المادية التاريخية والصراع الطبقى والممارسة الثورية - جورج لارين - القسم الأول


سعيد العليمى
2012 / 11 / 20 - 18:40     

ترجمة سعيد العليمى
مقدمة:
بالرغم من أنه يبدو أن هابرماس هو أول من شرع فى إعادة بناء المادية التاريخية، فإن كثيرين قبله وبعده قد انشغلوا بمشاريع طمحت لإعادة البناء. ومع ذلك فليس ثمة مفهوم متفق عليه عما تعنى إعادة البناء ولا كيف يمكن النهوض بها . فلكل مؤلف مفهومه الظاهر و المضمر لإعادة البناء التى يتم تبرير الحاجة إليها بطرق مختلفة .
وعلى أية حال، يمكن أن نميز تمييزا عريضا بين نمطين من المقاربة . فقد إقترح ألتوسير فى فرنسا وكوهن فى إنجلترا تفسيرات نسقية للمادية التاريخية ، تشترك- بالرغم من الاختلافات الواسعة وقلة التقدير المتبادل- فى الإهتمام بصياغات دقيقة وعلمية إنطلاقا من أن القوة التفسيرية للمادية التاريخية تعود إلي أن الأفعال الانسانية والصراعات الطبقية والتغير والتطور الاجتماعى , إنما تنشأ عن عوامل بنيوية يمكن تحديدها بدقة .
هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى، فقد صاغ كل من فليشر فى ألمانيا وسارتر فى فرنسا مفهوما مختلفا لإعادة البناء، أقل اهتماما بالدقة العلمية وبالأسباب المحددة بنيويا , وأكثر اهتماما بالحاجة إلى إعادة تشكيل المادية التاريخية كنظرية للمارسة. بمعنى أنه بالرغم من أن التغير الاجتماعى والتطور التاريخى مشروطان بعوامل بنيوية فإنهما ينبغى أن يفسرا فى النهاية كنتاجات للممارسة الإنسانية والصراعات الطبقية التى ليست حتمية الحدوث دائما .
وتسود المقاربة الأولى إلى حد كبير داخل العالم الناطق باللغة الانجليزية. إذ لا يقارن تأثير فليشر، ولا سارتر، ولا حتى هابرماس بذلك التأثير الواسع الذى مارسه ألتوسير أولا وكوهن لاحقا، على الدراسات الماركسة فى الحقل الثقافى الأنجلو- ساكسونى.
على أننى لا أتفق مع هذه النوعية من إعادة بناء المادية التاريخية, لأننى، بصفة عامة, أتصور إعادة البناء بالمعنى الثانى . و إن كان ذلك لا يعنى أننى أتفق تماما مع الطريقة التى نهض بها فليشر وسارتر بمشروعيهما.
وعلى ذلك فليس هدفى هو أن أتدخل فى هذا الجدال إلى جانب نظرية الممارسة، بل أن أقدم مفهوما مختلفا لإعادة البناء يتسم- دون تبنى ماركسية عقائدية أرثوذكسية- بأنه أكثر حساسية للإنقطاعات والثغرات التى يمكن أن توجد فى فكر ماركس وانجلز وإلى الحاجة لحلها.
وهناك أسباب تجعل الحلول التى يتم التوصل إليها فى إطار نظرية للممارسة أقل تحددية من تلك التى تنتج عن النظر من خلال العوامل البنيوية فقط. فتعريف العلاقات البنيوية على أنها, ببساطة, ترتيبات متزامنة لعناصر معطاة سلفا، يجعلها، هى والمصالح المرتبطة بالأوضاع الناشئة عنها، قابلة للتحديد الدقيق . بينما تعريف النشاطات السياسية العملية للطبقات المناضلة بأنها سلسلة من الأحداث المتعاقبة والتى- وإن كانت مشروطة -لا يمكن التنبؤ بها على نحو دقيق من خلال العلاقات البنيوية ؛ يجعلها لا تقبل التحديد الدقيق ويجعل نتائجها غير مؤكدة.
وربما كان ذلك , هو مصدر الميل إلي تحويل العلاقات البنيوية والمصالح المحددة بنيويا- والتى هى مجرد شروط ضرورية للتغير- إلى أسباب مفسرة كافية، و إلي اختزال الممارسات- التى هى الأسباب الحقيقية للتغير- إلى مجرد نتائج محددة سلفا.
ولكن علينا أن نقاوم هذا الإغراء . وإذا كان من الصحيح أن القوة التفسيرية للصراع الطبقى محدودة ، من حيث أنها ، كما اقترح كوهن، لا تقول لنا لماذا تنجح الطبقة الناجحة , فإنه من الصحيح أيضا وبنفس القدر أن القوة التفسيرية للعوامل البنيوية قاصرة أيضا ,لأنها لا يمكن أن تضمن أن الطبقة التى ينبغى أن تنجح سوف تنجح بالفعل . ولعل الاعتراف بهذه الحقيقة هو فى مركز مشروعى لإعادة البناء. ويمكن القول عموما بأن هذا الكتاب لا يهدف إلى ِأن يكون مدخلا سهلا ومنهجيا للأفكار الأساسية للمادية التاريخية، لكنه قد يساعد القارئ غير المتعمق على أن يتبين الموضوعات المتضمنة فيها. ذلك أنه على الرغم من أن مناقشتى لا تتطلب معرفة متخصصة بالماركسية، إلا أنها تفترض معلومات عامة عن المادية التاريخية وتعريفاتها الأساسية. وقد عرضت وجهة نظرى فى أربعة فصول:
فى الفصل الأول أحاولت إبراز الحاجة لإعادة بناء المادية التاريخية ودرست بشكل نقدى مفاهيم متعددة عن إعادة البناء. ثم قدمت مفهومى الخاص عن إعادة البناء فى صلته بتعيين بعض التوترات فى أربع نطاقات نوعية فى فكر ماركس وإنجلز.
وفى الفصل الثانى وصفت الطريقة التى تم بها حل الثغرات القائمة في الترابطات الداخلية فى نظرية ماركس وإنجلز من قبل الجيل الثانى من الماركسيين, وكيف تشكلت طبعة أرثوذكسية وعقائدية نتيجة لذلك.
بينما حاولت فى الفصل الثالث القيام بالمهمة المزدوجة وهى إنتقاد الحلول الارثوذكسية من ناحية، وتقييم الحجج التى يثيرها النقاد غير الماركسيين ضد المادية التاريخية من ناحية أخرى.
أما الفصل الرابع فهو يجمع الخيوط السابقة جميعا ويحاول أن يقدم بعض عناصر إعادة البناء المؤسسة على نظرية الممارسة. فقدعرضت فيه عناصر نظرية الممارسة، ثم قمت ببحث الوضع النظرى ونطاق المادية التاريخية، وأخيرا حاولت أن أبين كيف يمكن لهذه العناصر أن تسهم فى حل التوترات القائمة فى فكر ماركس وإنجلز بمعنى مختلف عن الحلول الأرثوذوكسية .
وغنى عن البيان, أننى لا أدعى أنى وجدت كل الإجابات ولا أنني بحثت علي نحو تفصيلي التضمينات الكاملة لإعادة البناء المقترحة من جانبى . ومع ذلك سأكون قد حققت هدفى إذا ما انتهى القارئ إلى أن الأسئلة التى أثرتها والإجابات الأولية التى قدمتها تصب فى الاتجاه الصحيح وتشكل حافزا لمزيد من البحث والمناقشة.
الفصل الأول
حول إعادة البناء
(1) الحاجة إلى إعادة البناء
تتضمن أية محاولة لإعادة بناء المادية التاريخية إفتراضا مزدوجا : أولا، أنها نظرية ذات قيمة ومازال بإمكانها أن تقدم إسهامات هامة لكل من العلوم الاجتماعية والممارسة السياسية.
ثانيا، أن هناك أسبابا معينة تعلل كون صيغتها الراهنة ليست مرضية وتتطلب فحصا دقيقا.
والإفتراض الأول لا يؤخذ ببساطة كأمر مسلم به، خاصة فى العالم الناطق بالإنجليزية. فقد اتهم كثير من النقاد الماركسية بصفة عامة والمادية التاريخية بصفة خاصة بالتشوش، والغموض، والافتقار للدقة ، والتعمية، والضبابية ، والتناقض، وما إلى ذلك ( أنظر عرضا لتلك الانتقادات عند ماك مورترى، 1978، ص ص 18-3) . ومع ذلك فحتى أكثر النقاد قسوة يقرون بتأثيرها الهام والواسع: " إن ما تتمتع به الماركسية من تأثير هام فى العالم المعاصر يجعلنا فى غير حاجة إلى الإعتذار عن محاولة فهمها وتقييمها" (أكتون، 1955، ص1).
و علي ذلك فالسؤال الذى يثار إذن هو: لماذا يظل بإمكان مثل هذه النظرية , رغم تشوشها وتذبذبها المفهومى , أن تكون ذات تأثير شديد فى كل من المجالين السياسى والأكاديمى ؟ ويبدو الوضع بمثابة مفارقة لدى معظم نقاد الماركسية ، ولكن لا ينبغى أن يظل كذلك بالنسبة للماركسيين غير العقائديين المستعدين للإقرار بأن مستويات الدقة التى إستخدمت تقليديا داخل الماركسية لم تكن رفيعة جدا.
وربما وجدنا تفسيرا لتلك المسألة فى مبدأ التحدد الاجتماعى للمعرفة . إذ لا يمكن لنظرية أن تحيا بشكل خالص على أساس قوة باطنية مفترضة مستمدة من تماسكها الداخلى واستدلالاتها الدقيقة. فلو كان التماسك والدقة يكفيان، لحظيت الميتافيزيقا المدرسية بشعبية واسعة. ذلك أن النظرية تحيا وتمارس تأثيرا بقدر ما تدخل وتصبح ذات معنى فى ممارسة الأجيال الجديدة (أنظر كوسيك، 1976 ، ص ص 86-77، ولارين،1983،ص ص 203-197). كذلك فما أود التدليل عليه هنا هو أن التطور المستمر للماركسية وأهميتها مرتبطان بمغزاها بالنسبة للأشكال المعاصرة للممارسة.
لقد ذهب بيرى أندرسون إلي أن الخصيصة الرئيسية للماركسية الغربية (التى تطورت بصفة أساسية فى ألمانيا ، وإيطاليا، وفرنسا) كانت، " إنفصالها البنيوى"، عن الممارسة السياسية, وعزلتها عن حركة الطبقة العاملة. فالماركسية الغربية هى نتاج لإخفاق وهزبمة نضال الطبقة العاملة من أجل الإشتراكية الذى أفضى إلى إنزياح النظرية الماركسية عن الأحزاب السياسية الثورية وهجرتها إلى الجامعات. وقد أثر هذا الانفصال بين النظرية والممارسة على مضمون الماركسية حتى أن المناقشات عن القوانين الاقتصادية للرأسمالية , والإستراتيجيات السياسية الاشتراكية إختفت تقريبا , وحل محلها خطاب فلسفى يركز بصفة خاصة على المشاكل المنهجية والأيديولوجية (أنظر أندرسون، ص ص 24-48). والفكرة هنا هى أن الماركسية الغربية تنجح كنظرية لأنها تخفق كمشروع سياسي (أنظر أيضا ماركوس، 1983، ص 101).
