الدولة العراقية وفكر منظومتها السياسية *


لطفي حاتم
2012 / 6 / 18 - 21:02     


تتمتع دراسة الفكر السياسي لمنظومة العراق السياسية بأهمية بالغة وذلك بسبب ارتباط تطور الدولة العراقية بتلك العقلية السياسية الحاكمة والمعارضة وكيفية معالجتها الإشكالات الاجتماعية والسياسية التي واجهت وتواجه الدولة العراقية وسلطتها السياسية ، وبهذا السياق نحاول قراءة تلك العقلية السياسية بموضوعية علمية رغم عدم عزل الباحث عن ممارسته السياسية وانتماءاته الفكرية .

ان دراسة مراحل تطور الفكر السياسي لمنظومة العراق السياسية تتطلب الإيجاز والتكثيف نظراً لتعدد مراحل تطور الدولة العراقية ساعين جهد الامكان الى تناول البحث بمواضيع عامة مكثفة تاركين للمستقبل تناول تفاصيلها .
ارتباطاً بصيغة التكثيف نتناول مراحل تطور الفكر السياسي لمنظومة العراق السياسية عبر الحقب التاريخية الآتية : ـ
أولاً : ـ العقل السياسي الناظم لنشوء وتطور الدولة العراقية .
ثانياً : ـ الفكر السياسي الناظم لسياسة الجمهورية الأولى .
ثالثاً : ـ الفكر السياسي المتحكم في الجمهورية الثانية .
رابعاً : ـ الفكر السياسي المتسيد في مسار الجمهورية الثالثة .

قبل البدء بتناول العقل السياسي الموجه لتطور الدولة العراقية التاريخي يتعين تقديم بعض الموضوعات الفكرية / الاجتماعية التي تشكل أساس منهجيتنا الفاحصة لذلك العقل السياسي عبر المداخل التالية : ـ
المدخل الأول : ـــ ترابط الفكر السياسي لمنظومة العراق السياسية ـــ السلطة والمعارضة ــ وطبيعة إسلوب الإنتاج السائد والموصوف بأنه شبه إقطاعي شبه رأسمالي ورأسمالي تابع في مرحلتي الملكية والجمهورية ،مشيراً الى ان منظومة العراق السياسية في المرحلة الملكية تأثرت بالوافد الكولونيالي من حيث بناء شكل الدولة وطبيعة نظامها السياسي .
المدخل الثاني : ــــ من خلال توصيف إسلوب الإنتاج السائد في المرحلة الملكية نرى ان هناك شرائح وطبقات اجتماعية سائدة تحكمت في مسار البناء الوطني للدولة العراقية فضلا عن سيادة رؤيتها السياسية لطبيعة نظام الحكم وكيفية إدارته .
المدخل الثالث : ـــ عدم اكتمال البناء الطبقي للبرجوازية الوطنية بسبب طبيعة التوسع الكولونيالي المتسم بالهيمنة على الثروات الوطنية وتصدير البضائع ، وما نتج عن ذلك من تشوه طبقي في تشكيلة العراق الاجتماعية الامر الذي افضى الى سيادة الطبقة الوسطى في الحياة السياسية.
المدخل الرابع : ـــ أدى احتكار السلطة السياسية من قبل الأقلية الحاكمة وسيادة العنف والاستبداد في الحياة السياسية الى اغتراب الدولة العراقية عن قاعدتها الاجتماعية .

استنادا الى تلك المداخل الفكرية نحاول متابعة البحث ضمن الحقب التاريخية المشار إليها .

