تقييم عمل ماو تسى تونغ- الحزب الشيوعي الثوري الشيلي – جويلية1979----مقتطف من العدد 11 من - الماوية : نظرية و ممارسة -: الماوية تدحض الخوجية ومنذ 1979


شادي الشماوي
2012 / 4 / 12 - 00:52     


مقدّمة العدد الحادي عشر من " الماوية : نظرية و ممارسة ": الماوية تدحض الخوجية ومنذ 1979.
أنور خوجا يقلب الحقائق التاريخية رأسا على عقب ويقود هجوما دغمائيا تحريفيّا على الماركسية- اللينينية - الماوية .
توفّي ماوتسى تونغ فى 9 سبتمبر 1976. و بعد شهرين ، فى نوفمبر 1976 ، عقد حزب العمل الألباني مؤتمره السابع و جاء فى تقرير اللجنة المركزية ، على لسان أنور خوجا :
" إنّ الإنتصارات التاريخية التى حققها الشعب الصيني فى ثورته و بنائه الإشتراكي العظيمين و إنشاء الصين الشعبية الجديدة و السمعة الكبيرة التى يتمتّع بها فى العالم ، مرتبطة بإسم القائد العظيم ، الرفيق ماو تسى تونغ و تعاليمه و قيادته. و يمثّل عمل هذا الماركسي-اللينيني مساهمة فى إثراء نظرية البروليتاريا و ممارستها. و الشيوعيون و الشعب الأبانيين سيحييان على الدوام ذكرى الرفيق ماو تسى تونغ الذى كان صديقا كبيرا لحزبنا و شعبنا...
لقد مضت ألبانيا و الصين قدما فى دكتاتورية البروليتاريا و فى بناء الإشتراكية اللتين خانهما التحريفيون ، ألبانيا و الصين اللتان ظلّتا وفيتين للماركسية-اللينينية، و دافعتا عنها بتصميم و أعلنتا حربا إيديولوجية ضروسا ضد تحريفية خروتشاف و أتباعه . الشيوعية لم تمت ، على العكس ما كانت تتمنّى البرجوازية، و قد إبتهج الإنتهازيون و التصفويون قبل الأوان".
وفى بيان مشترك لبعثات الأحزاب الماركسية-اللينينية لأمريكا اللاتينية ( بعثة الحزب الشيوعي (الماركسي- اللينيني ) الأرجنتيني ، و بعثة الحزب الشيوعي البوليفي ( الماركسي- اللينيني ) ، و وبعثة الحزب الشيوعي البرازيلي ، و بعثة الحزب الشيوعي الكولمبي ( الماركسي- اللينيني) ، و بعثة الحزب الشيوعي الثوري الشيلي، و بعثة الحزب الشيوعي الماركسي-اللينيني الإكوادوري) الحاضرة فى المؤتمر السابع لحزب العمل الأباني بتيرانا ، ألبانيا ، نوفمبر 1976، نقرأ :
" 8. وجهت البعثات الحاضرة تحيّة عالية و عبّرت عن عمق ألمها لوفاة الرفيق ماو تسى تونغ ، رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ، و قائد لا جدال فيه للشعب الصيني ، و ماركسي – لينيني عظيم و معلّم كبير للبروليتاريا و الشعوب المضطهَدة فى العالم بأسره. فى ظلّ القيادة الحكيمة للرفيق ماو تسى تونغ و الحزب الشيوعي الصيني ، خاضت البروليتاريا و خاض الشعب الصيني حربا ثورية و إفتكّا السلطة و شيّدا الإشتراكية فى الصين. و هكذا غدت الصين المتخلّفة و الخاضعة للإمبريالية ، بلدا إشتراكيّا معاصرا ،و حصنا حصينا للثورة العالمية.و كذلك فى ظلّ قيادة الرفيق ماو تسى تونغ ، جرت معالجة بطريقة صحيحة لمشكل الهام لكيفية مواصلة الصراع الطبقي فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا و الحيلولة دون إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين. لقد رفع الرفيق ماو تسى تونغ بصلابة راية الماركسية- اللينينية و أطلق النضال ضد التحريفية المعاصرة ، مساهما هكذا بحيوية فى إعادة تشكيل الحركة الشيوعية الماركسية- اللينينية العالمية. و ستظلّ مسيرته كمقاتل ثوري و أفكاره التى طوّرت الماركسية- اللينينية حاضرة فى قلوب شعوب و شيوعييى العالم قاطبة و أذهانهم ".
--------
و عقب ذلك بسنتين ، يشنّ أنور خوجا و حزب العمل هجوما مسعورا دغمائيّا تحريفيّا على ماو تسى تونغ ، فى كتاب أعلن عن نشره أواخر ديسمبر 1978 و حمل من العناوين " الإمبريالية و الثورة " . و فيه أفرد خوجا فصلا كاملا لتشويه فكر ماو تسى تونغ معتبرا إيّاه " نظرية معادية للماركسية " و معتبرا أنّ الصين لم تعرف أبدا الإشتراكية و البناء الإشتراكي و أنّ صراع ماو تسى تونغ و الحزب الشيوعي الصيني ضد التحريفية السوفياتية لم يكن نابعا من مواقف صحيحة و مبدئية ماركسية- لينينية وما إلى ذلك من تقليعات دغمائية تحريفية !!!
===
هذه إطلالة أولى على الإنقلاب الخوجي المضاد لعلم الثورة البروليتارية العالمية ، أمّا الإطلالة الثانية فنخرجها لكم كالتالى :
ورد فى خطاب أنور خوجا ، فى 7 جانفي 1964، ضمن كرّاس " عاشت الصداقة الصينية – الألبانية " :
" أبدا لن ينسى الشيوعيون الألبانيون و لن ينسى الشعب الألباني أن إخوتهم الصينيون وقفوا إلى جانبهم فى الأفراح و الأتراح. لن ينسوا المساعدة الكريمة للأخوة الصينيين الذين تقاسموا معاشهم مع شعبنا. أبدا لن ينسوا أنّ الحزب الشيوعي الصيني حافظ دائما على حزب العمل الألباني مثلما يحافظ المرء على أمّ عينه".
---------------------
و فى 30 سبتمبر 1978 ، فى بيان مشترك بين الحزب الشيوعي الكولمبي ( الماركسي- اللينيني) و الحزب الشيوعي الثوري الشيلي و الحزب الشيوعي الماركسي – اللينيني الإكوادوري و حزب الراية الحمراء الفينيزوالي ، هناك تحليل نقدي يبيّن تحريفية " نظرية العوالم الثلاثة " و تناقضها مع تعاليم ماو تسى تونغ و فى النقطة 15 من خاتمة البيان كتبوا:
" تعتبر أحزابنا أنّه ، إزاء إستعمال التحريفيين الصينيين لأعمال ماو تسى تونغ و سمعته للتغطية على مخطّطاتهم لإعادة تركيز الرأسمالية فى الصين و بناء قوّة عظمى جديدة إمبريالية- إشتراكية و مغالطة البروليتاريا و الشعوب بنظريتهم الضارة للغاية ، نظرية " العوالم الثلاثة" ؛ من الواجب الأكيد أن نصون تعاليم ماو تسى تونغ الثورية ، الماركسية- اللينينية . و تثمّن أحزابنا إلى درجة كبيرة مساهمات الرفيق ماو تسى تونغ فى الثورة العالمية."
و بعد نحو السنة من ذلك ، فى أكتوبر 1977 ، صدر بيان عن الحزب الشيوعي الإسباني (الماركسي- اللينيني) و الحزب الشيوعي البرتغالي المعاد تشكيله و الحزب الشيوعي الإيطالي الماركسي- اللينيني و الحزب الشيوعي اليوناني الماركسي- اللينيني و الحزب الشيوعي الأماني الماركسي – اللينيني فيه نقرأ :
" فى الذكرى الأولى لوفاة الرفيق ماو تسى تونغ ، ترفع أحزابنا تحيّة له و تأكّد على أنّ وفاته تمثّل خسارة كبرى للحزب الشيوعي الصيني العظيم و لكافة الحركة الشيوعية العالمية . كان الرفيق ماو تسى تونغ ، القائد العظيم للشعب و الحزب الشيوعي الصيني كذلك قائدا عظيما للبروليتاريا العالمية.تعتبر أحزابنا أن من واجب جميع الماركسيين- اللينينيين الدفاع بصلابة عن التعاليم الثورية للرفيق ماو تسى تونغ- لا سيما منها تلك المتصلة بالصراع ضد التحريفية المعاصرة ،و بالثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و بالصراع ضد الإنتهازيين من كلّ لون- إزاء جميع الذين بنفاق يستعملون إسمه ليشوّهوا تعاليمه و للهجوم عليه بشكل ملتوى."
-----------
إثر وفاة ماو تسى تونغ، أنجزت الطغمة التحريفية الصينية بقيادة دنك سياو بينغ و هواو كوفينغ إنقلابا مضادا للثورة فى الصين فصعدت بذلك البرجوازية الجديدة إلى السلطة و أعيد تركيز الرأسمالية هناك و تحوّلت الصين ماو الإشتراكية إلى صين دنك الرأسمالية و تحوّل الحزب الشيوعي الصيني من حزب بروليتاري إلى حزب برجوازي .
و فى جويلية 1978 ، تنكّرت البرجوازية الجديدة الحاكمة للصين للإتفاقيات مع ألبانيا و أوقفت التعاون الإقتصادي و العسكري معها ، مثلما سبق و أن فعل التحريفيون السوفيات مع الصين الماوية.
و طار عقل أنور خوجا و طفق يخلط الحابل بالنابل و يصبّ جام غضبه على ماو تسى تونغ و يكيل الشتائم و يلصق به و ينسب إليه أفكارا و نظريّات أعدائه ( مثل " نظرية العوالم الثلاثة " لدنك سياو بينغ) و يمرّغ سمعته فى الوحل بعد أن كان يرفعه إلى السماء ، مستعملا فى ذلك جميع الأساليب الإنتهازية و التزوير و الكذب و قلب الحقائق رأسا على عقب بأشكال و طرق قد تتصوّرونها و أخرى قد لا تصوّرونها أصلا و بهجومه ذلك على أرقى ما بلغه علم الثورة البروليتارية العالمية كان يحطّم المبادئ الماركسية- اللينينية و يدافع عن الأفكار التى أثبت تاريخ الحركة الشيوعية العالمية و الصينية أنها خاطئة ، تحريفية. فقدّم خدمة هائلة للبرجوازية العالمية إذ تسبّب فى إنقسامات داخل الحركة الماركسية-اللينينة العالمية إستغلّها الإنتهازيون فى الأحزاب و المنظّمات الماركسية- اللينينية عبر العالم ليرتدّوا و يديروا ظهرهم للثورة البروليتارية العالمية و يخونوا الشيوعية و قضية الطبقة العاملة العالمية.
======
لكن هيهات أن يلزم الشيوعيون الحقيقيون الماويون الصمت إزاء ذلك الهجوم الدغمائي التحريفي! فمنذ السبعينات ،إنبروا يقاتلون الخوجية و بالفعل ألحقوا بها أشدّ الهزائم المريرة عالميّا . و يشهد واقع اليوم بتقدّم مطّرد للماوية طليعة للموجة الجديدة من الثورة البروليتارية العالمية و بتراجع ملموس للخوجية كضرب من ضروب التحريفية و إندحارها فى عديد البلدان إلاّ أنّه عربيّا ، لا زلنا فى حاجة أكيدة إلى مزيد فضح الخوجية و كافة أرهاط التحريفية المهيمنة على الحركة الشيوعية حتّى ستطيع الماوية أن تتبوّأ المقام الذى تستحقه لإيجاد الأسلحة السحرية الثلاثة ( الحزب الشيوعي الماركسي-اللينيني-الماوي و الجبهة الوطنية الديمقراطية و جيش التحرير الشعبي ) و قيادة حرب الشعب لإنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة تمهيدا للثورة الإشتراكية كجزء لا يتجزّأ من الثورة البروليتارية العالمية و غايتها الأسمى تحقيق المجتمع الشيوعي الخالي من كافة ألوان الإستغلال و الإضطهاد القومي و الطبقي و الجندري.
و هذا العدد من " الماوية : نظرية و ممارسة " مساهمة فى النهوض بهذه المهمّة الملحّة على الجبهة النظرية و السياسية.وقد إخترنا له من العناويون " الماوية دحضت الخوجية و منذ 1979" و كانت إضافة "ومنذ 1979" موجّهة ضد محترفي تدليس تاريخ الماوية ، ليس كلزوم ما لا يلزم و إنّما لتبيان أنّ ردّ الفعل الماوي كان سريعا و دقيقا و عميقا منذ عقود الآن ما خوّل للمنظّمات و الأحزاب الماوية أن تنظّم ندوة عالمية فى مطلع الثمانينات ثمّ ندوة ثانية فى 1984 إنتهت إلى تشكيل الحركة الأممية الثورية التى كانت من أهمّ نواتاتها الأولى الأحزاب التى إنبرت لتتصدّى للخوجية بجرأة و صراحة مطلقة الوثائق التى سنعرض عليكم سهاما تصيب كبد الحقيقة الخوجية و ترفع عاليا راية الماوية – حينها فكر ماو تسى تونغ.
و للتاريخ ، تجدرالإشارة بشكل عابر فحسب إلى أنّ الحزب الشيوعي الثوري الأمريكي الذى نشر الوثائق التى نضع بين أيديكم فى مجلته "الثورة " سنة 1979، قد سبق و أن كتب مباشرة بُعيد إعلان الوكالة التليغرافية الألبانية فى 20 ديسمبر 1978 عن صدور "الإمبريالية و الثورة " و عرضها لمضمونه، إفتتاحية العدد الأوّل من المجلّد الرابع من "الثورة " ، جانفي 1979، تحت عنوان " أنور خوجا يفضح الإنتهازية – إنتهازيته " قبل أن ينشر لاحقا سلسلة من التعليقات على "الإمبريالية و الثورة " منها إنتقينا " فى الردّ على الهجوم الدغمائي- التحريفي على فكر ماو تسى تونغ". وهذه الإفتاحية . متوفّرة على الأنترنت فى موقع الموسوعة المناهضة للتحريفية باللغة الأنجليزية :
Encyclopedia of Anti-Revisionism On- Line
---------------------------------------
و فصول مسرحية المرتدّ أنور خوجا و الخوجية بتفاصيها الدقيقة تفضحها وثائق الماويين عبر العالم فى متن هذا العمل . و لأنّ الكتابات الماوية ضد الخوجية كثيرة و عديدة كان علينا أن ننتقي أكثرها رواجا ؛ على حدّ علمنا ، و أهمّها بإعتبار الدور الذى لعبته فى الدفاع عن الماوية و دحض الخوجية، فوقع إختيارنا الذى نرجو أن يكون موفّقا على وثائق أربعة ؛ واحدة من بلد إمبريالي – الولايات المتحدة الأمريكية ، للحزب الشيوعي الثوري الأمريكي و ثلاثة من مستعمرات جديدة الأولى من تركيا – أوروبا و الثانية من الشيلي و الثالثة من سيلان [سيريلانكا]، من أمريكا اللاتينية و من آسيا على التوالي. وهي:
1- بإحترام و حماس ثوريين عميقين، نحيّي القائد الخالد للبروليتاريا الصينية، الرفيق ماو تسى تونغ، فى الذكرى الثالثة لوفاته! – الحزب الشيوعي التركي / الماركسي-اللينيني، جويلية 1979.
2- دفاعا عن فكر ماو تسى تونغ؛ وثيقة تبنّاها مؤتمر إستثنائي للحزب الشيوعي بسيلان إنعقد فى جويلية1979.
(و إضافة إستثنائية: " دحض أنور خوجا" ؛ ن. ساموغاتاسان، الأمين العام للحزب الشيوعي بسيلان - 1980.)
3- " تقييم عمل ماو تسى تونغ"؛ للحزب الشيوعي الثوري الشيلي- جويلية 1979.
4-" فى الردّ على الهجوم الدغمائي - التحريفي على فكر ماو تسى تونغ " بقلم ج. وورنار؛ ماي 1979.

=========================================

تقييم عمل ماو تسى تونغ


( الحزب الشيوعي الثوري الشيلي- جويلية 1979 ، نشر بالأنجليزية فى مجلة " الثورة " نهاية 1979، مجلة الحزب الشيوعي الثوري ،الولايات المتحدة الأمريكية )

منذ الحرب العالمية الثانية ، عرفت الحركة الشيوعية العالمية و العالم الإشتراكي أزمة خطيرة إذ أن تقريبا كافة الأحزاب التى إنتمت إلى هذه الحركة إتبعت بشكل سافر خطا تحريفيا . و أعيد تركيز الرأسمالية فى تقريبا جميع البلدان التى شرع فيها فى بناء الإشتراكية أو هي بصدد إعادة تركيز الرأسمالية مثلما يحدث بالصين .لقد تم تحويل الإتحاد السوفياتي ، أول بلد إفتكت فيه البروليتاريا السلطة ، ليس فقط إلى دولة ذات نظام رأسمالي و إنما أيضا إلى قوة إمبريالية عظمى وهي راهنا أحد أهمّ أعداء شعوب العالم .

إن مستقبل الحركة الماركسية – اللينينية و الشيوعية العالمية مرتبط بصحة تحاليل الشيوعيين الأصيلين لأساس أسباب هذا التراجع الهائل و الشديد الخطورة و الأهمية بالنسبة إلى الحركة البروليتارية الثورية . ما حصل يؤكد الطبيعة الجدلية لكل التطورات فالإشتراكية و الماركسية لا يتقدمان فى طريق مستقيم و إنما ككافة السيرورات ، تتقدم الماركسية عن طريق التناقضات و صراع الخطين ، معارضة شتى الأشكال التى تتبناها البرجوازية و البرجوازية الصغيرة ، و تتقدم الإشتراكية من خلال الصراع الطبقي مواجهة البرجوازية القديمة و البرجوازية الجديدة التى تنشأ داخل الإشتراكية ذاتها و بالذات داخل الحزب الطليعي .

من المهم إعتبار أن الصراع الطبقي فى ظل الإشتراكية يتخذ عمقا غير مسبوق لأن المسألة ليست مسألة تعويض طبقة بطبقة أخرى كما فى الأنظمة السابقة لكن يتعلق الأمر بالأحرى بالقضاء على الطبقات ذاتها فى المجتمع بجميع مظاهرها الإيديولوجية لأجل التقدم صوب الشيوعية ، المجتمع الخالي من الطبقات . و أهم ما ينبغى تحليله فى ما حصل هو تبيان من خان الماركسية و كيف و كذلك تبيان الأخطاء التى إرتكبها الماركسيون الحقيقيون فى الصراع ضد الخونة . و مثل هذا التحليل الذى هو ذاته نقدا و نقدا ذاتيا ، سيبيّن أن كل من الماركسيين الحقيقيين و الإشتراكية الحقيقية لم يخفقا فى هدفهما فى التقدم نحو المجتمع الخالى من الطبقات ، الشيوعية . فى مواجهتهم للخطوط البرجوازية و للبرجوازية القديمة منها و الجديدة ، لم يخسروا سوى معركة فحسب فى مرحلة الإنتقال إلى الشيوعية . و سيكون هذا التحليل بكشفه عن الأخطاء التى إرتكبها الثوريون و تحريفات الماركسية التى أدخلها التحريفيون ، سيكون ردا شافيا على منظّرى البرجوازية الذين ، عبر إبرازهم لكيف أن التحريفيين تخلوا عن الأسس الرئيسية للماركسية ، و عبر تقديم نظام الدول الرأسمالية المضطهِدة على أنها" إشتراكية " يدّعون أن الماركسية و الإشتراكية أخفقتا . إن تحليلا لما حدث سيعيد الثقة فى الماركسية و الإشتراكية ، هذه الثقة التى فقدتها قطاعات عريضة من الناس بفعل خيانة التحريفيين لكلاهما . و مجددا ستُسلح البروليتاريا و شعوب العالم بالنظرية العلمية و الثورية الوحيدة بما يمكنهم من القضاء على الإستغلال .

و مظهر هام من تحليل ما حصل يترتب على الماركسيين-اللينينيين تسليط الضوء عليه هو سيرورة الصراع الطبقي و صراع الخطين فى الصين و التى إنتهت مؤقتا إلى إنقلاب القطاعات الباحثة عن إعادة تركيز الرأسمالية هناك و تحويل الصين إلى قوة إمبريالية عظمى . و يكتسى هذا البحث و التحليل لما وقع فى الصين دلالة خاصة ليس فحسب لأنه يعنى رُبع البشرية و لكن أيضا لأن فى ذلك البلد ، طوال 20 سنة تقريبا ، نشب صراع مديد بقيادة ماو تسى تونغ و الماركسيين اللينينيين الصينيين ضد الخط التحريفي الذى فرض نفسه فى كافة الأحزاب الشيوعية تقريبا بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي ، و ضد إعادة تركيز الرأسمالية .

و لا يمكن إجراء أي بحث أو تحليل للأحداث فى الصين دون تقييم أعمال ماو تسى تونغ و أفكاره ذلك أنه نهض بدور ريادي لا فقط فى تلك السيرورة الثورية و لكن أيضا فى الحركة الشيوعية العالمية . و إعتبارا لأهمية إستيعاب ما جدّ فى الصين وتقييم ماو تسى تونغ بالنسبة لشعبنا و لشعوب أمريكا اللاتينية و العالم عامة ، قرّر الحزب الشيوعي الثوري الشيلي أن ينشر نتائج بحوثه بهذا المضمار و بإختصار المساهمة فى النقاش الدائر رحاه عالميا . إن حزبنا بالرغم من عدم إمتلاكه لكافة المعلومات التى من الأجدى إمتلاكها عند تحليل هذه الأحداث و تقييمها ، فإنه لا ينطلق من الجهل التام و لا من أفكار مسبقة سلبية حول التنظيرات الثورية فى الصين و دور ماو تسى تونغ : كانت مساندتنا للثورة الصينية و لأفكار ماو تسى تونغ التى قادتها قائمة على معرفة ملموسة لهذه الثورة و الأفكار التى قادتها و على إستخدامنا لهذه التجارب و الأفكار فى صراعنا الثوري الخاص ضد التحريفية .

إننا نعتقد أنه حتى نجري تحليلا صحيحا و مبدئيا للتجربة الصينية و لأفكار ماو تسى تونغ دون السقوط فى التأويل البراغماتي الذى يحكم على صلوحية هذه التجارب و الأفكار على أساس هزيمتها المؤقتة أو السقوط فى المثالية و التأويل الماورائي اللذان لا يأخذان بعين الإعتبار التطوّر الواقعي للصراع الطبقي و التناقضات الموضوعية ، فإنه من الضروري عقد مقارنة لفكر ماو تسى تونغ الذى قاد هذه الأفكار و هذه التجربة مع المبادئ الجوهرية للماركسية-اللينينية ، و من الضروري الحكم عليه فى إرتباط بتلك المبادئ و تطبيقها على الواقع الملموس للصين و تطويربعض مظاهر هذه المبادئ من جهة ، و من جهة أخرى ، الحكم عليه فى إرتباط بالصعوبات الموضوعية المواجهة عند تطبيقها على واقع المجتمع الصيني المعقد . تسمح كلا المقارنتان بتقييم الدور الذى لعبته الأخطاء فى التطبيق أو الإنحرافات الممكنةعن الماركسية فى الهزيمة المؤقتة التى منيت بها الثورة الصينية و كذلك الدور الذى لعبته الصعوبات الموضوعية التى حالت دون نجاح تطوّر تلك السيرورة الثورية .

وهو يحلل أفكار ماو تسى تونغ ، يتعرّض المرء إلى صعوبة خاصة فيما يتعلق بتلك الأعمال التى نشرت بصفة غير رسمية خلال الثورة الثقافية و المجلد الخامس من أعماله الذى نشر بعد وفاته من قبل الجماعة التحريفية التى تمسك الآن بالسلطة . و من الممكن أن تستعمل الأفكار الثورية أيضا بروح طبقية رجعية و أن يستشهد بها خارج الإطار ، فتحوّر أو تدلس بصيغة مفضوحة . هذا بالضبط ما يقوم به التحريفيون تجاه الماركسية . و لينين فى مؤلفه "الدولة و الثورة" ، شرع فى تحليل هذه القضية ، قضية التحريف المقصود لأفكار المفكرين الثوريين من جانب البرجوازية و كذلك من جانب مدعى الثورية الذين يستخدمون هيبتهم لغرض مغالطة الجماهير . و إتخذ هذا العمل شكلا كثيفا لا سيما فيما يتصل بفكر ماو تسى تونغ نظرا لعظمة أفكاره و كذلك لعظمته كقائد لثورة ربع البشرية و كمنظر عبقري و قائد للثورة البروليتارية العالمية .
وكان على ماو تسى تونغ نفسه ( شأنه فى ذلك شأن المنظرين الماركسيين الكبار الآخرين ) أن ينبه إلى مثل هذه التحريفات و يصارعها فى عدة مناسبات . إن مثل هذه التشويهات لا تشكك بأية صفة فى أعماله بل بالعكس تبيّن بوضوح معناها الثوري و كره الرجعية و الإنتهازية لها . و من الجلي مثلا أن فى المجلد الخامس هنالك إختلافات بيّنة مقارنة مع طبعات أخرى من هذه المواد التى صارت معروفة خلال الثورة الثقافية ، حذف و طبعات مشكوك فى أمرها و غياب جمل و حتى فقرات.

و يمكن أن نشيرإلى عديد الأمثال التى تجعل المرء يفكّر أنه فى حين أن المجلد الخامس و أعمال أخرى نشرت بعد وفاة ماو تتضمن بعضا من أفكار ماو ، فإنها أيضا تتضمن تشويهات عديدة و أحيانا تشويهات خارقة .

إذن ، آخذين بعين النظر الروح الرجعية للجماعة التى تحكم الآن الصين و التى حاربها ماو طوال حياته ، و التى بيّنت بعدُ خطوة خطوة أنها تكرّس خطة للقضاء على أفكاره و مآثره ( وقوفها ضد سياسات طبقها ماو ، ضد القفزة الكبرى إلى الأمام و ضد الثورة الثقافية و ضد قرارات تحديد الحق البرجوازي و القضاء عليه ، فضلا عن إعادتها الإعتبار لعدد كبير من المعادين للثورة الذى عارضوه إلخ ) ، يبدو لنا غير منصف تماما أن نستخدم دون تفكير نقدي ، فهم تلك الجماعة لكتابات ماو تسى تونغ لنقد أفكاره .

لم يقبل حزبنا هذه الوثائق ما عدا تلك المفاهيم المنسجمة مع أعماله ككل ، هو موقف إتخذه حتى الأكاديميون المختصون فى تاريخ الصين الذين بذلوا الجهد كله للحفاظ على سمعتهم و على الموضوعية و الذين لم يقبلوا صحة جميع النصوص . و يجب أن نضيف أن حتى هذه التشويهات التحريفية المقامة بغرض إستغلال عظمة ماو لأغراض خاصة ، يمكن أن تحجب المضمون الأساسي الصحيح و الثوري لأفكاره الموجودة فى كتاباته .

إلى جانب الإحتياطات اللازمة فى تحليل أفكار ماو تسى تونغ ( لكي لا ننسب له التحريفات ) ، فإنه يتعين على البحث فى المصاعب الموضوعية التى واجهها تطبيقها أن يؤسس على المادية الجدلية . فنحن نرى هنالك مظهرين جوهريين يجب أخذهما بعين الإعتبار حتى يكون مثل هذا التحليل مرتكزا على المادية و الجدلية . من اللازم ، من جهة تحليل تلك السيرورة فى الظرف الأممي الذى ضمنه تطوّرت مراحلها المختلفة ، و من جهة أخرى ، من اللازم عدم إغفال خصوصيات المجتمع الصينين و التناقضات – موضوعيا و ذاتيا – التى شهدتها تلك السيرورة ، و إلا سيسقط المرء فى تحاليل أحادية الجانب ، ميتافيزيقية و مثالية ، معتبرا ماو مثلا " ذو قوة لا نهاية لها " و هكذا نسب كل ما حدث فى الصين إليه و بالتالى التفتيش فى كتاباته بصورة مغرضة لإيجاد صيغ يمكن أن تبدو كأنها تفسّر المجرى الرجعي الذى إتخذته السياسة فى ذلك البلد و حتى نسب النظريات المعادية للماركسية صراحة إلى ماو ( على غرار نظرية " العوالم الثلاث " ) التى هي فى تناقض كامل مع رؤاه و التى لم يصغها لا فى كتاباته و لا فى خطاباته .

