطبقات فى الثورة لأنها تعانى من ويلات الإقطاع الذى كان قد زال منذ ما قبل ميلادها بل لأنها تعانى من استغلال وظلم واستبداد وفساد هذا التحول الرأسمالى الثورى ذاته بقيادة الطبقة الرأسمالية على رأس الثورة. فهى تثور إذن ضد الأوضاع الاقتصادية الجديدة، ضد فقرها وحرمانها واستغلالها وانتهاك كرامتها كبشر، ومن هذه المعاناة تنطلق أحلامها فى الحرية والإخاء والمساواة وكل ثورة تطلعاتها وتوقعاتها، ومن هنا تأتى الديمقراطية الشعبية من أسفل بتحقيق أهداف الجماهير الشعبية فى الثورة واستحقاقات مشاركتها فيها.
25: وهناك ثورة اجتماعية أىْ تحوُّل رأسمالى حديث دون ثورة سياسية كما هو الحال فى الطريق الفوقى لتطور الرأسمالية وفقا للنموذج اليونكرى الپروسى الذى تحقق بصورة كاملة فى الياپان بقيادة أرستقراطية الميچى، وفى هذه الحالة تتطور الرأسمالية بصورة تدريجية بمتلازمتها من التحولات الاقتصادية والتكنولوچية والتكوينات الطبقية الرأسمالية والعمالية والتحولات السياسية والفكرية والثقافية. وهكذا فإن كل ما تحقق فى مرحلة أولى تأسيسية من التطور الرأسمالى الفوقى وفقا لهذا النموذج يغدو مفتوحا على الأهداف الطبيعية للطبقات التى تنشأ عبْر هذه العملية التراكمية، لنرى فى الياپان أيضا سيطرة الطبقة الرأسمالية، التى قادت الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية فى سياق نشأتها التدريجية من خلال هذا الانتقال، على الاقتصاد والسلطة. وفى الوقت نفسه تقوم الديمقراطية الشعبية من أسفل كهدف واستحقاق للجماهير العاملة والكادحة على دورها فى هذه الثورة الاجتماعية المنطوية داخل نطاقها على الثورة السياسية بدون ثورة سياسية شعبية متميزة. وهنا أيضا يعقب الثورة الاجتماعية فى مرحلة نضجها واستقرارها ما سبق تحقيقه فى مرحلتها التكوينية الأولى.
26: وهناك، أخيرا، ثورة سياسية تتفجَّر فى سياق نظام اجتماعى اقتصادى مستقرّ. ويحدث هذا عندما تنشأ ثورة أو انتفاضة أو حركة احتجاجية شعبية واسعة فى بلد رأسمالى متقدم بسبب الإفقار المتواصل للجماهير العاملة وتردِّى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وأوضاع الديمقراطية فى بلد رأسمالى متقدم مستقر راسخ مثل ثورة الشباب فى 1968 فى فرنسا وأوروپا أو احتجاجات احتلال وول ستريت وغيرها ضد الرأسماليات المتقدمة فى الولايات المتحدة وأوروپا وآسيا؛ ومثل هذه الثورات قد تُحقق بعض المكاسب الجزئية فيما يستمر النظام الرأسمالى المتقدم الذى حدثت بين ظهرانيه، والقادر بآلياته المعقدة على احتواء الثورات السياسية الحادة والأزمات الاقتصادية الطاحنة. وعندما نستعمل تعبير "ثورة" فى وصف هذه الحركات فإنما ذلك بمعنًى وأهميةٍ أقل بما لا يقاس من الثورات السياسية الشعبية كالثورة الفرنسية فى 1789.