أولا : ـ العقل السياسي الناظم لنشوء وتطور الدولة العراقية

من المعروف ان نشوء وبناء الدولة العراقية جاء بسبب تفكك الإمبراطورية العثمانية نتيجة للتوسع الكولونيالي المرتكز على اقتسام العالم بين الدول الرأسمالية المتنازعة ونتيجة لذلك نرصد حزمة من الوقائع الاقتصادية ، الاجتماعية والسياسية أهمها : ـ
ـــ إرتكاز الدولة العراقية الناهضة على ثلاث كتل اجتماعية متمثلة بــ ( 1 ) الضباط الشرفيين الذين قاتلوا مع الشريف حسين بجانب بريطانيا العظمى ضد الخلافة الإسلامية وقد غلب الفكر القومي العروبي على شريحتي الضباط ومنتسبي الجهاز الاداري العراقي المتبقي من الإمبراطورية العثمانية . ( 2 ) رغم إنقسامها المذهبي شكلت شريحة التجار في مدن العراق الرئيسية سنداً اجتماعياً للوافد الخارجي وسلطته الكولونيالية / الكمبورادورية .
ان التعارض المذهبي الناشئ بين الطبقة التجارية العراقية اثر لاحقا على مسار بناء الدولة العراقية ونظامها السياسي . ( 3 ) أما القوى الثالثة فكانت الطبقة الإقطاعية التي اتسعت مواقعها الاقتصادية وتأثيراتها الاجتماعية بعد توزيع أراضي المير على شيوخ العشائر لتشكل ركيزة اجتماعية جديدة من ركائزالقاعدة الاجتماعية للدولة العراقية .
ـــ يتحدد الفكر السياسي الفاعل في حقبة نشوء الدولة العراقية في تيارين أساسيين أولهما الفكر القومي الذي حمله الضباط الشريفين فضلا عن الفئة المثقفة البيروقراطية التي انسلخت عن الجهاز الإمبراطوري العثماني وبهذا المسار يلاحظ أن هذا الفكر إرتبط بالشعارات الذي بشر بها الشريف حسين الداعية الى بناء دولة عربية مركزية تحت قيادة الفئات التجارية وكبار الإقطاعيين ، حيث شكل هذا الفكر ورؤاه المركزية المتمثلة بالدولة العربية الواحدة أسس الفكر السياسي القومي. ثانيهما الفكر الهادف الى بناء دولة عراقية قوية تابعة للهيمنة البريطانية .
ـــ ارتكز بناء الدولة العراقية على مبدأ ازدواجية السلطة داخلية / خارجية المتجاوب ومصلحة الوافد الاجنبي الذي حملته القوى الكمبورادورية بعد أن طورت مكانتها الاقتصادية من خلال وكالتها للبضائع الأجنبية إضافة الى ترابط مصالحها مع طبقة الإقطاعيين الذين تنامى دورهم الاجتماعي والسياسي .( ** )

ــ اتسم فكر القاعدة الاجتماعية الحاملة لنظام ازدواجية الهيمنة كولونيالي / كمبورادوري في الدولة العراقية الجديدة بكثرة من السمات أولها ان الهيمنة السياسية اعتمدت على العقل السياسي للوافد الكولونيالي الذي حاول بناء الدولة على غرار الفكر السياسي البريطاني ــ ملكية دستورية ، برلمان ، وديمقراطية تتجاوب ومصالح التكتل الحاكم ــ . وثانيها غياب الطبقة الاجتماعية الموحدة القادرة على تبني مصالح بلادها الوطنية . وثالثها عدم تبلور الهوية الوطنية بسبب انقسام التشكيلة العراقية الى كتل سكانية طائفية وقومية.

ــ ترسخت السمات المشار إليها في الطور الثاني من المرحلة الملكية حيث ساهم الفكر الكولونيالي وبناءه السياسي بتبلور كثرة من القوى السياسية التي عبرت بهذا الشكل أو ذاك عن التشكل الطبقي لمكونات التشكيلة العراقية الناهضة .
ان نشوء الحياة الحزبية في العراق الملكي المنبثقة من طبيعة النظام السياسي وديمقراطيته الشكلية عبرت عن تطلعات سياسية لقوى اجتماعية ناهضة في التشكيلة العراقية ورغم ذلك يمكن القول ان بناء الاحزاب السياسية الناهضة في حياة العراق السياسية تأثر بفكر ازدواجية خيار التطور الاجتماعي رأسمالي / اشتراكي الناظم لحركة تطور العلاقات الدولية ، لذلك يمكن القول ان نشوء الاحزاب السياسية كما الدولة العراقية جاء بتأثيرات خارجية وليس بالضرورة تعبيراً عن نضوج طبقات اجتماعية في تشكيلة العراق الوطنية .
ان التوصيف المشار إليه لا ينفي ان الاحزاب الجديدة الليبرالية ، اليسارية والقومية نتجت عن تبلور ملامح طبقات اجتماعية ساعد على تشكيلها بناء مؤسسات الدولة البيروقراطية وقطاعي النفط والخدمات .
إن التبلور الاجتماعي المشار اليه لم يمنع القول أن الطبقة الوسطى شكلت الحامل الاجتماعي للأحزاب الجديدة المعبرة سياسياً عن تطلعات الطبقات الاجتماعية.