ومن الصعب إنكار العناصر الأساسية لتحليل أندرسون النافذ. ذلك أن هزيمة الحركات الاشتراكية بعد الثورة الروسية، والطابع الفلسفى للماركسية الغربية وهجرتها لمراكز البحث وأقسام الجامعة, كلها حقائق واقعة. ومع ذلك فالطريقة التى يبرهن بها أندرسون علي قضيته تطرح مشاكل خطيرة للنظرية الماركسية. إذ يبدو هنا ـ ربما دون قصد ـ أن الصلة بين النظرية والممارسة التى هى فى مركز التحدد الاجتماعى للمعرفة لا تنطبق على تطور الماركسية ذاتها. وهكذا فإن واحدة من المعتقدات الأساسية للمادية التاريخية وهى ربط التطورات الثقافية بأشكال الممارسة الاجتماعية تبدو وكأنها مهجورة من قبل الماركسية الغربية ذاتها.
وما أريد أن أدلل عليه هنا هو أنه ليس من الممكن تفسير طابع الماركسية الغربية من خلال التأكيد ببساطة على انفصالها الظاهرى عن الممارسة. فما يكمن وراء تطور الماركسية الغربية ليس هو انفصال النظرية عن الممارسة وإنما بالأحرى وجود شكل نوعى للصلة مع الممارسة. صحيح أننا قد لا نرى هذه العلاقة بسهولة أحيانا. بل وصحيح أيضا أن ماركس عند تحليله الفلسفة الألمانية كان واعيا بمثل هذه الإمكانية , مما جعله يتحدث عن "الاستقلال الظاهرى" للنظريين الألمان فى علاقتهم مع الطبقة الوسطى. والذى تمثل فى التناقض الظاهر بين الشكل الذى يعبر به هؤلاء النظريين عن مصالح الطبقة الوسطى وبين هذه المصالح ذاتها (الأيديولوجية الألمانية، ص 195) إذ يكتشف ماركس تحت هذا الإنفصال الظاهرى علاقة مع الممارسة ذات بعدين. فمن ناحية هناك صلة مباشرة بين النظرية وبين الممارسة المحدودة للطبقة التى تمثلها بالفعل حيث نجد ارادة كانط الطيبة تتفق تماما مع عجز، ووهن، وبؤس البورجوازيين الألمان (الأيديولوجيا الألمانية، ص 193) ومن ناحية أخرى هناك صلة بين النظرية وبين الممارسة الناجحة لطبقات أجنبية مشابهة تناضل فى ظل ظروف مختلفة. وهكذا فإن كانط وهييجل ينظران ويطوران الانجازات العملية للبورجوازيتين الإنجليزية والفرنسية من خلال تحويل تلك الإنجازات إلي "أفكار خالصة" و "أفكار مجردة".
ويبدو لى أن هذا هو مفتاح فهم تطور الماركسية الغربية. فهى نتاج الممارسة المتعلقة بحركة الطبقة العاملة التى لم تكن قادرة على تحدى الوضع القائم جذريا والتى انحصرت، لحد ما، فى صراعات جزئية وإنقسامية تم حلها ضمن إطار دولة الرفاهية. وبطبيعة الحال, فمثل هذه الممارسة لا تعتبر ثورية , ولكنها مع ذلك شكل للممارسة. واهتمام الماركسية الغربية باكتشاف الملامح الأيديولوجية والثقافية التى سمحت للمجتمعات الرأسمالية بأن تغوى وتدمج الحركة العمالية , وكذلك اهتمامها بالبحث النظرى عن مفهوم للدولة يجعل منها موضوعا للهجوم المباشر بحيث يمنح الاشتراكية مساحة ما للفعالية ؛ مثل ذلك الاهتمام و هذا البحث يتوافق مع ذلك الواقع العملى أيضا.
هذا من ناحية , ومن ناحية أخري , ترتبط الماركسية الغربية بنجاح الممارسة الثورية للطبقة العاملة فى روسيا أولا ، وفى عديد من بلدان العالم الثالث فيما بعد. وهذا جانب يقلل بيرى أندرسون من قيمته. لقد مارست الثورة الروسية نفوذا قويا ,على الأقل حتى الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك الحين اقترنت عملية التحرر من الاستعمار والنضالات المناهضة للإمبريالية بموجة حركات الطبقة العاملة الراديكالية فى الصين، وكوبا، وأنجولا، وشيلى، وموزامبيق، ونيكاراجوا، إلخ.... ، وشكلت مصدرا نفيسا للخبرة والأفكار الجديدة للماركسية الغربية. ومن المهم ادراك أن الماركسية الأوروبية اليوم، مثل الفلسفة الألمانية فى الماضى، مازالت- إلى حد معين- تناقش وتنظر وتطور , علي مستوي الفكر، الانجازات الثورية للطبقات العاملة غير الأوربية. هذه السيرورة العملية المطردة تعزز لازمنية الماركسية الأكاديمية وملاءمتها في نفس الوقت لأوربا؛ بينما المحدودية العملية لنشاط الطبقات العاملة تتحدى قدرتها على الإبداع لتطوير أفكار جديدة واستراتيجيات أكثر ملاءمة للمجتمعات الرأسمالية المتقدمة. مع ذلك وفى نفس الوقت تكمن هذه الظروف العملية وراء المحدودية الواضحة للماركسية الغربية، والتى تتمثل فى ميلها للتجريد وإلى تصور تطورها النظرى الخاص كما لو كان عملية مستقلة بذاتها. بهذا المعنى فإنه من الصحيح القول مع أندرسون بأن الماركسية الغربية تتسق مع عجز الطبقات العاملة الأوربية. لكن ذلك لم يكن بسبب أنها تكونت بمعزل عن ممارساتها, إنما بسبب أن تلك الممارسة , ظلت, إلي حد ما , محدودة. وهذه الصلة المحدودة تتيح لنا أن نفهم لماذا لا تستطيع الماركسية الغربية أن تحل نظريا التناقضات التى لم تكن الطبقات العاملة الأوربية قادرة على حلها فى الممارسة.
ويولى أندرسون فى كتاب صدر مؤخرا (1983) اهتماما أكثر لهذه العلاقة حينما يحاول أن يفسر الإستنزاف الظاهر والأزمة التي تعاني منها الماركسية الأوروبية اللاتينية (الفرنسية، الإيطالية، الأسبانية) فى نهاية السبعينيات، مقارنة بحالة الازدهار التي شهدتها الماركسية فى البلدان الناطقة بالانجليزية، حيث يلاحظ اندرسون أن ثمة هبوطا متزايدا فى المجتمعات الأوروبية اللاتينية التى كانت مزدهرة من قبل. لذلك لم يعد يؤكد كثيرا على فكرة "الانفصال البنيوى" عن الممارسة لكى يفسر هذه الأزمة بل راح يشدد على ما يسميه، "تفسيرا خارجيا" (1983،ص 56).
فعند تحليل العوامل المسئولة عن الأزمة يستخدم ضمنيا الأبعاد الداخلية والخارجية للصلة العملية التى ذكرتها. وهكذا يرى أن انهيار الماركسية الأوروبية اللاتينية يرتبط بإخفاقات الثورة الثقافية الصينية والحركة الشيوعية الأوروبية، وهما تجربتان مركزيتان أوهمتا بتجاوز نواقص التجربة السوفيتية (أندرسون، 1983، ص 76).
على أن أندرسون عند تفسيره لصعود الماركسية فى العالم الناطق بالإنجليزية لا يقدم أسبابا مقنعة بنفس الدرجة ، بل يعود مرة أخرى للعوامل الداخلية فى التطور الثقافى لهذا التقليد. ويذكر من بينها عنصرا يعتبره شديد الأهمية هو ظهور التأريخ (historiography) الماركسى، وهو الحقل الذى تفوق فيه دائما ممارسوا النظرية من الناطقين بالانجليزية، و يضيف إلي ذلك عنصرا آخر هوالقدرة على مقاومة العزلة والعداء السياسى، وهى القدرة الناتجة عن "مادية تاريخية ذات عقل أرسخ وأكثر دقة" (أندرسون، 1983،ص 77).
ويبدو لى أن حماس أندرسون تجاه قوة وحيوية الماركسية فى العالم الناطق بالانجليزية يتطلب بعض التخصيص. فالحدود العملية التى تكمن وراء ازدهارها تتشابه مع تلك التى تؤثر على الماركسية الأوربية اللاتينية، إن لم تكن حتى أسوأ. وإذا كان من الصحيح أن العقبات العملية قد تم ادراكها بطريقة مختلفة. فسبب ذلك إنما يعود إلي الغياب الراهن لأحزاب شيوعية جماهيرية فى المناطق الناطقة بالانجليزية والألمانية. فصعود وسقوط الحركات الشيوعية الأوربية أثر فقط على الماركسية الأوربية اللاتينية حيث شعرت بالأزمة على نحو أكثر عمقا. إذ كانت الماركسية الأوربية اللاتينية تحاول مع كل نواقصها أن تتشبث بالمسائل التى لها صلة عملية بحركات طبقات عاملة أقوى نسبيا وراديكالية لعبت فيها الأحزاب الشيوعية دورا حاسما.
وعلى النقيض من ذلك, لم تكن فى العالم الناطق بالانجليزية، طبقات عاملة راديكالية لها نفس المكانة. وكانت الأحزاب الشيوعية هناك بلا أهمية تذكر. فكانت النتيجة هى أن حيوية النظرية الماركسية- دون انكار إنجازات هامة أخرى- تركزت إلى حد كبير على تحليل الماضى (التاريخ ) أو، لاحقا، على رد الاعتبار لوجهة نظر حتموية وتكنولوجية عن التاريخ ( ويمكن ذكر بعض المنتمين للاتجاه الأول مثل : موريس دوب، وإيريك هوبسباوم،و كريستوفر هيل، وإدوارد تومبسون، ورودنى هيلتون، وايوجين جينوفيز؛ أما الاتجاه الثانى فمن بين المنتمين إليه يمكن ذكر: جيرالد.أ. كوهن، و ويليام .هـ ، شو ، وجون ماك مورترى ).
ولست أريد هنا أن أنتقص من الإنجازات المؤثرة لهذين الخطين من التطور. ولكن من الممكن أن نلاحظ أنهما وإلى مدى معين قد عوضا فكريا عن النواقص العملية للحركة العمالية. فمن ناحية هناك جماعة من المؤرخين اختزلت المادية التاريخية إلى كتابة التاريخ، وأنكرت ضمنيا مكانتها النظرية , وعلاقتها الوثيقة بتحليل المجتمتع القائم . ومن ناحية أخرى جاء إحياء مفاهيم حتموية عن التاريخ تكرارا بشكل غير مقصود للأرثوذكسية المتحجرة للماركسية السوفيتية و ما صاحبها من ميل إلى قطع العلاقات الوثيقة التى وجدت بين المادية التاريخية وفكرة الممارسة. فالحتمية والضرورة تسدان نقص النشاط الثورى (أنظر حول هذا هرف، 1977، ص 135)
وبينما قد تكون الماركسية الغربية مدانة بنزعة ثقافية ومنهجية مفرطة، فإن تطورها الفلسفى لم تغب عنه أبدا رؤية المسائل العملية المتصلة بانتقال محتمل إلى الاشتراكية فى المجتمعات الرأسمالية المتقدمة. فالإهتمام بالتاريخ وبالمفهوم العام للتاريخ فى الماركسية الناطقة بالانجليزية قد أنتج تحليلات لامعة ودقيقة، ولكن ، فى سياق ذلك, كانت المادية التاريخية تتعرض لخطر أن تفقد وضعها النظرى وصلتها مع الممارسة كليهما.
