جلبير الأشقر- مفكر ماركسي من لبنان وأستاذ في معهد الدرسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: كتابه الأخير -الشعب يريد: بحث جذريّ في الانتفاضة العربية


جلبير الأشقر
الحوار المتمدن - العدد: 4125 - 2013 / 6 / 16 - 14:55
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -106- سيكون مع الأستاذ د.جلبير الأشقر- مفكر ماركسي من لبنان وأستاذ في معهد الدرسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن - حول: كتابه الأخير "الشعب يريد: بحث جذريّ في الانتفاضة العربية".
 

ننشر أدناه اقتباساً من كتابه الأخير، الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية، الصادر عن دار الساقي في بيروت، وقد نقله إلى العربية عمر الشافعي بالتعاون مع الكاتب. والحوار ليس محصوراً بنص الاقتباس وحده، بل مفتوح لمناقشة الكتاب بمجمله.
 
لمحة عن أصول النمطية الخاصة بالرأسمالية في المنطقة العربية

(النص الوارد أدناه اقتباس من خاتمة الفصل الثاني وهو يقع في الكتاب بين الصفحتين 95 و99، وترقيم الهوامش كما هو في الكتاب.)


* * *

جاءت الهزيمة الساحقة لمصر وسورية أمام إسرائيل في يونيو/حزيران 1967 لكي تعجِّل أفول النظامين القوميين اللذين كانا قد تجذرا بقوة باتجاه اليسار خلال السنوات السابقة. وشهد العام 1970 في هذا الصدد منعطفاً حاسماً في التاريخ المعاصر للمنطقة العربية: السحق الدامي للمقاومة الفلسطينية على يد الحكم الملكي الهاشمي في الأردن في سبتمبر/أيلول 1970 ألغى الفعل المضاد الرئيسي لهزيمة 1967. وجاءت وفاة جمال عبد الناصر المفاجئة في نهاية الشهر نفسه لكي تُسدل الستار على عصر بأكمله. فخليفته، أنور السادات، عزم على أخذ البلاد باتجاه "نزع الناصرية"، بما في ذلك إعادة الأراضي المصادرة في سلسلة من الإصلاحات الزارعية إلى ملاكها السابقين. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1970، استولى حافظ الأسد على السلطة في دمشق، مطيحاً بالفصيل اليساري في حزب البعث السوري. ولم يتأخر السادات والأسد في إدخال تدابير التحرير الاقتصادي تحت اسم "الانفتاح". وقد راح هذا التحرير الاقتصادي يشجِّع تطوُّر رأسمالية محاسيب، وهو الأمر الذي عززه بقاء النظام الدكتاتوري على حاله بالرغم من شبه التحرير السياسي في مصر[68].
والحاصل أن التحوُّل الذي جرى تدشينه في القاهرة ودمشق قد تسارع بشدة مع صعود الملكيات والإمارات النفطية في الخليج العربي-الإيراني، والتي انضمت إلى الاتجاه لتأميم النفط والغاز الطبيعي الذي دشّنته على الصعيد الإقليمي الجزائر في عهد هواري بومدين سنة 1971. وفجأة وجدت تلك الملكيات والإمارات نفسها تحوز إيرادات هائلة بفضل الزيادة الحادة في سعر النفط الناجمة عن التقليص التدريجي للإنتاج والحظر الجزئي على التصدير الذي قررته البلدان النفطية العربية خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 العربية-الإسرائيلية. وهكذا اندفعت المنطقة العربية من المرحلة الناصرية "الاشتراكية" إلى المرحلة السعودية المفرطة الرجعية. والحال أن المملكة السعودية تمتعت منذ ذلك الحين بإمكانيات مالية ضخمة، أضيفت إليها إمكانيات الملكيات والإمارات الخليجية العربية الأخرى التي اصطفت وراء القيادة السعودية. وفي هذه الملكيات والإمارات ذاتها، مهَّد عاملان الطريق لتوسُّع هائل في رأسمالية المحاسيب ضمن إطار الدولة الميراثية: ظهور جيل جديد داخل العشائر الحاكمة، أغرته الأعمال؛ وتدفق رجال أعمال محنكين من بقية بلدان المنطقة وسائر أنحاء العالم، ممن اجتذبتهم مغارة علي بابا هذه الجديدة. وفي الوقت ذاته، تسارعت وتيرة تطورات مماثلة في الملَكيات غير النفطية، في ظل مشاريع مشتركة مع الرساميل الآتية من الملكيات والإمارات النفطية في أحيان كثيرة.