ان الفكر السياسي الناظم لمسار التطور الوطني في المرحلة الملكية يمكن تحديده من خلال الموضوعات الآتية : ـ
1 : ـ تمحور الفكر السياسي لقوى سلطة الدولة حول مفهوم التبعية للكولونيالية البريطانية بينما ارتكز فكر معارضيها حول مفهوم الوطنية التي عنيت في الجوهر قضيتين مترابطتين التحرر الوطني من الهيمنة الكولونيالية وبناء السيادة الوطنية للدولة العراقية .
2 : ـ اعتمد الفكر السياسي السلطوي والمعارض على البناء المركزي لشكل الدولة العراقية رغم أن الفكر السياسي المعارض تبنى موضوعة الحقوق القومية للشعب الكردي في إطار الديمقراطية وسيادة الوحدة الوطنية ، وبهذا المنحى لم تسع أية قوة سياسية الى تبني حق تقرير المصير ما عدا اليسار العراقي انطلاقا من رؤية أيديولوجية .
3 : ـ اعتمد الفكر السياسي المعارض على الشرعية الديمقراطية لغرض الوصول الى السلطة السياسية ولم يطرح طريق العنف لاستلام سلطة الدولة إلا في السنين الأخيرة من المرحلة الملكية .

ــ لقد شكلت الشرعية الديمقراطية لبناء منظومة البلاد السياسية محورا هاماً في الكفاح الوطني إلا إنها ـــ الشرعية الديمقراطية ـــ أخضعت للفكر الايديولوجي وأهدافه الاستراتيجية حيث وضعها الفكر الاشتراكي في اطارها الطبقي ، بينما وضعها الفكر القومي في مسار بناء الدولة العربية الواحدة وبهذا المعنى فان الشرعية الديمقراطية شكلت في الفكر السياسي الاشتراكي إطارا سياسيا للكفاح الطبقي وفي الفكر السياسي القومي دعوة مؤجلة حتى بناء الدولة العربية الواحدة .
ــ بناء سلطة الدولة على اساس الشرعية الديمقراطية شكل نهجاً سياسيا للأحزاب والمنظمات الاجتماعية الجديدة الناهضة في المرحلة الملكية إلا أن موضوعة سلطة الدولة خضعت في الطور الاخير من الملكية للموقف الايديولوجي من قبل التيارين الفاعلين في التشكيلة الاجتماعية العراقية التيار القومي وتيار اليسارالاشتراكي وذلك لكثرة من الأسباب الفكرية منها : ـ ( أ ) تماهي مفهوم الدولة مع السلطة حيث جرى اختزال الدولة بالسلطة السياسية ( ب ) موقع السلطة السياسية في التشكيلة الاجتماعية باعتبارها القوة القانونية والاقتصادية القادرة على إحداث تغيرات جوهرية في التشكيلة العراقية . ( ج ) تطور العلاقات الدولية على قاعدة ازدواجية خيار التطور الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية والذي دفع بموضوعة التحرر الوطني الى واجهة العمل السياسي الهادف التي تحقيق الاستقلال الوطني والسيادة من خلال استلام سلطة الدولة السياسية .

أخيرا لابد من القول ان ظهور التيارات السياسية في الحقبة الملكية وتبلور أدوات كفاحها الوطني لم يحد من هيمنة المجتمع الأهلي على الحياة السياسية حيث احتلت مؤسسات أهلية مثل العشيرة والطائفة مراكز مهمة في التعبئة السياسية المعارضة والموالية وبات المجتمع الأهلي يتقاسم الحياة السياسية مع الدولة وسلطتها السياسية .

ثانياً : ـ الفكر السياسي الناظم للجمهورية الأولى .