وهكذا نجد أن المادية التاريخية فى مفترق طرق . فالسمات الخاصة للماركسية الغربية والتي أكسبتها طابعا نقديا وحاولت أن تطورها بطريقة غير حتموية , وغير اقتصادية -علي خلاف الارثوذكسية السوفيتية- قد دخلت فى أزمة عميقة.هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى فإن الحيوية الجديدة للماركسية فى العالم الناطق بالانجليزية قد أدت لإتجاهات تقلل من الوضع النظرى للمادية التاريخية أو تبعث التفسير الحتموى السوفيتى مع تدعيمه هذه المرة بصياغات دقيقة.
ومثل هذا الوضع يجعلنى أدرك مدى الحاجة لإعادة بناء المادية التاريخية كنظرية للممارسة تقدم العناصر الأساسية لفهم التاريخ، والمجتمع والفرد فى علاقاتهم المركبة. إننى أتفق مع هدف فليشر لإعادة بناء الفلسفة الماركسية كفلسفة إنسانية تحريرية تنبني علي الممارسة (1973، ص 7). وسيتضح لنا، فيما بعد، المعنى المحدد والنطاق الخاص لهذه النظرية. على أن ما سأركز عليه حاليا هو معنى إعادة البناء.
(2) معنى إعادة البناء
إقترح مؤلفون عديدون فى السنوات االماضية , بشكل واضح أو ضمنى, إعادة بناء المادية التاريخية . لكنهم فهموا من إعادة البناء أشياء غاية فى الإختلاف. فبعض النظريات تفهم إعادة البناء بإعتبارها تقديم طريقة خاصة لقراءة ماركس وشرح ما أراد حقا أن يقوله. تبدأ هذه المقاربات من إفتراض أن فرضيات ماركس قد إستنبطت بشكل غير منهجى وعرضت بشكل غير محكم وأنه يترتب على ذلك ، وجوب إدخال بعض الدقة من أجل ادراك مغزاها وتماسكها. وهكذا يرى ألتوسير وجود انفصال متواتر بين أقوال ماركس الصريحة وبين المسائل العلمية الفعلية المختفية وراءها. وغرض إعادة البناء إذن هو إعادة تركيب "إشكالية" ماركس العلمية المختفية بواسطة " قراءة تشخيصية" symptomatic reading تخترق سطح صياغاته (ألتوسير، وباليبار، 1975، ص ص32-28).
و من ناحية أخرى ، فثمة مفاهيم، "منهجية" أيضا لإعادة البناء تؤكد على الحاجة إلى توضيح نسقى وإلى إعادة تركيب الإطار المقولاتى للماركسية (ماك مورترى، 1978، ص 18)
أو تحاول أن تستبعد الغموض الذى يشوش تقييمات ماركس بإدخال ما تتميز به الفلسفة التحليلية المعاصرة من دقة ووضوح (كوهن، 1978، ص 9) وقد تصل المسألة هنا إلى حد القول بضرورة التحقق مما عناه ماركس بالفعل حتى نكتشف المتطلبات المنطقية لنظريته. وهكذا فإن إعادة البناء تعنى إدخال نظام معرفى على أفكار ماركس وتقويمها.
ويعتقد فليشر بدوره أن معظم تفسيرات الماركسية لا تولى الإعتبار الواجب لتعقد أفكار ماركس وتميل بشكل واضح إلى تقديم صياغات جزئية أحادية. وعلى ذلك تتحدد المهمة الأساسية لإعادة البناء فى محاولة تحرير المفهوم الماركسى للتاريخ من النظرة الضيقة للتفسير الأحادى الجانب ، لإنقاذه من غرابته وجعله أكثر قابلية لأن يعقل، ولإظهار مرونته وطبيعته "التجريبية" بدلا من دقته المزعومة (فليشر، 1973، ص 12). و
وتعنى إعادة البناء أيضا أكثر من مجرد مقاربة "منهجية" لكتابات ماركس بل يمكن أن تكون لها تضمينات أقوى.
إذ نجد أن هابرماس ، الذى منح رواجا ثقافيا لمصطلح "إعادة البناء", يصف تلك العملية بأنها تعنى " تفكيك النظرية وتركيبها مرة أخرى فى شكل جديد حتى تحقق هدفها الذى وضعته لنفسها على نحو أكثر كمالا" (1979، ص 95). و مع ذلك فإن هذه العملية تتجاوز إعادة الترتيب البسيطة لنفس العناصر: فالنظرية بصفتها هذه " تحتاج لمراجعة" أى إلى تطوير لأسسها المعيارية بصفة خاصة ,الأمر الذى يمكن أن يتحقق فقط من خلال نظرية للفعل الإتصالى (ص 97).
ويستنتج سارتر بدوره الحاجة لإعادة البناء من الفكرة النقدية التي تذهب إلي أن الماركسية قد أصبحت نوعا قبليا وعقائديا من المعرفة التى تضع الأحداث داخل إطار مفاهيمى قبل دراستها, وقررت مقدما ماذا يجب أن تكون عليه حقيقة كل شئ (1968، ص 2). وهكذا تتطلب إعادة بناء المادية التاريخية إدماج أنظمة معرفية جديدة فى الماركسية التى سوف " تستعيد ببساطة النطاقات العينية للواقعى" (ص 65) و ترصد التجديدات العينية للحياة الانسانية : مثل الوجودية، والتحليل النفسى ، وعلم الاجتماع التجريبى ومع ذلك، ومن ناحية أخرى, فعلي مثل هذا الادماج أن يتفادي النظرة الضيقة للحقول المعرفية المستقلة بذاتها : إذ علينا أن نفهمها بوصفها تعبيرا أعمق عن حركة كلية أكثر اتساعا الأمر الذي يتطلب من الماركسيين أن يؤسسوا منهجهم قبليا ، (سارتر، 1976، ص 18).
وعلى الرغم من أننى أقبل مقدمات المفاهيم " المنهجية" لإعادة البناء والقائلة بان هناك غموضا فى صياغات ماركس وأن بعض الأفكار فى حاجة إلى أن تطور أكثر، وبعضها الآخر فى حاجة إلى تقويم، إلا أنه يبدو لى أن مهمة إعادة بناء المادية التاريخية تتجاوز مجرد إدخال الدقة والنسقية فى نظرية ماركس. فالمشكلة هى فى تحديد مصادر الغموض. صحيح أن بعضا منها يعود للإفتقار للوقت لتطوير ولتأمل أفكار معينة، كما يقترح كوهن، ولكن الأفكار الأكثر أهمية من بينها تأتت عن أسباب أعمق, إذا ماجرى تحديدها، تبين لنا أن إدخال المنطق والنظام لا يكفى لتقويمها.
وبالمثل، فإنه من الضرورى بالطبع تجنب التأكيد الأحادى الجانب على جوانب جزئية من فكر ماركس. لكن إعادة البناء بالنسبة لى أكثر من مجرد التقدير الشامل لكلية أفكار ماركس والموازنة الدقيقة بين الأقوال المتعارضة كما يقترح فليشر. فهو يفترض ليس فقط أنه من الممكن أن نجد دائما تماسكا أساسيا وإنما أيضا أن النتيجةالصحيحة ستكون بالضرورة متوازنة. وعلى أية حال فهذه الإفتراضات ليست واضحة بذاتها . وفى رأيى أن مفهوما صحيحا لإعادة البناء يجب أن يكون قادرا على التساؤل عما إذا كانت كل عناصر النظرية متسقة, وعما إذا كان تمفصلها النوعى صحيحا . الأمر الذي يجعلنا علي استعداد لتقبل وجود تعارضات تجعل من الضرورى , إما تغيير التوازن بين هذه العناصر أو استبعاد الحلول المقترحة غير الملائمة.
إن مفهومى عن إعادة البناء يسمح أيضا بتقبل فكرة أن صياغة ماركس الخاصة عن نشاطه النظرى تتعارض احيانا مع المغزى الفعلى له. على أية حال، فإن مثل هذا المفهوم يرفض فكرة ألتوسير القبلية حول وجود انفصال متواتر فى كتابات ماركس يجعل إسهاماته خفية عنه هو نفسه. أضف إلى ذلك أن "الإشكالية العلمية" لماركس المزعوم اختفاؤها عنه قد تحددت قبليا من جانب ألتوسير على أساس معايير مأخوذة من سبينوزا وباشلار. وهكذا يعاد بناء الماركسية بأن ننتقى من بين أفكار ماركس، فقط تلك التى تتناسب مع معايير متصورة من خارجها (أنظر ألتوسير،1976، ص ص 132-141، وإيشيفريا، 1978، ص 13).
إذ ليس من المعقول أن نقوم بمحاولة إعادة بناء نظرية معينة بأن ننسب إليها فكرة مسبقة عن تصور للعلم مأخوذ من نظريات أخرى. كما أنه ليس من المعقول أن نساير هابرماز أو سارتر ونحاول أن نملأ الفراغات الجوهرية المزعومة فى فكر ماركس بنظرية جديدة تماما للاتصال أو بإدخال أنظمة معرفية كاملة، تطورت على نحو مستقل، مثل الوجودية والتحليل النفسى. ويمكن القول بأن اتهام هيلر لهابرماز بأنه "لا يأخذ على عاتقه أبدا أن يحلل الألياف لأنسجة تسمى أعمال OEUVRE ماركس، ولا هو يحاول أن يفهم ذاتا COGITO يسمى كارل ماركس (هيلر، 1982، ص 22) ينطبق أيضا على سارتر. والنتيجة هى أن هابرماز وسارتر يميلان إلى دمج ماركس مع ماركسية مؤسساتية وإحلال مفاهيم عامة غير تاريخية محل مقولات المادية التاريخية. وهكذا فإن التحول من الإنتاج إلى الإتصال يسمح لهابرماز بأن يقلل من أهمية الصراعات الطبقية المؤسسة ماديا وأن يحل محلها فكرة " الاتصال المشوه". يسعى سارتر بدوره لتأسيس المنهج الجدلى قبليا APRIORI، ومن ثم فإن مشاكل التسلسلية، والندرة والإنسلاب التى يحددها باعتبارها تواجه الكائنات الانسانية فى كل الأزمنة يبدو أنها تحول التركيز عن الأشكال النوعية تاريخيا للإستغلال الطبقى. باختصار، فإن كلا من هاتين الطريقتين فى إعادة البناء تغير بشكل جذرى ما يعتبره معظم الناس موضوع المادية التاريخية.
