نظرية -فائض القيمة- تُجيبكم الآن..!


جواد البشيتي
2013 / 3 / 17 - 13:00     


لم أَقِفْ حتى الآن على تفنيد (دَحْض، تخطيء) لنظرية "فائض القيمة (القيمة الزائدة)"، أو لغيرها من النَّظريات الأساسية والجوهرية التي شرحها وبسطها ماركس في مؤلَّفه "رأس المال"، يمكن أنْ أسْتَنْتِج منه أنَّ صاحبه قد قرأ، أو استنفد، أو أحسن، قراءة "رأس المال"، أو تمثَّل معاني ما قرأ منه؛ فإنَّ جُلَّ "المُفَنِّدين (الدَّاحضين، المُخطِّئين)" كانوا، في وجهات نظرهم، مزيجاً من "الجهل" بالنَّظرية الاقتصادية الماركسية، والتعصُّب عليها، وعلى مؤسِّسها.
إنَّكَ يكفي أنْ تُفَرِّط في فَهْم "فائض القيمة"، أو تسيئه، حتى يَسْهُل عليكَ، ويتيسَّر، "اكتشاف" مزيدٍ، ومزيدٍ، من ظواهِر الاقتصاد الرأسمالي (الجديدة) التي "تُعْجِز" هذه النَّظرية عن تفسيرها وتعليلها؛ فقد أصبح لـ "المعرفة (والإبداع والذَّكاء والموهبة والجهد الذِّهني الخالص..)" سِلَعَاً من جنسها؛ فماركس "المادي" كانت "سلعته" مادية مثله؛ أمَّا خصومه الجُدُد من "جهابذة" الاقتصاد السياسي في هذا الزَّمن فَلَهُم "سلعتهم" المثالية، وكأنَّ "سؤال الفلسفة الأساسي"، والذي من طريق إجابته نَعْرِف "المادي" من "المثالي"، يَقْرَع الآن باب "الاقتصاد السِّلعي".
إنَّه جهد فلسفي اقتصادي يبذلونه لـ "رَوْحَنة" السِّلعة، أيْ لجعلها "روحانية" الماهية، أو لنَفْخِ مزيدٍ من "الرُّوح" فيها؛ ويكفي أنْ يتوفَّروا على "رَوْحَنة" السِّلعة، وأنْ يُبْدوا مزيداً من الاستخذاء لـ "هُبَل" السِّلع الرُّوحانية (المثالية، المعرفية) وهو "الإنسان الآلي (الرُّوبوت)" حتى يتساءلوا في دهشة واستغراب قائلين: كيف للجهد الذِّهني الإبداعي الخلاَّق (والذي لولاه لَمَا دَبَّت الحياة في هذه الآلة الطينية الصلصالية) أنْ يُحْسَب ويُقاس بالزَّمن (أو السَّاعة) وأنْ نَعْرِف، من ثمَّ، نسبة مساهمته في خَلْق القيمة التبادلية لهذه السِّلعة (الرُّوحانية، والتي تزداد روحانية)؟!
إنَّهم كمثل كل فيلسوف مثالي (أكانت مثاليته ذاتية أم موضوعية) لا يُنْكِرون "المادي" من ثروة المجتمع؛ لكنَّهم يَسْعون إلى جَعْلِه ذَيْلاً لـ "الرُّوحي" منها؛ فـ "الثروة المادية" للمجتمع، والتي هي سِلَعية الطابع (في معظمها) في الرأسمالية، إنَّما هي "المخلوق"؛ أمَّا "الخالِق" لها، أو "خالقها"، فهو "الثروة الرُّوحية"، أو أصحابها الكبار، وهُمْ الذين يبذلون الجهد الذِّهني (الإبداعي، الخلاَّق) الخالص، من أمثال بيل غيتس.
هؤلاء "الجهابذة" إنَّما يَنْقصهم "الجدل"، فَهْماً وتَمَثُّلاً؛ فالميتافيزيقيا أفسدت عقولهم وفكرهم وتفكيرهم، فما عادوا يُؤمِنون إلاَّ بـ "الخالص" من الأشياء؛ فالعمل إمَّا أنْ يكون يدوياً (جسمانياً) خالصاً، وإمَّا أنْ يكون ذِهْنياً (فكرياً) خالصاً؛ أمَّا "العمل اليدوي الذي يخالطه جهد ذهني"، أو "العمل الذهني الذي يخالطه جهد يدوي"، فلا يَعرفونه، ولا يعترفون به.