شكل انهيار النظام الملكي والتحرر من الكولونيالية البريطانية نقلة تاريخية في بناء الدولة العراقية وفكر حياتها السياسية حيث أنتجت الإطاحة بالطبقات الاجتماعية القديمة وتبوأ الطبقة الوسطى المشهد السياسي دفعا لنشاط الحياة السياسية وأغنت ركائز الفكر السياسي في العراق ، الأمر الذي يشترط إبداء بعض الملاحظات الضرورية والتي يمكن تحديدها في الأتي : ـ
ــ اشر انقلاب تموز الثوري عام 1958 الى عدم اكتمال القدرة التنظيمية والقوة الشعبية للأحزاب الناشطة في الحياة السياسية الامر الذي دفع المؤسسة العسكرية الى استلام سلطة الدولة السياسية باعتبارها ــ المؤسسة العسكرية ــ القوى الوحيدة المنضبطة والمسلحة في التشكيلة العراقية .
ــــ اعتمد الفكر السياسي لحركة الضباط الأحرار على بناء الدولة العراقية على قاعدة الاستقلال والسيادة الوطنية والحفاظ على الثروات الوطنية .
ـــ انطلق الفكر السياسي لقادة الثورة من إعادة بناء التوازن الاجتماعي في تشكيلة العراق الاجتماعية بهدف خلق هوية وطنية وصولا الى اكتمال مستلزمات بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها .
ـــ حاولت الثورة القيام بإجراءات اقتصادية اجتماعية هادفة الى خلق التوازن بين طبقات التشكيلة العراقية ، وبهذا المسار أعارت الثورة اهتماماً خاصاً الى البرجوازية الوطنية بهدف تقوية فصيلتها الصناعية فضلا عن اهتمامها بباقي الطبقات الاجتماعية الكادحة منها والفقيرة .
ـــ أفضت فكرة المساواة الوطنية والتوازن الاجتماعي التي شجعتها القيادة الجديدة الى إشراك قوى سياسية متنوعة في السلطة السياسية بهدف منع احتكارها فضلا عن محاولة بناء جهازها البيروقراطي على قاعدة المواطنة وذلك بهدف منع اختلال التوازنات الاجتماعية والسياسية .
ـــ شكلت مركزية الدولة العراقية وصيانة وحدتها الجغرافية عاملا أساسيا في فكر الجمهورية الأولى وما نتج عن ذلك من مطالبة الشعوب العراقية الأخرى بحقوقها القومية الأمر الذي أدى الى نزاعات عسكرية بين الجمهورية الأولى ومكوناتها القومية .
ـــ أفضى انتصار الثورة وإجراءاتها السياسية والاجتماعية الى اندلاع نزاعات سياسية وطنية بين الاحزاب العراقية انطلاقاً من أسس أيديولوجية ذات شعارات استراتيجية ففي حين انطلق التيار القومي من شعار تحقيق الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المصرية تبنى التيار الاشتراكي شعارات فدرالية مشروطة بصداقة الكتلة السوفيتية .
ــ أدى صراع الكتل السياسية الى انحياز قادة المؤسسة العسكرية الى هذا التكتل الاجتماعي السياسي أو ذاك الأمر الذي أنتج كثرة من التأثيرات السلبية على منظومة البلاد السياسية تمثلت بــ ( أ ) تفكك وحدة القيادة العسكرية وتمرد بعض أطرافها . ( ب ) انهيار الديمقراطية السياسية واشتداد النزاعات العنفية بين الكتل السياسية . ( ج ) تبلور النزعة الاستبدادية الفردية لضبط النزاعات الوطنية.

ان الاجراءات الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها الجمهورية الأولى أطلقت روح الكفاح السياسي لدى الكتل الاجتماعية المتنازعة في التشكيلة العراقية الامر الذي أدى الى وأد الجمهورية الأولى وظهور الجمهورية الثانية عبر سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة توجت باستلام الحركة القومية لسلطة الدولة في محاولة لتطبيق شعاراتها القومية.