إن الغموض الذى يعالجه مفهومى عن إعادة البناء والمتأصل فى التفسيرات أحادية الجانب والعقائدية للماركسية ينبع فيما أظن من بعض التوترات فى عمل ماركس. وهى توترات تنبثق من الصعوبات الكامنة فى المهمة شديدة التعقيد التى طرحها ماركس على نفسه. فثمة ثلاث مشاكل أساسية جديرة بالذكر فى هذا الصدد. الأولى، الإطار الضخم لهدف ماركس، وهو أن يقدم تقييما دقيقا للمقدمات الواقعية التى تسمح بفهم صحيح للمجتمع والتاريخ. فمثل هذا الإطار يطرح مشكلة ما إذا كانت التحليلات العينية لأنماط معينة من الانتاج يمكن أن تتمفصل مع مبادئ أكثر عمومية عن التعاقب التاريخى لتلك الأنماط ، وما إذا كان تنوع حالات تاريخية خاصة يتوافق مع رؤية موحدة للكلية التاريخية. الثانية، هى مشكلة أخذ عناصر من أصول نظرية مختلفة ومن أنظمة معرفية مختلفة ومحاولة إدماجها فى نظرية أرقى. فمن ناحية، هناك إدماج العناصر المادية الفلسفية المأخوذة من الفلاسفة البريطانيين للقرن السابع عشر والتنوير الفرنسى للقرن الثامن عشر مع نظرية للمارسة والوعى تؤسس الجانب الفعال للذات والتى استمدت عناصرها الأساسية من المثالية الألمانية، ومن ناحية أخرى هناك ادماج مثل هذه التركيبة الفلسفية مع المادة التجريبية التى قدمتها التحليلات التاريخية والاقتصادية. الثالثة، إن هدف ماركس فى فهم المجتمع والتاريخ مقترن برؤية ما لإمكانيات تحرير الانسانية، أى، أنه يريد أن يطور نظرية لا تتسم فقط "بدقة العلوم الطبيعية" (مقدمة، إسهام فى نقد الاقتصاد السياسى، مختارات ماركس وإنجلز، ص 182) وإنما تتسم أيضا بكونها نقدية وثورية فى جوهرها (كلمة ختامية، رأس المال، المجلد الأول، ص 29). ومحاولة ماركس تأسيس نظرية علمية وثورية في آن معا تطرح مشكلة التوفيق بين القوانين العلمية العامة , وبين ممارسات سياسية نوعية و تطرح كذلك مشكلة ادماج التحليل الدقيق للواقع كما هو مع نقد طابعه المنسلب والمتناقض.
و تنشأ التوترات فى أفكار ماركس بسبب أن التوازنات بين هذه العوامل والتأكيدات التى وضعت فى سياقات نوعية في أعمال ماركس ليست هى نفسها دائما ومن ثم فقد نجد لديه مقاربات تفسيرية مغايرة لنفس المشاكل . وهكذا فمن الممكن أن نجد تأكيدات على القوانين العلمية فى مواضع معينة يتم نقضها بتأكيدات على الممارسات السياسية فى مواضع أخرى ، كما يشير ماركس أحيانا إلى المقدمات المادية التقليدية لينتقد المثالية وفى أوقات أخرى يؤكد على المقدمات المثالية لنقد المادية القديمة ، ويهيمن عليه فى بعض الأحيان تأثير المفهوم الهيجلى عن الكلية التاريخية والجدل بينما يؤكد فى مرحلة أخرى على خصوصية الحركات التاريخية غير القابلة للاختزال.
أعني بإعادة بناء المادية التاريخية إذن تعيين وحل هذه التوترات فى أعمال ماركس، ليس بمعنى محاولة تلطيف التناقضات الظاهرة , ولا بمعني أن نحاول بشكل إصطناعى إدماج مقاربات متعارضة, ولكن بمعنى إعادة توازن بعض القضايا أحادية الجانب وبصفة أساسية، القيام باختيارات واضحة بين بدائل تفسيرية متعددة.
و لا يستلزم حل التوترات محاولة التحقق على وجه الحصر مما عناه ماركس فعلا- فما عناه ماركس بالفعل ليس واضحا دائما ويمكن أن يكون أيضا غير متاح- ولايستلزم كذلك مراجعة جوهرية ونسقية لمعتقداته لكنه يستلزم التوصل لتوازنات جديدة لنفس العناصر، التى نجد بعضها ضمنيا فى أعمال ماركس ونستلهم البعض الآخر من خلال المنطق العام لفكره. ويستلزم أيضا تغيير بعض التأكيدات واستبعاد العناصر التفسيرية غير المناسبة
و قد كان كوهن وماك مورترى يريدان أيضا أن يذهبا إلي ماوراء ما عنيه ماركس أو قاله ليصلا إلى منطق النظام وليجعلا النظرية أكثر معقولية. لكن اهتمامهما كان يتعلق بجعل نظرية ماركس أكثر وضوحا منه إلى الحصول على نظرية أفضل وأكثر مغزى. لذلك كان باستطاعة كوهن أن يفصل بين دفاعه عن ماركس وبين الحاجة لتكييف تفكيره هو وفقا ل"تفكير" ماركس. وقد تطلب منه دفاعه عن ماركس أن يشترط فى كل رأى أن يكون "فى آن معا جديرا بالتصديق من حيث نسبته إلى ماركس وجديرا بالتصديق من حيث قيمته الخاصة"، ولكن كوهن بعدما أنجز هذا الأمر أخذ يبدى شكوكا حول دقة النظرية التى دافع عنها. (1983 أ، ص 125، 1983 ب، ص 227).
وعلى النقيض من ذلك فإن مفهومى عن إعادة البناء، ليس معنيا كثيرا بجعل المادية التاريخية جديرة بالتصديق شكليا. وإنما بأن يحل جوهريا التوترات فى أعمال ماركس حتى تصبح أكثر ملائمة كنظرية.
إن اندماج روافد نظرية مختلفة فى فكر ماركس هو حقيقة معترف بها بشكل واسع، لكن حقيقة أنها مصدر التوترات والغموض لم تأخذ حظا كافيا من الاهتمام. لقد حلل" ألفرد شميدت" بصورة دقيقة الطريقة التى تم بها هذا الادماج على الصعيد الفلسفى. وعارض بشكل مقنع التفسيرات الأحادية لفكر ماركس الفلسفى (1971). ومع ذلك ورغم مقاربته النقدية الأصيلة يبدو لى أنه مثل فليشر يقلل من التوترات التى تنبثق عن مثل هذا المشروع ويبحث عن حلول لها تنسب –بكل سهولة- إلى ماركس نفسه. وعلى النقيض من ذلك، يدرك كورش وجود التوترات فى فكر ماركس، فقط ليستبعد أية محاولات لحلها. وهو يفرق بين "صيغة موضوعية" مستمدة من "مقدمة" 1859 تصور العملية التاريخية كتطور لقوى الانتاج وبين "صيغة ذاتية" مستمدة من البيان الشيوعى تصور التاريخ بلغة الصراع الطبقى. فهو يعتبر هاتين الصيغتين شكلين مستقلين من الفكر الماركسى وأنهما أصيلتان بنفس القدر وليست إحداهما مشتقة من الآخرى (كورش، 1938، ص ص 187، 229) ويعتقد كورش عن صواب أنه ليس من الملائم تلطيف مثل هذه التناقضات الواضحة، ولكنه يخفق فى أن يرى الحاجة لحل التوتر بطريقة أو أخرى. وموقف كورش متناقض ظاهريا خاصة بسبب أنه ينتقد فى نفس السياق إنحرافين فى الماركسية هما: "النزعة الإقتصادية" ، لأنها تختزل كل العلاقات إلى الإنتاج المادى بشكل أحادى الجانب، و "النزعة الإجتماعية"، لأنها تستبدل بشكل أحادى التفاعلات الداخلية بعلاقات الانتاج (ص 218) ولكنه لا يحلل أصولها المرتبطة بشكل واضح، على الأقل جزئيا، بالتوتر الذى سبق وأن عينه. وبرفض حل هذا التوتر يحرم كورش نفسه من الأساس الحقيقى الذى باستطاعته الإسهام فى إستبعاد الإنحرافين اللذين أشار إليهما.

(3) التوترات فى فكر ماركس وإنجلز
تتطلب فكرة إعادة بناء المادية التاريخية من ثم إدراك بعض التوترات فى عمل ماركس من ناحية والرغبة فى حلها من ناحية أخري. على أنه من الضرورى أن نبدأ بتعيين هذه التوترات. إذ يبدو لى أن هناك أربعة نطاقات أساسية هى مصدر التوترات الهامة فى فكر ماركس: مفهوم الجدل، تحليل الوعى، آلية التغير الاجتماعى، ومفهوم التاريخ .
.ولنحلل كل منها بإيجاز:
ففيما يتعلق بمفهوم الجدل فإنه من المعروف جيدا أن كتابات إنجلز المتأخرة قدمت فكرة جدل مستقل للطبيعة وكانت معنية بتأسيس القوانين الشاملة للجدل (أنظر ضد دوهرنج , وجدل الطبيعة) فهذان الملمحان قد نوقشا على نطاق واسع وشكلا المصدر الرئيسى لفكرة أن ماركس وإنجلز لم يكن لديهما دائما نفس المنظور وأن إنجلز تحديدا تجاوز المفهوم الماركسى الحقيقى للجدل الذى يعطى الأولوية للممارسة الانسانية (أنظر شميدت، 1971، فليشر، 1973، وكارفر 1983). وليست هذه هى اللحظة التى يناقش فيها مضمون هذه الموضوعات، ولكن من الضرورى أن نؤكد علي أن المشكلة أكثر تعقيدا من مجرد التعارض البسيط بين وجهة نظر ماركس المفترض صحتها عن الجدل و بين استدلالات إنجلز المزعومة وتشويهه لها . وبالرغم من حقيقة أن إنجلز قد طور أفكاره عن الجدل لحد بعيد بنفسه، إلا أنه كان يتراسل دائما مع ماركس، الذى لم يطلع على جهوده فقط، وإنما أقرها أيضا (أنظر هوفمان، 1975ص ص 70-15 وجيراتانا، 1975، المجلد الأول، ص ص 147-128).