فى تقديرنا ، أهم النتائج الجدية لتحليل غير صائب ليس فقط فقدان أحد أعظم القادة الثوريين و لكن أيضا إنكار المساهمات الهامة لماو فى تطبيق الماركسية –اللينينية و تطويرها ، سواء فى قيادته الصراع من أجل الثورة أو فى نضاله ضد التحريفية العالمية و من أجل بناء الإشتراكية و تعزيزها.



1/ مسألة بلترة الحزب :

نعتقد أن أول أهم المشاكل التى تعترضنا و التى يجب أخذها بنظر الإعتبار فى الحكم على الصعوبات التى واجهها الماركسيون –اللينينيون الصينيون هي التركيبة الطبقية للبلد غداة تأسيس الحزب الشيوعي الصيني ، هي أن عدد العمال الصناعيين يساوى تقريبا مليون و نصف المليون نسمة من ضمن سكان البلد الذين يعدون 427 مليون نسمة . و من هؤلاء العمال أكثر من 70 بالمائة كانوا يعملون فى الصناعات الخفيفة و النقل . و كانت الطبقة العاملة الصناعية إذن تمثّل أقل من 4 بالمائة من العدد الجملي للسكان مع أكثر بقليل من 1 بالمائة يشتغلون بمصانع تحويل النبات . فى 1939 ، عشر سنوات قبل إفتكاك السلطة ، كان ثمة فقط أكثر بقليل من مليونين و نصف المليون من العمال يشتغلون فى مصانع متطورة حقا ، و هذا يعنى نسبة 5 بالمائة فقط من مجموع السكان .

و فى 1949 ، سنة التحرير ، كان هنالك ثلاث ملايين عامل صناعي من ما يقارب الخمسة ملايين ساكن ، بمعنى أكثر بقليل من 5 بالمائة .

هنا نلاحظ تناقضا عملاقا ينبغى معالجته حتى تُقاد الثورة على نحو صحيح و نقصد تشكيل حزب قيادي – طليعة البروليتاريا- قادر على قيادة مئات الملايين من الناس ، فى بلد كانت فيه البروليتاريا ضعيفة للغاية و كان لزاما تعبئة و قيادة هذه المئات من الملايين فى المراحل المختلفة من الحرب الأهلية و أيضا فى الحرب ضد الغزو الإمبريالي الياباني و الهيمنة على الصين من قبل قوى إمبريالية أخرى ، كان لزاما فى فترات معينة قيادة و إدارة مناطق محررة كانت سنة 1945 تضم حوالي مائة مليون ساكن و قيادة جيش كان يعد سنة 1946 مليونين و نصف مليون مقاتل . دون شك ، كان كل هذا يتطلب حزبا كثيرالمنخرطين و جذورا عميقة فى صفوف الجماهير . و لم يكن ممكنا لهذا الحزب أن يتشكل بالضرورة غالبيا من العمال نظرا لضعف تطور تلك الطبقة فى الصين . و فى أفريل 1945 ، حين أنجز المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الصيني ، كان عدد المنخرطين 1.21 مليون و بلغ سنة 1947 2.7 مليون و بعد التحرير ، سنة 1951 كان عدد المنخرطين 5.8 مليون بينما بلغ عدد أفراد الطبقة العاملة ككل هذا الرقم تقريبا فى السنة الموالية . و فى 1956 ، سنة المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الصيني ، كان المنخرطون يمثلون أكثر من 10.7 مليون منخرط و منخرطة وهو رقم يتجاوز بما يفوت المليون العدد الجملي للعمال الصناعيين تلك السنة و لكنه لم يكن يمثّل إلا 1.74 من جملة السكان . و فى سنة 1958 ، مع بداية القفزة الكبرى إلى الأمام ( و هذه إحدى مآثر تلك المبادرة ) تصاعد عدد العمال من 12 مليونا تقريبا فى 1957 إلى أكثر من عشرين مليونا .

بيد أن هذاالعدد تقلص فى سنوات 1959-1961 بسبب الآفات الطبيعية حينها و بسبب تخريب التحريفيين السوفيات و الصينيين للمشاريع . و لا يمثل هذا العدد الأقصى مع ذلك سوى 4 بالمائة من السكان . و فى روسيا بالعكس ، 14 سنة قبل ثورة أكتوبر إعتمادا على الأرقام التى قدمها لينين فى كتابه " تطور الرأسمالية فى روسيا "، كان هنالك 2.8 مليون عامل فى الصناعة و السكك و التعدين و المناجم ، بمعنى 2 بالمائة من إجمالي السكان فى ذلك الوقت ( عرض على أساس إحصائيات 1897) .

وعنى ضعف التطور فى الصين و بالتالى ضعف البروليتاريا بعد الإصلاح الزراعي هيمنة شريحة البرجوازية الصغيرة بلا منازع على سكان البلاد . و بالفعل ، فى 1954 ، كانت البرجوازية الصغيرة تعدّ 30 بالمائة من السكان الفلاحين وهو ما يعادل150 مليون نسمة . و صارت بقية السكان الفلاحين ، حوالي 350 مليون نسمة ، و ضمنهم بروليتاريا و أشباه بروليتريا و فقراء الريف ، إلى ملاكين صغار عندما تحصلوا على الأرض. و يضاف إلى هذه الجماهير العريضة من الفلاحين البرجوازيين الصغار حوالي 50 مليون تاجر صغير و حرفيين و موظفين و مثقفين و طلبة إلخ ذوى طابع مدني .

لذلك إضطر ماو تسى تونغ و الماركسيون اللينينيون الصينيون إلى بناء حزب عريض جدا ، كانوا فى حاجة إليه ، دون أن يكونوا قادرين على جلب القسم الأعظم من منخرطيه من البروليتاريا . ففى سنة 1956 و هي السنة التى تمثّل المرور إلى البناء الإشتراكي ، كان الحزب الشيوعي الصيني يعدّ 1.502.814 منخرط عمالي ما قدره 14 بالمائة فقط من جملة المنخرطين ال 7.491.459 الذين ينقسمون إلى 69 بالمائة من أصل فلاحي و1.255.923 أو 11,7 بالمائة من منخرطيه هم من المثقفين و 558.188 أي 5.2 بالمائة ينحدرون من مواقع إجتماعية مختلفة .

لمعالجة هذا التناقض الجاد لم يكن فى وسع ماو و الماركسيين –اللينينيين الصينيين إلا أن يطبقوا ( و قد طبقوا ) الإجراءات التالية :
1- أقصى الجهود لتعزيز إيديولوجيا البروليتاريا الماركسية –اللينينية فى صفوف الحزب .
2- النضال الإيديولوجي ضد المظاهر البرجوازية و البرجوازية الصغيرة فى الحزب و القضاء على التكتلات المعادية للحزب التى تجمعت حول تلك الأفكار .
3- القيام بحملات متصلة لإصلاح طريقة العمل و النقد و النقد الذاتي لإصلاح المناهج و الأفكار الخاطئة .
4- تيسير إنتماء العمال إلى الحزب والتضييق ( خاصة بعد إنتصار الثورة ) على شرائح إجتماعية أخرى فى الإنتماء إليه.

كانت هذه هي إمكانيات معالجة هذا التناقض. و ثمة أدلة قاطعة على ان ماو تسى تونغ و الماركسيون –اللينينيون الصينيون مارسوها بكثافة . هل يمكن أن يوجد إنسان يدافع عن أنه نظرا لأن التركيبة الطبقية كانت غير مناسبة ( لتاخر الصين ) ، كان لزاما أن لا تنجز الثورة إلى حين أن يوجد تطور الرأسمالية بروليتاريا متقدمة و كثيفة العدد ؟؟؟ إن حزبنا يرى أن هذا البديل غير مقبول و أن واحد من مآثر ماو تسى تونغ الكبرى و الثوار الصينيون هو تحقيق الثورة الديمقراطية الشعبية و الثورة الإِشتراكية فى ظل هذه الظروف المعقدة للغاية .

و فيما يتصل بنشر الماركسية ، كان ماو تسى تونغ من بداية الثورة إلى وفاته يؤكد على الدوام على ضرورة تعويل الحزب الشيوعي الصيني ( و ليس فقط الحزب بل أيضا الجماهير ذاتها ) على الماركسية - اللينينية . و قد شجع إجراءات ملموسة بهذا الصدد .

و شهدت هذه السيرورة من إستيعاب الماركسية فى الصين صعوبات موضوعية جمة مترافقة مع هذا العدد الضخم من السكان و الحجم الكبير للبلد و المستوى الثقافي المتدنى و الموروث من النظام القمعي الإستعماري و شبه الإقطاعي حيث كانت نسبة الأميين عالية ضمن الجماهير و منخرطي الحزب خلال مراحل هامة من السيرورة الثورية و كانت العراقيل الملازمة للغة الصينية تمنع ترجمة النصوص الماركسية الكلاسيكية و فهمها. فكان لمؤلفات ماو تسى تونغ دور غاية فى الأهمية فى تجاوز هذه العراقيل ، هذه المؤلفات التى تطبق مبادئ الماركسية على واقع الصين فى لغة واضحة و بسيطة ، مستعملة صورا و رموزا من الثقافة الصينية دون تحوير جوهرها .

2/ دور الإيديولوجيا الماركسية - اللينينية :

فيما يتعلق بالماركسية - اللينينية لم يشجع ماو تسى تونغ فقط إنتشارها بل نادى بإستمرار إلى إستعمالها لا بطريقة دغمائية و إنما كأداة تحليل للواقع الصيني الملموس . و فى 1938 ، فى مؤلفه " دور الحزب الشيوعي الصيني فى الحرب الوطنية " أشار ماو إلى أنه :
" إذا تحدثنا بصورة عامة فيجب على جميع أعضاء الحزب الشيوعي الذين يملكون قدرة معينة على البحث و الدراسة أن يدرسوا نظرية ماركس و إنجلز و لينين و ستالين ن و تاريخ أمتنا ، و أوضاع الحركات الراهنة و إتجاهاتها ، و فضلا عن ذلك فإنه يجب على هؤلاء الرفاق أن يساعدوا فى تثقيف أعضاء الحزب الذين هم على مستوى تعليمي منخفض . و إذا تحدثنا بصورة خاصة فيجب على الكوادر أن يولوا إهتماما خاصا لدراسة المواضيع المذكورة أعلاه ، و يجب على أعضاء اللجنة المركزية و كبار الكوادر على وجه الخصوص أن يعيروها إهتماما أكبر . إنه يستحيل على حزب سياسي يقود حركة ثورية كبرى أن يحقق النصر إذا لم يكن مسلحا بالنظرية الثورية و لا ملما بمعرفة التاريخ و لم يكن لديه فهم عميق للظروف الفعلية للحركة .

إن نظرية ماركس و إنجلز و لينين و ستالين هي نظرية صالحة للعالم أجمع . فلا يجوز لنا أن نعتبر نظريتهم عقيدة جامدة بل علينا أن نعتبرها مرشدا للعمل . و لا يجوز لنا أن نكتفي بمجرد تعلم بعض العبارات و الأقوال من كتب الماركسية -اللينينية ، بل يجب أن ندرس الماركسية - اللينينية بوصفها علم الثورة . كما أنه لا يجوز لنا أن نكتفي بمجرد فهم النتائج الخاصة بالقوانين العامة التى توصل إليها ماركس و إنجلز و لينين و ستالين من دراستهم لمختلف جوانب الحياة الواقعية و للتجارب الثورية ، بل يجب كذلك أن نتعلم منهم موقفهم الطبقي و طريقتهم فى النظر إلى القضايا و فى حلها . إن معرفة حزبنا بالماركسية- اللينينية قد إزدادت اليوم إلى حد ما بالمقارنة مع ما مضى ، بيد أن معرفته لا تبرح بعيدة عن الإتساع و العمق. إن مهمتنا هي قيادة أمة كبيرة تعدادها مئات الملايين من أجل خوض نضال عظيم لم يسبق له مثيل . و لذا فإن مهمة دراسة النظرية الماركسية - اللينينية على نطاق واسع و بصورة عميقة هي بالنسبة إلينا قضية كبرى ينبغى حلها سريعا و لا يمكن حلها إلا بواسطة الجهود المركزة . و إنى لآمل أن تجري بعد هذه الدورة العامة للجنة المركزية مباراة فى الدراسة يشترك فيها جميع أعضاء الحزب ، لنرى من يستطيع حقا أن يستوعب شيئا من هذه النظرية و من يتعلم أكثر و بصورة أفضل . و إنطلاقا من أننا نتحمل المسؤولية الرئيسية فى القيادة نرى أنه إذا ملك حزبنا مائة أو مائتين من الرفاق الذين إستوعبوا الماركسية - اللينينية بصورة منهجية و ليست جزئية و كذلك بصورة حقيقية و ليست جوفاء ، فإن قدرة حزبنا الكفاحية ترتفع إلى حد كبير و تتحقق مهمتنا فى قهر الإمبريالية اليابانية بصورة أسرع . "

ثم يقوال ماو، رابطا المضمون الأممي للماركسية بالخصوصيات الصينية : " لا نستطيع أن نطبق الماركسية بنجاح إلا إذا ربطناها بالخصائص المحددة ببلادنا ووضعناها فى قالب وطني محدد . " ( صفحة 291-292 ، " مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلد 2 ، الطبعة العربية ).

و فى هذا يطبق بصدق تعاليم لينين الذى يشير فى كتابه " مرض "اليسارية" الطفولي فى الشيوعية " :
" و مع ان حركة العمال فى كل مكان تجتاز ، من حيث جوهر الأمر ، مدرسة واحدة تمهيدية للإنتصارعلى البرجوازية ، تتطور هذه الحركة فى كل بلاد حسب طريقتها الخاصة . "
و إثر ذلك : " فى كل مكان يبرز عدم الرضا من الأممية الثانية و يتسع و ينمو ، و ذلك سواء بسبب إنتهازيتها أو بسبب أنها ليست لديها القدرة أو القابلية لإيجاد مركز مكثف حقا ، و قيادي حقا ، و كفء لتوجيه تكتيك البروليتاريا الثورية العالمي فى نضالها من أجل جمهورية سوفيتية عالمية . إن من الضروري أن ندرك بجلاء أن مثل هذا المركز القيادي لا يمكن بأية حال أو نوجده على أساس قولبة القواعد التكتيكية للنضال و تسويتها و توحيدها بصورة جامدة . فما دامت الفوارق من حيث القوميات و الدول موجودة بين الشعوب و البلدان ، و هذه الفوارق ستبقى زمنا طويلا و طويلا جدا ، حتى بعد تحقيق ديكتاتورية البروليتاريا فى النطاق العالمي ، فإن وحدة التكتيك العالمي للحركة العمالية الشيوعية فى جميع البلدان لا تتطلب إزالة التنوع ، و لا إستئصال الفوارق القومية ( الأمر الذى ليس فى اللحظة الراهنة إلا أضغاث أحلام ) ، بل تتطلب تطبيق المبدئين الأساسيين للشيوعية ( السلطة السوفياتية و ديكتاتورية البروليتاريا ) بشكل يعدّل بصورة صحيحة هذين المبدئين ، فى الجزئيات و يجعلهما يتلاءمان و ينسجمان بصورة صحيحة مع الفوارق القومية و الفوارق بين الدول . إن الواجب الرئيسي فى اللحظة التاريخية التى تجتازها جميع البلدان المتقدمة ( و ليس المتقدمة وحده ) هو إستقصاء و دراسة و تمحيص و إستقراء و إستيعاب المميزات القومية و الخصائص القومية فى الأساليب الملموسة التى يتخذها كل بلد لحل المهمة الأممية الواحدة ، و الإنتصار على الإنتهازية و العقائدية اليسارية فى داخل الحركة العمالية ، و لإسقاط البرجوازية، و تأسيس الجمهورية السوفياتية و دكتاتورية البروليتاريا . " ( "بعض الإستنتاجات 10" ، "لينين المختارات فى 10 أجزاء ، المجلد9 ، 519-520-521 ) .

و فى 1941 ، أثناء تجمع كوادر عقد فى إرتباط بحملة تصحيح قامت فى يانان ، أكّد ماو معترفا بمساهمات الماركسية فى الثورة الصينية :
" إن السنوات العشرين من عمر الحزب الشيوعي الصيني إنما هي عشرون عاما أصبحت الحقيقة العامة للماركسية -اللينينية خلالها فى إندماج متزايد مع الممارسة العملية للثورة الصينية . و إذا عدنا بذاكرتنا إلى مدى ما كانت عليه معرفتنا بالماركسية - اللينينية و الثورة الصينية من سطحية و فقر خلال مرحلة طفولة حزبنا ، لوجدنا الآن معرفتنا هذه تزايدت بكثير عمقا و غنى . و طوال المائة عام الأخيرة ناضل خيرة أبناء الأمة الصينية المنكوبة مضحين بأرواحهم فكلما سقط أحدهم أخذ مكانه الآخر ، و ذلك من أجل البحث عن الحقيقة التى تقود إلى إنقاذ الوطن و الشعب ، و إن هذا ليهز قلوبنا فخرا و يدمع عيوننا حزنا . و لكننا لم نجد الماركسية - اللينينية - أسمى الحقائق كأفضل الأسلحة لتحرير أمتنا ، إلا بعد الحرب العالمية الأولى و ثورة أكتوبر فى روسيا ، فالحزب الشيوعي الصيني هو رائد و ناشر و منظم فى إستخدام هذا السلاح . و لم تكد الحقيقة العامة للماركسية - اللينينية ترتبط بالممارسة العملية للثورة الصينية حتى أضيفت ملامح جديدة كل الجدة على الثورة الصينية. منذ إندلاع حرب المقاومة ضد اليابان قد خطا حزبنا خطوة فى دراسته ، على ضوء الحقيقة العامة للماركسية - اللينينية ، حول الممارسة العملية لهذه الحرب و حول الصين و العالم فى الوقت الراهن ، و قد تم الشروع بصورة أولية فى دراسة التاريخ الصيني . و كل هذا بأجمعه ظواهر رائعة . " ( "فلنصلح دراستنا" ، المجلد 3 ، صفحة 19-20) .

و فى السنة الموالية ، ( 1942) فى مدرسة الحرب التابعة للجنة المركزية ، كجزء من إحدى الحملات لتقويم أسلوب العمل بهدف البلترة الإيديولوجة للحزب ، لاحظ :
" و لنسأل فى بادئ الأمر : هل مستوى حزبنا النظري مرتفع فى الحقيقة أم منخفض ؟ لقد ترجم المزيد من المؤلفات الماركسية - اللينينية فى الفترة الأخيرة ، كما إزداد عدد من يقبلون على قراءتها . و هذا أمر جيد جدا . لكن هل يمكننا أن نقول لذلك أن مستوى حزبنا النظري قد إرتفع إلى حد بعيد ؟ صحيح ، إن مستوانا النظري قد أصبح أعلى بقليل مما كان عليه . لكنا إذا نظرنا إلى المحتوى الغني الذى تحمله الحركة الثورية الصينية وجدنا أن جبهتنا النظرية أبعد ما تكون عن الإنسجام مع ذلك المحتوى ، و إذا أجرينا مقارنة بين الإثنين يبدو لنا أن الجانب النظري متخلف كثيرا . و على الدوام ، فإن نظريتنا لا تزال عاجزة عن مسايرة ممارستنا الثورية ، ناهيك عن أن تسير أمام هذه الممارسة كما هو واجب عليها . إننا لم نرتق بعد بمماستنا الغنية إلى المستوى النظري المطلوب ." ( " فلنقوم أسلوب الحزب " ، المجلد 3 ، صفحة 46).

و غداة إنتصار الثورة ، فى جوان 1949 ، مرة أخرى ، يقدّم ماو فى مؤلفه " حول الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية " إعترافا بالدور الذى لعبته الماركسية فى الإنتصارات التى تحققت ، إنتصارات مثّلت واحدة من أكبر الملاحم فى التاريخ الثوري :
" إن حزبنا يبلغ ال 28 من عمره ، و كما يعلم الجميع ، لم يجتز الحزب هذه السنوات فى سلم ، بل فى ظروف عصيبة ، فقد كان علينا أن نحارب أعداء من الداخل و من الخارج و أعداء فى داخل الحزب و خارجه ، نحن ممتنون لماركس و إنجلز و لينين وستالين على إعطائنا سلاحا . و هذا السلاح ليس الرشاش بل الماركسية - اللينينية. " ( مجلد 4 ، صفحة 520) .
وفى مارس 1955 ، فى ندوة وطنية للحزب الشيوعي الصيني ، أكّد مرّة أخرى على ضرورة دراسة الماركسية-اللينينية:
" من واجبنا نشر المادية الجدلية بين الخمسة ملايين مثقف داخل و خارج الحزب و بين الكوادر فى كل المستويات حتى يستوعبوها و يناضلوا ضد المثالية ، و من واجبنا حينذاك أن نكون قادرين على تنظيم جسم قوي من العمال النظريين ، وهو جسم نحن فى حاجة ماسة له . و هذا بدروه سيكون رائعا.
ينبغى أن نرسم مخططا لتكوين مثل هذا الجسم المتكون من عديد ملايين الناس ينكبون على دراسة المادية الجدلية و المادية التاريخية و الأسس النظرية للماركسية و يحاربون جميع مظاهر المثالية و المادية الميكانيكية . الآن ثمة العديد من الكوادر بصدد القيام بالعمل النظري و لكن ليس هنالك إلى حدّ الآن جسم من العمال النظريين ، و أقل من ذلك جسم صلب . دون هذا الجسم لا يمكن لقضية كل الحزب و التصنيع الإشتراكي و التحويل الإشتراكي للبلد و تعصير دفاعنا الوطني و بحوثنا فى الطاقة النووية التقدم أو النجاح ."

و فى سنة 1957 ، نظمت حملة تصحيح بهدف تعبئة الجماهير لنقد الأفكار و الممارسات الرجعية التى إندلعت فى الصين نتيجة أحداث المجر و هجمات خروتشاف على ستالين . سمح ماو تسى تونغ للقوى اليمينية من صفوف البرجوازية الوطنية و المثقفين و شرائح أخرى بالتعبير عن آرائها لمدة محدودة حتى فى الصحافة بغاية جعلها تبرز أفكارها الرجعية و تعريتها أمام الشعب و تاليا قام بهجوم مضاد ضدهم :" بصورة عامة ستكون الأطروحات المعادية للثورة ممنوعة غير أنه إذا ما تقدموا بها لا فى شكل معاد للثورة بل تحت قناع ثوري ، سيكون علينا أن نسمح بوجودها مما سيساعدنا على رؤية هذه الأطروحات كما هي حقا و تنظيم حملات نضال ضدها ."

فكانت النتيجة أكبر معركة أقيمت ضد الأفكار الرجعية فى نفس الوقت مع تنظيم حملة تدريب على الإيديولوجيا البروليتارية الماركسية - اللينينية . و قال ماو :
" إن المثقفين متذبذبون فى تبنى الماركسية - اللينينية التى كان يعارضها عديد الناس فى الماضى حيث عارضها الإمبرياليون و عارضها تشان كاي تشاك ، يوما بعد يوم مدعيا أن الشيوعية لا تتلاءم مع الأوضاع الصينية ، جاعلا الناس يخشونها . تتطلب معانقة المثقفين للماركسية- اللينينية و تغيير نظرتهم البرجوازية للعالم إلى نظرة البروليتاريا للعالم وقتا و حركة إيديولوجية إشتراكية ثورية . إن حركة هذه السنة متوجهة لتعبيد الطريق لذلك . "

و فى 1963، أطلق ماو " حركة التربية الإشتراكية " للحث على دراسة الماركسية و محاربة عناصر الحزب " فى السلطة المتبعين للطريق الرأسمالي " ، و هي حركة ستوفر الظروف للثورة الثقافية بعد سنتين . و فى14 جوان 1963 ، نُشر " إقتراح حول الخط العام للحركة الشيوعية العالمية " كان موجها ضد الحزب الشيوعي للإتحاد السوفياتي و جملة من رسائله المفتوحة . و دافع "إقتراح..." عن الماركسية - اللينينية فى تعارض مع أطروحات و سياسات خروتشاف .

وخلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ، بلغت دراسة الماركسية - اللينينية أبعادا جماهيرية لم يشهدها تاريخيا أي بلد سابقا. و يكفى أن نقول إن فى العشر سنوات الموالية ل 1966 وهي سنة إندلاع تلك الثورة ، باعت مكتبات الصين 4.8 بليون نسخة من أعمال ماركس و إنجلز و لينين و ستالين و ماو و أنه تم تشجيع الدراسة على نطاق واسع .

أخيرا ، فى السنوات السابقة لوفاته ، مجددا ، وهو يعلن عن تفجير صراع ضد دنك سياو بينغ و الذين أرادوا أن يقلبوا إنتصارات الثورة الثقافية ، نادى ماو تسى تونغ إلى توطيد دراسة الماركسية - اللينينية و تطبيقها ، لا سيما تعاليم ماركس و إنجلز و لينين و ستالين بصدد دكتاتورية البروليتاريا . و إنطلقت حملة جماهيرية عظيمة لدراسة و تعميق تطبيق دكتاتورية البروليتاريا و محاصرة و تحديد الحق البرجوازي الذى إستخدم أساسا لتغذية التحريفية .

و هكذا من الواضح الجلي ان ماو تسى تونغ بذل قصارى الجهد طوال مختلف مراحل الثورة الصينية لا فقط للتحقق من إستيعاب الماركسية- اللينينية و تطبيقها من طرف كوادر الحزب و منخرطيه بل ايضا لتكون منتشرة و مطبقة من طرف الجماهير العريضة للشعب الصيني . و لا شك أن هذا العمل الجبار من أجل نشر الإشتراكية العلمية ، كما أثراها ماو ذاته ، هو بذرة فى وعي الحزب الشيوعي الصيني النزيه و فى منخرطيه و الجماهير تخول لهم أن يثوروا ضد النظريات و الممارسات المعادية للماركسية للمرتدين الحاليين الذين إستولوا على السلطة فى الصين .

3/ صراع الخطين فى صفوف الحزب :

مظهر أخر من البلترة الإيديولوجية للحزب الشيوعي الصيني الذى شجعه ماو ، مع أننا سنرى لاحقا أن مغزاه السياسي كان حتى أعمق، هو الصراع الذى قاده ضد كل من مظاهر الخطوط البرجوازية فى الحزب و الكتل التى تكونت حول بعض هذه الخطوط . بفهم عميق للجدلية أعرب ماو عن أن تعزيز الحزب يكون من خلال معالجة التناقضات التى تظهر فى صلبه وهي تناقضات ملازمة لأية سيرورة فى العالم . و مثلما أشار لينين و ستالين و ماو فإن التناقضات فى المجتمع تنعكس فى صفوف الأحزاب الشيوعية مفرزة كلآ من نظرات خاطئة تعكس جوانب من مختلف مظاهر الخط البرجوازي و الكتل المنظمة حول الخط البرجوازي و التى هي معادية للحزب . الإقرار بهذه الحقيقة الملازمة لا فقط لتاريخ الأحزاب الشيوعية و الحركة الشيوعية العالمية ذاتها ، بل الملازمة أيضا للجدلية العالمية و للتطوركوحد أضداد للواقع ذاته ، هو مسألة مبدئية بالنسبة لأي مادي جدلي .

لقد نادى ماركس و إنجلز بعدم الإكتفاء بتفسير العالم بل بالأحرى يتعين النضال من أجل تغييره بطريقة نقدية و ثورية . و مثل هذا التغيير غير ممكن دون دراسة و معالجة التناقضات الملازمة لأية سيرورة سواء كانت فيزيائية أو كيميائية أو إجتماعية سواء كان مجتمعا بأسره أو جزءا منه و بالتالى لأجل أن يتطور على الحزب البروليتاري أن يعالج تناقضاته الداخلية لصالح الماركسية - اللينينية و لصالح مصالح البروليتاريا و الثورة . و حتى أكثر ، على حزب الطبقة العاملة الطليعي أن يتمرس على صراع الخطين لا سيما فى جانبه الإيديولوجي حتى يصارع الخط البرجوازي داخل الجماهير و يكسبهم لقيادة الحزب و يكسب المتقدمين منهم لصفوف الحزب . إن التطور كوحدة أضداد لأية سيرورة هو واقع موضوعي ، مستقل عن إرادتنا . الإرادة و الوعي الثوريين يلعبان دورهما فى البحث فى طبيعة التناقضات الموضوعية التى تظهر من أجل معالجتها ، و فى تطبيق المناهج السليمة للتوصل إلى ذلك . و فى نفس الوقت، بالعمل على هذا النحو تتقلص نتائج التأثير البرجوازي و تتراجع و يمنع تطوّر هذه التناقضات إلى مستوى خطير للغاية . إذن الإعتراف بأن جزءا أو مجموعة من المظاهر البرجوازية تظهر داخل الحزب ليس سوى مقاربة مادية جدلية للحزب كسيرورة وحدة أضداد . و يتم الإعتراف بوجود التناقضات و البحث فيها بالضبط من أجل النضال ضد المظاهر الغريبة عن الماركسية و التى تظهر داخل الحزب و ليس لنشرها و القبول بها على أنها حتمية . جرى ذلك لمعارضة جانب التناقض الممثّل فى تأثيرات البرجوازية من جانب الخط الثوري . وإنكار تطور الحزب البروليتاري كوحدة أضداد ( كأية سيرورة ) يضع حاجزا دون تربية عناصر الحزب على النضال ضد العراقيل و الحواجز التى تقيمها البرجوازية ضده ، و يسمح للبرجوازية باخذ المبادرة و إلغاء وعي العناصر دون ردّ ملموس على الحجج و المؤامرات التى تستعملها للصراع ضد الخط الماركسي .