العمل هو وحده الذي يخلق قيمة تبادلية لشيء ما (على أنْ تكون لهذا الشيء قيمة استعمالية في الوقت نفسه). وهذا العمل، عند ماركس، إنَّما هو "العمل المجرَّد"؛ و"العمل المجرَّد" هو وحده الذي لديه القابلية للقياس؛ وإنَّه يُقاس بالزمن (بالساعات).
لكنَّ ماركس الجدلي العظيم لم يرَ "العمل المجرَّد" إلاَّ بوحدته التي لا انفصام فيها مع "العمل الملموس"؛ فـ "الخياطة"، مثلاً، عمل ملموس، يجعل مزاوله (الخيَّاط) مُخْتَلِفاً مِهنياً عن غيره. والخيَّاط في أثناء إنتاجه سلعته (الثوب) ومن أجل إنتاجها يَبْذل ويُنْفِق جهداً يدوياً وذهنياً عامَّاً (مُجرَّداً). وهذا الجهد، ولجهة كميته ومقداره، يُحْسَب ويُقاس بالزَّمن (ليس بالزَّمن الفردي، وإنَّما بالزمن العام، والذي يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والعصور). ويسمَّى هذا الزَّمن "الزَّمن، أو الوقت، الضروري اجتماعياً"، أيْ الضروري من وجهة نظر المجتمع.
لقد صَنَعَ هذا الخيَّاط ثَوْباً؛ فإذا صَنَعَه من أجل أنْ يستعمله هو شخصياً، أيْ من أجل أنْ يلبسه، فإنَّ هذا المصنوع ليس بـ "سلعة". إنَّه يمكن أنْ يغدو "سلعة"، لها قيمتها التبادلية، المقترنة بقيمتها الاستعمالية.
هذا الخيَّاط إنَّما أنتج "قيمة استعمالية" فحسب؛ لأنَّه لم يَصْنَع الثوب من أجل بيعه، وإنَّما من أجل أنْ يستعمله هو.
هل أضاف هذا الخيَّاط، بصنعه هذا الثوب، أو هذه "القيمة الاستعمالية، شيئاً إلى ثروة المجتمع المادية؟
نَعَم، أضاف؛ فالثروة المادية للمجتمع هي أشمل وأعم من "إنتاجه السِّلعي"؛ فإذا كانت كل "ثروة سلعية" ثروة مادية، فهذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ كل ثروة مادية يجب أنْ تكون سِلَعية الطابع؛ فلنتذكَّر هذا الفرق جيِّداً.
الخيَّاط نفسه أراد الآن أنْ يصبح تاجراً في الوقت نفسه، أيْ أنْ يُنْتِج أثواباً من أجل أنْ يبيعها؛ فكيف تُحْتَسَب قيمة سلعته؟
إنَّها تُحْتَسَب، وتُقاس، بعدد ساعات العمل (الضروري اجتماعياً) والمُضَمَّن الآن في سلعته؛ وهذه الساعات بعضها يختص بـ "العمل الميِّت (القديم)"، والذي تشتمل عليه المواد والأدوات المُسْتَهْلَكَة، وبعضها يختص بـ "العمل الحي"، أيْ عمله هو.
كل ما يستعمله ويستهلكه الخيَّاط، في أثناء عمله، من آلات وأدوات ومواد وكهرباء.. إنَّما هي منتجات مادية تتجسَّد فيها جهود ذهنية وعلمية إبداعية هائلة لعلماء وذوي اختصاص، وكثيرٌ من براءات الاختراع.
تخيَّلوا أنَّ ربَّ عمل صناعي صَنَع وأنتج سِلَعاً هي آلاف النُّسَخ من كِتابٍ أوراقه جميعاً بيضاء، أيْ لم يُطْبَع فيها أي نَصٍّ. وافْتَرِضوا أنَّ سلعةً كهذه يمكن بيعها؛ لأنَّ المشتري يستعملها تلبيةً لحاجة ما لديه. وافْتَرِضوا، أيضاً، أنَّ سعر السلعة، أيْ سعر كل نسخة من هذا الكتاب "الأبيض"، 100 قرش.