إذ على النقيض من فكرة كارفر بأن، ماركس لم يصادق أبدا على الجدل المادى.. الذى كان يتابعه إنجلز، (كارفر، 1983، ص 134)، فإن مسحا متأنيا لكتابات ماركس ذاتها يبين أن هناك مشكلة قائمة مع مفهوم الجدل عند ماركس نفسه. فبداية كانت لديه هو أيضا فكرة تحديد الجدل شكليا. يقول ماركس فى رسالة إلى إنجلز: " إذا ماسنحت لى ذات الفرصة لمثل هذا العمل مرة ثانية، فلشد ما أود أن أضع فى متناول الذكاء الانسانى العادى- فى صفحتين أو ثلاث صفحات مطبوعة- ما هو عقلانى فى المنهج الذى إكتشفه هيجل الذى غلفه فى نفس الوقت بالغيبيات (14 يناير1858، المراسلات المختارة لماركس وإنجلز، ص 93). وحقيقة أن ماركس لم يفعل هذا أبدا ربما يكون أمرا لا يدعو للأسف بالنسبة لهؤلاء الذين يتبنون مفهوما سليما عن الجدل، ولكن حقيقة أن ماركس أراد أن يفعل ذلك تبين أن فكرة أن ثمة تركيبة قادرة على أن تقنن القوانين الأساسية للجدل بشكل مجرد، لم تكن غريبة تماما عن فكره . فماركس لم ينفر من الإشارة إلى قوانين جدل نوعية فى سياق يوحى بامكانية جدل للطبيعة كما أنه ضاهي بشكل نوعى بين التناقضات فى العلاقات السلعية و بين التناقضات فى حركة الأجسام الفيزيائية إذ يقول :
" سوف ترى أيضا من ختام فصلى الثالث، حيث تناولت تحول المعلم إلى رأسمالى، كنتيجة لتغيرات كمية خالصة- أننى فى هذا النص أستشهد باكتشاف هيجل فيما يتعلق بقانون أن التغيرات الكمية الخالصة تتحول إلى تغيرات كيفية باعتباره صالحا للتاريخ مثل صلاحيته للعلوم الطبيعية" (رسالة إلى إنجلز، 22 يونيه 1867، المراسلات المختارة لماركس وإنجلز، ص 177).
" لقد رأينا فى فصل سابق أن تبادل السلع يتضمن شروطا متناقضة وتنفى بعضها البعض بشكل متبادل. إن تمايز السلع إلى سلع ونقود لا يزيح هذه التناقضات، ولكنه يطور نمطا للتعايش فيما بينها ، يطور شكلا يمكن أن يوجد فيه الواحد بجانب الآخر. هذه هى بصفة عامة الطريقة التى تتوافق بها التناقضات الواقعية. فعلى سبيل المثال، فإنه من قبيل التناقض أن نتصور جسما يسقط بشكل دائم نحو آخر، وفى نفس الوقت يبتعد عنه بشكل دائم. لكن مثل هذه الحركة البيضاوية هى شكل للحركة التى بينما تسمح لهذا التناقض أن يستمر، فإنها تعمل على تسويته فى نفس الوقت" (رأس المال، المجلد الأول، ص 106).
ولكن الأكثر مغزى فيها جميعا مقطع من "رأس المال" يقارن ماركس فيه منهجه الجدلى مع جدل هيجل ويقرر بأنه نقيضه المباشر، فبينما بالنسبة لهيجل تصبح الفكرة ذاتا مستقلة تخلق العالم الخارجى، "فبالنسبة لى، ليست الفكرة شيئا آخر غير العالم المادى منعكسا بواسطة العقل الانسانى، ومترجمة إلى أشكال من الفكر". ويستخلص ماركس من هذا فكرة أن الجدل عند هيجل يقف على رأسه: لذلك "يجب أن يقلب مرة أخرى، إذا كان علينا أن نكتشف النواة العقلية داخل الغلاف الغيبى (كلمة ختامية، رأس المال،المجلد الأول، ص 29). إن وصف ماركس لمفهومه عن الجدل بإعتباره قلبا بسيطا لمفهوم هيجل يوحى بشيئين: الأول، أنه، بالرغم من أن المادة تحل محل الروح، فإن الجدل مازال عملية موضوعية يتطور بواسطتها كيان مادى مستقل بذاته منفصلا عن الممارسة الانسانية، الثانى أن نطاق الجدل يظل كما هو، أى المبدأ الشامل لتفسير العالم.
هذه المقاطع تكشف لنا أن مفهوم إنجلز عن الجدل لم يكن متعارضا مع بعض أفكار ماركس. ولكن من ناحية أخرى هناك عناصر هامة فى فكر ماركس تتعارض بوضوح مع هذا المفهوم. إن نفور ماركس من أى تقنين تجريدى للقوانين الجدلية الذى يستبدل بالتحليلات العينية المبادئ الشاملة قد ظهر فى نقده للاسال. إذ يصرح ماركس فى رسالة إلى إنجلز بأن لاسال، سوف يتعلم بثمن باهظ بأن تطوير العلم بواسطة النقد إلى النقطة التى يكتسب عندها طابعا جدليا هو شئ مختلف بالمرة عن تطبيق نظام للمنطق مجرد وجاهز الصنع على أفكار غامضة لنظام من هذا النوع (أول فبراير1858، المراسلات المختارة لماركس وإنجلز، ص 95). فحين يؤكد ماركس فى "رأس المال" أن الانتقال من المانيفاكتورة إلى التصنيع الآلى يتضمن تحولا من الكمية إلى النوعية فإنه لا يستخلص ذلك من وجود قوانين جدلية شاملة وإنما من تحليل تاريخى عينى.
فى ذات اللحظة التى تبدأ فيها الحضارة، يبدأ الانتاج فى أن يتأسس على التناقض بين الفئات، والطوائف، والطبقات، وأخيرا على التناقض بين العمل المتراكم والعمل المباشر، وحيث لا تتناقض لا تقدم. هذا هو القانون الذى تتبعه الحضارة حتى يومنا هذا. لقد تطورت قوى الانتاج حتى الآن بفضل هذا النظام من التعارض الطبقى... وفى مجتمع مقبل حيث يكون التناقض الطبقى قد توقف. حين لا تعود هناك أى طبقات، لن تعود الفائدة تتحدد من خلال الحد الأدنى لزمن الانتاج (بؤس الفلسفة، ص 59 وص 61).
وهكذا يبين ماركس أنه ، على خلاف هيجل، يتصور التناقض كشرط محدود تاريخيا للتقدم، إذ يظهر فقط مع الحضارة (أى يستبعد من ثم المشاعات البدائية) ويستمر فقط حتى القضاء على الرأسمالية والنظام الطبقى. ويبين ماركس أيضا أن الجدل بالنسبة له ليس حركة مستقلة موضوعية خالصة للعالم المادى وإنما يرتبط بشكل لا ينفصم بالتناقضات والممارسات الطبقية.
لدينا إذن عند ماركس نفسه فيما يبدو تقييمان متعارضان للجدل. وهو توتر ينبع من ادماجه لعناصر هيجلية فى سياقات مختلفة وبتأكيدات مختلفة. فمن ناحية، تميل بعض تقييمات ماركس للجدل إلى أن تعطى إنطباعا بأن قلبه للجدل الهيجلى لا يؤثر على نطاقه، وعلى النواة العقلية له. وبذلك يظهر الجدل كمبدأ ايجابى جاهز للتطبيق الشامل، ولكننا نجد من ناحية أخرى، بعض الاشارات للجدل أكثر تقييدا بشكل واضح وتشى بفكرة عملية النفى من حيث هى عملية محدودة تاريخيا ومرتبطة بشكل لا ينفصم مع الممارسة الإنسانية، وتتجه للوصول إلى نهاية.
على أن المشكلة بالنسبة لإعادة بناء المادية التاريخية ليست هى محاولة تحديد وجهة نظر ماركس الحقيقية فهذه مهمة مستحيلة. ولكن، حتى إذا كانت ممكنة فلا يزال من الضرورى أن نفحص نقديا الحلول التى أعطاها ماركس ومفسرون عديدون آخرون لهذا التوتر حتى نرى ما إذا كانوا مصيبين، وإذا لم يكونوا فعلينا أن نحاول صياغة حل جديد.
المصدر الثانى الهام للتوترات له صلة بتحليل الوعى. فالمبدأ القائل بأنه " ليس الوعى هو الذى يحدد الحياة، وإنما الحياة هى التى تحدد الوعى" (الأيديولوجية الألمانية، ص 37) أو "ليس وعى البشر هو الذى يحدد وجودهم، وإنما على العكس فإن وجودهم الاجتماعى هو الذى يحدد وعيهم " (مقدمة، إسهام فى نقد الاقتصاد السياسى، مختارات ماركس وإنجلز، ص 181) هو جزء حيوى من المادية التاريخية. مع ذلك فإن معنى هذا المبدأ الهام ليس دائما شديد الوضوح. فمن ناحية هناك إتجاه ثابت عند ماركس وإنجلز لتحليل الوعى كإنعكاس للحياة المادية متوافقا في ذلك مع الفكرة الأساسية للمادية الفلسفيةالقائلة بأن " العالم المادى سابق على ويوجد بشكل مستقل عن الفكر ومن ثم فإنه يمكن للأفكار أن تعكس وتمثل فقط ، أي أ نها مجرد صور للعالم الموضوعى . وهكذا نجد لدي ماركس وإنجلز فى الأيديولوجية الألمانية عبارات مثل: " الإنعكاسات الأيديولوجية وأصداء عملية الحياة هذه" ، "التعبيرات الفكرية عن عملية حياتهم المادية" و "الإنعكاس المثالى لتعارضات واقعية" (الأيديولوجية الألمانية، ص 36 و 287). فهما يقدمان فى هذا النص للمرة الأولى فكرة أن الوعى هو البناء الفوقى لأساس مادى (الأيديولوجية الألمانية ، ص 89) وهو مجاز سوف يستعملانه بإستمرار لتفسير مبدأ أن الوعى ليس مستقلا ذاتيا بل محدداً بشروط معينة. ويعيد ماركس لاحقا، فى رأس المال التأكيد على أن المثالى- بالنسبة إليه- " ليس شيئا آخر غير العالم المادى منعكسا من قبل العقل البشرى، ومترجما إلى أشكال من الفكر" (كلمة ختامية، رأس المال، المجلد الأول، ص 19) ويتحدث إنجلز فى رسالة إلى مهرنج عن "إنعكاس الوقائع الاقتصادية المتغيرة فى الفكر" (14 يوليو1893، المراسلات المختارة لماركس وإنجلز ص 433) وفى " ضد دوهرنج" يصف حتى الاشتراكية الحديثة بإعتبارها ليست سوى إنعكاس فى الفكر، للتناقض بين قوى الانتاج وأنماط الانتاج (ضد دوهرنج، ص 317). ثم يعيد إنجلز التأكيد مرة أخرى فى كتابه "لودفيج فيورباخ" على المبدأ المادى فيقول: نحن ندرك المفاهيم فى رؤوسنا مرة أخرى على نحو مادى أى بوصفها صورا للأشياء الواقعية" (لودفيج فيورباخ، الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، ص 609) وتؤكد نظرية الإنعكاس على أن الوعى تعبير عن العالم المادى وتدفقاته، ولكنها- فى حد ذاتها- لا تمنح للوعى أى دور فعال، بل على النقيض من ذلك، يميل الوعى إلى أن يبدو كنتيجة سلبية تحدث داخل العقل وتعيد إنتاج عملية خارجية تكونت هى ذاتها بشكل مستقل عن الوعى . ومع ذلك فإننا نجد أن ماركس وإنجلز يؤكدان- من ناحية أخرى- على الجانب الفعال والطابع الإستباقى للوعى. فمنذ أن انفصلا عن فيورباخ أصبحا يدركان أن، "القصور الأساسى لكل مادية سابقة... هو أن ادراك الأشياء، والواقع، والحسى قد جرى تصوره فقط على شكل موضوع أو تأمل، وليس كنشاط إنسانى حسى، كممارسة، وليس كعملية ذاتية ( موضوعات عن فيورباخ رقم 1، الأيديولوجية الألمانية، ص 3) وهذا يوحى بأن الوعى ليس فقط تعبيرا , وإنما أيضا عنصراً مكوناً للواقع إلى المدى الذى لا يمكن أن يكون فيه هذا الواقع معطى مسبقاً , وإنما أنشأته الممارسة الإنسانية. كما تتسم الممارسة الإنسانية ليس فقط بكونها واعية , وإنما أيضا بحقيقة أنها ، علي خلاف نشاط الحيوان، لها هدف يمكن توقع تحققه "إن العنكبوت يقوم بعمليات تشبه تلك التى يقوم بها النساج، وتزرى النحلة بكثير من المهندسين فى إنشاء خلاياها. ولكن ما يميز أسوأ مهندس عن أفضل نحلة هو، أن المهندس يقيم بناءه فى تصوره (أولا) عند بدء العمل (رأس المال، المجلد الأول، ص 174).