فى جميع أعماله و ممارساته لم يفعل ماو تسى تونغ سوى الإقرار بهذا التطوّر كوحدة أضداد للحزب البروليتاري و إعداد عناصره و كوادره لمعالجة التناقضات التى تنشأ داخله بطريقة سليمة . و لم يساند البتة وجود التأثيرات البرجوازية داخله - و أقل من ذلك الكتل البرجوازية - كشيئ إيجابي و لم يدافع عن أنه يجب الإبقاء عليهم و تشجيعهم . و على الصعيد العالمي ، عارض دون خطإ المصالحة مع الخط البرجوازي لخروتشاف و أتباعه و إتخذ نضالا مبدئيا ضدهم . و لعلّ رفض الإعتراف بأن الحركة الشيوعية العالمية تتطوّر هي أيضا كوحدة أضداد و عبر الصراع ضد التأثير البرجوازي الذى يظهر داخلها ، سيساعد على التقدّم و على تطويرها ؟ بالعكس ، فإن واحدة من العوامل الحيوية فى تركيز الخط التحريفي فى غالبية أحزاب الحركة الشيوعية العالمية القديمة ، كان المفهوم المعادي للجدلية فى فهم تطورها و نقص تجربة العناصر فى خوض الصراعات الخطية و نقص فى النقد و روح النقد الذاتي و الديمقراطية فى صفوف هذه الأحزاب و الإعتقاد الأعمى لعديد العناصر فى أولئك الذين كانوا يرسمون خط تلك الأحزاب .

فى فهم كيفية إدارة صراع الخطين فى صفوف الحزب ، أعار ماو تسى تونغ الإنتباه إلى الإختلاف بين من هم بالأساس نزهاء و يسقطون فى مواقف خاطئة و بين التسلل و إنتاج مجموعات تكتلية داخل الحزب و الذى يلتقى علنيا أو سريا مع الخط المعادي للبروليتاريا . بسط الحاجة إلى رسم خط تمايز بين الذين يسقطون فى أخطاء و إنحرافات تحت تأثير الرؤى البرجوازية و بين المدافعين بوعي عن مصالح البرجوازية الذين تسربوا إلى الحزب . يجب النضال ضد الأوائل و نقدهم حتى يتجاوزوا أخطاءهم و فى نفس الوقت ، نتحد معهم بإعتبار أنهم عناصر نزيهة مخطئة لإعادة تربيتها و مساعدتها على تجاوز أخطائها . أما مع الآخرين فنفضحهم عبر النضال الإيديولوجي و نطردهم من الحزب و نعاقبهم حسب جرائمهم ضد الثورة . عمليا ، مشكلة التفريق بين الإثنين معقدة . وهي كذلك لأن النزهاء الذين سقطوا فى أخطاء يعتقدون ، إلى حدّ أن يبرز لهم النقد و التربية أنهم جانبوا الحقيقة ، أنهم على حق و عادة ما يفصحون عن وجهات نظرهم بشكل عنيف . و من جهة أخرى يخفى التكتليون الواعون عملهم المعادي للثورة و مراميهم و غالبا ما ينشطون فى الخفاء و بالتالى نواجه خطر معاملة الأعداء مثل المخطئين و معاملة النزهاء مثل الأعداء و المخطئين لفائدة أولئك الأعداء . و هذا التفريق شديد الصعوبة خاصة مع أعداء متخفين يحتلون مراكزا عليا فى صفوف الحزب و يستغلون السلطة التى يسمح لهم بها منصبهم لإخفاء أنفسهم و جر العناصر إلى مواقع خاطئة . فقط حزب تمرّس على الصراع الخطّي ، بطريقة صحيحة فى معالجة التناقضات داخل الحزب ، بين كل من الأعداء و المخطئين ، قادر على معالجة هذا المشكل المعقد بصيغة سليمة . لهذا أولى ماو تسى تونغ أهمية قصوى إلى تمرّس الحزب على حل تلك التناقضات بدراسة مبادئ الماركسية –اللينينية من جهة ، و من جهة أخرى ، بتربية كل العناصر ذاتها عبر الممارسة النشطة للصراع ضد المظاهر المختلفة للخط البرجوازي و القيام بالنقد و النقد الذاتي و حين يتعلق الأمر بالدفاع عن المبادئ يتجرؤون على " السير ضد التيار " لذلك السبب عارض القرار البيروقراطي فى مثل هذا المشكل حول من هو مخطئ و من هو العدو من خلال إملاءات ميكانيكية من أعلى ، دون نقاش عريض بفضله تتمكن العناصر الموجهة من أولئك الذين يمسكون بالخط الصحيح ، من التفريق بين الأعداء و الرفاق المخطئين فقط و يؤكد من جديد المواقف الثورية و تحريرهم إذا كانوا متأثرين بأفكار مخطئة . فى كل صراع ، ما يكتسى أهمية أكبر هو أن تتعلم العناصر نفسها كيف تفرق بين ما هو صحيح و ما هو خاطئ و بين الرفاق و الأعداء المندسين و ليس أن يثقوا ثقة عمياء فى عصمة قادتهم حول الخطإ فى تجاوز هذا النوع من المشاكل و تحديد من هو الماركسي و من هو المعادي للماركسية .

المشكلة الملموسة هي مدى قدرة ماو تسى تونغ و الحزب الشيوعي الصيني عامة على إكتشافهم فعليا للأعداء المندسين بينهم و قوتهم و رسم تمييز واضح بين الذين كانوا مخطئين و الأعداء عن وعي . و مهما كانت الأخطاء التى إرتكبوها فى ذلك الصدد ، فى وجه التحريفية الحالية القوية التى فرضت ذاتها على كل الحركة الشيوعية تقريبا بعد الحرب العالمية الثانية ( أخطاء قام بها قادة ثوريون عظام ) ، فهي لا تقلص بأية حال من الأحوال من صلوحية أطروحات ماو تسى تونغ حول كيفية معالجة هذا النوع من التناقضات و لا من التجارب العظيمة الأهمية فى النضال الذى خاضه لحلها .

على طول تاريخ الحزب الشيوعي الصيني و الثورة الصينية ، طبّق ماو تسى تونغ و الماركسيون- اللينينيون الصينيون خطّا واضحا من أجل التعرف على التناقضات فى صفو ف الحزب و النضال ضد جميع مظاهر الخط البرجوازي و بذل قصارى الجهود لنقد و إعادة تربية العناصر أو القادة المخطئين و تنقية الحزب من العناصر التكتلية المعادية للحزب . يبرز الحديث عن العشر صراعات خطية بعينه أنه تمت محاربة هذه الخطوط لإبعادها من الحزب و لم يتم القبول بها . منذ مقاله سنة 1928 " النضال فى جبال جينغهانغ " ، لاحظ ماو :
" إن عددا كبيرا من الوصوليين قد تسللوا إلى الحزب منتهزين فرصة قبول عضوية جديدة للحزب بصورة علنية أثناء المد الثوري ( فى يونيو - حزيران ) ، فكانت نتيجة ذلك أن عدد أعضاء الحزب فى منطقة الحدود قد إرتفع فى فترة وجيزة و بلغ أكثر من عشرة آلاف. و لما كانت غالبية المسؤولين عن الفروع و لجان المراكز من الأعضاء الجدد ، لم يكن من المستطاع إيجاد تثقيف جيد فى داخل الحزب . فلما حل الإرهاب الأبيض إرتد أولئك الوصوليون و أرشدوا الرجعيين لإلقاء القبض على رفاقنا ، الأمر الذى أدى إلى إنهيار معظم المنظمات الحزبية فى المناطق البيضاء . و بعد سبتمبر ( أيلول) أجرى الحزب حملة تطهير مشددة فى صفوفه ، و حدد مؤهلات طبقية دقيقة يجب أن تتوفر لدى أعضاء الحزب . " ( مجلد 1 ، صفحة 135).

و فى 1938 ، فى مؤلفه " دور الحزب الشيوعي الصيني فى الحرب الوطنية " ، كتب الرفيق ماو :
" أما خط قوه تاو التنظيمي ، فقد خالف تماما جميع مبادئ الحزب الشيوعي ، و خرق النظام الحزبي ، و تطور من نشاطات تكتلية إلى نشاطات ضد الحزب و اللجنة المركزية و الأممية الشيوعية. و لقد بذلت اللجنة المركزية كل جهد ممكن من أجل التغلب على أخطاء الخط الإجرامي التى إرتكبها تشانغ قوه تاو و على نشاطاته المعادية للحزب ، كما سعت إلى إنقاذ تشانغ قوه تاو نفسه . لكن لما أصر تشانغ قوه تاو على رفض تصحيح أخطائه و لجأ إلى أسلوب النفاق بل خان الحزب بالفعل فيما بعد إرتمى فى أحضان الكومنتنغ ، فإنه لم يعد فى وسع الحزب إلا أن يطرده بحزم من صفوفه ..."
ثم أضاف :
" و يجب أن نخصص إهتماما جديا ، فى الصراع ضد الإنحرافات ، لمكافحة أسلوب النفاق ، و ذلك لأن الخطر الأكبر فى أسلوب النفاق يكمن فى إحتمال تطوره إلى نشاطات تكتلية ، كما بيّن ذلك تاريخ حياة تشانغ قوه تاو ." ( مجلد 2، صفحة 288-289) .

بعد ذلك فى 1939 ، أشار فى" لنضم إلى صفوفنا المثقفين بأعداد كبيرة " :
" يجب علينا دون أدنى شك ، حين نطبق سياسة ضم الأعداد الكبيرة من المثقفين إلى صفوفنا ، أن نكون على يقظة تامة للحيلولة دون تسلل تلك العناصر التى يرسلها العدو و الأحزاب السياسية البرجوازية و أن نرفض تلك العناصر غير المخلصة . و ينبغى لنا أن نتخذ موقفا صارما فى هذا الصدد . أما الذين قد تسللوا من تلك العناصر إلى حزبنا و جيشنا و أجهزة حكومتنا ، فيجب أن نطهرها منهم بحزم مع التمييز فى المعاملة و ذلك بالإستناد إلى الأدلة الدامغة . " ( مجلد 2 ، صفحة 418) .

و فى مقاله فى معارضة الكتابة المتبعة للقوالب الجامدة فى الحزب أشار ماو إلى :
" و هنالك عبارتان كثر إستعمالهما فيما مضى فى مقالات و خطب كثير من الرفاق : إحداهما تسمى ب"النضال القاسى" و الأخرى تسمى ب "الضرب بلا رحمة " . إن مثل هذه الطريقة ضرورية و لازمة تماما ضد العدو أو ضد الإيديولوجية المعادية و لكنه من الخطإ إستخدامها على رفاقنا . و كثيرا ما يحدث أن يتسرب العدو و الإيديولوجيا المعادية إلى صفوف الحزب ، كما جاء فى البند الرابع من الخاتمة فى " كورس موجز لتاريخ الحزب الشيوعي السوفياتي ( البلشفيك ) " . و مما لا ريب فيه أنه يجب علينا أن نتخذ طريقة النضال القاسي و الضرب بلا رحمة ضد هؤلاء الناس ، إذ أن هؤلاء الأشرار يستخدمون الآن هذه الطريقة ضد الحزب ، و إذا تسامحنا مع هؤلاء الأشرار وقعنا فى الشرك الذى نصبوه لنا . بيد أنه لا يجوز إستخدام نفس الطريقة ضد الرفاق الذين إرتكبوا الأخطاء عرضا ، بل يجب أن تطبق على أمثال هؤلاء الرفاق طريقة النقد و النقد الذاتي ، ألا وهي الطريقة المبينة فى البند الخامس من الخاتمة فى " كورس موجز لتاريخ الحزب الشيوعي السوفياتي ( البلشفيك)" . " ( مجلد 3، صفحة 74-75).

و فى أفريل من سنة 1944 ، خط ّ فى عمله " دراستنا و الوضع الراهن" :
" يجب الإشارة إلى أن التكتلات التى كانت موجودة و لعبت دورا سيئا فى تاريخ حزبنا ، لم يعد لها وجود اليوم ، بعد التبدلات العديدة منذ إجتماع تسونيى . إنه لمن الضروري تماما الإشارة ، فى هذه الدراسة للخطين القائمين داخل الحزب ، إلى أن مثل هذه التكتلات كانت موجودة و لعبت دورا سيئا فى التاريخ . و لكن من الخطإ أن يعتقد المرء أن تلك التكتلات ذات نفس البرامج السياسية الخاطئة و الأشكال التنظيمية الخاطئة السابقة لا تزال قائمة ، بعد التبدلات التى حدثت من جراء العديد و العديد من الصراعات داخل الحزب - إجتماع تسونيى المنعقد فى يناير 1935 ، و الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية السادسة فى أكتوبر 1938 ، و الإجتماع الموسع للمكتب السياسي للجنة المركزية فى سبتمبر 1941، و حركة التقويم التى كانت تجرى على نطاق الحزب كله عام 1942 و الدراسة التى بدأت من شتاء عام 1943 حول الصراعات بين الخطين فى تاريخ الحزب . إن التكتلات التى كانت موجودة فى الماضى قد زالت الآن . و ما يبقى فى الوقت الحاضر هي بقايا إيديولوجية الجمود العقائدي و التجريبية و سوف نتمكن من التغلب عليها ، ما دمنا نواصل و نعمق حركة التقويم . "
هنا يشير ماو تسى تونغ بالطبع إلى صراع الخطين السادس ، قبل إنتصار الثورة و الذى إنتهى بهزيمة هذه المجموعات التكتلية .

فى 1953 ، واصل ماو النضال لتطهير الحزب من العناصر السامة . و فى مقاله " قاتلوا البيروقراطية " الموجه للحزب يؤكد :
" فى حزبنا و حكومتنا ، تمثّل البيروقراطية و التسلط مشكلة كبرى لا فقط فى الوقت الحاضر و إنما لزمن طويل لاحق . من زاوية الجذور الإجتماعية ، تعكس بقايا الطريقة الرجعية فى العمل داخل حزبنا و حكومتنا ( طريقة عمل معادية للشعب ، طريقة عمل الكومنتنغ ) و الطريقة الرجعية لطبقات الحاكمة فى تعاملها مع الشعب ...إذا عززنا دورها الطليعي و طرقنا فى القيادة ، فإن البيروقراطية و التسلط المضرّين للشعب ستتقلص تدريجيا و العديد من منظمات حزبنا و حكومتنا ستكون قادرة على الإبتعاد فى أقرب وقت عن طريقة عمل الكومنتنغ هذه . و كذلك فى أقرب وقت ، سنسرع فى طرد عديد العناصر المندسة فى منظمات الحزب و الحكومة و سنضع حدا لعديد الأعمال السيئة التى لا تزال إلى اليوم بديهية " .
ثم إسترسل قائلا :
" يجب أن نعرض عرضا واسعا فى الصحافة الأمثلة النموذجية فى هذا المجال ويجب أن نعاقب التجاوزات الخطيرة حسب القانون و لئن تعلق امر بشيوعي يتدخل أيضا الإنضباط الحزبي . و على لجان الحزب فى كل المستويات أن تقوم بجهود خاصة صارمة لعقاب المتجاوزين للقانون الذين تمقتهم الجماهير أيما مقت و لطردهم من الحزب و الحكومة و أسوأهم ينبغى أن يعدموا حتى نخفف من غضب الجماهير و نساعد على تربية الكوادر و الجماهير " . ( المجلد 5 ، صفحة 88-89 ، الطبعة الفرنسية ).

بعد ذلك فى سنة 1955 ، جدّ صراع خطين بعد إنتصار الثورة ضد الكتلة التى أوجدها قواه كانغ . فى خطابه الإفتتاحي أمام الندوة الوطنية للحزب الشيوعي الصيني قال ماو فى هذا الصدد :
" أيها الرفاق ، مثلما تعلمون جميعا ، فإن ظهور تحالف قواه كانغ و جواو تشو تشى المعادي للحزب الشيوعي لم يكن بالمرّة عرضيا بل كان مظهرا حادا للصراع الطبقي المكثّف فى بلدنا فى المرحلة الراهنة . إن الهدف الإجرامي لهذا التحالف المعادي للحزب كان شقّ حزبنا و إفتكاك السلطة العليا فى الحزب و الدولة بطرق تآمرية و بالتالى تعبد الطريق لتراجع معاد للثورة . بالقيادة الموحدة للجنة المركزية سحق حزبنا التحالف المعادي للحزب و صار أكثر وحدة و أقوى و هذا إنتصار هام فى نضالنا من أجل القضية الإشتراكية " .
ثم أضاف : " لغاية بناء مجتمع إشتراكي ، ترى اللجنة المركزية أنه من الضروري فى هذا الظرف أن تكوّن لجنة مركزية للمراقبة فى إنسجام مع القانون الأساسي للحزب لتعويض لجنة مراقبة الإنضباط القديمة ، و يكون هدفها تعزيز الإنضباط الحزبي فى هذه المرحلة الجديدة من الصراع الطبقي المكثف و إقامة صراع ضد كل أنواع تجاوزات القانون و الإنضباط و بالخصوص المراقبة للحيلولة دون تكرر حالات مماثلة لتحالف قواه - جواو المعادى للحزب و الذى يخرب جديا مصالح الحزب ".

و فى ذات السنة ، مبرزا تعقد مشكلة كيفية منع تسلل الرجعيين المقنعين إلى داخل الحزب الذى كان عريضا جدا و فى مجتمع كان فيه الوزن الخاص للبروليتاريا صغيرا جدا ، أشار الرفيق ماو فى هذا الصدد إلى :
" إن جماهير الشعب فى حاجة فعلا إلى هذه المادة [ النص ضد مجموعة هوفانغ المنشور ب " يومية الشعب " ] كيف يمارس المعادون للثورة تكتيكاتهم فى سلوك مزدوج ؟ كيف ينجحون فى مغالطتهم بمظاهرهم الخداعة فى حين أنهم يقومون خفية بالأشياء الأقل توقعا ؟ كل هذا قناع لآلاف و آلاف أمام الناس الصافييى النيّة . فى هذا الصدد ، فتح العديد من المعادين للثورة طريقهم إلى صفوفنا . عيون أناسنا ليست مفتوحة ، ليست فطنة للتمييز بين الناس الطيبين و السيئين . و عندما يعمل الناس فى ظروف عادية نعرف أن نميز بين الغض و السمين و لكننا لسنا فطنين فى الرؤية من خلال الذين يعملون فى ظروف غير عادية . إن عناصر هو فانغ معادية للثورة وضعت قناعا لتخفى وجوهها الحقيقية و لتعطي إنطباعا خاطئا " و يضيف : " عديد عناصر مجموعة هو فانغ قادرين على مغالطتنا لأن منظمات حزبنا ، منظمات الدولة و منظمات الجماهير و المؤسسات الثقافية و التربوية أو المؤسسات أخفقت فى القيام بمعالجة صارمة للإرشادات قبل قبولهم . كان ذلك كذلك أيضا لأننا كنا فى مرحلة عاصفة من الثورة فى الماضى القريب و حاول أناس من جميع الأنواع أن يقتربوا منا بما أننا حققنا الإنتصارات ، و بالتالى كانت المياه حتميا عكرة و صار الجيد مختلطا بالسيئ و لم نستطع بعدُ أن نحاصرهم و نغربلهم غربلة تامة . و فضلا عن ذلك ، فإن تحديد العناصر الضارة و توضيحها مشروط بالتوفيق بين القيادة الصحيحة من طرف الأجهزة القيادية و بين درجة عالية من الوعي السياسي من جانب الجماهير و لكن فى هذا المجال لم يكن عملنا فى الماضى دون نواقص. و هذه جميعها دروس بالنسبة لنا . "

و أخيرا نعرض كذلك - و لن ندخل فى معالجة هذه المسألة الآن بما أننا سنتناولها بالبحث لاحقا - الظروف التى حفت بصراع ماو تسى تونغ و الماركسيون - اللينينيون الصينيون ضد التحريفية المعاصرة بقيادة ليوتشاو تشى و لين بياو و أتباعهما الذين صدرت عنهم مواقفا خاطئة دون أن يظهروا محتواها المعادي للثورة . عندئذ فجّر ماو الصراع ضدهم بداية عن طريق النقد . و لما بان جليا أنها ما كانت مجرد مسألة إنحرافات بل بالأحرى مسألة توجه أهدافه رجعية ، فضحهم ماو نفسه بوضوح و خاض ضدهم صراع حياة أو موت و إلتجأ ردا على تأثيراتهم إلى إستنهاض الجماهير العريضة .

و هذا يشير بالفعل إلى أن هؤلاء الممثلين للبرجوازية الذين تسللوا إلى الحزب و إلى الحكومة و الجيش و لعديد مجالات الثقافة ، هم جماعة من التحريفيين المعادين للثورة . و عندما تتوفر الظروف سوف يفتكون السلطة السياسية و سيحولون دكتاتورية البروليتاريا إلى دكتاتورية البرجوازية ...هم عملاء أوفياء للبرجوازية و الإمبرياليين . إلى جانب البرجوازية و الإمبرياليين يتمسكون بالإيديولوجيا البرجوازية المضطهدة و المستغِلة للبروليتاريا و يتمسكون بالنظام الرأسمالي و يعارضون الإيديولوجيا الماركسية - اللينينية و النظام الإشتراكي و صراعهم ضدنا هو مسألة حياة أو موت و ليست مسألة مساواة . و بالتالى فإن صراعنا ضدهم أيضا لا يمكن أن يكون إلا صراع حياة أو موت و علاقتنا معهم لا يمكن أن تكون بالمرة علاقة مساواة . "

من هنا نعتقد أنه من خلال أعمال ماو تسى تونغ و صراعه الملموس بلا هوادة ضد الإنتهازيين فى صفوف الحزب و خارجه يتجلى خطا صحيحا كاملا و تعاليما عظيمة للحركة الثورية وجب التمسك بها. لم يكن ماو شجع وجود التناقضات و ظهور الإنحرافات أو الكتل المعادية للحزب ، بل بالعكس خاض نضالا متواصلا ضدهما إلى أيامه الأخيرة على قيد الحياة، مطهرا الحزب فى كل مرة عندما كان قادرا على رؤية أن المعارضة ليست مجرد مسألة أخطاء إيديولوجية. إن حجم الحزب الشيوعي و المجتمع الصينيين حددا تعقد و مدى هذه المشاكل و جعلا من غير الممكن لماو تسى تونغ قيادة الماركسيين - اللينينيين لحلها خلال حياته وهو أمر بإعتبار هذه العوامل تحديدا ، يجعل المعركة التى خاضها تبدو حتى أكثر حدة .

فى الإتحاد السوفياتي أيضا ، كان الصراع بين الخطين فى صفوف الحزب البلشفي معقدا إلى أقصى حدّ ، و كانت النتيجة سلبية هنالك أيضا بما أن التحريفيين بلغوا مؤقتا السلطة . إذا إعتمدنا على ما ورد فى " تاريخ الحزب الشيوعي للإتحاد السوفياتي ( البلشفي )" حتى فى علاقة بما حدث فى ذلك الحزب إثر إفتكالك السلطة ، نعثر على التالى :
" فى 1918 ، حصل مجموعة " الشيوعيين اليساريين " على أغلبية مكتب موسكو . و فى تلك السنة صرح لينين فى المؤتمر السابع للحزب الشيوعي السوفياتي " إن الأزمة الحادة التى يمر بها حزبنا بفعل تشكل معارضة يسارية فى صلبه هي أحد أخطر الأزمات التى عرفتها الثورة الروسية " ( ص 240-241 من "تاريخ ..." ،طبعة بالفرنسية ، إعادة نشر "أونلوت" الكيباك ،1979).

و فى 1919 ، فى المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي السوفياتي ، قدّم بوخارين و بياتاكوف برنامج معارضة خطه معارض للخط الماركسي - اللينيني بصدد المسألة القومية و المسألة الزراعية إلخ . و حينها بالضبط برزت جماعة تسمى " المعارضة العسكرية " التى و إن عارضت تروتسكي فيما يتصل بهذه المسائل عبرت عن أفكار إنتهازية . و من جهتهما قاد سابرونوف و أوسنسكى كتلة أخرى أنكرت الدور القيادي للبروليتاريا فى السوفياتات.( مصدر سابق ، ص 257/260).

و يروى " تاريخ ..." أن المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي السوفياتي إنعقد و ما كان لكافة عناصر الحزب نفس تفكير اللجنة المركزية فقد تململت و ترددت المجموعات الصغيرة المعارضة - التروتسكيين " المعارضة العمالية " ، و
" الشيوعيون اليساريون " و الوسطيون الديمقراطيون " إلخ - أمام الصعوبات التى واجهها الإنتقال إلى بناء إقتصاد سلمي . و وجد فى الحزب عدد لا بأس به من العناصر المناشفة سابقا و من الإشتراكيين الثوريين و من حزبي البوند و البروتستيين و جميع أنصاف القوميين من المناطق المجاورة لروسيا تحالفت غالبيتهم مع هذه المجموعة أو تلك من المعارضة . ( مصدر سابق ، ص 279) .

و فى المؤتمر العاشر ، قدمت كافة هذه المجموعات رؤى معادية للماركسية و أصدر المؤتمر أمرا بالحل الفوري لجميع التكتلات ...و توعد من لا يستجيب لقرار المؤتمر بالطرد لا مشروط و فوري من الحزب" .( م س ، ص281) .

و فى 1921 ، تم التصدى الفعلي الأولى للمخادعين البيروقراطيين و الشيوعيين غير الشرفاء و المتذبذبين و المناشفة الذين أعادوا طلاء أوجههم و ظلت قلوبهم واقعيا مناشفة . و حسب " تاريخ ..." جرى طرد 170 ألف عضو بما يعنى 25 بالمائة من مجموع الأعضاء و مع ذلك كما سنرى بقيت أهم المجموعات الإنتهازية تنشط داخل الحزب . ( مصدر سابق ، ص 286).

و فى نهاية 1923 ، يقول " تاريخ ..." خلال المؤتمر الثاني عشرة للحزب الشيوعي السوفياتي، جمع تروتسكي حوله كافة العناصر المناهضة للينينية داخل الحزب و صاغ أرضية معارضة للحزب و قيادته و سياساته .( م س ، ص 294) .
و فى جانفي 1924، فى الندوة 13 للحزب الشيوعي السوفياتي، صارع ستالين رؤى المعارضة و مع ذلك يشير"تاريخ ..." إلى أن التروتسكين لم يكفوا عن نشاطهم الإنقلابي . و فى ماي من السنة عينها ، تم التنديد بهم مجددا فى المؤتمر 13 غير أنه لم يتم القضاء عليهم بعدُ." ( م س ، ص 295) .

و فى أفريل 1925، إبان الندوة 14 للحزب الشيوعي السوفياتي، تقدم التروتسكيون بنظريتهم فى "الثورة الدائمة ". و روّج بوخارين من جهته لخط يميني صريح. و فى ديسمبر من تلك السنة، إنعقد المؤتمر 14 للحزب ووفق "تاريخ ..." كان الوضع داخل الحزب محتدا و متصلبا. و لم يشهد أبدا فى تاريخه وضعا تحضر فيه مفوضية كاملة من مركز هام للحزب مثل ليننغراد لتظهر معارضة للجنته المركزية. ثم يشير إلى أنه بالرغم من هزيمتهم فى المؤتمر، لم ينضبط الزينوفيافيون للحزب بل شرعوا فى صراع ضد قرارات المؤتمر 14 . ( م س ، ص 307).