هذا السعر يشتمل على 50 قرشاً هي سعر الرأسمال الثابت المستهلَك، و25 قرشاً هي سعر قوَّة العمل المستهلَكة، و25 قرشاً هي ربح رب العمل (أيْ فائض القيمة).
الآن جِئْنا بشكسبير، وطَلَبْنا منه "تسويد" صفحات الكتاب بنَصٍّ يكتبه هو؛ فهل يُباع الكتاب، عندئذٍ، بالسعر نفسه (100 قرش)؟
كلاَّ؛ فهو سيُباع الآن بسعرٍ أعلى (110 قروش مثلاً).
شكسبير ليس عاملاً، ولا يروليتارياً، عند ربِّ العمل هذا؛ ولم تكن له أقلَّ مساهمة في إنتاج القيمة التبادلية لهذه السلعة، التي بفضله (أيْ بفضل "تسويده" صفحات الكتاب) تُباع الآن بسعرٍ يَفوق قيمتها التبادلية؛ فـ "السعر" يزيد، أو يقل، عن القيمة التبادلية للسلعة، وقد يُطابقها؛ لأنَّه محكوم بقانون العرض والطلب.
شكسبير أدَّى عملاً نافعاً وضرورياً للمجتمع؛ وينبغي للمجتمع، وبواسطة رب العمل هذا، أنْ يكافئه عليه مالياً؛ ولقد كافأه رب العمل إذْ أعطاه مبلغاً كبيراً من المال (10 قروش عن كل نسخة).
إيَّاكم أنْ تُدْرِجوا شكسبير (وأشباهه) في فئة اجتماعية جديدة تسمُّونها "البروليتاريا الذِّهنية (أي التي تؤدِّي عملاً فكرياً خالصاً، أو تبيع "قوَّة عملها الفكرية والذِّهنية").
شكسبير أدَّى عملاً نافعاً وضرورياً للمجتمع؛ والعامِل عند رب العمل هذا أدَّى هو أيضاً عملاً نافعاً وضرورياً للمجتمع؛ لكن إذا كان عمل كل بروليتاري هو عمل نافع وضروري للمجتمع، فإنَّ هذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، إلاَّ عند ضيِّقي الآفاق، أنَّ كل عمل نافع وضروري للمجتمع يجب أنْ يكون عملاً بروليتارياً (يطيب لأولئكً تسميته "قوَّة العمل الذِّهنية (المُنْفَقَة)").
رَبُّ عملٍ آخر صَنَعَ، بواسطة عمَّاله، سلعة أخرى هي جهاز كمبيوتر؛ لكنَّ هذا الجهاز كان كالورقة البيضاء، أيْ يخلو تماماً من البرامج، ومن نظام "ويندوز"؛ فَجِئْنا بالعبقري بيل غيتس، وطلبنا منه "برمجته"؛ فَبِيع الجهاز بسعرٍ أعلى من قيمته التبادلية.
إنَّ غيتس في عمله هذا لا يختلف مبدئياً عن شكسبير؛ فربُّ العمل كافأه على جهده الذِّهني الإبداعي هذا بمبلغ كبير من المال.
لتتذكَّروا جيِّداً أنَّ سعر السلعة هو التعبير النقدي (المالي، أكان من ذهب أم من ورق) عن قيمتها التبادلية، وأنَّ هذا السعر محكوم بقانون العرض والطلب، فيزيد، أو يقل، عن قيمتها التبادلية، أو يطابقها (فإذا طابقها سُمِّي "السعر الطبيعي"). لكن ثمَّة أشياء كثيرة في الاقتصاد الرأسمالي لها سعر من غير أنْ يكون لها قيمة تبادلية، كالأرض التي يشيِّد عليها الرأسمالي منشأته الصناعية.
وماركس بحديثه عن "العمل البسيط" و"العمل المُركَّب (المعقَّد)"، ولجهة صلتهما بإنتاج القيمة التبادلية للسلعة، إنَّما يتحدَّث فحسب عن عمل البروليتاري؛ فإنَّ ساعة واحدة من عمل البروليتاري رفيع الاختصاص تَعْدِل، مثلاً، ثلاث ساعات من عمل البروليتاري العادي.
إنَّ الثروة المادية السلعية للمجتمع تنمو فحسب بـ "القيمة الجديدة" التي يخلقها عمل طبقة البروليتاريا؛ وهذه "القيمة الجديدة" هي مَصْدَر الأجور والرواتب والأرباح (وضرائب الدولة) في المجتمع كله.