و بالمثل فعند تحليل العلاقة بين الانتاج والإستهلاك نجد أن ماركس يذهب إلي أن "الإستهلاك يفترض على نحو مثالى وجود موضوع الإنتاج كصورة داخلية، كحاجة، كدافع وكهدف". أي أن الاستهلاك يخلق موضوعات الانتاج فى شكل لا يزال ذاتيا (مقدمة، الأسس، ص 92).
من الممكن إذن أن نستنبط من هذه الاستشهادات أن الوعى لا يعكس فقط وإنما يساعد أيضا على تشكليل الواقع المادى بالاستباق العقلى لنتائج الممارسة الانسانية. وعلى ذلك فلدينا مرة أخرى تقييمين متعارضين للوعى، أى توتر ناجم عن محاولة ماركس إدماج عناصر المادية الفلسفية مع "الجانب الفعال" الذى طورته المثالية. فمن ناحية جرى تناول الوعى فى سياق تصور مجازى حول "القاعدة- البناء الفوقى"، حيث ظهر الوعى كإنعكاس سلبى للحياة المادية ومن ناحية أخرى جرى تناول الوعى فى سياق نظرية للمارسة فظهر على أنه عنصر فعال وإستباقى.

أما النطاق الثالث فى المادية التاريخية الذى يولد التوترات فيتعلق بتفسير آليات التغير الاجتماعى.
فقد أدرك كثير من المؤلفين وجود انفصال متواتر وهام فى هذا الصدد، كما بينت سابقا، وهو الانفصال الذى حدده كورش باكرا جدا بإعتباره تعارضا بين الصيغة الموضوعية ل "المقدمة"، التى تشدد على تطور قوى الانتاج وتنازعها مع علاقات الانتاج" وبين "الصيغة الذاتية" الخاصة بالبيان الشيوعى، التى تؤكد على الصراع الطبقى. وهو التعارض الذى شخصه بيرى أندرسون مؤخرا بإعتباره مشكلة العلاقة بين البنية والذات (1983، ص 34)، أى مشكلة ما إذا كان المحرك الأول للتغير الاجتماعى هو التناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج أم الصراع الطبقى. كذلك يشير ميللر بدوره إلى التناقض الظاهرى المتمثل فى أن معظم أقوال ماركس الصريحة يبدو أنها تحبذ أولوية قوى الانتاج بينما تنتهك تحليلاته التاريخية العينية التصورات الأساسية للحتمية التكنولوجية وتؤكد على أولوية علاقات العمل وأنماط التعاون (1981، ص ص 100-99). وأخيرا يؤكد "ماجالين" مقتفيا أثر ألتوسير وباليبار وجود إنفصال واضح بين ماركس الشاب حتى 1859، الذى يؤكد على الدور الديناميكى لقوى الانتاج، وبين ماركس الناضج فى رأس المال، الذى يحبذ دور علاقات الانتاج والصراعات الطبقية التى تشترطها (ماجالين، 1975، ص ص 58-43).
ومع ذلك فإن تحليلا لحدود هذا التوتر تبين تشوشا أساسيا: هل يتضمن التوتر إفتقاراً للوضوح فيما يتعلق بأى من القطبين المتعاكسين ضمن نفس التناقض له الأولوية، أم أنه ينتج عن تردد بشأن أى من التناقضين المختلفين له أولوية تفسيرية؟ بالنسبة لبعض المؤلفين مثل ماجالين، فإن التناقض بين قوى الانتاج وبين علاقات الانتاج لا يمكن تمييزه بدرجة كافية عن الصراع الطبقى طالما أن الأخير موجود بالفعل فى بنية علاقات الانتاج. وهكذا فإن التوتر الحقيقى ليس بين الصراع الطبقى من ناحية والتناقض بين قوى وعلاقات الانتاج من ناحية أخرى، وإنما هو بالأحرى توتر داخل الأخيرة بين أولوية قوى الانتاج وأولوية علاقات الانتاج. لكن مؤلفين آخرين يرون أن مثل هذا التفسير يخلط المستوى البنيوى مع المستوى الذاتى للتحليل. فالتناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج نزاع موضوعى، غير قصدى أى بكلمات جودلييه، تناقض بين بنيتين لا يتضمن أفراداً أو جماعات (1972، ص 79). أو كما يلاحظ كورش، فإن التاريخ فى هذه الصيغة يتم تفسيره بإعتباره تطورا موضوعيا دون أن تكون ثمة "ذات تاريخية" محركة لهذا التطور (1938، ص 186) وعلى النقيض من ذلك ، يتضمن الصراع الطبقى إسهام الطبقات والجماعات وتنظيماتها السياسية، كما ينطوى على إحالة ضرورية إلى أشكال وعيها، ومقاصدها وإستراتيجياتها.
إن امكانية تحديد التوتر فى هاتين الطريقتين المختلفتين تبين أنه يوجد إنفصال أساسى أعمق، إذ يمكن تفسير التغير الاجتماعى عبر فئة واحدة من التناقضات تتضمن كلا من الجوانب البنيوية والذاتية، كما يمكن تفسيره من خلال تناقضين مختلفين وإن كانا مترابطين. ويبدو أن ماركس وإنجلز فى الأيديولوجية الألمانية يقبلان أحيانا نوعا واحدا فقط من التناقض يظهر ذاته فى أشكال مختلفة:
"من شأن التناقض بين قوى الانتاج وشكل التعامل، أن ينفجر بالضرورة فى كل مناسبة فى صورة ثورات ، متخذا فى نفس الوقت أشكالا ثانوية مختلفة : مثل النزاعات الشاملة ، والتصادمات الطبقية، و تناقضات الوعى، و معركة الأفكار، و الصراع السياسى، إلى آخره ويمكن للمرء, من خلال نظرة ضيقة, أن يعزل واحدا من هذه الأشكال ويعتبرها أساس هذه الثورات" (الأيديولوجية الألمانية، ص 74) .
ولكن فى أوقات أخرى يبدو أن ماركس وإنجلز يقبلان نوعين مختلفين من التناقضات. وليس هذا أكثر وضوحا فى أى مكان منه فى البيان الشيوعى حيث تترافق فكرة ان الصراع الطبقى هو القوة المحركة للتغير التاريخى مع تفسير للانتقال من الإقطاع للرأسمالية الذى يؤكد على أنه، "لم تعد علاقات الملكية الاقطاعية تتلاءم مع قوى الانتاج التى تطورت بالفعل، لقد تحولت إلى أغلال كثيرة وكان عليها أن تتحطم فتحطمت (البيان الشيوعى، الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، ص 40).
وكل من نوعى هذا التوتر الأساسى يسمح بدوره بحدوث إنفصالات أبعد. فإذا أخذنا فكرة نوع واحد من التناقض فإنه من الممكن أن نشدد إما على الدور الديناميكى لقوى الانتاج أو على اولوية علاقات الانتاج، بما فيه هنا الصراع الطبقى. والمقطع المأخوذ من الأيديولوجية الألمانية المستشهد به عاليه يعطى الانطباع بان قوى الانتاج هى التى تهيمن .حيث يذهب إلى أنه من وجهة نظر ضيقة يمكن عزل واحد من الأشكال الثانوية واعتبارها أساس الثورة . ويضيف ماركس قائلا : و هو أمر غاية في السهولة حيث أن الأفراد الذين بدأوا الثورات تتولد لديهم أوهام عن نشاطهم الخاص" (الأيديولوجية الألمانية74). ومضمون هذه العبارة يوحى بأنه مهما ظن الأفراد عن أفعالهم، فإن الثورات قد حدثت ونجحت بسبب طابع قوى الانتاج. وقد جرى التعبير عن هذا أيضا فى رسالة ماركس إلى أنتكوف حيث يقول: "إن التاريخ الاجتماعى للبشر هو دائما تاريخ تطورهم الفردى سواء كانوا واعين به أم لا. فعلاقاتهم المادية هى أساس كل علاقاتهم" (28 ديسمبر 1846، المراسلات المختارة لماركس وإنجلز، ص 31).
ومع ذلك، فمن ناحية أخرى، لو تبنى المرء وجهة نظر مادية ضيقة عن قوى الإنتاج فسيجد أن ماركس فى تحليله التاريخى يحبذ التغيرات فى علاقات الانتاج والصراع الطبقى بإعتبارها سابقة على قوى الإنتاج وجديرة بالتالى بأن تولد تغيرات فيها. إذ يؤكد ماركس عند وصف نشوء الأشكال الأولى للرأسمالية فى "رأس المال" بأن إدخال أشكال جديدة من التعاون وعلاقات العمل هو الذى يحدث التحول من المهن الحرفية إلى المانيفاكتورة ونفس "الأساس التكنيكى الضيق، للصناعة الحرفية يستمر فى الاشتغال فى المانيفاكتورة "(رأس المال،المجلد الأول، ص320). وهكذا فإن المرحلة الأولى من نمط الانتاج الرأسمالى، التى تسمى أحيانا من قبل ماركس، الرأسمالية الشكلية المؤسسة على المانيفاكتورة ، لم تكن قد تولدت فقط من خلال توسع سابق لقوى الانتاج وإنما كانت هي ذاتها أيضا، غير قادرة لا على السيطرة على إنتاج المجتمع حتى مداه الأقصى و لا علي تثوير هذا الإنتاج حتى أعمق أعماقه (نفس المصدر، ص 347).
وفوق ذلك فإن التحول من المانيفاكتورة إلى الرأسمالية الصناعية بكل مافى الكلمة من معنى لم يكن من الممكن أن يتولد بواسطة توسع سابق لقوى الإنتاج، بل على النقيض من ذلك ظهرت أشكال جديدة من الصراع الطبقى الذى كان رأس المال وفقا له "مجبرا على الدوام على أن يتصارع مع تمردات العاملين" (نفس المصدر، ص 346)، ومن ثم فقد نشأت المرحلة الثانية للرأسمالية من خلال النزاع بين "الأساس التكنيكى الضيق" الذى قامت عليه المانيفاكتورة، وبين "متطلبات الانتاج" التى خلقتها المانيفاكتورة ذاتها (ص 347).