و يستمر " تاريخ ..." قائلا : " فى صائفة 1926، إتحد التروتسكيون و الزينوفيافيون ليشكلوا الكتلة المعادية للحزب التى جعلوا منها نقطة إلتقاء بقايا كافة المجموعات المعارضة المهزومة وأسسوا حزبهم السري المعادي للينينية ..." .( م س، ص 314) و حاولوا فرض مناقشة عناصر الحزب لأرضيتهم و مع ذلك فهذا لم يمنع أهم التكتليين من أن يقدموا للجنة المركزية قرارا ضد النشاط التكتلي بغاية المغالطة . لكن يشير " تاريخ ..." إلى أن الكتلة لم تكف عن الوجود و واصل مكونوها نشاطهم السرّي ضد الحزب . فإستمروا فى العمل من أجل تجميع حزب معاد للينينية و شرعوا فى إصدار صحافة غير قانونية و جمعوا مساهمات الأعضاء و عملوا على نشر أرضيتهم نشرا واسعا ".( م س ، ص 314).

و فى نوفمبر 1926 ، فى الندوة 15 للحزب ، مرة أخرى ، ندّدت بهم الأغلبية بيد أنهم فى 1927 ظهروا بأرضية إنتهازية مسمات " أرضية ال 83 " تم نقاشها و لحقت بها الهزيمة فى أكتوبر 1927 ، ثم سعوا إلى تنظيم مظاهرات إحتجاج عامة فى موسكو و لينينغراد يوم 7 نوفمبر ، ذكرى الثورة لا أقل . لذلك وقع طرد كلّ من تروتسكي و زينوفياف من الحزب فى 14 نوفمبر 1927 . و فى ديسمبر من السنة ذاتها ، صادق مؤتمر الحزب الشيوعي السوفياتي على ذلك الطرد." ( م س ، ص 320) .

و يذكر " تاريخ ..." أنه بعد المؤتمر 15 بقليل " قبلت غالبية المطرودين شروط إعادة الإدماج و صرحوا فى الصحافة بذلك. راجين التسامح معهم و لأجل إعطائهم فرصة للعودة لعضوية الحزب و الطبقة العاملة ، أعاد الحزب قبولهم فى صفوفه بيد أن الزمن بيّن دون إستثناءات أن تراجع قيادات كتلة تروتسكي و زينوفياف كان تراجعا مهادنا و منافقا على طول الخط .
حينها إلى جانب التسلل إلي الحزب ، ظهرت مجموعة يمينية أخرى بقيادة بوخارين و ريكوف و فى إجتماع اللجنة المركزية تقدموا بأرضية جديدة معادية للحزب .

و فى 1934، تم قتل ريكوف ، القائد الأعلى للحزب الشيوعي السوفياتي فبدأت المسيرات لتستمر إلى حدود1937 . و حسب " تاريخ ..." أظهرت المسيرات أن حثالة البشرية هؤلاء [ بوخارين ، راداك إلخ ] بالإرتباط بأعداء الشعب و تروتسكي و زينوفياف و كاميناف ، كانوا يتآمرون على لينين و الحزب و الدولة السوفياتية منذ الأيام الأولى من ثورة أكتوبر الإشتراكية و جرت محاكمتهم لأنهم باعوا أنفسهم إلى مخابرات ألمانيا الفاشية. و يسجل "تاريخ ..." أن المحكمة السوفياتية حكمت على الشياطين البوخارينيين و التروتسكيين برميهم بالرصاص.( م س ، ص 360) .

مذاك فصاعدا ، لم تسجل أية مظاهر صراع ضد المجموعات التكتلية داخل الحزب الشيوعي السوفياتي . و بدا و كأن دكتاتورية البروليتاريا و البناء الإشتراكي فى الإتحاد السوفياتي تطورت دون حواجز هامة فى صفوف الحزب الشيوعي السوفياتي . بيد أنه بعد أكثر بقليل من سنتين من موت ستالين ، نكتشف مع المؤتمر العشرين أن الحزب الشيوعي السوفياتي سقط بايدى التحريفيين الذين كانوا يحتلون بعدُ مواقعا عليا داخله و أن هؤلاء التحريفيين ، إثر التشنيع بستالين ، رفعوا أرضية معادية للماركسية وعملوا لفرضها على الحركة الشيوعية العالمية و سارعوا بإعادة تركيز الرأسمالية فى الإتحاد السوفياتي و حولوه إلى قوة إمبريالية عظمى و أن جميع الدول التى تسمى بالديمقراطية الشعبية ، بإستثناء ألبانيا ، ساندت الخط التحريفي و ركزت الرأسمالية و أن كافة أحزاب الحركة الشيوعية العالمية وغالبية القادة و المناضلين خضعوا للخط التحريفي لخروتشاف و أتباعه . و الآن مرت أكثر من عشرين سنة على تلك الأحداث وما هنالك من كلمة عن نضال هام يقيمه ماركسيون - لينينيون ضد التحريفية فى الحكم و ضد رأسمالية الدولة سواء فى الإتحاد السوفياتي أو فى البلدان المرتبطة بحلف فرصوفيا .

مثلما سنرى البرجوازية التى تعيد تركيز الرأسمالية فى البلدان التى إفتكت فيها البروليتاريا سلطة الدولة ، ليست البرجوازية القديمة و ليست كذلك برجوازية جديدة ولدها الإنتاج الصغير بل هي بالأحرى برجوازية من نوع جديد نشأت فى أو تسللت إلى قيادة الأحزاب الشيوعية ذاتها و لها قاعدتها الإقتصادية فى إدارة إقتصاد الدولة مفرزة نظام رأسمالية الدولة . و من الأكيد أن هذه مسألة توجه رجعي نشأ فى صفوف الحركة الشيوعية العالمية ذاتها ، توجه لم يتعرف على تطوره و أهدافه لا لينين و لا ستالين. و لم يستطع الماركسيون- اللينينيون داخل الأحزاب الشيوعية عبر العالم الرأسمالي أيضا منع هيمنتها عليها جميعا تقريبا . و فى هذا الإطار بالذات يترتب علينا تحليل الصراعات التى خاضها ماو تسى تونغ و الماركسيون- اللينينيون الصينيون ضد هذا التياردون التخلى عن هدف البحث العميق عن العوامل التى أفرزت هذا التيار.

4- التناقضات مع البرجوازية الوطنية :

فى الصين، كان على التقدم نحو الإشتراكية فالشيوعية أن يتم إنطلاقا من مجتمع مستعمر و شبه مستعمر و شبه إقطاعي . و تطلبت هذه الظروف قبل تركيز الإشتراكية ، ضرورة مرحلة سابقة هي ثورة ديمقراطية جديدة لغاية تحرير الوطن من الإمبريالية و القضاء على بقايا الإقطاعية و الإنهاء على سلطة البرجوازية الكبيرة المرتبطة بالإمبريالية . و قد جرت هذه السيرورة على أساس التحالف العمال والفلاحين و بتحالف مع شرائح من البرجوازية الوطنية بقيادة البروليتاريا.

ومع طرد الإمبريالية من الصين و الإطاحة بالقوى الإقطاعية و البرجوازية الكبيرة الكمبرادورية المرتبطة بالإمبريالية أي مع الإنتصار الكامل للثورة الديمقراطية الجديدة فيما يتصل بالسلطة السياسية لأجل المواصلة نحو الإشتراكية كان من اللازم الإبقاء على البرجوازية الوطنية لمدة زمنية طويلة نسبيا لتطوير قوى الإنتاج و البروليتاريا . و أفرزت هذه الوضعية مشكلة معقدة فى الصراع الطبقي فكان من الضروري السماح للرأسمالية بالتطور إلى حدود معينة تحت مراقبة القطاع الإقتصادي الذى تمت مشركته و بإرتباط به ، هذا من جهة ، و من جهة أخرى ، كان من الضروري إيقاف التوجه البرجوازي الذى كان يريد أن يتحول إلى الطبقة الحاكمة فى كل من الإقتصاد و السياسة و القضاء عليها كطبقة فى كلا المجالين خطوة خطوة لغاية المرور إلى الإشتراكية . و نظرا لأن هذه السيرورة أثرت تأثيرا كبيرا على الصراع الطبقي و الصراع بين الخطين فى الصين ، من المهم البحث فى كيفية سلوك ماو تسى تونغ و الماركسيين- اللينينيين الصينيين لمعالجتهما .

و مع أن ماو تسى تونغ يعتبر الفلاحين القوة الأساسية للثورة الصينية ( بالنظر لحجمهم الكبير نسبة للسكان ) و أنه يجب القيام بالثورة الديمقراطية الجديدة بتحالف مع البرجوازية الوطنية فإنه فى نفس الوقت ، وضّح بكل جلاء أنه فقط بقيادة الطبقة العاملة و حزبها يمكن لتلك الثورة أن تحقق الظفر . و فى 1936 ، مثلا ، فى مؤلفه " قضايا الإستراتيجيا فى الحرب الثورية الصينية " قال :
" ...أما جماهير الفلاحين الصينيين و البرجوازية الصغيرة الصينية فى المدن فيرغبون فى أن يسهموا بنشاط فى الحرب الثورية و أن يواصلوها حتى النصر النهائي . و هم يشكلون القوى الرئيسية فى الحرب الثورية ، إلا أن الإنتاج الصغير الذى يتميزون به يضيق نظراتهم السياسية ( و بعض الجماهير العاطلة تحمل أفكارا فوضوية ) ، و لذا يعجزون عن قيادة الحرب قيادة صحيحة . و هكذا ، فلا مفر ، فى هذا العصر الذى ظهرت فيه البروليتاريا على المسرح السياسي ، من أن تقع مسؤولية قيادة الحرب الثورية على كاهل الحزب الشيوعي الصيني . و لا بد لأية حرب ثورية فى هذا العصر أن تنتهى إلى الهزيمة ، إذا لم تجد قيادة البروليتاريا و الحزب الشيوعي أو خالفتها ..." ( المجلد الأول من " مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة "، صفحة 281، بكين ، الطبعة العربية ).

و فى السنة الموالية ، فى "مهمات الحزب الشيوعي الصيني فى مرحلة مقاومة اليابان " ، أكد :
" إن البرجوازية الصينية التى يمكن أن تساهم فى الكفاح ضد الإمبريالية و الإقطاعية فى ظروف تاريخية معينة ، تتذبذب و تصبح خائنة فى ظروف تاريخية أخرى نظرا لضعفها الإقتصادي و السياسي، و هذا قانون قد أثبته التاريخ الصيني . و هكذا فقد حكم التاريخ بأن ثورة الصين الديمقراطية البرجوازية ضد الإمبريالية و الإقطاعية هي مهمة لا يمكن تحقيقها بقيادة البرجوازية و إنما بقيادة البروليتاريا وحدها . و إضافة إلى ذلك فلا يمكن التغلب على ما يكمن فى طبيعة البرجوازية من تذبذب و عدم مثابرة على الثورة ، و لا يمكن تفادى إجهاض الثورة إلا إذا أطلق العنان، إلى أبعد الحدود ، لثبات البروليتاريا و مثابرتها فى مجرى الثورة الديمقراطية. و يبرز أمامنا هذا السؤال الآن : هل تتبع البروليتاريا البرجوازية أم تتبع البرجوازية البروليتاريا ؟ إن هذه القضية - قضية مسؤولية القيادة فى الثورة الصينية - هي النقطة الأساسية التى تحدد نجاح الثورة أو فشلها. "( مصدر سابق ، صفحة 399).

و يشدد ماو تسى تونغ على هذه النقطة الأساسية تقريبا فى كافة أعماله المكتوبة قبل إفتكاك السلطة غير أنه لم يكتف بشرح ضرورة قيادة بروليتارية عموما بل قام كذلك بتطوير هام لجدلية المناهج المختلفة المستعملة فى علاقة بسلوك البرجوازية غير المستقر و المتقلب . ففى مقاله " تقديم لمجلة الشيوعي "( 1939) ، قال إنه على حزب البروليتاريا أن يخوض نضالا حازما فى جبهتين حول قضية تشكيل الجبهة المتحدة مع البرجوازية :
" فيكافح من ناحية ضد الخطأ المتمثل فى تجاهل إمكانية إنضمام البرجوازية إلى النضال الثوري فى فترات معينة و إلى حدود معينة . و هذا الخطأ يتجلى فى إعتبار البرجوازية فى الصين مماثلة تماما للبرجوازية فى البلدان الرأسمالية الأخرى و من ثم تجاهل تشكيل الجبهة المتحدة معها و تجاهل المحافظة على هذه الجبهة قدر المستطاع ، و هذه هي نزعة الباب المغلق " اليسارية ". و من ناحية أخرى، يكافح ضد الخطأ المتمثل فى عدم التمييز بين البروليتاريا و البرجوازية من حيث البرنامج و السياسة و الإيديولوجية و التطبيق العملي و غيرها ، و فى تجاهل الفوارق المبدئية الموجودة فى تلك المجالات . و هذا الخطأ يتمثل فى تجاهل حقيقة أن البرجوازية ( و لا سيما البرجوازية الكبيرة ) لا تبذل كل ما فى وسعها لبسط نفوذها على البرجوازية الصغيرة و الفلاحين فحسب ، بل تبذل قصارى جهودها للتأثير على البروليتاريا و الحزب الشيوعي ، و تسعى سعيا حثيثا لكي تقضي على استقلالهما الإيديولوجي و السياسي والتنظيمي و تجعلهمنا ذيلا للبرجوازية و حزبها السياسي و لكي تستأثر زمرة البرجوازية بكل ثمار الثورة ، و يتمثل أيضا فى تجاهل حقيقة أن البرجوازية ( و لا سيما البرجوازية الكبيرة ) تخون الثورة كلما تعارضت الثورة مع المصالح الخاصة لزمرتها . " ( المجلد 2 ، صفحة 399-400 ).

ثم تحدث عن ضرورة إنتهاج سياسة تحالف و صراع مع البرجوازية و كتب :
" و الإتحاد هنا معناه تشكيل الجبهة المتحدة مع البرجوازية . و الصراع هنا معناه الصراع " السلمي " و "اللادموي " فى الميدان الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي أثناء الإتحاد مع البرجوازية ، و لكن حينما يضطر الحزب إلى فض الإتحاد معها سوف ينقلب هذا الصراع إلى نضال مسلح . فإذا لم يفهم حزبنا وجوب الإتحاد مع البرجوازية فى فترات معينة فلن يحقق تقدما و لن تحرز الثورة تطورا ، و إذا لم يفهم حزبنا وجوب شن صراع "سلمي " حازم جاد ضد البرجوازية أثناء الإتحاد معها ، فسوف يتحلل هو إيديولوجيا و سياسيا و تنظيميا و تفشل الثورة . و إذا لم يشن حزبنا نضالا مسلحا حازما جادا ضد البرجوازية عندما يضطر إلى فض الإتحاد معها ، فإن حزبنا بالمثل سوف يتحلل ، و إن الثورة سوف تفشل كذلك . " ( م2 ، ص 401) .

و تاليا ، قبل إنتصار الثورة الديمقراطية الجديدة ، إعتبر ماو تسى تونغ أن هيمنة البروليتاريا شرط ضروري لا فقط لإنتصار هذه المرحلة من الثورة و إنما أيضا و حتى أكثر لإنتصار المرحلة الإشتراكية . ورد فى " الثورة الصينية و الحزب الشيوعي الصيني " :
" إذا إستثنينا الحزب الشيوعي الصيني ، فلن نجد أي حزب سياسي آخر ( سواء أكان حزبا سياسيا للبرجوازية أم حزبا سياسيا للبرجوازية الصغيرة ) يستطيع النهوض بمهمة قيادة هاتين الثورتين العظيمتين ، ثورة الصين الديمقراطية و ثورة الصين الإشتراكية ، و إنجازهما بصورة كاملة . و لقد أخذ الحزب الشيوعي الصيني ، منذ اليوم الأول لتأسيسه ـ هذه المهمة المزدوجة على عاتقه ، و ناضل ، طوال ثمانية عشر عاما ، بجهد جهيد من أجل تحقيقها .
إن هذه المهمة مجيدة جدا ، و لكنها أيضا شاقة للغاية . و ليس فى الإمكان إنجازها بدون حزب شيوعي صيني متبلشف ، تنتشر فروعه فى جميع أنحاء البلاد و يتحلى بطابع جماهيري واسع ، حزب متوطد كليا فى الميادين الإيديولوجية و السياسية و التنظيمية . لذا ، فيجب على كل عضو من أعضاء الحزب الشيوعي أن يقوم بدور نشيط فى بناء مثل هذا الحزب الشيوعي . "
( م2، ص 457-458).

و غداة إفتكاك السلطة عبر البلاد بأسرها فى جوان 1949 ، حدّد ماو تسى تونغ بوضوح نوع السلطة التى ينبغى تركيزها خلال الثورة الديمقراطية الشعبية و فى نفس الوقت مواصلة و ضمان قيادة البروليتاريا لسلطة الدولة تلك . فى مؤلفه " حول الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية " قال :
" إن الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية تقوم على تحالف الطبقة العاملة و طبقة الفلاحين و طبقة البرجوازية الصغيرة فى المدن ، و بصورة رئيسية تقوم على تحالف العمال و الفلاحين ، لأن هاتين الطبقتين تؤلفان 80 إلى 90 بالمائة من مجموع سكان الصين . إنهما القوة الرئيسية فى الإطاحة بالإمبريالية و زمرة الكومنتانغ الرجعية ، كما أن الإنتقال من الديمقراطية الجديدة إلى الإشتراكية يتوقف أساسا على تحالفهما .
إن الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية تتطلب قيادة الطبقة العاملة ، لأنها هي الطبقة الوحيدة النافذة البصيرة ، و أكثر الطبقات إنكارا للذات ، كما أنها أكثر الطبقات حزما فى الثورة . و يبرهن تاريخ الثورات بأكمله على أن الثورة تفشل إذا كانت بدون قيادة الطبقة العاملة و أنها تنتصر إذا قادتها هذه الطبقة . و فى عصر الإمبريالية ، لا يمكن لأية طبقة أخرى ، فى أي بلد كان ، أن تقود ثورة حقيقية إلى النصر . و الدليل على ذلك أن الثورات العديدة التى قادتها البرجوازية الصغيرة و البرجوازية الوطنية فى الصين فشلت جميعا . " ( المجلد 4 من "مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة " ، صفحة 532-533، الطبعة العربية ).

و بالضبط إثر هذا يشرح ماو تسى تونغ لماذا من الضروري ، خلال مرحلة معينة فى الصين ، الإبقاء على تحالف مع البرجوازية الوطنية تحت هيمنة البروليتاريا .
" إن للبرجوازية الوطنية أهمية كبيرة فى المرحلة الراهنة . فالإمبريالية ما زالت تقف فى وجهنا ، وهي عدو شرس جدا . إن الصناعة الحديثة فى الصين ما زالت تشكل قسطا ضئيلا جدا فى مجمل الإقتصاد الوطني . لا تتوفر الآن إحصائيات دقيقة، و لكن يستفاد من بعض المعطيات أن قيمة إنتاج الصناعة الحديثة قبل حرب المقاومة ضد اليابان لم تكن تشكل فى كل الإقتصاد الوطني سوى 10 بالمائة تقريبا من قيمة الإنتاج الإجمالية . و لمواجهة الإضطهاد الإمبريالي و رفع الإقتصاد المتأخر إلى مستوى أعلى ، ينبغى للصين أن تفيد من رأسمالية المدن و الريف بإستخدام جميع عواملها المفيدة و غير الضارة للإقتصاد الوطني و حياة الشعب ، ينبغى لنا أن نتحد مع البرجوازية الوطنية لأجل النضال المشترك. إن سياستنا الراهنة تقوم فى تحديد الرأسمالية و ليس فى إزالتها. و لكن البرجوازية الوطنية لا يمكنها أن تلعب الدور القيادي فى الثورة، و ينبغى ألا تشغل مركز السيطرة فى سلطة الدولة ، و سبب ذلك هو ضعفها الذى يحدده وضعها الإجتماعي و الإقتصادي ، فتفتقر إلى التبصر و الشجاعة الضرورية ، و فوق ذلك ، يخشى عدد كبير من أفرادها الجماهير الشعبية . "( م س ، ص 533) .

و عقب إفتكاك سلطة الدولة ، فى كل خطوة من الطريق ، أكّد ماو تسى تونغ و أعاد التأكيد على الدور القيادي للبروليتاريا لا سيما خلال السنوات التى شهدت الإسراع فى الإنتقال إلى الإشتراكية على الصعيد الإقتصادي كافة . و فى 1953 ، فى " نقد أفكار ليانغ شومينغ الرجعية " أعلن :
" نتمسك بصلابة بمبدأ ضرورة أن تمارس البروليتاريا قيادتها فى كل شيئ ( على العمال و الفلاحين و الصناعيين و التجار و مختلف القوميات و الأحزاب الديمقراطية و التنظيمات الشعبية و كذلك الصناعة و الفلاحة و الشؤون السياسية و العسكرية ، بإختصار على كل شيئ ). و فضلا عن ذلك نمارس الوحدة و الصراع . إذا كان هنالك من يريد أن يتعرف على نوايانا ، حسنا ، هذه واحدة منها وهي جوهرية . أليست هذه مسألة ذات بال ؟ " ( المجلد 5 من "مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة" ، الطبعة الفرنسية ، صفحة 138 ) .

و تتحول السيطرة القيادية تدريجيا إلى دكتاتورية البروليتاريا مع تقدم البلاد بإتجاه الإشتراكية و معارضة البرجوازية لذلك. فى " حول العشر علاقات الكبرى " المكتوب فى 1956 عندما كان ماو تسى تونغ يدافع عن الإبقاء على وجود بعض الأحزاب التى تمثّل قطاعات من البرجوازية الوطنية كطريقة لجرها نحو التعاون و تعرية معارضتها للإشتراكية ، أعلن بصراحة :
" لكن حاليا ، الحزب البروليتاري و دكتاتورية البروليتاريا ضروريين مطلق الضرورة و ينبغى مواصلة تعزيزهما . و إذا لم نفعل ذلك لن نتمكن من قمع المعادين للثورة و مقاومة الإمبريالية و بناء الإشتراكية و لن نتمكن من توطيدها حين نكون قد قمنا ببنائها . إن نظرية لينين بصدد الحزب البروليتاري و دكتاتورية البروليتاريا لم " يتقادما" كما يدعى البعض . و هذه الدكتاتورية لا يمكن تكريسها دون فرض القسر " ( م 5 ،ص 321) .

و فى السنة ذاتها ، فى خطاب فى الدورة العامة الثانية للجنة المركزية الثامنة ، اشار ماو تسى تونغ إلى أن "أجهزة دولتنا هي أجهزة دكتاتورية البروليتاريا " ( م 5 ، ص 366 ).

و هكذا نلمس أن خط ماو تسى تونغ فيما يتصل بالبرجوازية الوطنية خطا ماديا جدليا عميقا هدفه أن يعالج بحكمة التناقض الذى ينجم عن التقدم فى الطريق الإشتراكي فى بلد متخلف مثل الصين ببقاياه الإقطاعية الوطيدة .و من جهة تتم الإستفادة من الوجود المستمر للبرجوازية الوطنية كأمر ضروري من أجل تطوير قوى الإنتاج التى لم تكن الدولة قادرة فورا على مسكها بأيديها و من جهة أخرى، يتم تقييد تطور البرجوازية بدمج مؤسساتها فى قطاع الدولة خطوة خطوة فى شكل مؤسسات تابعة لها و يتم بإصرارالصراع ضد أفكارها و ممارساتها الرجعية. و كان هذا الخط يؤدى إلى الإنتصار التام لولا تدخل البرجوازية البيروقراطية الجديدة التى ظهرت داخل الحزب و الدولة و التى إلى حدود كبيرة عرقلت هذه السيرورة . و من هنا كشفت بصراحة عن مخططاتها لتركيز رأسمالية الدولة.

نقطة إنطلاق ماو تسى تونغ كانت إعتبار أن التناقض الرئيسي فى الصين ، بعد إنتصار ثورة الديمقراطية الجديدة هو التناقض بين البروليتاريا و البرجوازية و هذا التناقض فى جوهره تناقض عدائي . ففى مارس 1949 فى تقريرإلى الدورة العامة الثانية للجنة المركزية، فى معارضة لصياغة ليوتشاوتشى أن التناقض الرئيسي كان بين النظام الإشتراكي المتقدم و قوى الإنتاج المتأخرة " كتب ماو:
" و بعد إنتصار الثورة الصينية على نطاق البلاد و حل مشكلة الأرض ، سيبقى فى الصين تناقضان أساسيان . الأول داخلي وهو التناقض بين الطبقة العاملة و البرجوازية . و الثاني خارجي وهو التناقض بين الصين و الدول الإمبريالية ."
( المجلد4 ، الطبعة العربية ، صفحة 468 ) .

و شدد على هذا فى العديد من أعماله اللاحقة على غرار " حول المعالجة الصحيحة للتناقضات فى صلب الشعب " و ما إنفك يؤكد الطبيعة العدائية لهذا التناقض . بيد أنه حتى للطابع الرئيسي للتناقض مظهران . فللتناقض العدائي طابع غير عدائي أيضا و فى ظروف معينة يمكن معالجته و حتى حله بطرق غير عدائية ذلك أن أية خاصية للتناقض ( فى هذه الحال عدائية ) يمكنها أن تنقلب إلى ضدها . إمكانية التحول هذه بالضبط ، فى ظروف صراع مناهض للإمبريالية و الإقطاعية فى بلد متخلف ، هي التى خولت تكوين جبهة موحدة مع بعض القطاعات من البرجوازية التى لها تناقض مع البروليتاريا أقل عمقا من تناقضها مع الإمبريالية أو البرجوازية الكمبرادورية . و فضلا عن ذلك تسمح هذه الخاصية حين تستخدم طرقا صحيحة بإمكانية أن تتمكن البروليتاريا ، فى بلد أنجز ثورة مناهضة للإمبريالية و الإقطاعية و البرجوازية الكمبرادورية ، من معالجة تناقضاتها مع البرجوازية الوطنية أو جزء منها بطرق غير عدائية لمدة معينة و فى ظروف معينة.

و هذه الإمكانية فى تحويل طابع تناقض إلى نقيضه السائد ، من طابع عدائي إلى طابع غير عدائي ، رغم تطويرها و تطبيقها بحكمة من قبل ماو تسى تونغ ( دون أن يجعل بأية حال من الأحوال هذه الجدلية مجرد نفي الأضداد ) قد سبق و أن مارسها مؤسسو الماركسية و لينين ذاته. و فعلا ، فى مؤلفه " "علم المنطق" لهيغل " قال :
" إن الديالكتيك هو النظرية التى تدرس كيف يمكن لضدين أن يكونا متحدين ، و كيف يصيران متحدين ( يتبدلان فيصيران متحدين ) - فى أية ظروف يكونان متحدين ، و يتحول أحدهما إلى نقيضه - و لماذا ينبغى للفكر الإنساني ألا ينظر إلى هذين الضدين كشيئين ميتين جامدين ، بل كشيئين حيين مشروطين قابلين للتبدل و لتحول أحدهما إلى نقيضه ." ( و ذكره ماو تسى تونغ فى " فى التناقض " ، المجلد1 ، صفحة 489) . و إنطلاقا من نظرة مادية و جدلية يشير لينين إلى أن إمكانية التحول مرتبطة بالظروف الملموسة ، و ليست مطلقة و لا مجردة و ميتافيزيقية.