ثالثاً : ـ الفكر السياسي المتحكم في الجمهورية الثانية (*** )

معالجة الفكر السياسي الناظم لحياة الجمهورية الثانية السياسية والاقتصادية تشترط فحص الركائز الفكرية لقوى التيار القومي في العراق وبالتحديد حزب البعث العربي الاشتراكي الأمر الذي يتطلب الوقوف عند كثرة من الموضوعات التي تساعدنا على تحليل ركائزه الفكرية وممارسته السياسية أهمها : ـ
ــ نشأ حزب البعث العربي الاشتراكي على قواعد أيديولوجية مثالية ذات أهداف استراتيجية وقد شكلت النخب المثقفة رغم ضبابية أهداف الحزب قاعدته الاجتماعية.
ــ احتلت قضية السلطة السياسية وإستلامها عبر الانقلاب العسكري محورا أساسيا في الكفاح القومي لحزب البعث الاشتراكي ، معتبراً أن السلطة السياسية جهاز سياسي قادر على تحقيق أهدافه القومية .
ــ تمحورت الأهداف الاستراتيجية لحزب البعث العربي الاشتراكي حول ثلاث ركائز أساسية ( أ ) الوحدة العربية المنطلقة من بناء دولة قطرية مركزية . ( ب ) الاشتراكية المتمثلة بتأميم الثروات الوطنية واحتكار التجارة الخارجية والداخلية وتحويل الدولة الى مالك فعلي لوسائل الإنتاج . ( ج ) الحرية التي كانت عبارة عن شعار هلامي لا تربطه بالواقع أي ممارسة فعلية.
ـــ أعاقت الأهداف القومية الاستراتيجية لحزب البعث العربي الاشتراكي تشكيل رؤية واقعية لبناء وتطوير دولته الوطنية ، وبهذا المعنى اصطدم فكر البعث العربي الاشتراكي بالدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية حيث وجد نفسه ــ حزب البعث ــ أمام بلد متعدد التيارات السياسية ، الأعراق والأديان وإزاء هذه اللوحة الاجتماعية السياسية المعقدة التركيب استطاع حزب البعث وانسجاماً مع نزعاته العسكرية بناء منظومة سياسية للدولة تتسم بالخصائص الآتية : ـ
ـــ انطلق الفكر السياسي لحزب البعث من مبدأ احتكار السلطة السياسية عاملا على بناء دولة بوليسية لقمع مطالبات القوى الوطنية ببناء الدولة على أسس الشرعية الديمقراطية ، مرحلا مسألة التعددية السياسية و قضايا العراق الوطنية الى مستقبل بلا تخوم تاريخية .
ـــ اعتمر فكر البعث السياسي خوذة عنصرية حينما رفض بناء توازن سياسي بين قوميات الدولة العراقية منطلقاً من فكرة بناء دولة قطرية مركزية تشكل قاعدة محورية لبناء الدولة العربية الواحدة .
ــ تزامن بناء دولة مركزية جاذبة مع النزعة التوسعية وروحها العسكرية التي تطورت الى سياسة عدوانية على الصعيد الإقليمي .
ـــ بسبب التركيبة الطائفية للعراق وغلبة نسبة الطائفة الشيعية في تكوينها تزايدت الروح الطائفية في فكر البعث السياسي متجلية بالعداء السافر للمكون الشيعي العراقي مع عداء مستحكم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أصبحت سياستها تشكل تهديدا للقومية العربية.
ــ شكل العداء للمكون الشيعي العراقي والجمهورية الإسلامية الإيرانية أحد السمات الأساسية للفكر القومي وبهذا السياق يمكن القول ان فكر البعث السياسي ورث هذا العداء بعد رفعه الى مستوى التناقض الرئيسي في سياستي العراق الداخلية و الخارجية . ( ****)
ان ركائز الفكر القومي البعثي في العراق تدرجت من شعارات الوحدة العربية الى موضوعة بناء الدولة المركزية المقتدرة التي انحدرت الى احتكار العشيرة للثروة والسلطة وما نتج عن ذلك من حروب داخلية ، وغزوات خارجية فضلا عن حصار ات اقتصادية أدت الى الغزو الامريكي للعراق وانهيار دولته الوطنية .

رابعاً : ـ الفكر السياسي المتسيد في مسار الجمهورية الثالثة.