فاذا اتضحت لنا الآن فكرة وجود نوعين مختلفين من التناقض احدهما بنيوى والآخر يدور بين الطبقات، فمن الممكن أيضا التشديد على أولوية أى منهما دون إنكار تمفصلهما. فكوهن مثلا يرى أن التغيرات التاريخية الكبرى تتولد عبر الصراع الطبقى ولكن إذا أردنا أن نعرف "لماذا يحدث الصراع الطبقى هذا التغير وليس ذاك يجب أن نتوجه لجدل قوى وعلاقات الانتاج التى تحكم السلوك الطبقى وهو جدل غير قابل للتفسير من خلال الصراع الطبقى بل أنه هو الذى يحدد ما سيكون عليه نتاج الصراع الطبقى على المدى الطويل" (1983 أ، ص 121). هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فمن الممكن أن يعد التناقض البنيوى بمثابة شرط ضرورى للتغير لكنه لا يحكم السلوك الطبقى ولا يحدد نتاج الصراع على المدى الطويل . مما يعنى أن التغير يعتمد فى النهاية على فعالية الصراع الطبقى الذى لا يمكن للتناقض البنيوى أن يضمنه. فعلى الرغم من أن الجدل بين قوى وعلاقات الانتاج هو شرط للتغير إلا أنه لا يمكن أن يفسر أى شئ لأنه يفتقر للفعالية السببية. ومعنى ذلك أننا نستطيع تفسير التغير سببيا بواسطة الصراع الطبقى حتى لو كا ن ذ لك الصراع مشروطا بعوامل بنيوية.
وبالرغم من أنه من غير الممكن أن نجد عند ماركس وإنجلز إستشهادات قاطعة وواضحة تدعم أيا من هذين الموقفين فيبدو لى أن كتاباتهما تقدم إقتراحات فى كلا الاتجاهين. ففى الأيديولوجية الألمانية، على سبيل المثال، حين يلخصان إستنتاجاتهما حول المفهوم المادى للتاريخ فإنهما يبدءان بالفكرة الأساسية وهى أنه " تأتى مرحلة فى سياق تطور قوى الانتاج تنشأ فيها قوى إنتاج ووسائل تداول لا يمكن إلا أن تكون ضارة فى ظل العلاقات القائمة، فهى لم تعد قوى منتجة بل أصبحت قوى هدامة" والاشارة هنا إلى التناقض البنيوى الأساسى بين قوى وعلاقات الانتاج واضحة، وإن وضعت بطريقة غير متقنة. ثم يتابعان ذلك بأن يضيفا:
"وترتبط بهذا طبقة مدعوة لأن تتحمل كل أعباء المجتمع... وهى طبقة تتناقض أشد التناقض مع كل الطبقات الأخرى... و الشروط التى يمكن في ظلها إستخدام قوى انتاج محددة هى شروط سيطرة طبقة محددة من المجتمع... ومن ثم فكل صراع ثورى يتوجه ضد طبقة سادت حتى ذلك الحين" (الأيديولوجيا الألمانية، ص 52).
وهذه المقاطع تشير إلى أولوية التناقض البنيوى، وتدعم تفسير كوهن.
ومع ذلك يصف ماركس وإنجلز فيما بعد الشروط المادية، أى كلا من قوى الانتاج وعلاقات الانتاج، باعتبار أنها سلمت لكل جيل فارضة عليه شروط حياته، ولكنها تعدل أيضا من جانب الجيل الجديد، الذى يبين أن الظروف تصنع البشر تماما بقدر ما يصنع البشر الظروف، وهكذا فمن اجل تفسير ثورة يلزم وجود عنصرين ماديين: "قوى الانتاج القائمة من ناحية، وتشكل جماهير ثورية تنتفض من ناحية أخرى (الأيديولوجية الألمانية، ص 54) يوحى لى هذا بالأحرى بمقاربة مختلفة: فمن ناحية، تصبح الظروف الموضوعية شرطا للمارسات الطبقية ولكنها تعدل هى نفسها بواسطة هذه الممارسات الطبقية، ومن ناحية أخرى فوجود جماهير ثورية تنتفض ليس من الضرورى أن يكون محدداً مسبقاً بقوى الانتاج القائمة.
و يبدو لى هنا أن ثمة استقلالا ذاتيا نسبيا بين هذين العنصرين وهو ما يبرر انفتاح عقل ماركس وانجلز بالنسبة لما "إذا كان الانفجار الثورى الذى يتكرر بشكل دورى فى التاريخ سوف يكون قويا بما يكفى للإطاحة بأساس ماهو قائم" (الأيديولوجية الألمانية، ص 5).
قد يكون هناك من يري أن بعض هذه التوترات التى عرضتها فى هذا المجال للتغير الاجتماعى هى توترات ظاهرية أكثر منها حقيقية لأنها تنبع من تعريفات خاطئة لبعض المصطلحات التى تؤلفها. فعلى سبيل المثال، عند نقد تعريف كوهن لنطاق قوى الانتاج يجادل ميللر قائلا أنه ما لم يكن لدي ماركس قدرة كبيرة علي عدم الاةساق فلا بد من أنه كان يستخدم العبارات بمعان أوسع من المألوف"(1981 ,ص103 ) ثم بين كيف أن
ماركس وانجلز يضمنان فى كثير من المقاطع أنماط التعاون باعتبارها قوى انتاج. وإذا أخذنا هذا التعريف الأوسع، فلن تكون هناك أية مشكلة فى قبول أولوية قوى الانتاج. وربما يكون جدال ميللر ضد كوهن قادرا على أن يستبعد على الأقل واحدا من التوترات الممكنة التى ذكرتها ولكنه ينقل المشكلة فقط إلى مستوى آخر. إذ ينشأ توتر آخر من تعريفات بديلة ممكنة لقوى الانتاج. فمثل هذا التعريف الواسع يستبعد ضيق الحتمية التكنولوجية كما يحل بعض التناقضات فى تحليل ماركس، ولكنه يجعل من الصعب تمييز قوى الانتاج من علاقات الانتاج. ومن الناحية الأخرى فالتعريف المقيد يتيح تمييزا أكثر وضوحا بين قوى وعلاقات الانتاج ولكنه يختزل نظرية ماركس عن التاريخ إلى حتمية تكنولوجية ضيقة ويجعل بعضا من تحليلاته التاريخية غير متسقة وعلى أية حال فميللر يدرك أن ثمة توترا حتى عندما يتبنى مفهوما واسعا لقوى الانتاج. فتصريحات ماركس الواضحة عن نظريته فى التاريخ تقترح آلية تفسيرية ضيقة مؤسسة على تقدم قوى الانتاج ، بما فيها علاقات العمل . هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تحليلات ماركس التاريخية فى الأسس تبين أن التغير يمكن أن يحدث
أيضا ضمن البنية الاقتصادية وأن علاقات الانتاج يمكن أن تكون فى النهاية ذاتية التحول (ميللر، 1981، ص 144).
وأخيرا، هناك نطاق رابع للتوترات له صلة بمفهوم التاريخ. بالطبع، ليس هذا نطاقا مستقلا عن "النطاقات" الثلاثة التي نوقشت قبلا. فمفهوم ماركس عن التاريخ، معتمد إلى حد بعيد على وجهات نظره حول الجدل، وحول دور الوعى , والتناقض بين قوى وعلاقات الانتاج. إلا أنه يمكن التعامل معه بشكل منفصل إلى المدى الذى تكون فيه تأثيرات التوترات المذكورة آنفا على مفهوم التاريخ قد تحولت إلى توترات نوعية جديدة. فمن ناحية، يصف ماركس فى بعض التصريحات التطور التاريخى باعتباره عملية ضرورية تفرض نفسها على الكائنات الانسانية تقود بإحكام إلى نهاية معروفة. إذ تبدو هذه العملية فى كتابات ماركس المبكرة بإعتبارها نتاج التطور الضرورى للطبيعة الانسانية وفيما بعد، فى أعماله الناضجة، تبدو كعملية من عمليات التاريخ الطبيعى خاضعة لقوانين محددة. وهكذا ففى مخطوطات باريس يبدو التاريخ كعملية أنسنة تمر عبر مرحلة من الانسلاب تنتهى باعادة الجوهر الحقيقى للانسان:
الشيوعية تعرف نفسها بالفعل باعتبارها إعادة تكامل أو عودة الانسان لنفسه، القضاء على غربة الانسان الذاتية... الشيوعية هى الامتلاك الحقيقى للجوهر الانسانى عبر الانسان من أجل استعادة الانسان لنفسه ككائن اجتماعى أى كإنسان.
هذه هى الشيوعية باعتبارها تجسيدا للنزعة الطبيعية فى اكتمال تطورها، تساوى الانسانية... وعلى ذلك فحركة التاريخ بكاملها هى العمل الفعلى لخلق الشيوعية (المخطوطات الاقتصادية الفلسفية، الكتابات الباكرة، ص ص 8-347).
لقد هجر ماركس بعد فترة قصيرة للغاية، مفهوم التاريخ كعملية أنسنة. ولكن فكرة تطور ضرورى يقود إلى نهاية معروفة استمرت فى صياغات أخرى.حيث يصبح التاريخ عملية موضوعية وطبيعية تجرى بالتوافق مع قوانين شاملة. وهكذا ففى مقدمة لرأس المال يؤكد ماركس "إن وجهة نظرى لتطور التكوين الاقتصادى للمجتمع، باعتباره عملية من عمليات التاريخ الطبيعى، يمكن لها أقل من أى وجهة نظر أخرى أن تجعل الفرد مسئولا عن العلاقات التى يظل هو ناتجها الإجتماعى (رأس المال، المجلد الأول، ص 21). وبعد بضع سنوات تالية وفى كلمة ختامية لرأس المال يعيد تأكيد فكرة مماثلة حين يستشهد مؤيدا وصفا لمنهجه كتبه ناقد روسى:
إن ماركس معنى بشئ واحد فقط : أن يبين من خلال تقصى علمى صارم، ضرورة وجود أنظمة محددة متعاقبة للأوضاع الاجتماعية..يعالج ماركس الحركة الاجتماعية كعملية من عمليات التاريخ الطبيعى ، محكومة بقوانين ليست فقط مستقلة عن الاراده الانسانية، والوعى، والفكر، بل على العكس فإنها هى التى تحدد تلك الإرادة، والوعى، والفكر (نفس النص، ص 27).