27: وينطبق نفس الشيء، ومن باب أولى، على الثورات السياسية الشعبية العالم-الثالثية. فهذه الثورات تأتى فى سياق أو على أرضية أو على خلفية نظام رأسمالى متخلف وتابع، أىْ فى غياب رأسمالية صناعية متقدمة بنتائجها المنطقية على مختلف فروع وقطاعات الاقتصاد. ومن المنطقى أن تعانى الجماهير العاملة والكادحة فى مثل هذه الأوضاع من أوضاع اجتماعية واقتصادية أكثر تدهورا ومن بؤسٍ لا يطاق، بصورة لا تقارَن مع مستويات المعيشة التى حققتها شعوب البلدان الصناعية المتقدمة فى سياق انتزاعها السابق للديمقراطية الشعبية من أسفل فإن الانفجارات الشعبية تكون أوسع وأعمق وأخطر، حيث لا تبرر أوضاع الشعوب فى البلدان الصناعية المتقدمة مثل هذه المستويات من الانفجارت الضخمة حتى فى زمن الأزمات الاقتصادية الطاحنة التى يمكن أن تتفجَّر فيها مثل هذه الاحتجاجات. وبالطبع فإن الأرضية الاجتماعية الاقتصادية التى تأتى الثورة الشعبية العالم-الثالثية فى سياقها، أىْ التى سبقت الثورة، تتواصل خلال الثورة وبعدها. ولأن الرأسمالية التابعة لا تتحول عبر الثورة وبعدها إلى رأسمالية صناعية متقدمة بل تبقى على حالها، بل تتجه فى الأجل الطويل إلى المزيد من التدهور والتراجع والتفسخ، فإنها تظل عاجزة عن الاستجابة للثورة الشعبية بتحقيق مستويات معيشة أفضل كثيرا فلا يبقى أمامها إلا الحل الأمنى والقمع الأيديولوچى والبؤس العالم-الثالثى. وهنا فإن أقصى ما تستطيع ثورة شعبية عالم-ثالثية تحقيقه يظل داخل حدود آفاق ديمقراطية شعبية من أسفل، تُفلح الثورة إنْ حققتها ودافعت عنها وحمتْها وطورتها، ولا يكون هذا إلا بقيام الثورة بإجبار الرأسمالية التابعة على إعادة توزيع الثروة التى قامت بتجريفها عن طريق أقصى الربح وأقصى الفساد وأقصى الاستبداد؛ كما يتضح تماما من مئات المليارات بل التريليونات من الدولارات التى نهبتها عصابات نظام مبارك.
28: وهناك بالطبع تجارب ثورية فى المستعمرات وأشباه المستعمرات السابقة قادت إلى آفاق أرحب تتمثل فى التطور الرأسمالى الحقيقى، وإنْ بأسماء تنكرية مثل الاشتراكية، وهذه تجربة الصين الشعبية، فى تعاون واسع النطاق مع روسيا، ثم النمور الآسيوية الأصلية (كوريا الجنوبية، وتايوان، وهونج كونج، وسنغافورة) على طريقها الخاص المتمثل فى تعاون تاريخى لديكتاتورياتها بدينامية ذاتية حقيقية مع مصلحة أمريكية فى تقدمها فى مواجهة الاتحاد السوڤ-;---;-----;---ييتى السابق والصين الشعبية. ويبدو أن مثل هذه التجارب كانت واردة فى زمن الاستقلال وما قبل الاستقلال، فيما انغلقت هذه الآفاق بعد التراجع التاريخى للعالم الثالث، رغم تجارب براقة مضللة هنا وهناك لا يمكن أن تبشر بتفادى مصير العالم الثالث (البرازيل، إندونيسيا، تركيا؛ إلخ.). على أن محاولة مواجهة جبالٍ من تحديات السير فى هذا الطريق مسألة مصيرية، ولكن الخطوة الأولى إليها تتمثل فى تحقيق الديمقراطية الشعبية من أسفل أولا، بدلا من متاهات توظيف الثورة فى إسقاط حاكم بعد آخر، رغم أن إسقاط مبارك كانت ضربة معلم، كما كان إسقاط مرسى وحكم المرشد ضربة معلم.



تعليقات الفيسبوك