وسرعان ما عمّ "الانفتاح" بقية النظم المنحدرة من البونابرتية القومية: في الجزائر، في ظل الشاذلي بن جديد الذي خلف بومدين سنة 1979 إثر وفاة الأخير[69]؛ وفي العراق، في ظل صدام حسين نفسه إبان الحرب مع إيران[70]. وعَرِف النظام اليمني الشمالي انعطافة جذرية إلى اليمين بعد انسحاب قوات التدخل المصرية في 1967، حيث خضع لوصاية المملكة السعودية. وراحت المحسوبية تعُم البلد في ظل علي عبد الله صالح، الذي وصل لسدّة الحكم سنة 1978[71]. وسارع جعفر النميري في السودان إلى التمشي مع توجُّه السادات ما بعد الناصري، خصوصاً أنه اضطر إلى محاربة معارضة يسارية خلال سنوات حكمه الأولى. وانتهى به المطاف إلى التحالف مع الإخوان المسلمين بدءاً من سنة 1981. أما تطوُّر نظام معمر القذافي في ليبيا فكان الأكثر تقلّباً على الإطلاق: فمن الاصطفاف وراء السادات في ظل مرجعية إسلامية قوية في مطلع السبعينات، انخرط في منعطف "اشتراكي" منذ 1977، صحبته تأميمات واسعة جداً، بالتوازي مع ترسيخه لسلطته الشخصية. وبعد حوالي عقد من ذلك، استلهم بيريسترويكا ميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفيتي لكي يدخل في منعطف جديد تجاه صيغته الخاصة من "الانفتاح" – في ظل تحرير سياسي زائف مصحوب بتحرير اقتصادي فاشل. وأدى انعطاف النظام لليمين بشكل أكثر جذرية في مطلع القرن الجديد إلى التطوُّر المتسارع لرأسمالية ميراثية مرفقة بالمحاسيب حول نسل القذافي[72].
وأفضت انعطافة السبعينات أيضاً إلى استقرار أنظمة الحكم الفردي بعد عدم الاستقرار الشديد الذي اتسمت به العقود السابقة[73]: فالقذافي هو صاحب الرقم القياسي لطول فترة البقاء في السلطة، حيث حكم ليبيا على مدى 42 عاماً حتى انتفاضة 2011؛ والسادات أُغتيل سنة 1981، ولكن خليفته حسني مبارك بقي في السلطة 30 عاماً، حتى 2011 أيضاً؛ وحَكَم حافظ الأسد لمدة 30 عاماً حتى وفاته سنة 2000؛ ولم تُنتزع السلطة من صدام حسين، الذي كان قد تولاها في 1968، سوى بواسطة غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة في 2003، أي بعد 35 عاماً؛ وظل علي عبد الله صالح في السلطة 34 عاماً حتى أُجبر على التنازل عنها سنة 2012؛ واستولى بن علي على السلطة في 1987 واحتفظ بها 24 عاماً، حتى 2011، بعد أن أزاح بورقيبة الذي تولى رئاسة الدولة منذ الاستقلال التونسي سنة 1956. وكانت الإطاحة بالملَكية الليبية في 1969 آخر انقلاب عسكري جمهوري ناجح بعد الانقلابات في مصر (1952) والعراق (1958) واليمن الشمالي (1962): أما سائر الملكيات والإمارات العربية فقد بقيت حتى اليوم، حيث يحكم الملوك والأمراء عموماً حتى نهاية حياتهم (47 عاماً من الحكم في حالة حسين ملك الأردن).
وقد يسَّر طول أمد الدكتاتوريات الجمهورية في الحكم وإلى حد بعيد تطوّرها نحو النظام النيوميراثي الميّال بشكل متزايد في نظم الحكم الفردي – أي في أغلب الحالات مع وجود استثناء هام يتمثل في الجزائر، حيث تُمارَس الطغمة العسكرية سلطتها بصورة جماعية منذ وفاة بومدين – نحو نظام ميراثي مشابه لذلك القائم في الملكيات والإمارات. ولم تعُد تلك الدكتاتوريات تفتقر إلى أيٍ من خصائص النظم الميراثية، بما في ذلك الانتقال الوراثي للسلطة: فقد خلف بشار الأسد والده في ظروف هزلية، بينما كان