من هذا "الصَّحْن (أيْ القيمة الجديدة التي يخلقها عمل طبقة البرولتياريا مهما كان حجمها الديمغرافي)" يَغْرِف كل أبناء المجتمع؛ فمنه غَرَف نيوتن وشكسبير وآينشتاين وغيتس وهتلر ورومل وهيفاء وهبي وأوباما وبشار الأسد وإيلي صعب ودافيد هيرست وبيكاسو وبابا الفاتيكان وشيخ الأزهر وخامنئي..
لا تُدْهشكم كثيراً "براءة الاختراع"؛ فصاحبها كمثل شكسبير في مثالنا؛ فأنا ربُّ العمل اشتريتها منه بمبلغ مالي كبير؛ ثمَّ استعملتها في مصنعي، فأفادتني في تحسين نوعية المُنْتَج، وفي خفض عدد العمال في مصنعي، وفي زيادة إنتاجية العامِل الواحد، وفي (نهاية المطاف) خَفْض القيمة التبادلية للسلعة التي يُنْتِجها عمَّالي.
من قَبْل، كانت القيمة التبادلية لسلعتي تَعْدِل (بسعرها) 100 قرش؛ أمَّا الآن فتَعْدِل 80 قرشاً؛ فهل أبيعها بهذا السعر الجديد الأقل من السعر القديم؟
الجواب "نَعَم، ولا"؛ فأنا، ومن أجل أنْ أبيع أكثر، سأبيعها بسعرٍ أقل من سعرها السوقي بخمسة قروش مثلاً، أيْ أنني سأبيعها بسعر جديد هو 95 قرشاً؛ وفي هذا السعر الجديد أحصل على ربحٍ إضافي؛ فربحي الأصلي في السلعة الجديدة الواحدة قلَّ؛ لأنَّ قيمتها التبادلية قلَّت؛ بسبب زيادة إنتاجية العامل الواحد في مصنعي.
هذا الربح الإضافي إنَّما هو جزء من فائض قيمة مُنْتَج في المصانع التي تُنْتِج السلعة نفسها؛ لكنها لم تشترِ "براءة الاختراع" تلك. وبحصولي على هذا الربح الإضافي أشعر أنَّ المجتمع قد كافأني على تحسيني المُنْتَج، وزيادة الإنتاجية، بفضل "براءة الاختراع" التي اشتريت، وعاقَب، في الوقت نفسه، المصانع الأخرى، لعلَّها تحذو حذوي.
وهذا الذي عَبَّرتُ عنه بكلمتيِّ "مكافأة" و"عقاب" إنَّما هو قانون اقتصادي موضوعي في الرأسمالية، هو قانون "رؤوس الأموال المتساوية تعطي أرباحاً متساوية (بصرف النَّظر عن تركيبها العضوي)".
وعمل هذا القانون هو ما يَجْعَل المُسْتَثْمِر في "سوق الدعارة"، مثلاً، يحصل على ربحٍ مساوٍ للربح الذي يحصل عليه رب عمل صناعي، إذا ما تساويا في حجم رأس المال المُسْتَثْمَر.
وإذا ما ظلَّت الرأسمالية على قَيْد الحياة فقد يأتي يوم يرتفع فيه التركيب العضوي لرأس المال (في المجتمع) بما يجعل العامل الواحد يُنْتِج ما يَعْدِل قيمة قوَّة عمله في بضع دقائق من يوم عمله (الذي قد يظل 8 ساعات) تاركاً عمل معظم يوم عمله ينهبه رب العمل!
وقد يأتي يوم (لا وجود فيه للرأسمالية؛ لا وجود فيه للرأسماليين والبروليتاريا) تَعْرف فيه البشرية "عودة حلزونية" إلى عصر العبودية في روما القديمة، فنرى الناس الأحرار أسياداً، والبشر الآليين عبيداً؛ فتنقرض "السلعة"، و"القيمة التبادلية"، ولا يبقى إلاَّ "القيمة الاستعمالية"؛ وتنمو "الثروة المادية" نموَّاً لا مثيل له؛ لكن من غير أنْ تتسم بأيِّ طابع سلعي.



تعليقات الفيسبوك