و فى مقاله " بصدد كراس يونيوس " بيّن لينين أنه :
" غني عن القول إن الحكم الأساسي فى الديالكتيك الماركسي يتلخص فى كون جميع الحدود فى الطبيعة و فى المجتمع هي إصطلاحية و متحركة ، و إنه ما من ظاهرة لا تستطيع أن تنقلب إلى ضدها إذا توفرت الظروف لذلك." ( لينين" المختارات فى 10 مجلدات" ، المجلد 6 ، صفحة 71، دار التقدم موسكو ، الطبعة العربية ) . و نبّه إثر ذلك إلى أن هذا مرتبط بظروف ملموسة فلا يجب أن نسقط فى السفسطة بإسم الديالكتيك. و مثال ذلك تفنيد لينين لكاوتسكي الذى صاغ "الطريق السلمي للإشتراكية " مستشهدا بإشارة ماركس و إنجلز إلى مثل هذه الإمكانية فى أنجلترا و فى الولايات المتحدة و لينين لم يفند تلك الإمكانية ( التى تعنى معالجة تناقض عدائي بشكل غير عدائي ) فى المطلق بل دلّل بالأحرى على الظروف الملموسة التى أدت بهم إلى إعتبار تلك الإمكانية حينها ، وهي ظروف كفت تماما عن الوجود لما إستشهد بها كاوتسكى.و من جهة أخرى ، قاد نفس الفكر المادي الجدلي لينين ، على الرغم من التناقض العدائي بين البروليتاريا و البرجوازية فى روسيا فى ظل الظروف الملموسة التى أوجدتها فى سبتمبر 1917 القوة الكبيرة للبروليتاريا و للتحضيرات للإنتفاضة ، قاده إلى التفكير فى الإمكانية الخاصة و الآنية لمعالجة التناقض العدائي لإفتكاك السلطة بطريقة سلمية ، دون إنتفاضة ، مثلما شرح فى مقاله " مهام الثورة " .
و إنجلز ذاته ، من جهته ، دعى إلى الإنتباه إلى أنه فى حين ألأن التناقض العدائي بين البرجوازية و نبلاء الإقطاع عولج بفرنسا عبر ثورة عنيفة ، فإنه فى إنجلترا من جهة أخرى ،" سنة 1869 ، أدت الثورة إلى تقريبا إتفاق بين جزء من النبلاء و البرجوازية " .
و على هذا الأساس ، كانت رؤية ماوتسى تونغ لمعالجة التناقض بين البروليتاريا و البرجوازية الوطنية بطريقة غير عدائية فى ظل أولا ظروف الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية بقيادة البروليتاريا و ثم فى ظل دكتاتورية البروليتاريا ، كانت رؤية صحيحة للواقع الملموس للصين حتى حين كان التناقض بين البروليتاريا و البرجوازية الوطنية هو تناقض عدائي . زيادة على ذلك ، لأجل الحصول على إنتاج رأسمالي بينما يتم تعزيز القطاع الإشتراكي فى الإقتصاد و لم يكن هنالك من طريق آخر سوى القيام بأقصى الجهود للإستمرار على مثل هذا الحل الذى هو طبعا ، لا يتوقف فقط على البرولبيتاريا و لكن أيضا على سلوك البرجوازية . لقد ناضل ماو تسى تونغ فى سبيل الحفاظ على هذه العلاقة مع البرجوازية دون التخلى عن القضاء على الرأسمالية تدريجيا ، و عن النضال ضد جميع الجهود الرجعية للبرجوازية .

ذات قيمة لا حدود لها هي الدروس التى يمكن إستخلاصها من سياسة الوحدة و الصراع هذه مع البرجوازية الوطنية ، خاصة بالنسبة للبلدان التى يتعين عليها أن تمر بمرحلة الثورة الديمقراطية الجديدة و لا ينبغى أن نضع هذه الدروس جانبا ما آلت إليه مؤقتا الثورة الصينية بفعل الممارسات الخيانية و الرجعية لنوع آخر من البرجوازية الذى نشأ و تطور صلب الحزب الشيوعي و الدولة الصينيين . و علينا أن نأخذ بعين أنه كان على الثوريين الصينيين أن يناضلوا ضد بقايا القوى الرجعية المطاح بها عبر الثورة الديمقراطية الجديدة ( البرجوازية الكمبرادورية و الإقطاعيون) . و ضد البرجوازية الوطنية و النوع الجديد من البرجوازية التى ظهرت داخل الإقتصاد الإشتراكي ذاته .

إثر إنتصار الثورة الديمقراطية الجديدة سنة 1949 ، صاغت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسى تونغ مخططا ل18 سنة للقيام بالتحويل الإشتراكي فى المدن و فى الريف . و بيّن ماو تسى تونغ فى "حول قضية التعاونيات الفلاحية " فى جويلية 1955 أن اللجنة المركزية " تتوقع أن يحقق فى الأساس التعاونيات الفلاحية فى ثمانية عشر سنة . خصصنا فترة ممتدة على أكثر من ثلاث سنوات ، من تأسيس جمهورية الصين الشعبية فى أكتوبر 1949 إلى نهاية سنة 1952 ، إلى النهوض بإقتصادنا . فى ميدان الفلاحة ، إليكم ما أنجزناه خلال هذه الفترة : فإضافة إلى كوننا أنهينا الإصلاح الزراعي و ركزنا الإنتاج ، فى جميع المناطق المحررة سابقا، وسعنا بشكل كبير تنظيم مجموعات التعاون و شرعنا فى إيجاد تعاونيات نصف إشتراكية مما خوّل لنا تحصيل بعض التجربة . ثم أتى المخطط الخماسي الأول فى 1953 . و الآن منذ ثلاث سنوات تقريبا يستمر تحقيقه و حركتنا التعاونية تمتد إلى البلاد بأسرها فإغتنت تجربتنا . بين تأسيس جمهورية الصين الشعبية و إنهاء المخطط الخماسي الثالث تكون مرت 18 سنة فى الجملة . و خلال هذه الفترة ، نقترح أن نحقق بالأساس التحويل الإشتراكي للفلاحة إلى جانب التصنيع الإشتراكي و التحويل الإشتراكي للصناعات التقليدية و كذلك الصناعة و التجارة الرأسماليين . هل هذا ممكن ؟ تعلمنا التجربة السوفياتية أن هذا ممكن تماما . ففى الإتحاد السوفياتي إنتهت الحرب الأهلية فى 1920. و أنجزت التعاونيات الفلاحية فى 17 سنة ، من 1921 إلى 1937 لكن الجوهري فى هذه المهمة أنجز فى ست سنوات ، من 1929 إلى 1934 . " ( صفحة 212 من المجلد الخامس من "المؤلفات المختارة لماو تسى تونغ " ، الطبعة الفرنسية ) .

بيد أن ماو ، فى نهاية 1955 ، ملخصا تطور التعاونيات فى الريف يستخلص أنها تجاوزت بصفة واسعة الحسابات السابقة فقرّر الإسراع فى كافة سيرورة مشركة البلاد .
فى عمله " مقدمات للنهوض الإشتراكي فى ريف الصين " قال :
" فى تقريري المؤرخ فى 31 جويلية 1955 المخصص للتعاونيات الفلاحية ، أشرت إلى أن 16.900.000 عائلة فلاحية تجمعت فى تعاونيات . و هكذا ، فى غضون بضعة أشهر ، إزداد العدد بأكثر من خمسين مليون عائلة . و هذا حدث خارق للعادة . و هذا يدلل على أن سنة واحدة -1956 - تكفى لتتم عمليا التعاونيات نصف الإشتراكية فى فلاحتنا. و بعد ثلاثة أو أربعة سنوات ( يعنى فى 1959 أو 1960 ) نكون قد أتممنا بالأساس تحويل التعاونيات من نوع نصف إشتراكية إلى تعاونيات إشتراكية كليا . و بالإضافة إلى ذلك يدلل على أنه للإستجابة إلى حاجيات التطور الفلاحي ، علينا أن نعمل من أجل إنهاء التحويل الإشتراكي فى الصين للصناعات التقليدية و كذلك للصناعة و التجارة الرأسماليين قبل التاريخ المتوقع .

و راكم ماو تسى تونغ تجارب جماهير الفلاحين فى الحركة التعاونية و لخصها ،و فى أواخر 1955 أعدّ كتبا يشمل أكثر من مائة ملاحظة ملخصا التقارير عن مختلف المناطق الريفية ( و المجلد الخامس لا يحتوى منها إلا على 43 فحسب ) .
و قد برزت بجلاء من قبل المعارضة الشرسة التى أبدتها العناصر الإنتهازية داخل الحزب الشيوعي الصيني مستخدمة ذرائع " ثورية " لإيقاف حركة المشركة فى الريف و حتى لحل العديد من التعاونيات. و سابقا فى 1953 وجد ماو تسى تونغ نفسه مضطرا للمطالبة بأنه " لا يمكن إرسال الوثائق و التلغرافات بإسم اللجنة المركزية إلا بعد أن أطلع عليها و إلا فهي غير صالحة " لأن ليوتشاوتشى و اتباعه الذين عارضوا إنتشار الحركة التعاونية ، أصدروا أوامر من وراء ظهر ماو تسى تونغ لإيقاف تلك الحركة و أمروا بحل التعاونيات. و أعدت البرجوازية الوطنية نفسها فى إطار تحالف مع البرجوازية الجديدة التى ولدت و ظهرت داخل الحزب الشيوعي ذاته و قد زودها بالطاقة بخاصة صعود خروتشاف و شركائه إلى السلطة فى الإتحاد السوفياتي ، و الذين لهم معه بالتأكيد روابط سرية منذ زمن طويل . و كانت البرجوازية الوطنية قد تلقت ضربة شديدة فى نهاية 1951 من خلال الحملة الشعبية التى أجريت فى المؤسسات الرأسمالية ضد الفساد و التهرب من الضرائب و إختلاس أملاك الدولة و التلاعب بعقود الحكومة و سرقة المعلومات الإقتصادية . و تلقت البرجوازية الجديدة التى كانت من جانبها تعمل على توطيد ذاتها صفعة بفعل الحملة المضادة للفساد و التبذير و البيروقراطية .

و فى أكتوبر 1955 ، دعا ماو تسى تونغ لإجتماع مع اللجنة التنفيذية للجامعة الوطنية للصناعة و التجارة و فى نوفمبر من السنة عينها ، أكّد :
" ستساعدنا التعاونيات الفلاحية على إحكام تحالفنا مع الفلاحين على أساس الإشتراكية البروليتارية و ليس على أساس الديمقراطية البرجوازية مما سيعزل البرجوازية مرة واحدة و سيسهل القضاء النهائي على الرأسمالية . و فى هذا الأمر لا نرحم بالمرة ! فى هذا الأمر الماركسية قاسية بالفعل لأنها حدّدت هدفها إستئصال الإمبريالية و الإقطاعية و الرأسمالية و الإنتاج الصغير إستئصالا من الجذور . بهذا الصدد من الأفضل ألا نكون رحيمين . إن بعض رفاقنا طيبون للغاية و لا يملكون صلابة كافية بمعنى أنهم ليسوا ماركسيين كما ينبغى . إنه لأمر جيد و ذو مغزى أيضا أن نقضي على البرجوازية و الراسمالية فى الصين وهي بلد يعد 600 مليون نسمة و غايتنا هي القضاء على الرأسمالية و سحقها سحقا من على وجه الأرض و جعلها شيئا من الماضى . "

و عن الدورة العامة السابعة للجنة المركزية السابعة ، صدر قرارالتحويل الشامل للصناعة و التجارة إلى مؤسسات متعاونة مع الدولة قاضية على المؤسسات الخاصة. و بين جانفى 1956 و نهاية تلك السنة ، حولت جميع فروع ال112 ألف مؤسسة صناعية خاصة و 400 ألف مؤسسة تجارية و بالتالى كان الرأسماليون يتحصلون على ربح يقدر ب5بالمائة من قيمة ملكيتهم المنزوعة من طرف الدولة إلآ أنه جرى القضاء على هذا الربح كليا مع الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى فى سنة 1966.

و على الرغم من موجات الضربات الكبرى الموجهة ضد البرجوازية فى قاعدتها الإقتصادية ، تواصل الصراع الطبقي معها . فى سنة 1957 ، فى مؤلفه " حول المعالجة الصحيحة للتناقضات فى صلب الشعب "، بيّن ماو تسى تونغ أن الصراع الطبقي بين البروليبتاريا و البرجوازية ، و الصراع الطبقي بين مختلف القوى السياسية و الصراع الطبقي بين البروليتاريا و البرجوازية فى المجال الإيديولوجي سيكون محتدما و معقدا و أحيانا حتى حادا . فالبروليتاريا تبحث عن تحويل العالم وفق نظرتها هي للعالم و كذلك تبحث البرجوازية عن تحويل العالم وفق نظرتها هي . و فى هذا الصدد لم تحسم بعد مسألة من سينتصر الإشتراكية أم الرأسمالية . ( المجلد 5 ، صفحة 444 ، الطبعة الفرنسية )

و يضع ماو تسى تونغ طريقة مزدوجة فى تطوير الصراع فى المجال الإيديولوجي و تخص طريقة التعاطي مع المعادين للثورة المطاح بهم عبر الثورة الديمقراطية الجديدة و تخص الأخرى التفكير الخاطئ لدى المثقفين و البرجوازية الصغيرة و البرجوازية الوطنية .

" حين يتعلق الأمر بالمعادين للثورة الصرحاء و بالعناصر التى تخرب قضية الإشتراكية ، المسألة سهلة الحل : نحرمهم ببساطة من حرية التعبير . و لكن حين يتعلق الأمر بالأفكار الخاطئة الموجودة فى صلب الشعب ، فإنها قضية أخرى. هل يمكن أن نلغي هذه الأفكار و ألا ندع لها و لا إمكانية للتعبير عن نفسها ؟ بالطبع هذا غير ممكن . لن يكون الأمر غير ذى فعالية بل أيضا مضر للغاية لو إتبعنا طرقا تبسيطية لمعالجة القضايا الإيديولوجية فى صلب الشعب ، قضايا تتصل بالعالم الذهني للإنسان . يمكن أن نمنع التعبير عن الأفكار الخاطئة ، و مع ذلك ستظل موجودة هنا . و الأفكار الصحيحة إذا نشأت فى بيوت مكيفة و لم تتعرض للريح و المطر ،إذا لم تلقح ، لن تستطيع التغلب على الأفكار الخاطئة عندما تواجهها . و هكذا فقط عبر طريقة النقاش و النقد و المحاججة يمكننا فعلا تطوير الأفكار الصحيحة و القضاء على الأفكار الخاطئة و معالجة المشاكل .

و بالتأكيد ستجد الأفكار البرجوازية و الأفكار البرجوازية الصغيرة طريقة للتعبير عن نفسهما . و مما لا شك فيه أن هاتان الطبقتان ستجتهدان لفرض نفسيهما بكافة الوسائل الممكنة فى المسائل السياسية و الإيديولوجية . لا يمكن إلا أن يكون الأمر على هذا النحو. لا ينبغى أن نلتجأ إلى الطرق القسرية لمنعها من التعبير ، ينبغى أن نسمح لها بذلك و فى نفس الوقت يتعين أن نخوض نقاشا معها و ننقد أفكارها بطريقة مناسبة . و لا ريب أنه علينا أن نخضع للنقد جميع أنواع الأفكار الخاطئة . و يقينا نخطأ أن لا ننقد الأفكار الخاطئة و أن ندعها تنتشر بسلام و تتمكن من الأذهان - علينا نقد كل خطإ و مقاتلة كل عشبة سامة." (المجلد5، صفحة 446) و ذلك لتعويد جماهير الشعب بقيادة الحزب على النضال ضد تأثير إيديولوجيا البرجوازية و البرجوازية الصغيرة .

" تهدف سياسة " لتتفتح مائة زهرة لتتنافس مائة مدرسة " إلى تشجيع تطور الفن و تقدم العلم و كذلك إزدهار الثقافة الإشتراكية فى بلادنا فى ميادين الفن و مختلف الأشكال والأساليب ينبغى أن تتطور بحرية . فى تقديرنا ، سيكون ضارا لتطور الفن و العلم اللجوء إلى الإجراءات الإدارية لفرض هذا الأسلوب أو هذه المدرسة و منع أسلوب آخر أو مدرسة أخرى .الصحيح و الخاطئ فى الفن و العلم مسألة يجب معالجتها عبر النقاش الحر فى الأوساط الفنية و العلمية ، عبر ممارسة الفن و العلم و ليس عبر الطرق التبسيطية ".( المجلد 5 ، صفحة 443) .

وفى الشهر الموالي ، فى خطاب له فى الندوة الوطنية للحزب الشيوعي الصيني حول العمل الدعائي أضاف :
" تتطور الحقيقة فى صراعها ضد الخطإ . و هذا ينطبق على الماركسية . ففى خضم الصراع ضد الإيديولوجيا البرجوازية و البرجوازية الصغيرة تطورت و لا يمكنها التطور إلاّ فى هذا الخضم " ( المجلد 5 ، صفحة 470) .

و من هنا نستشف أن سياسة إرساء حوار واسع فى صفوف الشعب إلى جانب سياسة النقاش و النقد و النقد الذاتي داخل الحزب للنضال ضد الأفكار الخاطئة واحدة من أهم إضافات ماو تسى تونغ ذات المغزى العظيم بالنسبة لبناء الإشتراكية و إيجاد الظروف التى تخول المرور إلى الشيوعية فالمسألة جوهريا هي مسألة جماهير الشعب الواسعة الصانعة للتاريخ بقيادة الحزب و الماركسية حيث تتدرب و تحرر نفسها عبر النقاش والتمييز الواعي بين الصحيح و الخطإ وبين التقدمي و الرجعي . ومهمة الحزب البروليتاري هي إيجاد الظروف التى تخول للطبقة العاملة و الجماهير أن تعي و تأخذ على عاتقها كافة المسائل الإيديولوجية و السياسية فيجعل الحزب نفسه غير ضروري كحزب قيادي و تضمحل الدولة . و حتى نبلغ الأهداف التى رسمها فى البداية مؤسسو الماركسية يلزم القضاء على تقسيم العمل و الفوارق بين العمل اليدوي و العمل الفكري و بين المدينة و الريف و الفوارق بين الحزب القيادي و الجماهير . و من المستحيل التقدم فى هذا الإتجاه إن تعامل الحزب القيادي تعاملا أبويا و أملى على الجماهير ما هو صحيح و ما هو خاطئ و ما هو تقدمي و ما هو رجعي . لا يمكن للحزب ، لقطاع طليعي أن يحتكر الوعي و التفكير و يحل محل الجماهير لأن ذلك لن يفعل سوى تأبيد الحاجة إليه .

و على العكس من ذلك ، يجب على الحزب أن يوجد الظروف لتفكر الجماهير لذاتها بمواجهة الأفكار الخاطئة و لتفكر بصيغة جيدة ، بتوجيه النقاش و إقناعها بالأفكار الصحيحة و بتفوق الماركسية مقارنة مع الإيديولوجيات المناقضة لها .
... فى البلدان الرأسمالية و غيرها ، بشأن القيادات النقابية ، يمكننا قول إنه ثمة قادة يمارسون بطريقة صحيحة فيقدمون معرفتهم بحرية إلى الجماهير معلمين إياها أن تفكر لذاتها و أن تعري كل مؤامرات المستغِلين و تنظم صفوفها و تأخذ المبادرة لكي تتجنب الشلل و عدم القدرة على التحرك إن سقط هؤلاء القادة فى النضال . و إجمالا يقومون بدور قيادي مجتهدين فى جعل أنفسهم فى كل مرة أقل ضرورة و مساعدين الجماهير على تحرير نفسها . و من جهة أخرى ثمة قادة من أجل تأبيد مواقعهم ، يحولون معارفهم إلى ملكية خاصة باذلين قصارى جهدهم ليجعلوا من أنفسهم ضروريين على الدوام و لا يفعلوا أي شيئ لتشجيع مبادرة الجماهير و قدرتها على تحرير نفسها .

و الشيئ نفسه يمكن أن يحدث مع حزب شيوعي فى السلطة أو مع قادة معينين داخل الحزب . و تمسى هذه السياسة الأبوية خطيرة جديا إذا ما إنحرف قادة الحزب أو الحزب نفسه عن الخط الثوري و لم تتمرس البروليتاريا و لم يتمرس الشعب على التمييز بين الصحيح و الخاطئ و بين التقدمي و الرجعي عبر المشاركة النشيطة فى الصراع الإيديولوجي . و إن إرساء خط تحريفي فى البلدان التى سبق و أن إفتكت فيها البروليتاريا السلطة لدليل على ذلك .

5 / الصراع ضد التحريفية الصينية :

من الطبيعي أن الشرط الضروري لتربية الجماهير على هذا الجدال الإيديولوجي هو وجود حزب شيوعي صلب ، مسلح بالماركسية-اللينينية . فدون طليعة تقنع الجماهير و توجهها خلال الصراع ضد الأفكار الخاطئة أو الرجعية ، يوجد خطر أن تنتصر هذه الأفكار الأخيرة و فى الصين ، كانت الطريقة الصحيحة للجدال التى رسمها ماو تسى تونغ و الماركسيون -اللينينيون الصينيون فى طريقها إلى النجاح فى صفوف الشعب لولا مسك التحريفيين بمواقع هامة فى الحزب الشيوعي الصيني .

لم يع ماو تسى تونغ المدى الحقيقي لهذه القوة التحريفية إلى حين تفجر الصراع ضد التحريفية السوفياتية . و يمكن أن يوجه له نقد جدي لأنه لم يتفطن لذلك غير أنه من الواضح أن لا لينين و لا ستالين تنبآ بمدى قوة التحريفية الناشئة فى صفوف الحزب الشيوعي ذاته و التى تهدف إلى تركيز نظام إستغلالي جديد فى شكل رأسمالية الدولة . و يعدّ التطور الإقتصادي الإشتراكي و مركزته بأيدى الدولة و إمكانية التخطيط له ، تعد قاعدة إقتصادية شديدة القوة يستخدمها التيار التحريفي كوسائل لإستغلال الشعب و إضطهاده عبر رأسمالية الدولة . مقارنة بجهود البرجوازية المطاح بها من أجل إعادة تركيز سلطتها و بولادة برجوازية من صلب الملاكين الصغار فإن خطر البرجوازية الجديدة خطر أكبر بكثير .

لقد توقع إنجلز هذا الخطر و فى مقدمته لكتاب ماركس " الحرب الأهلية فى فرنسا " نادى بتعزيز دكتاتورية البروليتاريا بعد الإستيلاء على السلطة لمنع " تحويل الدولة و أجهزتها من خادمة للمجتمع إلى سيدة عليه " و لتبقى "حاجزا فعليا دون التفتيش عن المذاهب و الوصولية " .

و لينين بدوره فى " تقرير عن برنامج الحزب " للمؤتمر الثامن ، حذّر من أن :
" البيروقراطيين القيصريين أخذوا ينتقلون شيئا فشيئا إلى المؤسسات السوفيتية ، حيث ينشرون الروح البيروقراطية ، و هم يتظاهرون بأنهم شيوعيون ، و هم يستحصلون على بطاقات عضوية الحزب الشيوعي فى روسيا لكي يؤمنوا نجاحا أكبر فى الترقى . و هكذا يعودون من الشباك بعد أن طردوا من الباب ." ( صفحة 481 من "المختارات فى 10 أجزاء " المجلد 8 ، دار التقدم ، الطبعة العربية ) .


لكن ما من قائد توقع مدى المشكلة التى لم تعد مشكلة تسلل أعداء للحزب و للدولة بل مشكلة فساد العناصر التى كانت فى الماضى ثورية و التى إعتادت على إمتيازات توفرها لها مواقعها فى السلطة و شرعت فى العمل على توطيد إمتيازاتها و توسيعها على حساب الشعب .

و حاليا ، رغم عدم توصل هذه الصراعات الإيديولوجية و السياسية العظيمة التى شجعها ماو تسى تونغ على النطاق الجماهيري إلى تحطيم أعداء الثورة الذين تسربوا إلى الحزب و الذين نشأوا فى صفوفه و فى أجهزة الدولة الصينية ، فمن مآثرها أنها أجبرت التحريفيين على إماطة اللثام و كشف كافة جوانبهم الرجعية .

و مثلما مرّ بنا وجد ماو تسى تونغ و الماركسيون - اللينينيون الصينيون أنفسهم يواجهون فضلا عن الرجعيين المطاح بهم بفضل الثورة و البرجوازية الوطنية ،التيار التحريفي المنافق الذى كان يخفى أغراضه الدنيئة و الذى كان يسيطر على مواقع هامة فى الحزب و الدولة . و لم يأخذ ماو تسى تونغ حذره من هذا و لم يتوقع الأبعاد الحقيقية ، إلا عندما طفقت تتعرى وجوه التحريفيين الذين سيطروا على الحزب الشيوعي السوفياتي و سلطة الدولة فى الإتحاد السوفياتي ، بعد 1956. و فوق ذلك ، لم تكن المشكلة التى إعترضته حالة صينية منعزلة بقدر ما كانت ظاهرة تحريفية عالمية حقيقية عناصرها متشابكة و متعاونة مثلما سنرى تاليا .

فى البداية صار ممثلو البرجوازية الجديدة معروفين فى الحزب من خلال رؤاهم الرجعية رغم أنهم كانوا يختفون وراء تعليلات كانوا يدعون بها الدفاع عن الثورة . و نجح جلهم فى إخفاء عملهم التكتلي السري لمدة طويلة من الزمن . غايتهم عامة هي التسلل إلى الحزب و أجهزة الحكم و إفسادها و معارضة تطور الإشتراكية فى المدن و فى الأرياف حتى يكرسوا مخططاتهم الخاصة فى إعادة تركيز الرأسمالية و التفتيش عن حلفاء ضمن البرجوازية الوطنية و حتى ضمن رجعيين آخرين أسوأ .

و مثلما أشرنا كان هنالك ، إثر إنتصار الثورة الصينية فى 1949 إختلاف عميق بين ماو تسى تونغ و ليوتشاوتشى ،أحد أهم زعماء التحريفيين [ لقّب لاحقا بخروتشاف الصين ] فيما يتصل بالتناقض الرئيسي بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية . يؤكد ماو تسى تونغ فى ملاحظة مرسلة إلى خلايا الحزب فى 1952 يفند فيها رأي رئيس قسم العمل الجبهوي الموحد التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني و الذى قدم البرجوازية الوطنية على أنها طبقة وسطى ، يؤكد على أن : " إثر الإطاحة بطبقة الإقطاعيين و البرجوازية البيروقراطية ، صار التناقض بين الطبقة العاملة و البرجوازية الوطنية هو التناقض الرئيسي فى الصين .. ." ( مجلد 5، صفحة 80) .

و بعدما صاغ هذا التأكيد فى أكتوبر 1957 ، وجد نفسه مضطرا إلى إعادة صياغته ونقد كون المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الصيني قدم التناقض الرئيسي على أنه تناقض بين "النظام الإشتراكي المتقدم و قوى الإنتاج الإجتماعية المتخلفة." وشدّد على أن "هذه صيغة غير صحيحة " .
من المعلوم أن ليوتشاوتشى و أتباعه يرغبون فى إيقاف الثورة عند مرحلة الثورة الديمقراطية الجديدة و التخلى عن نظرية الصراع الطبقي ضد البرجوازية معتبرين أن تطور قوى الإنتاج سيفضى إلى الإشتراكية . فى إجتماع المكتب السياسي إنعقد فى 1953 ، كان على ماو تسى تونغ أن يصارع شعارا نشره ليوتشاوتشى و آخرون ، شعار "تركيز نظام الديمقراطية الجديدة " و من ورائه أرادوا معارضة تقدم البناء الإشتراكي .

منذ مطلع الخمسينات، عارض ليو تشاوتشى و جماعته كلمة و فعلا الحركة التعاونية التى من خلالها كان الريف يتقدم نحو الإشتراكية و من الطبيعي أنهم عللوا آراءهم بجمل ظاهريا ماركسية و برروها بالدفاع عن مصالح جماهير الفلاحين و معارضة "الإنزلاق اليسراوي " فى الحركة التعاونية . و بذات الطريقة ، مخفين نواياهم الحقيقية بتعليلات تبدو ظاهريا ماركسية ، عارضوا التقدم السريع لمشركة الصناعة و التجارة و الصناعات الحرفية فى المدن .

و قبل ذلك ، فى ماي 1949 ، أثناء مؤتمر الشباب الأول ، صرّح ليوتشاوتشى أنه من الضروري تطوير الرأسمالية بصورة كبيرة و ان عدد المصانع و الآلات أهم من نظام الملكية . و فى مناسبة أخرى أعرب عن أنه " حين يكون للصين فى المستقبل فائض إنتاج ساعتها سيحين زمن بناء الإشتراكية " .