ـــ أدى الغزو الامريكي للعراق الى انهيار الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية وما افرزه ذلك من انهيار المنظومة الفكرية السياسية لحزب البعث العربي الاشتراكي بعد أن تحولت بعض منظماته الى فصائل عسكرية عشائرية تتلحف بأردية طائفية .
ــ ساهم انهيار الدولة العراقية ومنظومتها السياسية المتمثلة بحزب البعث ومنظماته الاجتماعية بتفعيل النشاط السياسي لتيارات الحركة السياسية ممثلة بتيار الإسلام السياسي الذي تمكن من الهيمنة الفعلية على شرائح واسعة من التشكيلة العراقية ، فضلا عن التيارين اليساري والديمقراطي .
ــ تطور الفكر السياسي الناظم للتيارات السياسية الثلاث بشكل تدريجي تبعاً لمسار المرحلة الانتقالية لهذا فإن تحديد ركائز الفكر السياسي الناشط في المرحلة الانتقالية يعتمد على كثرة من المنطلقات يمكن حصرها في الموضوعات الآتية : ـ
الموضوعة الأولى : ـ استند الفكر السياسي السائد في المرحلة الانتقالية على ركائز الفكر السياسي المعارض للدكتاتورية المنطلق من شعارات عامة أهمها إسقاط الديكتاتورية وبناء الدولة الديمقراطية . وبهذا المعنى يمكن القول أن الأحزاب السياسية المعارضة للنظام الاستبدادي والناشطة في الحياة السياسية بعد الاحتلال لم تمتلك رؤية فكرية / سياسية إزاء الواقع الجديد قادرة على استقطاب شرائح اجتماعية ساندة لفعاليتها السياسية.

الموضوعة الثانية: ـ ارتكز الفكر السياسي الناشط في المرحلة الانتقالية بخطوطه العامة على توجهات سلطة الاحتلال وإجراءاتها (الدستورية ) و( قراراتها ) الإدارية خاصة تشريع القانون الأساس الهادف الى بناء شكل الدولة العراقية وطبيعة نظامها السياسي الامر الذي شكل ( الدستور ) بأطره العامة أفكاراً خارجية للمرحلة الانتقالية سرعان ما أصبحت تلك الأفكار والقوانين أسسا فكرية لأغلب القوى السياسية .

ان اعتماد الفكر السياسي للمحتلين الأمريكان في إعادة بناء الدولة العراقية أعاد ذاكرة العراق التاريخية الى المرحلة الكولونيالية حيث جرى بناء وتشكيل الدولة العراقية بمساعدة بريطانية . ( ***** )

الموضوعة الثالثة : ـ ان فكرة اقتسام السلطة بين الكتل الاجتماعية العرقية والطائفية التي عمل خبراء السياسية الأمريكية على تثبيت شرعيتها السياسية سرعان ما جرى اعتمادها من قبل القوى السياسية المتنفذة حيث جرى تثبيتها في الدستور الجديد وما نتج عن ذلك من نزاعات متواصلة بين الكتل الاجتماعية العرقية والمذهبية .

الموضوعة الرابعة : ـ تراجع الفكر السياسي للقوى الديمقراطية اليسارية منها والليبرالية أدى الى هيمنة الفكر السياسي الطائفي / العرقي على الحياة السياسية وبهذا المسار لابد لنا من فحص النتائج الاجتماعية السياسية لتلك الهيمنة على مسار تطور التشكيلة العراقية وبناء منظومتها السياسية والتي يمكن تلخيصها بالأتي : ـ

ـــ أنتجت موضوعة اقتسام السلطة بين الطوائف والأعراق حياة سياسية تتسم بالفوضى وانعدام الأمن ناهيك عن غياب الأداء المركزي لسلطة الدولة بسبب التفسيرات المتعددة لصلاحيات المركز والإقليم . ( ******)
ــ أبعدت العقلية الطائفية / العرقية المتنفذة في الحياة السياسية إعادة بناء الدولة على أساس الهوية الوطنية الامر الذي أدى الى تغييب الحدود بين النزاعات الطائفية والتناقضات الاجتماعية .
ـــ أدى غياب البرامج السياسية والأهداف الاجتماعية عند الاحزاب المتنفذة الى ارتكاز نشاطها السياسي على الضبط الطائفي / العرقي باعتباره الإطار الأيديولوجي الضامن لإدامة الهيمنة السياسية .
ــ أفضى بناء الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية المتسيدة في الحياة السياسية على قواعد طائفية عشائرية الى تحويل التشكيلة العراقية الى كتل سكانية متعارضة .
ـــ تنامي النزعات الاستقلالية لإقليم كردستان وتطورها لدى المحافظات يهدد الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية بصراعات طائفية عرقية لا يمكن حصر حدودها الكارثية .