صدام حسين يُعدّ أحد ابنيه لخلافته، مثله مثل القذافي ومبارك وصالح. وتكتسب الجماعات المسيطرة في البلدان المعنية – طغمات عسكرية-أمنية وبرجوازيات دولة – طابعاً مافيوياً متزايداً، في تطوُّر يسير يداً بيد مع توسُّع رأسمالية محاسيب يشجِّعها امتداد الوصفات النيوليبرالية لتشمل مجمل المنطقة: تحرير التجارة، مع المحسوبية في منح تراخيص الاستيراد؛ إيلاء الأولوية للقطاع الخاص، مع توسيع دوائر الأعمال التي يزداد تحررها من القيود مع تقلد شركائها لمناصب رفيعة في جهاز الدولة؛ تقليص القطاع العام عن طريق الخصخصة التي تُمثل، ملثما هو الحال في روسيا، إحدى وسائل الإثراء المفضلة لدى المافيا المسيطرة، لأنها تتيح لها الحصول على أكثر الممتلكات العامة ربحيةً بأسعار بخسة؛ وهلمّ جرّاً.
وفي سياق يتسم بالاستمرارية، ما بعد الـ"اشتراكية"، للطابع الدكتاتوري للسلطة في بلدان مثل مصر وسورية والعراق والجزائر وليبيا، حيث كانت البرجوازيات القديمة الصناعية والتجارية والمالية قد هلكت، لم يكن ممكناً أن تفضي الوصفات النيوليبرالية سوى إلى النتيجة التي وصفناها. فشركات القطاع العام المنتجة التي أفرزها التصنيع على الطريقة السوفيتية أصبحت أقل مردودية، لاسيما في ظل تحرير التجارة: ووجدت الدولة نفسها أمام اختيار بين إدامة تشغيل المصانع بخسارة أو إغلاقها. ولم يكن توازن القوى الاجتماعية يتيح للدولة اللجوء إلى عمليات فصل واسعة النطاق. وللسبب نفسه، لم تستطع الدولة تقليص أعداد البيروقراطية الإدارية أو الجيش بالدرجة الحادة التي كانت المؤسسات المالية الدولية تدفعها نحوها.
ولولا الاستيعاب الجزئي للشباب، ولاسيما الخريجين، من قِبَل بيروقراطيات الدولة، لكانت مشكلة البطالة أكثر انفجاراً بعد مما هي عليه اليوم في المنطقة. وللسبب نفسه مرة أخرى، لم تستطع الدولة ممارسة "العلاج بالصدمات" وتحرير الأسعار بوحشية على النحو الذي فرضه أوغسطو بينوشيه على الشعب الشيلي بعد انقلابه الدامي في 1973، أو على غرار التدابير التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية في أوروبا الشرقية بعد انهيار الدكتاتوريات "الشيوعية".
ذلك أن النظم القائمة في المنطقة العربية كانت تعي قدرة سكانها على التمرد، وهو ما برهنت عليه الاضطرابات التي أفرزتها محاولات إلغاء دعم أسعار السلع الضرورية في مصر سنة 1977، وفي المغرب سنة 1981، وفي تونس سنة 1983، وفي الأردن سنة 1989. فعلى عكس سكان أوروبا الشرقية، ليس لدى الغالبية العظمى من سكان المنطقة العربية أي أوهام عن أفق الوصول إلى مستوى العيش الغربي بما يستطيع إقناعهم بشد الحزام مؤقتاً – هذا علاوة على كون الحزام مشدود بالفعل إلى آخر ثقب بالنسبة لجزء كبير من السكان. ونتيجة لانسداد الطريق النيوليبرالية محلياً، راحت أغلب اقتصادات المنطقة تجمع بين عيوب رأسمالية الدولة البيروقراطية التي بلغت حدود قدراتها التنموية وعيوب رأسمالية نيوليبرالية فاسدة – وبدون أيٍ من المزايا المفترضة للدولانية أو النيوليبرالية.
وتسود المنطقة العربية هذه النمطية الخصوصية لنمط الإنتاج الرأسمالي – مزيج من النظام الميراثي والمحسوبية ورأسمالية المحاسيب، ونهب الممتلكات العامة، والتضخم البيروقراطي، والفساد المعمم، على خلفية قدر عظيم من انعدام الاستقرار وهزالة سيادة القانون أو حتى غيابها. وهذه النمطية الخصوصية هي ما يعيق تنمية المنطقة. هي ذي السلسلة التي انكسرت في ديسمبر/كانون الأول 2010 في تونس، دافعةً بقية الحلقات إلى الانكسار بدورها، الواحدة تلو الأخرى.
 