و على إثر إتمام القضاء فى الأساس على الصناعة و التجارة الخاصين و على الصناعة الحرفية ، فى 1956 ، غير ليوتشاوتشى و جماعته تكتيكهم و شرعوا فى التصريح بأن بهذه التحويلات إنتهى صراع الطبقات فى الصين . و مثلا فى 1957 ، فى ندوة لكوادر الحزب بشنغاي ، شدد على أن" البرجوازية قد تم القضاء عليها بالأساس " و أن الصراع الطبقي فى الصين إنتهى بالأساس " و مع ذلك واصل نشاطاته لتشجيع الرأسمالية فى الريف و المدينة مستعملا كالعادة تعليلات تبدو ظاهريا ماركسية . و فى 1961 ، أشار فيما يتعلق بإقتصاد الفلاحين إلى " إننا لا نخاف أن تخرج الرأسمالية من أيدينا و يجب الإبقاء على السوق الحرة " . و فى السنة الموالية ، أكد فى محادثاته مع كادر فى طريقه إلى الوحدات الأساسية " فى السنوات الماضية لم يكسب الفلاحون من الإقتصاد الجماعي " و تحدث فى خطاب له فى 1963 عن " أنه من الضروري القيام بتراجع كاف فى الصناعة و الفلاحة إلى جانب تركيز الإنتاج العائلي و برامج النشاطات الفردية أكثر فأكثر . " و تبع دنك سياو بينغ هذا التصريح بجملة غدت الآن شهيرة : " طالما إستطعنا رفع الإنتاج يمكننا العودة إلى الإستغلال الفردي . لا يهمّ إن كان القط أسود أم أبيض طالما أنه يصطاد الفئران " .

هذه و غيرها من الموضوعات الرجعية المقنعة بلغو ماركسي إستعملت تعلة " الدفاع عن مصالح الجماهير " و معارضة " الأخطاء اليسارية ". و قد حاربها ماو تسى تونغ و الماركسيون - اللينينيون الصينيون موجهين لها نقدا حادا ضمن خلايا الحزب و هم غير واعين بعد بالنوايا المبيتة التى تدفع المدافعين عنها . و كان مثل هذا النضال مقعدا للغاية بما أن التحريفيين – كما سنرى – يحتلون مواقعا هامة فى الحزب و فى أجهزة الدولة و ضمنوا مساندة بيروقراطية عريضة ضمن المواقع الوسطية فى كل من الحزب و الدولة . و زيادة على ذلك ، كانوا يعتمدون على المساندة السرية للتيار التحريفي الذى ركّز نفسه بمثل تلك الأشكال على النطاق العالمي .

و من جهته إشتغل دنك سياو بينغ نفسه [ قائد تحريفي آخر سيكون على رأس الإنقلاب المضاد للثورة فى 1976 و على رأس الدولة لاحقا ] بخاصة لما بلغ السيطرة على مركز الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني بتسريب أتباعه إلى مراكز هامة فى الحزب و الدولة و بزرع الفساد فى صفوف كوادر الحزب و مختلف مؤسسات الدولة . و فى 1951 ، أحدث نظام حوافز مالية للموظفين و ركّز فى 1955و 1956 عدة أنماط من الحوافز التى تفسد و تشترى ولاء العديد من البيروقراطيين فى مستويات مختلفة . بهذه الطريقة أوجد عدة جوائز لأعمال خاصة يوزعها القياديون و شيد مدارسا خاصة بأبناء الكوادر الذين سيلعبون في ما بعد دورا إستفزازيا رجعيا أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبر ى. أضف إلى ذلك نظام الإنتقاء غير العادل بالجامعات و الإمتحانات التى تساعد فعليا أبناء البرجوازية و الشرائح الإجتماعية التى إحتكرت الثقافة فى الماضى . و فى المؤسسات الصناعية و التجارية و الفلاحية أعيد تركيز إدارة الفرد الواحد المحاط بالتكنوقراطيين بعيدا عن مراقبة لجنة الحزب و الجماهير كل هذا مع إستعمال واسع لنظام الحوافز المالية كوسيلة لإفساد بعض القطاعات من الجماهير.

و بهذه الوسائل و ما شابه وطدت البرجوازية الجديدة قاعدة مساندتها داخل الحزب و الدولة ( و كذلك ضمن القوات المسلحة ) بعشرات الآلاف من الكوادر المتوسطة المستوى و عزلت الماركسيين - اللينينيين فى الحزب عن الجماهير .
وفى معاضدة منه لهذا العمل التخريبي للحزب ، أعاد ليوتشاوتشى نشر كتابه " كيف تكون شيوعيا جيدا؟ " و وزعه على نطاق واسع . و هو يعول على ما حصل و ما يقام من إفساد للحزب دعى إلى "ربط المصالح الشخصية بمصالح الحزب بصفة مطلقة و غير مشروطة " و أضاف " إن مصالح الحزب فوق كل إعتبار ، هذه هي أهم المبادئ التى توجه فكر جميع الشيوعيين و عملهم ." دون أن يأخذ بعين الإعتبار مبادئ و مصالح البروليتاريا و الشعب التى هي أساس وجود الحزب . و هكذا دافعين الإرتباط بالحزب إرتباطا أعمى ، أعدوا الظروف لمنع من لم يطلهم الفساد من الإنتفاض عندما يشرعون فى إستعماله صراحة كأداة لإعادة تركيز الرأسمالية . و فى نفس الوقت يعلل طرق الفساد بشأن الحياة المادية التى لقيت منهم التشجيع بتعلة أنها "ضرورية لضمان الظروف اللازمة للعمل و التعلم بما يسمح لهم بالقيام بأعمالهم بشكل مريح و يسمح بتحقيق مهام الحزب ".

و ترافق ذلك بدفع الوصوليين للإلتحاق بالحزب حيث صرّح أنه " من غير الضار أن تبحث بعض العناصر عن مساعدة فى الحزب الشيوعي ، إنها أتت بحثا عن حل لمشاكلها " . و من جهة أخرى دافع كتاب ليوتشاوشى عن فكرة أن " ثوريو العهود الأخرى ... يمكن أن يتحولوا ضد الطبقات المستغًلة ليضطهدوها و لكن هذا غير ممكن أبدا فيما يتصل بالثورة البروليتارية و الحزب الشيوعي " . و على هذا النحو ذرّ الغبار فى الأعين حتى لا تلاحظ الخيانة المفتوحة التى كانوا يعدون لها .

أما تقرير دنك سياو بينغ عن تغيير القانون الأساسي للحزب المقدم للمؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الصيني على توطئة كاملة تعلن إضمحلال الطبقات الإجتماعية و تدافع عن أن " تجاوز الطرق القديمة لقبول عضوية الحزب غدت ضرورة نظرا إلى أن هذا المفهوم عن " التفريق بين العناصر الإجتماعية " صار فاقدا لمعناه القديم أو يكاد يفقد أي معنى له " .

و فى خطابه فى ندوة الكتاب العامين للجان الحزب للضواحي و البلديات و المناطق المستقلة ، فى جانفى 1957 إنطلق ماو فى نقده للوصولية و الفساد المتفشيين فى الحزب :
" حاليا ، داخل الحزب و خارجه ظهرت مشاكل إيديولوجية تستحق أن نتوفق عندها بصورة خاصة . و إليكم مثالا مشكل ظهر فى صفوفنا نحن . فبعض الكوادر مثلا ، يبحثون عن الشهرة و الإمتيازات و لا يفكرون إلا فى مصالحهم الخاصة . خلال تعديل المعاملات ، برز أن أناسا لم يكونوا راضين عن ترقية بدرجة و لا حتى بترقية بدرجتين ، و ظلوا ينتحبون فى فى بيوتهم. و لعله كانت من اللازم ترقية من ثلاث درجات لإخراجهم منها. و مع ذلك بكاؤهم هو الذى عجل بحل المشكلة : لن نطبق مستقبلا هذا النوع من التعديل فى معاملة الكوادر. و ستظل الأجور بشكل عام متساوية ، أو على الأقصى مع بعض الإختلافات الطفيفة . فى الماضى ، فى حكومة نبلاء الحرب فى بييانغ ، وجد وزير أول يسمى تانغ تشاو يى صار لاحقا رئيس منطقة تشونغتشان من محافظة كوانغتونغ . لئن قبل وزير أول من المجتمع القديم أن يخدم كرئيس منطقة ، فلماذا إذا لا يستطيع وزراؤنا القيام بالشيئ ذاته ؟ فى تقديري ، إن الذين يسعون جاهدين للحصول على علاوات و لا يقبلون إلا بالترقيات و ليس بالعكس لا يساوون بهذا المضمار ذلك الوزير القديم . إنهم لا يسعون للتساوى مع الذين يعيشون حياة بسيطة و يعملون كثيرا و يتمتعون بالقليل و إنما يلهثون وراء الترف و الترقيات و المنصب السامي . الآن قد نمى هذا النوع من التفكير إلى حد كبير داخل حزبنا مما يقتضى إعارة الإنتباه إليه ." ( المجلد 5 ، صفحة 380 ) .

و فى الخطاب عينه ، مع نقده للذين يعارضون سيرورة مشركة الريف ، تناول بالتحليل بعض الفوضى التى حصلت فى صفوف الطلبة و المثقفين فى الصين كصدى لما جدّ فى المجر تحت تأثير هجمات خروتشاف على ستالين .
و مع السماح للغاضبين من صفوف الشعب بالتعبير عن آراءهم جمع ماوتسى تونغ نقدهم المصيب وعبّأ الجماهير و أيقض وعيها فى الصراع ضد الأفكار الرجعية التى عبر عنها الغاضبون . و إعتبر انه من الضروري أن نوفر مجالا ووسائل تعبيرللشرائح الرجعية من البرجوازية الوطنية حتى تتمكن من " إفراغ سمومها" لكي تتوصل الجماهير لمعرفتها و صراعها على أفضل وجه . و بالطبع ليس الهدف سوى النضال الفعلي ضد هذه التوجهات غير الصحية فى المجتمع و إقتلاعها من الجذور . قال :
" يجب خوض صراع ضد التيارات الضارة فى المجتمع ، سواء فى صفوف الحزب أو الشخصيات الديمقراطية أو الطلبة ، تيارات بمعنى الأخطاء التى ليست أخطاء بعض الأشخاص و إنما تلك التى تطورت إلى تيارات يجب إلحاق الهزيمة بها نهائيا . . ."
و أضاف :
" فى دولتنا التى هي دولة دكتاتورية البروليتاريا لا ينبغى أن ندع بالطبع البذور السامة تنتشر دون مراقبة سواء داخل الحزب أو فى المجالات الإيديولوجية أو الأدبية أو الفنية . ينبغى أن نحاول أن نضمن أن الأزهار الماركسية العطرة تحتل الموقع الأساسي و المهيمن. ينبغى ألا نبقى على البذور السامة وما هو غير ماركسي أو مضاد للماركسية فى موقع ثانوي."
و فيما يتصل بالمعادين للثورة فالخط مغاير حيث يشير إلى أنه " ينبغى القضاء على المعادين للثورة . و حيث لم ننته من هذه المهمة مثلما كان متوقعا ، يببغى الإنتهاء منها فى غضون هذه السنة . و لئن بقي ما لم ينجز فى هذا الميدان ، يتعين إتمامه فى السنة المقبلة . " ( المجلد 5 ، صفحة 412) .

و قد وقعت غالبية شرائح البرجوازية الوطنية فى هذا الشرك إذ فكرت أن التسهيلات التى لقيتها للإفصاح عن نقدها دليل على ضعف و تركت المجال الأكاديمي البحت و قامت بهجومات متصلة ضد الحزب و الإشتراكية . فكشف أمر العديد من الذين كانوا يصرحون بقبول الإشتراكية خوفا أمام الجماهير . و نظّم جماهيريا هجوم معاكس مركّز بما أطاح بالتعليلات الرجعية فاضحا إياهم كرجعيين حقيقة .

إتخذ هذا النضال ، فى البداية ، شكل حملة تصحيح ضد البيروقراطية و الإنعزالية و الذاتية منذ مطلع ماي 1957 . و بات طابع الحملة مفتوحا لمساهمة الجماهير مستعملة الدازيباو [ نصوص حائطية ذات حروف كبيرة ] . و سيستغل ماو تسى تونغ دروس التجربة أفضل إستغلال بعد ذلك خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى . كان التحريفيون داخل الحزب يمارسون بحذر و تجنبوا الظهور جميعهم لدفع البرجوازية فى هجومها بما أنهم كانوا يخشون تعريض أنفسهم و كانوا يخططون لإفتكاك الحصن من الداخل . كما كانوا يخشون نقد البيروقراطية الذى نهضت به الجماهير . و مع ذلك تقدمت بعض العناصر بأفكارها الرجعية . ضمن عناصر الحزب الشيوعي و رابطة الشباب الشيوعي، أطل المتذبذبون برؤوسهم أو ذهبت نيّة بعضهم للقيام بذلك .

" تهدف هذه الحركة إلى تقديم توجه سياسي صحيح و رفع المستوى الإيديولوجي و تجاوز نواقص عملنا والتوحد مع الجماهير العريضة و عزل اليمينيين البرجوازيين و كافة العناصر الأخرى المناهضة للإشتراكية و شق صفوفهم. وضمن اليمينيين البرجوازيين الذين نتحدث عنهم هنالك ايضا الذين تسللوا للحزب الشيوعي أو لرابطة الشباب ، و يتخذون موقفا سياسيا مماثلا لموقف اليمينيين خارج الحزب و الرابطة . لقد خانوا قضية البروليتاريا الثورية لشنهم هجومات مسعورة ضد حزبنا . لذلك ينبغى فضحهم بعمق و طردهم من الحزب و الرابطة من أجل تطهير الصفوف " . ( المجلد 5 ، صفحة 515-516).

وبادر ماو تسى تونغ بتنظيم حملة التصحيح بخطاب تلاه قبل أشهر من بدايتها فى ندوات الكوادر فى تسيان و نانكين . فيه أيضا قام بتحذير شديد اللهجة ضد مظاهر الفساد فى الحزب :
" منذ إنتصارنا فى الثورة، تراجعت الإرادة الثورية لدي بعض رفاقنا و بتراجع إندفاعهم الثوري تقلص تفانيهم فى خدمة الشعب قلبا و قالبا و حصل الشيئ نفسه بشأن تحدى الموت الذى تحلّوا به أيام القتال ضد أعدائنا .و فى نفس الوقت نراهم يطالبون بالمواقع و يتباهون بما يتميزون به من مأكل و مشرب و هم يتزاحمون من أجل الأجر و يبحثون عن الشهرة و الكسب . إنها نزعات بصدد النمو ."

و فى أكتوبر 1957 ، فى خطابه أمام الجلسة الثالثة عشر للندوة العليا للدولة ، قال :
" الثورة الإشتراكية أمر جديد بالنسبة لنا جميعا . فى الماضى لم ننجز سوى الثورة الديمقراطية ذات الطابع البرجوازي و التى كانت تهدف إلى القضاء على الملكية الإمبريالية و الملكية الإقطاعية و الملكية الرأسمالية البيروقراطية و مع ذلك لا تطال الملكية الخاصة و لا ملكية الرأسمال الوطني . و إذن نجح العديد من الناس فى إختبار الثورة الديمقراطية .. بعضهم كان قليل الحماس للذهاب بهذه الثورة إلى نهايتها و بالرغم عنهم تجاوزوا الإمتحان . و أراد آخرون الذهاب بها إلى نهايتها و فعلوا. و اليوم المنعرج هو الثورة الإشتراكية هو الذى ينبغى تجاوزه و يجد البعض من الصعب القيام بذلك. و لنأخذ مثلا، حال عضو حزب فى هوباي كان فى السابق أجيرا فلاحيا . إنه من عائلة إضطرت على التسول طوال ثلاثة أجيال . عند التحرير تحرر و حتى حصل على نوع من الرفاه و صار كادر منطقة و مع ذلك ، كان يبدو غاضبا للغاية ضد الإشتراكية و كان لا يوافق بقوة على التعاونيات . كان يطالب ب"الحرية " و يعارض سياسة الشراء و البيع الموحدين للدولة " ( المجلد 5 ، صفحة 543 ) .

و بعدُ لم يدرك ماو تسى تونغ عمق تغلغل هذا الفساد الذى أفرزته البرجوازية الجديدة التى نشأت من عدد كبير من الكوادر الوسطى و لم يدرك أيضا عمق رجعية طبيعة الخروتشافيين الصينيين. و فى خطاب له فى جانفى 1957 وقعت الإشارة إليه سابقا، واصل تأويل الرؤى الرجعية المموهة التى صاغها التحريفيون فى المناصب العليا أو أتباعهم الأقل درجة ، كأخطاء تذبذب. و أشار مثلا إلى أن : " غالبية كوادر حزبنا مستائين من المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي و يرون أنه ذهب بعيدا فى الهجوم على ستالين . وهذا إحساس و رد فعل طبيعيين غير أن أقلية من الكوادر أخذت تتذبذب. كلما أعلن عن إعصار قادم ، قبل هطول المطر، غادرت الحشرات جحورها فأنوفها حساسة للغاية و لها معرفة بأحوال الطقس . عندما إندلع إعصار فى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي ، وجدت كذلك فى الصين حشرات غادرت جحورها . إنها عناصر حزبية مترددة تتذبذب أمام أدنى حدث . عندما سمعت عن حملة التنديد بستالين، شعرت براحة و إنحرفت إلى الجهة الأخرى . و أطلقت صراخا تحية لخروتشاف الذى إعتبرته على حق على طول الخط و أنها كانت دائما تحمل تلك الآراء ." ( المجلد 5 ، صفحة 384) . و يسترسل بعد أسطر ليقول :
" شهد بعض أعضاء حزبنا فى الماضي أنواعا مختلفة من الإختبارات. و لكن من الصعب عليهم إجتياز إختبار الإشتراكية ...و إلى جانب أولئك وجد فى الحزب أناس عارضوا احركة التعاونيات الفلاحية . و بإختصار هنالك بعض الكوادر العليا فى الحزب غير قادرة على إجتياز إختبار الإشتراكية و هم مترددون ." ( المجلد 5 ، صفحة 385) .

من البديهي أن ماو تسى تونغ إلى حينها لم يدرك المصالح الرجعية ( و الروابط السرية ) التى وجدت بين هؤلاء الكوادر فى المناصب العليا للحزب الشيوعي الصيني المترددة و خروتشاف و أتباعه فى الإتحاد السوفياتي و بلدان أخرى أين وقعت خيانة الإشتراكية و الذين سبق و أن تمكنوا من مغالطة ستالين بشأن مراميهم الحقيقية.

على كل حال ، بالضبط إثر إنطلاق حملة التصحيح فى 1957 إتخذت الكثير من الإجراءات الهادفة لمحاربة البيروقراطية فى الحزب و الدولة و مختلف أنواع المؤسسات .و فى ملاحظاته أمام الدورة العامة الثانية للجنة المركزية الثامنة ، شدد ماو تسى تونغ على أن " هنالك مئات الآلاف من الكوادر فى مستوى لجان الحزب بالمناطق يمسكون مصير البلاد بأيديهم . إذا فشلوا فى إنجاز عمل جيد ، عزلوا أنفسهم عن الجماهير و إذا لم يعيشوا عيشة بسيطة و لم يعملوا بجهد ، سيكون للعمال و الفلاحين عذر شرعي فى عدم الموافقة على الإبقاء عليهم . يجب أن نراقب العمل خشية تشجيع طريقة العمل البيروقراطية والتطور بإتجاه التحول إلى شريحة أرستقراطية معزولة عن الشعب . و سيكون للجماهير عذر شرعي فى إبعاد كل من يمارس البيروقراطية من العمل و كذلك كل من لا يقوم بجهود و لا يحاول أبدا أن يقدم تعويضات . أقول إنه من الأفضل الإستغناء عن مثل هؤلاء و يجب أن يتمّ الإستغناء عنهم . "

بعد ذلك ، ملخصا آراء الجماهير فى حملة التصحيح ، قال إنه من المتأكد أن على الكوادر القيادية ( بما فيها كوادر الحزب الشيوعي و الإتحادات و الإدارة و رابطة الشباب الشيوعي ) أن تساهم بإستمرار فى العمل اليدوي و ينبغى أن تتحد مع العمال فى حياتها اليومية و أن تتخلص بتصميم من الإمتيازات التى تفصلها عن الجماهير . نحتاج إلى جهود كبرى لتقليص و تبسيط خارطة العمل التنظيمية و تقليص عدد العاملين فى تنظيمات الحزب و الإدارة و النقابات و كذلك العاملين بالمؤسسات غير الضروريين و غير المنتجين . ينبغى أن نعير الإنتباه إلى تعويد الكوادر على المساهمة فى الإنتاج لوقت جزئي أو كامل. و ينبغى بذل جهود خاصة لإيجاد روابط وثيقة بين التقنيين و عمال الإدارة من جهة والعمال من جهة ثانية. و ينبغى مراجعة و تحطيم الحواجز التى تقف فى طريق الإنتاج و تعرقل مبادرة العمال . و طريقة جيدة لدفع العمال و الموظفين نحو العمل الإداري و لمحاربة البيروقراطية هي إجتماعات العمال بقيادة لجنة الحزب.

و بعد تلخيص هذه المرحلة التجريبية، يتعين إستعمال هذه الطريقة إستعمالا شاملا فى حملة التصحيح الراهنة و تعميمها على كافة البلاد . وفق توجيهات اللجنة المركزية، لإجتماعات العمال المهام و الصلوحيات التالية :
1- معالجة ونقاش تقرير عمل المعمل الذى يقدمه المدير و معالجة و نقاش خطة إنتاج المعمل المالية و التكنولوجية و العمل و الأجور و كذلك أهم الإجراءات لأجل تحقيق الخطة و تقديم الإقتراحات .
2- معالجة و نقاش إستعمال الحوافز المالية و الصحة العمومية و الرعاية الطبية و مالية الإتحاد و المالية تحت تصرف الإدارة لحماية العمل و كذلك مصاريف أخرى من أجل صحة العمال. بشأن هذه المسائل يمكن للقرارات أن تتخذ و تقدم لإدارة المؤسسة أو قطاعات معينة أخرى لتطبق طالما لم تتناقض مع مقررات و توجيهات خلايا المستوى الأعلى.
3- إقتراح تحويل الكوادر القيادية للمؤسسة نحو الخلية الإدارية التالية الأعلى عند الضرورة .
4- تقديم مقترحات إلى الخلية الأعلى حين لا يوافق إجتماع العمال على قراراتها . "

ويؤكد القرار على أن الإستعمال الشامل للدازيباو ضروري حتى يتمكن العمال و الموظفون من التعبير عن آراءهم . فمثل هذه المعلقات الحائطية ذات الحروف الكبيرة بشكلها البسيط و طريقتها الجميلة جيدة للغاية لتعبئة الجماهير إنهم جادون وواضحون فى نقدهم لأخطاء القياديين و أخطاء العمال ذاتهم و فى تقديم المقترحات لعقلنة العمل . و الدازيباو يمكن أن تتحول تدريجيا إلى وسيلة إتصال قارة هامة بواسطتها يمكن للنقد و النقد الذاتي أن ينتشر عبر المعامل و الدواوين و المعاهد.

مثّل هذا التوجيه نفسا جادا ضد الأرضية التى تغذى التحريفيين فى الحزب و فى الدولة و دفعا عميقا للجماهير و بثّ الخوف فى البيروقراطية الإنتهازية و قادتها الذين يعرقلونها بكل الأشكال الممكنة. فى الأعمال الجديدة لهنش ، فى 1958 إستخدم العمال مليون معلقة كبيرة /دازيباو و أحدثوا 360 ألف تجديد تقني و مع ذلك فإن هذه الإجراءات المعادية للبيروقراطية لن تستعمل بفعالية إلا إبان فترة نهوض الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى.

6 / القفزة الكبرى إلى الأمام :

معولا على إندفاع الجماهير ، رسم ماو تسى تونغ خطة القفزة الكبرى إلى الأمام للإسراع فى البناء الإشتراكي على أساس وعي الجماهير و مبادرتها و إندفاعها . فملأ الذعر صفوف التحريفيين الصينيين و شبكة بيروقراطييهم و كذلك المتآمرين السوفيات بفعل فكرة التقدم فى البناء الإشتراكي و خاصة بالمراهنة على وعي الجماهير و مبادرتها فإستعدوا لعرقلة هذا الخط عرقلة تامة. و رغم العراقيل التى وضعوها ، أدت القفزة الكبرى إلى الأمام إلى تقدم باهر فى الإنتاج و فى إنشاء صناعات جديدة أشكالها أكثر إشتراكية فى الريف بفضل إنضمام التعاونيات إلى الكمونات الشعبية و بخاصة بفضل إستخدام وعي الجماهير العريضة فى إنجاز البناء الإشتراكي .و منذ 1958 ، إنطلق العمل على صعيد آلاف المركبات الصناعية و المنجمية بما فيها 45 مركبا كبيرا جدا و 700 منها شرعت فى الإنتاج سنتها . و إرتفع إنتاج الحديد بنسبة 49.5 بالمائة مقارنة بالسنة السابقة فبلغ 8 ملايين طن ( 11 مليون طن إذا ما أخذنا بعين النظر الحديد المنتج بالوسائل البدائية وإن لم تكن له نفس الجودة ) . و بلغ إنتاج الفحم الحجري 270 مليون طن وهو ضعف إنتاج 1957. و بلغ إنتاج الحبوب 250 مليون طن أي بنسبة أرفع ب 35 بالمائة من 1957 و إرتفع إنتاج القطن إلى 1.1 مليون طن أي بنسبة 28 بالمائة. و تحول ملايين الفلاحين إلى الإنتاج الصناعي مما رفع بصفة هامة من وزن الطبقة العاملة فى المجتمع .

و فى الحقيقة ، فيما يخص الجانب الإقتصادي ، إرتكبت أخطاء إعترف بها ماو تسى تونغ و تحمل مسؤوليتها . و من تلك الأخطاء خطأ عدم إنسجام إندفاع الجماهير الجبار إلى الأمام مع تخطيط ثاقب النظر أكثر و عدم الأخذ بنظر الإعتبار لضعف نظام المواصلات الصيني نسبة لكمية إرتفاع الإنتاج . وعلاوة على ذلك ، لم تكن هنالك حسابات موضوعية بصدد كيفية تحقيق الفلاحة تغذية الملايين الذين تحولوا إلى الإنتاج الصناعي فى المدن . بيد ان أهم المشاكل التى برزت خلال القفزة الكبرى إلى الأمام مردها العرقلة المركزة للتحريفيين الصينيين و شركاؤهم السوفيات و إلى الآفات الطبيعية المتعددة التى شهدتها الصين بين 1959و 1961. وفى أوت 1960 أمر خروتشاف بعودة 1390 من الإخصائيين السوفيات الذين كانوا يديرون و ينشؤون عدة مشاريع صناعية فى الصين ، و ألغي إنجاز257 مشروعا علميا و تقنيا مشتركا و أوقف بناء 300 مصنعا آخرين خاصة فى الصناعة الثقيلة . و شجعت البيروقراطية العاملة لفائدة التحريفيين الصينيين من جهتها على المضاربة فى القروض و كراء الأراضي و تحويل الأموال العمومية إلخ . و أرفقت ذلك بتشجيع إجراءات يسراوية لتفقد الحركة مصداقيتها وهو ما سيفعلونه بعد ذلك خلال الثورة الثقافية. و إضافة إلى كل هذا و فى إطار المحاصرة الثنائية الأمريكية السوفياتية للصين ، شهدت البلاد آفات طبيعية بين 1959و 1961 . إثر جفاف 1959 بسنة ، جعلت الفياضانات و الإعصارات 150 مليون هكتار من الأرض قاحلة ما يعادل نصف المساحة الجملية المزروعة و هلكت 60 مليونا أخرى و قطعت الطرق و السكك الحديدية إلى حد كبير و عمت الصين مجاعة قاسية.

و فى 1959 شنت البرجوازية الجديدة الصاعدة هجوما شاملا على الخط العام لبناء الإشتراكية مستخدمة الأخطاء المرتكبة فى القفزة الكبرى إلى الأمام تعلة و مستندة على ظروف الحياة الصعبة و التى زادت سوءا بفعل الآفات الطبيعية . فقام بينغ تاه هواي وهو عميل مفضوح للتحريفيين السوفيات و الذى كان قد إقترح تعصير الجيش الصيني بإستعمال الأسلحة السوفياتية لجعله تابعا للتحريفيين السوفيات ، قام بهجوم شرس على القفزة الكبرى إلى الأمام ناعتا تعبئة الجماهير ب " تعصب برجوازي صغير " و تمادى إلى حد الدعوة المفتوحة لتدخل سوفياتي معلنا أنه " إذا كان العمال و الفلاحون الصينيون غير جيدين ، فإن حدثا من النوع المجري يمكن أن يجدّ هنا و من الممكن أن يغدو ضروريا تدخل سوفياتي " . و بعث وزير الدفاع هذا و عنصر المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني المكلف باللجنة العسكرية للجنة المركزية ، بعث رسالة بنقده للقفزة الكبرى للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي و إلتقى خروتشاف للتآمر فى ماي 1959 . و لهذا المرتد روابط قوية مع كاو كانغ الذى تمت تعريته فى نهاية 1953. و هكذا دافع خروتشاف فى المؤتمر الثانى و العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي مبرزا الروابط بين جماعته و بعض شرائح البرجوازية الجديدة الصينية التى ترمى لإعادة تركيز الرأسمالية هي أيضا .