وإذا كانت هذه النصوص تصف التاريخ كتعاقب ضرورى للأنظمة الاجتماعية، فإنها قد أكملت بالتقييم الأكثر تفصيلا فى مقدمة 1859 حيث ذكر ماركس الخطوط العريضة لتلك الأنظمة بقوله أن: "أنماط الانتاج : الآسيوى، القديم، الإقطاعى، والبورجوازى الحديث، يمكن أن تعين باعتبارها مراحل متصاعدة للتكوين الإقتصادى للمجتمع (مساهمة فى نقد الإقتصاد السياسى، مختارات ماركس وانجلز، ص 182). يبدو التاريخ من ثم بإعتباره عملية أحادية الإتجاه وشاملة حيث تتعاقب مختلف المراحل الإقتصادية الإجتماعية بشكل متصاعد الواحدة بعد الأخرى بحكم العملية الطبيعية وتقود بلا توانى إلى الشيوعية التى ينتهى بها "ماقبل تاريخ" المجتمع الإنسانى . وتنتج كل مرحلة تاريخية العناصر المادية والتناقضات الكفيلة بحلها. والرأسمالية هى الشكل الأخير لهذا التطور وهكذا فهى "تولد نفيها الخاص بصلابة قانون الطبيعة (رأس المال، المجلد الأول، ص 715) وكون أن هذه العملية لا تنطبق فقط على الرأسمالية البريطانية المتقدمة واضح من ملاحظة ماركس:
"إنها ليست مسألة الدرجة الأعلى أو الأدنى من تطور التناحرات الإجتماعية التى تنتج من القوانين الطبيعية للإنتاج الرأسمالى. إنها مسألة هذه القوانين ذاتها، هذه الاتجاهات التى تعمل بضرورة حديدية بإتجاه نتائج حتمية. إن البلد الأكثر تطورا من الناحية الصناعية يظهر فقط، للأقل تطورا، صورة مستقبله الخاص" (مقدمة، رأس المال، المجلد الأول، ص 19).
على أن هناك، من ناحية أخرى، عدد من المقاطع التى تتناول التاريخ فى سياق يشدد فوق كل شئ على الممارسة الانسانية وقدرتها على تعديل الظروف:
"ليس التاريخ شيئا سوى تعاقب أجيال منفصلة يستخدم كل منها المواد والأرصدةالرأسمالية وقوى الانتاج التى نقلت إليه بواسطة الأجيال السابقة جميعا. وهكذا، من ناحية، يتواصل النشاط التقليدى فى ظروف متغيرة تماما، ومن ناحية أخرى، يعدل الظروف القديمة بنشاط متغير تماما" (الأيديولوجية الألمانية، ص 50).
وهكذا لم يعد التاريخ يبدو باعتباره عملية غائية مغلقة:
"إن التاريخ لا يفعل شيئا إنه "لا يملك ثروة ضخمة" و "لا يشن معارك" فالانسان، الحقيقى الحى هو الذى يفعل كل ذلك، الذى يمتلك ويقاتل. ليس التاريخ، إذا جاز القول، شخصا خارجيا، يستخدم الانسان كوسائل لتحقيق أهدافه الخاصة، ليس التاريخ شيئا سوى نشاط الانسان وهو يتابع أهدافه " (العائلة المقدسة، ص 110).
فالتأكيد هنا ينصب على حقيقة أن البشر يصنعون التاريخ. حقا، إنهم لا يصنعونه "على هواهم" أو "فى ظل ظروف إختاروها بأنفسهم" (الثامن عشر من برومير- لويس بونابرت، ص 96) ولكنهم ليسوا مجرد "حملة" سلبيين أو مخلوقات اجتماعية لعلاقات موضوعية أيضا. إذ يرفض ماركس مفهوما للتاريخ باعتباره "موضوعا" ميتافيزيقيا يكون فيه الأفراد الواقعيون "حملة" فحسب (العائلة ا لمقدسة، ص 94). وفكرة أن التطور الاقتصادى الاجتماعى يمكن أن يعامل باعتباره عملية من التاريخ الطبيعى يمكن أن تتعارض مع تصريح ماركس فى رأس المال بأن "الطبيعة لا تنتج فى جانب ملاك النقود أو السلع، وفى الجانب الآخر بشرا لا يملكون شيئا سوى قوة عملهم الخاص. ليس لهذه العلاقة أساس طبيعى، كما أن أساسها الاجتماعى ليس عاما بالنسبة لكل الحقب التاريخية" (رأس المال، المجلد الأول، ص 166).
ومع هذا التأكيد بأن التاريخ يصنع عمليا من قبل البشر، فإن ماركس وانجلز يظهران ارتيابا فى التجريدات الفلسفية التى تقدم مخططات شاملة يجب أن يتكيف وفقا لها الواقع التاريخى. فهما يقولان عن هذه التجريدات "إنها تخدم فقط فى تسهيل ترتيب المادة التاريخية، للإشارة لتسلسل أطوارها المنفصلة، ولكنها لا تعطى بأية حال وصفة أو مخططا كما تفعل الفلسفة من أجل تصنيف حقب التاريخ على نحو متقن (الأيديولوجية الألمانية، ص 37)، ويؤكد انجلز بعد خمسة وأربعين عاما تالية نفس المسألة: "إن المنهج المادى ينقلب إلى نقيضه إذا لم يؤخذ باعتباره مبدأ مرشدا فى البحث التاريخى وأخذ بدلا من ذلك كنموذج جاهز الصنع يصوغ المرء وفقا له وقائع التاريخ التى تناسبه" (رسالة إلى ب. أرنست، 5 يونيه 1890 المراسلات المختارة لماركس وانجلز، ص ص 1-390).
وهذا ما يتيح للمرء أن يفهم لم سخط ماركس على ناقد روسى حيث يعلق عليه قائلا أنه:
" يصر على تحويل مخططى التاريخى عن تكوين الرأسمالية فى أوربا الغربية إلى نظرية فلسفية تاريخية عن الطريق العام للتطور المرسوم بشكل قدرى لكل الأمم، مهما كانت الظروف التاريخية التى تجد نفسها فيها" (رسالة، نوفمبر 1888، المراسلات المختارة لماركس وانجلز، ص 293).
وهكذا فإن ماركس يرفض مفهوما للتاريخ أحادى الإتجاه وشاملا كما أنه يحدد أيضا بأى معنى تحدث عن صلابة العملية التاريخية، عند توضيح نظريته لفيرا زاسوليتش
عن تكون الرأسمالية مؤكدا أن "الحتمية التاريخية، لهذه العملية مقصورة بجلاء على بلدان أوربا الغربية" (رسالة، 8 مارس 1881، المراسلات المختارة لماركس وانجلز، ص 319). ولكنه يذهب حتى لمدى أبعد حين يفكر فى فرص حدوث ثورة فى إنجلترا: ففى إجابته على هيندمان، يؤكد ماركس أن "حزبه يعتبر أن ثورة إنجليزية ليست ضرورية وإنما- وفقا للسوابق التاريخية- ممكنة" (رسالة، 8 ديسمبر1880، المراسلات المختارة لماركس وانجلز، ص 313).

كذلك تبين تحليلات ماركس العينية للمجتمعات غير الأوربية والمستعمرة مثل الهند والصين أنه لا يعتقد أن سيرورتها الداخلية تتبع النموذج الأوربى أو أنها ديناميكية بما فيه الكفاية لتنتزعها من الركود الألفى . ففى السياق التاريخى المختلف تماما للمجتمعات الآسيوية، حيث لا تتقدم قوى الانتاج وحيث لا يبدو أن التوازنات السياسية القاسية تغير الأساس الاقتصادى، يمتدح ماركس الدور التمدينى للحكم البريطانى، وبالرغم من أنه نقدى للغاية إزاء وحشية وتحكمية المستعمر إلا أنه يبدو أنه يدافع عن أن الفرصة الوحيدة للتقدم بالنسبة للمجتمعات الآسيوية تكمن فى فرض الرأسمالية عليها بالقوة بواسطة القوى الاستعمارية (مقالات حول الهند والصين، كتابات من المنفى، ص ص 33-325, 25-319, 7-301) ). وأيا كان ما نعتقده بشأن هذا الموقف اليوم فإنه يتعارض بوضوح مع نظرة للتاريخ تعتبره وكأنه قد من صخرة واحدة. وعلى أية حال، فهذا فى حد ذاته مصدر لتوترات جديدة . فمقالات ماركس حول الهند والصين توحى بأن الإستعمار يمكن أن يكون الواسطة التاريخية التقدمية لتطور الرأسمالية فى بلدان لا يمكن أن تنشأ فيها الرأسمالية تلقائيا، ومع ذلك فهو حين يحلل الحكم البريطانى فى أيرلندا فإنه يتبنى وجهة نظر مختلفة بشكل جذرى:
" إزدهرت كل فروع الصناعة الأيرلندية بين 1783 و 1801، ودمر"الاتحاد" بإلغائه للتعريفات الجمركية الحمائية التى أقرت بواسطة البرلمان الأيرلندى، كل الحياة الصناعية فى أيرلندا... فإذا ما أستقل الأيرلنديون، فسوف تحولهم الضرورة إلى حمائيين" (رسالة، 30 نوفمبر 1867، المراسلات المختارة، ماركس وانجلز، ص ص 5-184).
ومعنى ذلك أنه إذا أرادت أيرلندا أن تتقدم فينبغى أن تتخلص من الحكم الاستعمارى الذى يعوق صناعتها. وهكذا فإن هناك وجهتى نظر متناقضتين كامنتين عند ماركس تتعلقان بتوسيع الرأسمالية بواسطة الحكم الاستعمارى.
ويظهر النطاقان الأخيران للتوتر فى فكر ماركس بوضوح خاص، المشاكل التى تنبع من إدماج ماركس لروافد نظرية مختلفة. فمن ناحية تأثير المادية الفلسفية وتأكيدها على استقلال وأولوية الطبيعة, يمكن ملاحظة أن ماركس وانجلز قد تأثرا بشكل خاص بالحماس المعاصر للعلم وللقوانين العلمية، ولذا جاء وصفهما للتطور الاجتماعى بلغة سيرورة ضرورية للتاريخ الطبيعى ومن ناحية أخرى يمارس المنظور الهيجلى الكلى عن التاريخ جاذبية ذات وزن. كما يعبر عن ذلك انجلز:
"لقد كان الحس التاريخى الاستثنائى الذى يكمن فى طريقة هيجل للتعليل هو الذى ميزه عن سائر الفلاسفة الآخرين... لقد كان أول من حاول أن يبين أن هناك تطوراً، و تماسكا جوهريا فى التاريخ، و مهما بدت لنا الآن بعض الأشياء فى فلسفته للتاريخ غريبة، فإن عظمة المفهوم الأساسى مازالت موضع إعجاب حتى اليوم (مراجعة انجلز لمساهمة فى نقد الاقتصاد السياسى، مساهمة فى نقد الاقتصاد السياسى، ص 224).
علي أن كل ذلك كان مقترنا بنظرية للممارسة ونفور من مخططات التجريد الفلسفى الذى يضاد فكرة العمليات الطبيعية الحتمية. فبينما تشدد المقاطع التى تدور حول القوانين الضرورية للتطور على العلاقات البنيوية التى تشكل الأفراد وسلوكهم على نحو تام، تؤكد التحليلات السياسية ومقاطع أخرى بقوة على الصراع الطبقى وعلى قدرة البشر على تغيير الظروف. وهنا مصدر للتوترات التى على أى إعادة بناء للمادية التاريخية أن تحلها. ولكن قبل هذا ، فمن الضرورى أن نستكشف الطريقة التى استطاع بها التقليد الماركسى بعد وفاة مؤسس الماركسية أن ينشئ طبعة أرثوذكسية من المادية التاريخية التى أكدت بشكل أحادى جانبا واحدا فقط من هذه التوترات.
--------
* العنوان الأصلى للكتاب : إعادة بناء المادية التاريخية -- جورج لارين -- نشر دار ألن & أونوين 1986 -- لندن بوسطن سيدنى .



تعليقات الفيسبوك