خلاصة القول أن هيمنة الفكر السياسي لاقتسام السلطة أصبح عرفا دستورياً في الحياة السياسية لا يمكن تخطيه إلا بظهور كتلة اجتماعية وطنية ديمقراطية قادرة على إلغاء البناء الطائفي / العرقي الذي بات كابحا أمام تطور الدولة العراقية وتشكيلاتها الاجتماعية واستبداله بالشرعية الديمقراطية المرتكزة على تبلور البرامج الاجتماعية للأحزاب السياسية المتنافسة .



الاستنتاجات


أولاً: ــ هيمنة الموضوعات الإيديولوجية على الفكر السياسي العراقي أبعدته عن تحليل الحاجات الفعلية لقواه الاجتماعية المتنازعة وحدت من قدراته على بناء سياسة وطنية تتجاوب ومصالح تشكيلته الاجتماعية .
ثانياً : ـ احتلت موضوعة استلام السلطة عبر النزعة الانقلابية أهمية مركزية في الفكر السياسي العراقي وما نتج عنها من سيادة العنف وتجذره في منظومة العراق السياسية .
ثالثا : ـ لم تنتج القوى والأحزاب السياسية فكرا نظرياً سياسيا هادفا الى بناء الدولة العراقية بما يتلائم ومصالح تشكيلتها الوطنية .
رابعاً : ـ تحول الفكر السياسي العراقي من شعاراته الأيديولوجية التي ميزته في الحقب المنصرمة الى نزاعات عبثية في المرحلة الراهنة يؤشر الى عدم قدرة القوى السياسية المتنفذة على بناء دولة ديمقراطية .
خامسا ــ الانتقال الى الدولة الوطنية الديمقراطية يشترط تحررالفكر السياسي السائد من حاضنته الطائفية العرقية وتخليه عن موضوعة اقتسام السلطة التي أفرزها الاحتلال الأمريكي للعراق .


الهوامش: ـ

* : ـ اعني بالمنظومة السياسية سلطة الدولة السياسية والأحزاب والمنظمات المتحالفة معها أو المعارضة لها وبهذا المعنى لا يمكن التفريق بين الفكر السياسي الحامل لتلك السلطة وبين أحزابها الحاكمة .
** : ـ لم أتطرق الى موقف التيار الإسلامي لسببين الاول يكمن في ان القوى التجارية السنية شكلت قاعدة اجتماعية لازدواجية الهيمنة سلطة الاحتلال / والسلطة الداخلية . أما الإسلام السياسي الشيعي فلم يتبلور بشكل واضح في تلك الحقبة واتخذ كثرة من الإجراءات منها مقاطعة الحكومة باعتبارها فاقدة الشرعية السياسية بسبب موالاتها للوافد الخارجي ومنها التركيز على أدوات الضبط الطائفي من خلال الفتاوى والمناسبات الدينية الهادفة الى تكريس نهج العزوف عن السلطة ورفض الدعوة لاستلامها .
*** : ـ اعتمدت كما في السابق تقسيم جمهوريات العراق استنادا الى طبيعة القوى الحاكمة فيها لذلك عنيت بالجمهورية الثانية هو حكم التيار القومي من انقلاب 1963 الى عودة البعث للسلطة عام 1968 وحكمه وصولا الى الاحتلال الامريكي للعراق ونهوض الجمهورية الثالثة .
**** : ـ وبهذا المسار ورث فكر البعث السياسي في العراق موضوعة عائدية الجارة الكويت للعراق وضرورة ضمها بالقوة العسكرية .
***** : ـ شكلت العوامل الخارجية مرتكزات أساسية لبناء الدولة العراقية الامر الذي تجلى بمرحلتين الكولونيالية وما نتج عنها من حكم الأقلية الطائفية ومرحلة الاحتلال الامريكي وما نتج عنها من اقتسام السلطة على أسس طائفية / عرقية .
****** المتتبع للحياة السياسية يصاب بالتوتر والإرهاق بسبب كثرة التصريحات والاختلاف المستمر على تفاصيل التفاصيل فضلا عن إطلاق العنان لنواب الكتل السياسية بالإدلاء بتصريحات حزبية متعارضة والروح الوطنية تنم عن فقر وفوضى الحياة السياسية .



تعليقات الفيسبوك