وإندفع كذلك ليوتشاوتشى و دنك سياو بينغ أنفسهما فى هجوم على القفزة الكبرى إلى الأمام حيث صرح دنك سياو بينغ :" تسير الأحمرة ببطء هذه حقيقة و لكنها قلما تتعرض إلى حوادث " . و عُيّن ليوتشاوتشى رئيسا للجمهورية فى 27 أفريل 1959 و إن لم يتمكنا من طرد ماو تسى تونغ نظرا للمساندة التى كان يتمتع بها فى صفوف الجماهير فإنهما عزلاه إلى أقصى الحدود . ففى 1959 لم يستطع ماو تسى تونغ أن ينشر فى الجريدة اليومية للحزب تقريرا لتشانغ تشن تشياو حول العادات البرجوازية داخل الحزب . و فى جانفى 1960 صاغ ماو تسى تونغ تعليقا على " إعلان أنشن " الذى كتبه عمال الحديد مطالبين بتطبيق مبادئ مناهضة للإدارة الفردية البيروقراطية بيد أن كتابة الحزب لم تعتبر نشر هذه الوثيقة "أكيدا ".

و إلتأمت الدورة الثامنة للجنة المركزية الثامنة فى 2 أوت 1959 و شن ماو تسى تونغ هجوما كاسحا على بينغ تاه هواي فقال : " عند مجيئي لاحظت أشياء ثلاثة : أننا حققنا أمورا عظيمة و أن عديد المشاكل لازالت فى حاجة إلى معالجة و أن المستقبل وضاء . و لكن برزت أنواع جديدة من المشاكل بقيام اليمين الإنتهازي بهجوم بلا هوادة على الحزب . لا يوجد جناح أكثر شيوعية ... و لا مبالغات خيالية و الان المشكل ليس معارضة اليسار و إنما معارضة اليمين ... بعد عدة شهور من النضال ضد تيارات يسارية من الطبيعي أن يظهر تيار يميني. فى الحقيقة وجدت نواقص و إرتكبت أخطاء غير أننا أصلحناها و مع ذلك ما إنفكوا يطالبون بإصلاحات. يستخدمون ذلك لمهاجمة الخط العام للحزب ساعين إلى إزاحتنا ".

و مثلما هو معلوم على نطاق واسع ، هدّد ماو تسى تونغ حينها بالعودة إلى الريف و بتنظيم جيش ضد الحكومة إذا ما ركّز اليمينيون سلطتهم .و قد ملأهم الذعر ، تراجع التحريفيون و قبلوا التضحية ببيتغ تاه هواي من أجل صيانة مواقعهم .

و بتعلة إصلاح "الأخطاء الإقتصادية " و "عقلنة الإنتاج " ، خلال الستينات ، أدخل التحريفيون مجددا الحوافز المالية و دفعوا بالجماهير خارج المساهمة فى إدارة المؤسسات مرسين من جديد هيمنة المديرين و التقنيين . و فى الوقت نفسه أرسلوا جماعات إصلاح للريف أطاحت بالعديد من القادة الثوريين و طالبت الجماهير بأن لا تعرقل عمل الكوادر التى عينتها تلك الجماعات . و فى 1962 تحت غطاء عمل و تعاليق كلاسيكية شرعوا فى مهاجمة خط الحزب و طالبوا بإعادة الإعتبار لبينغ تاه هواي . و من جانبه هاجم لو تينغ يي الذى كان مسؤولا عن التعليم ، القفزة الكبرى إلى الأمام و العمل لنصف وقت و الدراسة لنصف وقت وهي سياسة تركزت فى المعاهد حينذاك .

و إستمر ماو تسى تونغ يصارع التحريفيين و فى إجتماع بيتاهو ، فى 1962 ، فكرّر النداء : "لا ينبغى نسيان الصراع الطبقي " . و فى ماي 1963 صاغ وثيقة ال10 نقاط لدفع حركة التربية الإشتراكية . و بعد ذلك صاغ وثيقة ال23 نقطة لنفس الغرض . و أكد على أن " أهم نقطة فى هذه الحملة هي إصلاح أولئك الناس داخل الحزب ذوى السلطة و الذين يتبعون الطريق الرأسمالي ... بعض هؤلاء ذوى السلطة أتباع الطريق الرأسمالي يقومون بذلك بصفة مفضوحة و يتحرك آخرون وراء الستار . و يوجد بعض الذين يساندونهم فى مناصب دنيا و بعض آخر فى مناصب أعلى ... فى المناصب العليا ثمة من يعارضون بناء الإشتراكية فى الكمونات و فى الضواحي و فى المقاطعات و حتى فى العمل فى الجهات و فى اللجنة المركزية " . ثم يسترسل ليقول " بصورة عامة ، حاليا لا يطبق خط الحزب و ليست هنالك عناية بالثورة و البناء الإشتراكي ... لو لم نجد علاجا لهذا فإن تنظيما على غرار نادى بيتوفى سيتشكل يوما ما ."

7/ الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى :

و مثلما هو معروف للغاية ، فى نهاية 1965 ، إنطلقت أول معارك الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و لو أنها كانت فقط على المستوى الإيديولوجي ( نقد مقالات تتضمن مقترحات غير مباشرة لإرجاع بينغ تاه هواي ).

حركة الثورة الثقافية حركة جماهيرية عظيمة بدأت فى الأوساط الشبابية ثم شارك فيها العمال و الفلاحون للإطاحة بالتحريفيين فى الحزب و الدولة و لإعادة المسك بجزء السلطة السياسية الذى إستولوا عليه .وهي فى الوقت عينه محاولة لكنس سياساتهم الرجعية فى مجالات الإنتاج و التعليم و الثقافة و فيما يتصل بالخط العام لبناء الإشتراكية الذى عارضوه . و بالفعل إنقسمت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني إلى مركزي قيادة مركز قيادة البرجوازية الجديدة و مركز قيادة البروليتاريا . للبرجوازية الجديدة كما سنلمس فى خضم الثورة الثقافية و خاصة من خلال الأحداث التى جدت بعد وفاة ماو تسى تونغ ، قاعدة قوية من المساندين ضمن الكوادر الوسطى للحزب و القوى المسلحة و الدولة عموما . لقد أعطى عمل الإفساد ثماره ، فى الإتحاد السوفياتي كذلك بعد وفاة ستالين أثبتت البرجوازية الجديدة سيطرتها على الحزب الشيوعي السوفياتي . و الشيئ نفسه وقع فى الأحزاب الشيوعية فى البلدان الرأسمالية ذلك أن جلّها هيمنت عليها قيادة تحريفية و تبنت غالبية كوادر الحزب و الجزء الأكبر من المنخرطين الخط الخروتشافي . و يمثّل الماركسيون - اللينينيون ( بما فيهم قيادات بعض الأحزاب حالات إستثنائية ) أقلية إنتهت إلى القطع مع التحريفيين لأجل تكوين أحزاب ماركسية – لينينية شيوعية حقيقية . وفى البلدان الرأسمالية و البلدان الإشتراكية سابقا يساند التحريفيون بعضهم البعض و يتعاونون فى صراعهم ضد الماركسيين - اللينينيين . و شرع كذلك الماركسيون - اللينينيون فى التعاون .

و لكن الإختلاف الأساسي مع التحريفيين الذين يحتلون موقعا مهيمنا فى صفوف الأحزاب الشيوعية للبلدان الإشتراكية سابقا هو أنهم يمسكون هنالك بالسلطة و يسيطرون على الإقتصاد و الدعاية و الجيش إلخ . و بالتالى من غير الكافي النضال ضدها إيديولوجيا و سياسيا لرسم خط تمايز بين المعسكرين و طردهم من الحزب أو الخروج عن الحزب حين يكونون هم المهيمنون عليه . و فى البلدان الإشتراكية سابقا من الضروري تعبئة الجماهير للإطاحة بهم من السلطة فى الحزب و الدولة . إنه صراع طبقي حقيقي من اللازم لغاية إبعادهم من السلطة التى إستولوا عليها المرور بمراحل كما فى أي صراع طبقي و عزل الأعداء الأخطر و القيام بتحالفات مؤقتة مع الذين يمكن أن يشكلوا خطرا أقل .

تحتاج أية معركة ثورية لحزب طليعي . و فى هذه المعركة ضد التحريفية فى البلدان حيث توصلت إلى المسك بأجزاء مفاتيح من سلطة الدولة ثمة حاجة أيضا لحزب قيادي ، لحزب شيوعي . و لكن هنا يطرح تناقض كبير نفسه بجدية . بما أن السيطرة التحريفية على جزء هام و حيوي من سلطة الدولة تتأتى من مواقع هامة و حيوية ( كما نعتقد كان الحال بالنسبة للصين ) إحتلوها فى طليعة الحزب .

كيف يمكن أن نلوم الماركسيين - اللينينيين الصينيين لعدم إستعمالهم للخلية القيادية للحزب الشيوعي الصيني فى الثورة الثقافية ؟ كيف كان بإمكانهم ذلك و الحال أن التحريفية هيمنت على الحزب ؟ و فى البلدان الرأسمالية هل يمكننا كماركسيين - لينينيين أن نستعمل هيكلة الحزب الشيوعي فى غالبية الأحيان ؟ ألسنا مجبرين على القيام بعمل تكتلي و على النضال ضد الإضطهاد التحريفي فى تلك الأحزاب و نجتهد لإنقاذ أوفر عدد من العناصر النزيهة و أخيرا نقطع مع التحريفيين ؟ و بالعكس بالنظر إلى ما حصل إثر وفاة ماو تسى تونغ ، لو كان هنالك أمر يمكن أن نلوم الماركسيين - اللينينيين الصينيين عليه فهو وعيهم و توقعهم بصفة متأخرة للفضح الشامل لقاعدة مساندة التحريفيين فى الحزب لا سيما ضمن الكوادر الوسطى أو قيامهم بذلك بصورة متأخرة . إبان الثورة الثقافية و بعدها ، واصلوا الحديث عن قيادة الحزب الشيوعي الصيني و الحال بالفعل أن ما يشار إليه هو مجموعة صغيرة من القياديين الثوريين الذين قادهم ماو و عناصر تبعتهم ، وسط عدد كثيف من الكوادر الوسطى و حتى عناصر ملتزمة علنيا و سريا مع التحريفيين حتى بعد إبعاد أهم القادة .

فى الأحزاب الشيوعية القديمة للبلدان الرأسمالية ، لمدة معينة قبل الإنفصال خضنا كماركسيين - لينينيين مثل هذه المعركة مع أن الأمر هنالك يتعلق بمشكلة إسترجاع سلطة دولة معقدة متحدثين بإسم الحزب الذى يمثلونه بالفعل و شرعيا و لكنه بعمق منقسم ، لأجل أن يستعيدوا الحزب الشيوعي الصيني . لم يعثر ماو تسى تونغ و الماركسيون- اللينينيون الصينيون على حل آخر سوى تعبئة الجماهير ضد ممثلى البرجوازية الجديدة الذين تسللوا للحزب و الحكومة و الجيش و لمختلف مجالات الثقافة التى هي معقل التحريفيين المعادين للثورة أو نشأوا ضمنها . و نظرا للقوة الكبرى الشديدة للتحريفيين فى الحزب و الدولة ، لجأ الماركسيون - اللينينيون إلى إستخدام التأثير الكبير لماو تسى تونغ على الجماهير و حتى إلى الإعتماد على لين بياو و القوات المسلحة هذا بالرغم من أنه كانت لماو إختلافات معه فى الماضى و أنه إستاء من طرق لين بياو الدغمائية ( مثلما عبّر عن ذلك ماو تسى تونغ فى رسالة إلى زوجته سنة 1966 ) . و إستغل لين بياو سمعة
ماو ليعمل لحسابه و مآربه الخاصين . و بحكم العزلة التى وصل إليها ماو تسى تونغ فى السنوات السابقة على الثورة الثقافية و القوة التى كدسها التحريفيون يبدو هذا التحالف مع لين بياو ( الذى بلغ حدّ الإنحراف عندما عُيّن خليفة لماو فى المؤتمر التاسع ) معللا و حتميا . و كان تأكيد ماو تسى تونغ لقادة ألبانيا بأن " مجموعة المرتدين ليوتشاوتشى و دنك سياو بينغ إستولت على الحزب و الدولة و مكاسب الثورة الثقافية فى خطر " صحيح تمام الصحة و موضوعي غاية الموضوعية وهو يعكس العراقيل الضخمة التى واجهها الماركسيون - اللينينيون الصينيون فى سيرورة إستعادة السلطة . و فيما يتعلق بلين بياو هنالك دليل على أنه تآمر مع التحريفيين السوفيات فقط فى السبعينات .

كان من اللازم قيادة الجماهير للإطاحة بالتحريفيين فى ظل ظروف حزب منقسم يحتل فيه التحريفيون ( المفضوحون و المتسترون ) مواقعا حيوية و فى ظروف التعويل على قوات مسلحة يقودها خائن متستر يتبع مخططاته الخاصة و ربط علاقات سرية مع قادة يشاطرونه مآمراته و فى ظروف كان فيها عدد كبير من الكوادر الوسطى فى الحزب و الدولة ، مثلما بينت الأحداث ، يدافع عن الإمتيازات الصغرى و يساند التحريفيين .

و مع أن ماو تسى تونغ و الماركسيون- اللينينيون الصينيون عولوا على المساندة الحماسية للجماهير ، كان بينهم و بين الجماهير جهاز وسيط كامل عرقل توجيهاتهم و أشعل الصدامات ضمن شرائح من الجماهير و شجع التيارات اليسراوية و بذل ما فى وسعه لطمس مضمون الثورة الثقافية أو تحويره. و أن تكشف مجموعة الخمس الأولى المسؤولة عن قيادة الثورة الثقافية بعد ذلك على أنها تحريفية سعت لحرفها عن مسارها هو دليل ساطع على هذه الوضعية وهو ليس المثال الوحيد و الأهم مطلقا .

وفضلا عن ما تقدم، شكل التحريفيون الذين كانوا هدف سيرورة الكشف عنهم - ليوتشلوتشى و دنك سياو بيتغ ... - عددا من " مجموعات العمل " توجهت إلى الجماهير بدعوى تشجيع الثورة الثقافية و فى الواقع لم يفعلوا سوى قمع القادة الثوريين و عناصر الحزب و سعوا إلى إفقاد الحركة مصداقيتها بالحثّ على الإطاحة بعدد كبير من الكوادر الوسطى حتى يحولوا رأس الرمح عنهم هم . و أرفقوا ذلك بقمع أراء الجماهير و إتهام كل من يعارضهم بأنه تحريفي و غذوا الصدامات اللامتناهية بين قطاعات من الجماهير و بكل الأشكال الممكنة عرقلوا تركيز القوى ضد الأعداء الرئيسيين . و نشطت هذه المجموعات طوال شهرين تقريبا و لم يوضع لها حد إلا فى أوت 1966 مع صدور " قرار ال16 نقطة " الشهير و مسك ماو من جديد قيادة الثورة الثقافية.

تشكلت المجموعة الثانية المسؤولة عن قيادة الثورة الثقافية من عناصر منها تشان بوتا و تاو تشو الذى أبعد لاحقا بإعتباره عميلا ليوتشاوتشى . و قد إستغل تاو تشو موقعه فى تلك المجموعة ليوجد " مجموعة إرتباط" توجهت إلى مراكز نضال الجماهير و أحدثت إنقسامات هامة و شجعت حتى على الصراعات المسلحة بين مختلف قوى الحرس الأحمر . و كذلك عمل تاو تشو على منع أي نقاش حول ليوتشاوتشى و دنك سياو بينغ و أفكارهما الرجعية كي لا يتم فضحهم . وشجع على توسيع هدف الثورة الثقافية و إستعمال الجمل المتطرفة لدفع الكوادر إلى حضن الذين هم فى الواقع الهدف الرئيسي للثورة الثقافية و الذين كانوا معادين لماو تسى تونغ . و زيادة على ذلك ، أحدث إنشقاقات و خلط كبيرين وسط الجماهير عند الدفاع عن بعض الكوادر و نقد آخرين . و أضحى كثير من الكوادر الوسطى شركاء فى قطع الإتصالات بين الحرس الأحمر و الطبقة العاملة لغاية إبقاء هذه الأخيرة بعيدة عن مسك قيادة الحركة . و كان تشان بوتا كما هو معلوم جيدا جزءا من المؤامرة السرية للين بياو.

و اخيرا يتعين أن نقول إن الماركسيين - اللينينيين و ماو تسى تونغ لم يكتشفوا الطابع الحقيقي للمؤامرة السرية التى كان يخطط لها التحريفيون إلا عبر الجدال ضد التحريفية السوفياتية و إدراك كيفية تركيز التحريفيين السوفيات لدولة رأسمالية و كذلك عبر سيرورة الثورة الثقافية . فلمدة طويلة كانوا يظنون أنهم يناضلون ضد إعادة تركيز الرأسمالية الكلاسيكية لا رأسمالية الدولة تحت قناع الإشتراكية . و للسبب ذاته لم تكن رؤيتهم لقاعدة المساندة التى أوجدها التحريفيون داخل شريحة عريضة من كوادر الحزب و الدولة بفعل الإمتيازات و الفساد واضحة جلية فى البداية. ومن مظاهر جدية ذلك الفساد سلوك أبناء الكوادر المجمعين فى معاهد خاصة بهم حيث نظموا لجنة عمل موحد دافعت عن فكرة أنهم ثوريون بالوراثة بما أنهم أبناء كوادر و رفعوا شعار " والد ثوري ، إبن شجاع ، والد رجعي، إبن جبان " و خططوا و نفذوا هجمات على الطريقة الفاشية على التنظيمات الثورية. و تبيّن الأدلة المجمعة ضدهم منذ تلك الفترة أن قادة حزبيين سامين كانوا يمولونهم . و على أي حال بسلوكهم و رؤاهم كشفوا قسطا هاما من عقلية آبائهم . و فى جهات عدة لم يترددوا فى إستعمال أنماط مختلفة من الفساد و الحيل لشق صفوف الجماهير و إيقاف كل من يطالب بالإطاحة بهم . وزير الفلاحة ذاته شجع هذه الممارسات فى بيكين و فى الريف . و فى شنغاي و مناطق أخرى دفعت حوافز مالية خاصة للعمال و أنشأت درجات أجور متباينة لصالح الأتباع و شلوا الإنتاج و حثوا على الرحلات الخالصة المعلوم للعاصمة. و بمساعد الكوادر السامية ، دفعوا نحو إعادة تركيز الكوادر ذوى الدرجات الأقل و الذين أطاحت بهم الجماهير . و عارضت اللجنة المركزية المرتبطة بالكوادر الوسطى بطريقة مفضوحة أو مقنعة إقالتهم . و لعب شو آن لاي دورا حيويا فى الدفاع عن الكوادر التى تبغضها الجماهير.

8 / ضرورة الخطوة إلى الوراء :

فى أوت بعد سفرة إستطلاعية عبر البلاد لاحظ ماو تسى تونغ مدى فقدان الكوادر الصلة بالجماهير و بالتالى أن الحزب لم يعد حزبا ثوريا صلبا يعتمد على هيكل عريض من قادة حزبيين قادرين على قيادة سيرورة الثورة الثقافية . و من جهة أخرى ، كانت تجربة تلك الكوادر الإدارية ضرورية لتجنب الكوارث الإقتصادية و للحفاظ على سلامة حدود البلاد . و كان القادة الجدد الذين برزوا من ضمن الجماهير تنقصهم التجربة الكافية . و تأكد ماو تسى تونغ أيضا من أن الجماهير منقسمة بسبب الأعمال المقصودة التى أتتها الكوادر المرتبطة بالتحريفيين و كذلك بفعل نشاط عناصر القوات المسلحة الذى لم يكن حينها معروفا، و المرتبطة بمؤامرة لين بياو و كانت تلعب دور " الحكم " فى الخلافات بين قطاعات من الجماهير . و المشكل الذى واجه ماو تسى تونغ فى كل مداه هو مشكل فقدان الحزب القيادي الذى يمكن أن يعوّل عليه فى تعميق تلك السيرورة . و حتى الكوادر الموالية للماركسية قد هاجمها بدهاء الذين أقاموا المؤامرات ضمن الجماهير و أحيانا وجهت الجماهير ضدهم دون سبب .

لذلك كان ماو تسى تونغ مجبرا على التقليص من حركة الثورة الثقافية مثلما عبّر عن ذلك فى أحاديث جويلية 1967 ساعيا قدر الإمكان إلى إنقاذ ما تم التوصل إليه سياسيا و إيديولوجيا . و بالفعل كان مضطرا للتعامل مع شوآن لاي الذى كان يستخدم كل خبراته للدفاع عن "جهاز الحزب " من جهة و من جهة أخرى مع لين بياو الذى كان من خلال الجيش يضمن لأغراضه الخاصة ( غير المعروفة ساعتها) تجنب إمكانيات الصدام بين الجماهير وهي إمكانيات شجعها الذين عملوا على حرف الثورة الثقافية عن هدفها . و دعى ماو تسى تونغ الجماهير لتتحد و لتشكل أجهزة سلطة مؤقتة مكونة من كوادر عريقة فى الثورية و ممثلين عن الجماهير و عناصر من القوات المسلحة يعينون مباشرة من قبل اللجنة العسكرية و دعى إلى التخلى عن الكمونات التى ركزت فى شنغاي كأجهزة حكم مباشر للجماهير كما إقترحت وثيقة ال16 نقطة للثورة الثقافية . فتركزت لجنة ثلاثة فى واحد . . و أشار ماو تسى تونغ بصراحة إلى الحاجة إلى حزب قيادي لمواصلة التقدم .
" هل ما زلنا فى حاجة إلى حزب ؟ تساءل و أجاب " ما زلنا فى حاجة إلى نواة حديدية لتعزيز ذواتنا على الطريق الممتد أمامنا ".

بإختصار واجه ماو تسى تونغ فى الصين مشكلا مشابها للمشاكل التى شهدناها فى الإتحاد السوفياتي إثر وفاة ستالين و فى غالبية الديمقراطيات الشعبية لأوروبا الشرقية و ضمن أحزاب البلدان الرأسمالية ذاتها : غياب احزاب قياداتها العليا و المتوسطة تمتلك وعيا شيوعيا صلبا .

و فى نفس الوقت الذى ناضل فيه ماو تسى تونغ فى سبيل الوحدة المبدئية للجماهير على أساس نقد عميق للخط التحريفي الرجعي ، إجتهد فى إعادة بناء الحزب حتى بحدود ضرورة الإبقاء على العديد من الكوادر البيروقراطية و إعادة الإعتبار للكوادر التى أبعدتها الجماهير . و إستغل التحريفيون هذا التعزيز لإعادة كوادر تابعة لهم . فى نشرة الدورة 22 للجنة المركزية المقامة فى أكتوبر 1968 ، نُقل عن ماو قوله " يجب أن يكون الحزب طليعة منظمة قوية قادرة على قيادة البروليتاريا و الجماهير الثورية فى الصراع ضد العدو الطبقي " و لهذا يجب أن " يتخلص من وجهات النظر الخاطئة "و تضيف النشرة " قوموا بوعي بتوطيد الحزب و بنائه ".

و تحدثت منشورات " الراية الحمراء " حينذاك عن " ضخ دم بروليتاري للحزب" و أشارت إلى أنه " فقط بتطوير حركة توطيد الحزب تتطور حركة الجماهيرية المفتوحة و يمكننا ضمان أن تكون المنظمات الشيوعية فى مختلف المستويات يقودها أناس موالون لماو تسى تونغ و لفكره و لخطه البروليتاري الثوري " .

و من جهة أخرى سعى ماو تسى تونغ لأن يجعل من البروليتاريا القائدة قيادة شاملة للحركة من أجل محاصرة التيارات البرجوازية الصغيرة التى ظهرت خلال الأشهر الأولى من الثورة الثقافية - و التى إستغلها أعداؤه أيما إستغلال . فى أحاديث جويلية التى سبقت الإشارة إليها ، أكد ماو تسى تونغ على أن المظهر الرئيسي للثورة الثقافية هو مشاركة جماهير العمال و الفلاحين و قال : " و بعد إجتماع عمل اللجنة المركزية جرى التشديد على نقد الخط الرجعي البرجوازي . و قد أثار ذلك النقد حماس العديد من الثوريين . و كان المثقفون الثوريون و الشبان الطلاب أول من حصل وعيه ، و هذا يطابق قوانين التطور الثوري . و فى شباط / جانفى من هذا العام ، تعبأ عمال شنغاي كما فعل عمال كل البلاد و الفلاحون كذلك .و هكذا كنست عاصفة كانون الثاني البلاد . إن تقدم الحركة أظهر أن العمال و الفلاحين هما دائما القوة الرئيسية - و الجنود ليسوا سوى عمال و فلاحين فى الزي الموحد- . و عندما نتكلم عن الجنود ، فهم بشكل أساسي عمال و فلاحون . و لن تكنس كل الرداءة البرجوازية إلا عندما تنتصب الجماهير العمالية و الفلاحية ، بينما يعود المثقفون الثوريون و الشبان الطلاب إلى مركز ثانوي ". ( صفحة 298-299 من كتب جون دوبيه " تاريخ الثورة الثقافية البروليتارية فى الصين -1965-1969 " ، الملحق عدد4/ الوثيقة 4 ، دار الطليعة للطباعة و النشر ،بيروت )

ثم وجه نداءا لدفع الطبقة العاملة للنهوض بدورها الشامل فى الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و فى جميع مجالات العمل . إثر ذلك أكد على : " للقيام بالثورة البروليتارية فى التعليم من الضروري أن تكون القيادة بأيدى الطبقة العاملة ... ينبغى أن تبقى مجموعات العمال الدعائية فى المعاهد لتساهم فى إنجاز كافة مهام الصراع – النقد – التحويل فى المعاهد و ستكون على الدوام فى قيادة المعاهد . و فى الريف ينبغى أن تكون المعاهد مدارة من قبل صغار و متوسطى الفلاحين الفقراء - حلفاء الطبقة العاملة الأكثر وثوقا ."

و إشتدت عزلة ماو تسى تونغ و الماركسيين - اللينينيين المتماثلين مع أهدافه بفعل ضرورة الحد من الحركة الجماهيرية الواسعة للثورة الثقافية و بفعل غياب نواة حزب قيادي صلب فعلا لأجل قيادتها حتى التحقيق النهائي لأهدافها . لقد منعت ضرورة التعويل على شوآن لاي الذى لم يفصح عن علاقاته المتينة مع دنك سياو بينغ إلا بعد مؤامرة لين بياو ، منعت الثوريين من التدخل فى السياسة الخارجية للصين و مثلما هو معلوم ، دافع شو لآن لاي بغيرة عن كوادر مصلحة الربط التابعة للجنة المركزية المسؤولة عن الشؤون الخارجية .

بفضل تدقيق الأحزاب الماركسية - الليمنينية ، تبيّن أنه تم إبعاد مبكر جدا للثائرين من تلك المصلحة . و أبقي على الوزير تشن يى فى مركزه بالرغم من الإنتقادات الجماهيرية الحادة له . و ظلت مبادئ الماركسية- اللينينية و الخط الذى رسمه ماو تسى تونغ فى جداله ضد التحريفيين السوفيات سائدا بالأساس إلى حدود المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني حيث قدم شو آن لاي تقريرا عن الشؤون العالمية فيه أشار إلى :

" قال ستالين اللينينية هي ماركسية عصر الإمبريالية و الثورة البروليتارية ..." و أضاف " لم يتغير العصر و مبادئ اللينينية لم "يعفو عليها الزمن " و شدد على نضالات شعوب العالم و نقل عن ماو قوله " الشعب و الشعب وحده هو القوة المحركة لتاريخ العالم " و هذا سيتعارض مع ما سيفصح عنه شريكه دنك سياو بينغ فى السنة الموالية فى إطار الأمم المتحدة . و ندّد شو آن لاي "بالقوتين الأعظم - الولايات المتحدة و الإتحاد السوفياتي " . إلى جانب ذلك نعثر فى خطابه أيضا على بعض النقاط الثانوية التى يمكن أن تؤول كتنبئ دقيق بأفكار دنك سياو بينغ غير أنه عموما يعتبر مضمون التقرير متماثلا مع الخط الأممي السابق للصين .