 

للحصول على النسخة الكاملة من الكتاب: انقر هنا

*******************************
[68]  حول الاقتصاد السياسي لمصر ما بعد الناصرية، وبالإضافة إلى الأعمال المشار إليها أعلاه، انظر العمل الكبير الذي كتبه عادل حسين عن سنوات السادات، حينما كان لا يزال يعتبر نفسه ماركسياً: الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية 1974-1979، مجلدان (بيروت: دار الكلمة، 1981)؛ إضافة إلى:
 Nazih Ayubi, The State and Public Policies in Egypt Since Sadat (Reading, UK: Ithaca, 1991); Eberhard Kienle, A Grand Delusion: Democracy and Economic Reform in Egypt (London: I.B. Tauris, 2000); Vincent Battesti and François Ireton, ed., L’Egypte au présent. Inventaire d’une société avant révolution (Paris: Actes Sud/Sindbad, 2011), esp. ch. 3, pp. 403-647.
وحول سنوات حافظ الأسد في سورية، انظر:
Michel Seurat, L’Etat de barbarie (Paris: Seuil, 1989), Volker Perthes, The Political Economy of Syria under Asad (London: I.B. Tauris, 1995), and Raymond Hinnebusch, Syria: Revolution From Above (London: Routledge, 2001).
وحول مجموع سنوات الأسد الأب والابن،
 Bassam Haddad, Business Networks in Syria: The Political Economy of Authoritarian Resilience (Stanford, CA: Stanford University Press, 2012).
ونجد لوحة مفيدة عن التحوّلات الاجتماعية-الاقتصادية في سورية في العمل المشار إليه من قبل لمحمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية. غير أن الجانب السياسي من هذه الدراسة أكثر إثارة للجدل، إذ تتحدَّد رؤية الكاتب بتفضيله لحل يجري التوصُّل إليه عن طريق التفاوض مع النظام السوري ورئيسه. وانظر بهذا الشأن النقد التفصيلي اللافت لكتاب باروت بقلم حسام الدين درويش في كتابه مناقشة نقدية لأبحاث محمد جمال باروت عن الثورة السورية (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 2012). وللاطلاع على مقارنة بين عمليات التحرير الاقتصادي في مصر وسورية حافظ الأسد، انظر
 Raymond Hinnebusch, “The Politics of Economic Liberalization: Comparing Egypt and Syria”, in Hassan Hakimian and Ziba Moshaver, eds., The State and Global Change: The Political Economy of Transition in the Middle East and North Africa (Richmond, UK: Curzon, 2001), pp. 111-134.
[69]  حول سنوات الشاذلي بن جديد، انظر
 Abderrahim Lamchichi, L’Algérie en crise. Crise économique et changements politiques (Paris : L’Harmattan, 1991);
ونجد لوحة مثيرة عن الفساد المتسارع للنظام الجزائري بعد عصر بومدين في
 Hocine Malti, Histoire secrète du pétrole algérien (Paris: La Découverte, 2010).
[70]  انظرIssam al-Khafaji, , “State Incubation of Iraqi Capitalism,” Wealth and Power in the Middle East, MERIP, no. 142, Sept.-Oct. 1986, pp. 4-9 and 12
واقرأ يضاً:
 Hanna Batatu, “State and Capitalism in Iraq: A Comment”, ibid., pp. 10-12.
[71]  انظرCharles Schmitz, “Politics and Economy in Yemen: Lessons from the Past,” in Kamil Mahdi, Anna Würth and Helen Lackner, Yemen into the Twenty-First century: Continuity and Change (Reading, UK: Ithaca, 2007), pp. 31-49.
وانظر أيضاً
 Chaudhry, The Price of Wealth.
[72]. Dirk Vandewalle, Libya since Independence: Oil and State-Building (Ithaca: Cornell University Press, 1998) and A History of Modern Libya (New York: Cambridge University Press, 2006).
وانظر أيضاً
 Patrick Hamzadeh, Au Coeur de la Libye de Kadhafi (Paris: J-C Lattès, 2011).
[73] انظر Roger Owen, The Rise and Fall of Arab Presidents for Life (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2012).




تعليقات الفيسبوك