كان بإمكان الماركسيين - اللينينيين الصينيين نشر أفكارهم عبر بعض وسائل الدعاية فى حين كانوا يفتقدون لوسيلة صلبة لقيادة الجماهير . لكن ضعفهم ووضعهم السابق أضحى أسوأ لما تكشفت مؤامرة لين بياو الإنقلابية فى 1971 . فأجبرت هذه المؤامرة ذات الجذور الممتدة فى القوات المسلحة و الحزب و مؤسسات الدولة القوى الماركسية - اللينينية الضعيفة داخل الحزب على التأكيد أكثر على إتفاقها المؤقت مع الذين رفضوا دفع الثورة الثقافية أية خطوة إلى الأمام أو الذين إرتبطوا علنيا أو سريا بالقوى التحريفية . و إضافة إلى الخطر الداخلي المحدق هنالك التهديد الصريح للقيادات السوفياتية بالهجوم العسكري على الصين . و على ما يبدو كان لين بياو مرتبطا بهذه القيادات السوفياتية التى ركزت عددا ضخما من فيالقها على الحدود الصينية و بعثت عديد الباخرات الحربية لتتجول قرب السواحل الصينية .

فى هذه اللحظة التاريخية الحرجة بدأت قوات أبعدت لكونها قيادات تحريفية فى الظهور من جديد وليس فحسب فى الهياكل الدنيا مثلماحدث سابقا طوال الثورة الثقافية و إنما هذه المرة حتى ضمن الهياكل القيادية العليا[ بحكم الوضع الداخلي و الخارجي و ضغوطات شو آن لاي] .

و فى أفريل 1973 ، ظهر من جديد دنك سياو بينغ لأول مرة فى إحتفال عام. و بعد ذلك بقليل عاد إلى منصبه كمساعد للوزير الأول و فى أوت من تلك السنة عاد إلى عضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني . و فى 1974 ، تسلل إلى المكتب السياسي و تولى مسؤولياته فى إعادة تنظيم القوات المسلحة الشيء الذى يبيّن العلاقة بين رجوعه و الحاجة إلى تحييد تأثير لين بياو . و فى أفريل من تلك السنة شعر بأنه قوي بما فيه الكفاية ليصدح فى الأمم المتحدة بنظريته الرجعية " نظرية العوالم الثلاثة " و فى جانفى 1974 فى الدورة العاشرة للجنة المركزية نجح فى أن يعيّن مساعدا لرئيس اللجنة المركزية . و فى الشهر ذاته ، فى المؤتمر الوطني الرابع للشعب الذى لم يحضره ماو تسى تونغ ( ويبدو أنه كذلك لم يحضر المؤتمر العاشر ) ، تم تعيين دنك سياو بينغ مساعدا للوزير الأول و رئيسا للقوات المسلحة قائما بوظائف الوزير الأول نظرا لمرض شو آن لاي .

و فى ديسمبر 1973 جرى تغيير جزء من قادة القوات المسلحة و بدأت عملية إعادة الإعتبار للعديد من العناصر التى كانت هدفا للثورة الثقافية و فقط بين جويلية و أكتوبر 1975 أعيد الإعتبار لجماعة قيادة الجيش الذين أبعدوا و للمسؤولين عن جامعة بيكين و للحاكم السابق لمدينة شنغاي و لغيرهم .


9 / خيانة الخط الأممي لماو تسى تونغ :

أقيمت تحضيرات لزيارة نكسن للصين تبعا لجهود شوآن لاي بغرض إدخال الصين للأمم المتحدة و جاءت فى إطار التهديد الداخلي الجدى المتأتى من مؤامرة لين بياو فى سبتمبر 1971 و من التهديد الجدي الخارجي السوفياتي .و تمت زيارة نكسن خمسة اشهر بعد إماطة اللثام عن مؤامرةلين بياو و لا نعلم الأسباب التكتيكية التى دفعت بماو تسى تونغ لقبول مقابلة نيكسن . على كل حال فإن مجرد مقابلة قائد العدو فى ظروف تكتيكية معينة لا تعنى تنازلا مبدئيا . فالأمر عينه قام به قادة ثوريون كبار آخرون. و سبق أن كانت لماو تسى تونغ محادثات أيضا مع تشنغ كاي تشاك و بالتأكيد لم تعن التخلى عن النضال للإطاحة به .

فى أكتوبر 1972 ، بمناسبة الذكرى 23 للثورة الصينية ، نشرت أهم الجرائد الصينية إفتتاحية جاء فيها : " صارت معارضة طغيان و سيطرة القوتين الأعظم مطلبا مشتركا للشعوب " و " تناضل بعض البلدان التى تسيطر عليها بقوة التحريفية السوفياتية أو الإمبريالية الأمريكية لكي تنهى هذه التبعية " . " على طول السنة الماضية ، واصل بلدنا تطبيق الخط الثوري للرئيس ماو بصدد الشؤون الخارجية تطبيقا شاملا . و طورنا علاقات صداقة و تعاون و مساندة مع البلدان الإشتراكية الأخرى . و بصلابة ساندنا نضال الصمود فى وجه الإعتداء الأمريكي و نضالات التحرر الوطني لشعوب فتنام و اللاوس و كمبوديا و ساندنا النضال العادل لشعوب آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينية من أجل إنتصارها و محافظتها على إستقلالها الوطني و دفاعها عن سيادة دولتها ." " إن مستقبل الحركة الثورية لشعوب العالم مشرق و لكن الطريق شائك . على شعوب العالم لتحقيق الإنتصار فى نضالها الثوري أن تعوّل أساسا على نفسها لترفع تدريجيا مستوى الوعي و شعور التنظيم فى سيرورة النضال و أن تدمج خطوة خطوة الحقيقة العالمية للماركسية - اللينينية مع الممارسة الثورية فى بلدانها هي. على الدوام ساندنا النضالات الثورية لشعوب العالم و نعلق ىمالنا على الشعوب " . " فى الوضع العالمي المناسب نسبيا ينبغى أن نسعى أكثر لتطبيق الخط و السياسات الثورية التى صاغها الرئيس ماو " بصدد الشؤون الخارجية تطبيقا تاما . و ينبغى أن نتحد مع البلدان الإشتراكية الأخرى و البروليتاريا فى العالم قاطبة و مع الشعوب و البلدان المحبة للسلام و التى تعارض الطغيان و ذلك بغاية النضال بتصميم ضد سياسات العدوان و الحرب الإمبريالية و الإمبريالية الإشتراكية ".

إذن لقاء ماو تسى تونغ مع نكسن يظل داخل إطار سياسة أممية صحيحة فى الأساس و متمايزة بعمق عن تلك التى صاغها دنك سياو بينغ بعد سنتين فى الأمم المتحدة.
نعتقد أن "رسالتنا المفتوحة " الموجهة للحزب الشيوعي الصيني و المنشورة فى نهاية 1977 و التى من خلالها قطعنا العلاقات مع قيادته الراهنة ، تبيّن بجلاء أن أفكار ماو تسى تونغ فى السياسة الأممية مثلما توجد فى كل من أعماله الماضية و فى الجدال الذى طوره ضد التحريفية السوفياتية لا علاقة لها بنظرية "العوالم الثلاثة "بل هي على النقيض منها تماما .
و فوق ذلك ، كانت السياسة الخارجية الملموسة للصين طوال الثورة الثقافية ، حينما كانت توجيهات ماو و قيادته مهيمنة ، كانت بالأساس صحيحة و تتضامن تضامنا كليا مع شعوب العالم و الماركسيين - اللينينيين.

فى " رسالتنا ..." تلك عقب عقدنا مقارنة بين كلا الخطين و عقب تبيان كيف أن خط دنك سياو بينغ فى جوهره مماثل للخط السوفياتي ، بإستثناء طموحاته الهيمنية الخاصة ، و عقب توثيق كثيف ، كخلاصة قلنا: " فى أعماله و فى منشورات الجدال ضد التحريفية السوفياتية ، يرى الرفيق ماو ما يلى : إن السياسة الإستعمارية للإمبريالية متواصلة فى شكل الإستعمار الجديد عبر عملائها و إن التحرر الوطني يتم من خلال الصراع الطبقي داخل البلد الذى تستعمره الإمبريالية ، عن طريق ثورة مناهضة للإمبريالية و القوى الداخلية التى تساند حكمها ،و إن ثورة التحرر الوطني هذه لا يمكن أن تنجح إلا إذا قادتها البروليتاريا لا البرجوازية . لا يمكن التوصل لأي تحرير فقط عبر إجراءات إقتصادية إستقلالية تتخذها البرجوازية و إن القوة المحركة للتاريخ هي الصراع الطبقي الذى تخوضه راهنا شعوب العالم بقيادة البروليتاريا و أحزابها الطليعية ، و إنه ينبغى على البروليتاريا فى البلدان الرأسمالية المتقدمة أن تهزم البرجوازية الإحتكارية المحلية لإفتكاك السلطة و بناء الإشتراكية و كذلك للنضال ضد القوى العظمى ، و إن النظرة التى تقفز على المضمون الطبقي للتناقض بين المعسكر الإشتراكي و المعسكر الإمبريالي و تخفق فى رؤية هذا التناقض بإعتباره تناقضا بين دول تحكمها دكتاتورية البروليتاريا و دول تحكمها دكتاتورية الرأسماليين الإحتكاريين مرفوضة ، و إن وجود الدول الإشتراكية غيّر طابع و آفاق حركة التحرر الوطني التى تسعى بقيادة البروليتاريا إلى تركيز الإشتراكية ، لا التطور الرأسمالي فى ظل دكتاتورية البرجوازية ، و إنه يجب على الدول الإشتراكية أن تمارس الأممية البروليتارية كجوهر لسياستها الخارجية و ألا تربطها أبدا بالتعايش السلمي أو بالشوفينية و الهيمنة ، و إنه من الممكن منع حرب عالمية جديدة بنضال الشعوب و القيام بالثورة حتى النهاية ، و إنه من الضروري النضال بحزم ضد كل من القوتين الأعظم الإمبريالية الأمريكية و الإمبريالية السوفياتية و معارضتهما بالجبهة الموحدة لشعوب العالم بقيادة البروليتاريا ".

و بالعكس يرى دنك سياو بينغ أن " السياسة الإستعمارية إضمحلت بالأساس و ان هنالك فقط "بقايا" أشكال من الإستعمار ، و أنه من الممكن "إنقاذ" و "توطيد" الإستقلال عبر بعض التغييرات فى العلاقات الإقتصادية العالمية ، و أنه سيتحقق التحرر الوطني عبر أعمال دول "العالم الثالث" بالقبول بالأساس كما هي بالحكومات البرجوازية ، عملاء الإمبريالية و مضطهدو الشعوب ، و أن القوى البرجوازية التى تسيطر على حكومات بلدان "العالم الثالث " ليست فحسب القوى القيادية للتحرر الوطني بل أيضا "القوى المحركة الدافعة لعجلة تاريخ العالم " ، و أنه يجب على بروليتاريا البلدان الرأسمالية المتقدمة لما يسمى "العالم الثاني" أن تتحالف مع برجوازيتها هي الإحتكارية و أن تعزّز الإتفاقيات العسكرية ووسائل أخرى من الهيمنة الإمبريالية الأمريكية و برجوازياتها هي الإحتكارية ، بتعلة أن هجوما من الإمبريالية الإشتراكية كان مداهما ، و أن المعسكر الإشتراكي لا يوجد و أن الصين ، مع كونها إشتراكية تنتمى إلى "العالم الثالث" الذى يتكون أساسا من بلدان تابعة للإستعمار و الإستعمار الجديد تحت سيطرة الولايات المتحدة أو الإمبريالية الإشتراكية ، و أن بلدان "العالم الثالث " مثل الصين يمكنها أن تطوّر إقتصادا للقضاء على "حالة الفقر و التخلف" التى هم فيها دون القيام بثورة تحرر وطني أو ثورة إشتراكية ، و أن سياسة الصين الخارجية هي بالأساس سياسة تعايش سلمي و ليست سياسة مرتكزة على الأممية البروليتارية ، و أن الحرب العالمية الثالثة حتمية و مداهمة و أن على حلفاء الإمبريالية الأمريكية أن يحسنوا من أسلحتهم و جيوشهم و إتفاقياتهم العسكرية لمواجهة الإمبريالية الإشتراكية و لهذا السبب يتعين وضع الصراع الطبقي بين معقفين ".

إذن هذان الخطان متعارضان كليا فخط تقوده الماركسية - اللينينية و آخر تقوده التحريفية . لقد ناضل ماو تسى تونغ فى جداله ضد السوفيات علنيا و جماهيريا ضد ذات الخط الذى رسمه الآن دنك سياو بينغ فلم يدافع البتة عن أطروحات دنك سياو بينغ الإنتهازية لا جماهيريا و لا فى أوساط خاصة على حدّ علمنا . و فى تقديرنا أنه لا وجود بديهيا لأسس أصلا للتفكير بأن ماو تسى تونغ تراجع تراجعا ب180 درجة فى خطه الأممي فى السنوات الأخيرة من حياته . إلى ذلك ، من غير المعقول أن ماركسيا مثل ماو تسى تونغ دون طموحات شخصية يستحيل تحريفيا تماما و مرتدا عن أفكاره و حياته . و حتى من وجهة نظر عملية ، من غير الوارد أن يتراجع ماو عن خطه الأممي لفائدة دنك سياو بينغ الذى سيخوض ماو تسى تونغ ضده معركة جديدة لأجل فضحه و طرده من الحزب خلال تلك السنوات عينها ( و هذا ما حصل فعلا ) و قد صرح ماو بشأن دنك سياو بيتغ بأنه "لا يفرق بين الماركسية و الإمبريالية ، إنه يمثّل البرجوازية " .

الفرضية المنطقية الوحيدة بشأن ما حدث هي أنه لوجوده أقلي فى القيادة و ضمن كوادر الحزب الذى تسرّب إليه و نشأ فيه على مدى واسع التحريفيون رغم أنهم لم يجرؤوا على الإطاحة به بحكم تأثيره الكبير على الجماهير و كانوا يترقبون وفاته ليستغلوا سمعته ، لم يعد لماو تأثير كبير على قيادة الحزب و خاصة على سياسته الخارجية . و الأدهى أنه ثمة إشارات إلى أن صراعا خيض ضد أفكار دنك سياو بينغ فى السياسة الخارجية على أنّه لم يكن علنيا .

إثر وفاة ماو تسى تونغ ، أعرب القادة التحريفيون ذاتهم فى مقال ضمن "مجلة بيكين "عدد 45 : " فى بلادنا هنالك من يعارض بشدة نظرية الرئيس ماو حول العوالم الثلاثة و من هؤلاء المعارضين وانغ هونغ وان و تشانغ تشن تشياو و تشيانغ تشنغ و و ياو وايوان ، أو " مجموعة الأربعة ". رافعين أكثر الرايات "ثورية " ، عارضوا جهود الصين الرامية لتوحيد كل القوى التى يمكن التوحد معها و عارضوا محادثاتنا مع أكثر الأعداء خطرا . و سعوا دون جدوى لعرقلة بناء جبهة متحدة عالمية ضد الهيمنة و الفوضى و نضال الصين ضد هذه الهيمنة معتبرين الإمبريالية الإشتراكية دولة جيدة ."

و بهذا يحاول التحريفيون لا فحسب أن ينسبوا النظرية التحريفية لماو تسى تونغ وهو أمر لم يجرؤوا على فعله عندما كان على قيد الحياة و لكن أيضا إشاعة الفكرة العبثية القائلة بأن أولئك المعروفين بأنهم أقرب معاوني ماو تسى تونغ إبان الثورة الثقافية و فى معركته الكبرى الأخيرة للإطاحة بدنك سياو بينغ كانوا "ضد ماو " بهذا الموضوع الهام كان لأنهم كانوا يعارضون نظرية "العوالم الثلاثة " و من جهة أخرى إن ماو الذى كان يكافح من أجل الإطاحة بدنك سياو بينغ "إتفق معه " حول الخط الأممي رغم أنه قد قال أن دنك " لا يفرق بين الماركسية و الإمبريالية " . من البديهي أن هذا قمة الكذب و أنه فرضية عبثية.

و من أوضح الدلائل على تقلص تأثير ماو تسى تونغ على جهاز الحزب الشيوعي الصيني رغم سمعته بين الجماهير إثر إفتكاك التحريفيين مجددا لمراكز حساسة فى الحزب و الدولة بفعل مؤامرة لين بياو و التنازلات التى فرضت فرضا على الماركسيين - اللينينيين الصينيين حينها ، أن أعيد دنك سياو بينغ المطرود من الجهاز "بالإجماع" سنة 1976 تحت إلحاح ماو تسى تونغ عقب أحداث ساحة تيان آن مان و الحملة المديدة و المثابرة ضد إعادة الإعتبار لآرائه الرجعية و معارضته لمكاسب الثورة الثقافية ، أُعيد دنك سياو بينغ لكل مراكزه بعد فقط بضعة أشهر من وفاة ماو كذلك "بالإجماع" ( طبعا إثر إيقاف أتباع ماو تسى تونغ ).


10 / النضال يتجدد:

عندما قيّم ماو تسى تونغ الإستفاقة التى حدثت غداة إكتشاف مؤامرة لين بياو، تبيّنت صحة ما لاحظه خلال الثورة الثقافية و ما دفعه إلى وضع حدّ لمزيد تعميقها . لم يكن من الممكن تطهير الحزب الشيوعي الصيني فى كل مستوياته نظرا للتغلغل التحريفي الذى تبع الإتفاق المفروض فرضا للإطاحة بمؤامرة لين بياو . و لقتال التحريفيين مجددا ، ركز ماو تسى تونغ على المشاكل الداخلية للصين الأوضح و الأكثر مباشرة لفهم جماهير الشعب. و تصدى لجميع جهود دنك سياو بينغ الرامية إلى جعل الإقتصادوية فى القيادة فوق الصراع الطبقي و على حسابه ، و جهوده لتشويه مكاسب الثورة الثقافية - وهو ما فعله دنك على نطاق واسع عقب وفاة ماو . فى التعليم و فى المصانع و فى الريف نفسه ، سعى ماو تسى تونغ تدريجيا إلى خلق وعي يعيد إحياء التحرك الجماهيري . و فى الوقت نفسه ، ملخصا تجارب الثورة الثقافية التى واجهت عراقيل جدية وقف وراءها العديد من الكوادر الوسطى و حتى قطاع معين من العمال الذين سقطوا فى فخ الإقتصادوية والحوافز المالية، إقترح ماو التركيز على النضال الجديد لا فقط على الصيغ التحريفية و إنما أيضا على القاعدة الإجتماعية و الإقتصادية غير العادلة و التى إستخدمها القادة التحريفيون للتأثير على الكوادر الوسطى و كسب مساندتهم . إن وسيلة معالجة المشكل هي تعزيز دكتاتورية البروليتاريا و عبرها القضاء تدريجيا على بقايا الحق البرجوازي الذى مثّل قاعدة للإمتيازات التى كان يدافع عنها الكوادر التى عارضت الجماهير . للشروع فى هذا النضال قدم صيغة فى منتهى الوضوح بما يبين لنا الإستنتاجات التى توصل إليها فيما يخص العراقيل التى واجهتها الثورة الثقافية.

" لماذا تحدث لينين عن ممارسة الدكتاتورية على البرجوازية ؟ من الضروري أن تكون هذه المسألة واضحة. فغياب الوضوح بهذا الصدد يؤدى إلى التحريفية. يجب أن تعلم بهذا الأمة جمعاء."( " ماركس و إنجلز و لينين " حول دكتاتورية البروليتاريا " ، بيكين ، الطبعة الأنجليزية .)

" حاليا تمارس بلادنا الإنتاج السلعي و نظام أجور غير عادل كذلك ، على غرار ما فى سلّم الأجور ذو الثماني درجات ، و ما إلى ذلك . فى ظل دكتاتورية البروليتاريا لا يمكننا إلا أن نحدد مثل هذه الأشياء . لذلك إذا توصّل أناس من أمثال لين بياو إلى السلطة سيكون سهلا جدا بالنسبة لهم أن يركزوا النظام الرأسمالي .." ( المصدر السابق ).

و يستطرد مذكرا برأي لينين حول بناء دولة برجوازية دون برجوازية [ فى "الدولة و الثورة "] وقائلا:" " فى كلمة ، الصين بلد إشتراكي . قبل التحرير كانت تشبه أكثر البلدان الرأسمالية. و حتى الآن ، يمارس نظام سلّم الأجور ذى الثماني درجات و التوزيع حسب العمل و التبادل النقدي و فى كل هذا تختلف قليلا جدا عن المجتمع القديم . نقطة الإختلاف هي أن نظام الملكية قد تغيّر ."( " ماركس و إنجلز و لينين " حول دكتاتورية البروليتاريا " ، بيكين ، الطبعة الأنجليزية .)

و قال فى الصدد نفسه :
"قال لينين : " إن الإنتاج الصغير يولد الرأسمالية و البرجوازية بإستمرار ، فى كل يوم و كل ساعة ، و بصورة عفوية و على نطاق واسع . " و أيضا تولد البرجوازية ضمن جزء من الطبقة العاملة و عناصر الحزب . فى كلّ من صفوف البروليتاريا و ضمن موظفى الدولة و أجهزة أخرى ، هنالك أناس يتعودون على نمط الحياة البرجوازية "( ماركس و إنجلز و لينين " حول دكتاتورية البروليتاريا " بيكين ، الطبعة الأنجليزية .)

قبل هذا ، فى الدورة الأولى للجنة المركزية التاسعة للحزب الشيوعي الصيني ، وهو يلخص الحواجز الجوهرية التى أعاقت الثورة الثقافية و ضرورة مواصلتها ، أشار إلى أنه :
" يبدو من الجوهري أن نواصل جهودنا للمضي بالثورة الثقافية البروليتارية الكبرى إلى النهاية . فقاعدتنا لم تتعزز. من ملاحظاتى الخاصة ، أقول إن فى الغالبية الكبرى من المصانع و لا أعنى الغالبية الغالبة أو الساحقة ، ليست القيادة بأيدى الماركسيين الحقيقيين و جماهير العمال . و لا يعزى هذا إلى أنه لم يوجد أناس جيدون فى قيادة المصانع . وجدوا . وجد أناس جيدون ضمن الكتاب العامين والكتاب العامين المساعدين و عناصر لجان الحزب و ضمن لجان و فروع الحزب . غير أنهم إتبعوا خط ليوتشاوتشى الداعي بالضبط إلى الدوافع المادية ، واضعا الربح فى مصاف القيادة و لم يكونوا ينشرون السياسات البروليتارية ، و عوض ذلك كانوا يطبقون نظام العلاوات إلخ ...لكن وجد فعلا أناس سيئون فى المصانع ...و هذا يثبت أن الثورة لم تنته بعدُ "( ستوارد شرام ، " ماو يتحدث إلى الشعب " ، صفحة 271-272، نشر الصحافة الجامعية الفرنسية 1977).

وقد نبّه لينين إلى مثل هذا الأفق لما أعرب فى أفريل 1918 عن :
" نعم بالإطاحة بالملاكين العقاريين و البرجوازية نظفنا الطريق لكننا لم نشيد صرح الإشتراكية . على الأرضية النظيفة من جيل من البرجوازية ، ستظهر أجيال جديدة بإستمرار فى التاريخ طالما أن الأرضية تسمح لهم بالظهور و طالما تسمح بظهور عدد من البرجوازيين . بالنسبة لأولئك الذين ينظرون إلى الإنتصار على الرأسماليين بالطريقة التى تنظر إليه البرجوازية الصغيرة ، فإن كل واحد منهم ، فى الواقع ، منبع جيل جديد من البرجوازية "( لينين " المهام الراهنة للحكومة السوفياتية " الأعمال الكاملة ، المجلد 30 ، صفحة 300 ، الطبعة الأنجليزية .)

بفضل إستخلاص دروس ما حدث فى الإتحاد السوفياتي و بلدان أخرى يسيطر عليها التحريفيون و كذلك دروس ما حدث أثناء الثورة الثقافية ، توصّل ماو تسى تونغ إلى فهم جلي لنوايا البرجوازية الجديدة الصاعدة و التربة التى تغذيها أي إستمرار الحق البرجوازي الذى يظل قائما خلال المرحلة الإشتراكية كمرحلة إنتقالية من الرأسمالية إلى الشيوعية.
بعد ُ فى 1964 ، دللت حركة التربية الإشتراكية على أن عناصرا من الحزب : " قد تحولت أو هي فى طريق التحول إلى عناصر برجوازية تشرب دم العمال ، كيف يمكن لهذه القيادات المتبعة للطريق الرأسمالي أن تفهم الحاجة إلى ثورة إشتراكية ؟ هؤلاء الناس هم هدف النضال ، هدف الثورة و من المستحيل التعويل عليهم فى حركة التعليم الإشتراكية ". ومباشرة قبل وفاة ماو بقليل أثبت دنك سياو بينغ و أتباعه أنهم :" مع الثورة الإشتراكية يصبح هؤلاء تحت النار.
مع الثورة الإشتراكية يجدون أنفسهم هم تحت النار . زمن التحوّل إلى التعاونيات الفلاحية وجد أناس فى الحزب عارضوه و حين شرعنا فى نقد الحق البرجوازي تصدوا للدفاع عنه .
إنكم تقومون بالثورة الاشتراكية و بعد لا تعرفون أين توجد البرجوازية . إنها بالضبط داخل الحزب الشيوعي - أولئك فى السلطة السائرين فى الطريق الرأسمالي. إن السائرين فى الطريق الرأسمالي لا زالوا على الطريق الرأسمالي " ( " مجلة بيكين " عدد 11 ، 12 مارس 1976، الطبعة الأنجليزية .)

و هنا لا حاجة إلى تبيان أن الخط الذى يطبقه دنك سياو بينغ إثر إعادة الإعتبار له ، بعد وفاة ماو ، هو الأطروحة المناقضة لجميع ما جرى النضال من أجله طوال الثورة الثقافية . إنه لم يعد تركيز الحوافز المالية و نظام الإنتقاء فى المعاهد ووضع الإنتاج قبل الصراع الطبقي و نظام الإدارة القديم فى المعامل و إدخال تعديلات إضطهادية فى ظروف العمل و تعميق الإختلافات فى الحق البرجوازي فقط بل إنه أعاد للبرجوازية القديمة حقوقا إنتزعتها منها الثورة الثقافية . و كذلك أعاد إلى مناصبهم أهم التحريفيين و منهم بينغ تشان أول المطرودين و ليوتشاوتشى و غيرهم و حتى بينغ تاه واي أعيد الإعتبار له لاحقا.

و يمضى أحد المقالات الناقدة لأقرب معاونى ماو تسى تونغ القابعين الآن فى السجن ، بعيدا إلى حد إعتبار و نعت الفترة السابقة ب" دكتاتورية إيديولوجية فاشية " و دعى إلى قلب الأحكام الخاطئة لبعض "القادة الكبار " . و إجمالا ، ليس تواصل الصراع بين التنكيل بماو تسى تونغ و إستغلال سمعته لترويج تحريفية خرقاء سوى دليلا على نفاق دنك سياو بينغ و أتباعه و كذبهم . و ينسجم الخط الأممي الشوفيني الهيمني و غير المبدئي لدنك سياو بينغ الذى يسعى إلى تحويل الصين إلى قوة عظمى إمبريالية تمام الإنسجام مع خطه الداخلي لإعادة تركيز الرأسمالية وهو أمر لطالما قاتلت ضده الثورة الثقافية بتخطيط ماو و قيادته. و هذا يؤكد الطابع العدائي بين خط دنك سياو بينغ من جهة و أهداف ماو تسى تونغ فى معارضة إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين عبر الثورة الثقافية و من ثمة صراعه ضد دنك سياو بينغ و مخططاته الهيمنية و الشوفينية.

11 / إستنتاجات :

نعتقد أن الحركة الشيوعية العالمية ، منذ فترة الحرب العالمية الثانية ، تواجه تيارا تحريفيا يختلف بشكل عميق عن التيارات التحريفية زمن الأممية الأولى و الثانية و له مظاهر أساسية كمدافع على نظام الإستغلال الرأسمالي . فالتحريفية المعاصرة إلى جانب كونها تشجع موضوعيا على هيمنة البرجوازية التقليدية بحرف البروليتاريا عن القيام بالثورة ، فهي أيضا تأمل فى أن تصبح برجوازية جديدة من خلال رأسمالية الدولة المقنعة بقناع إشتراكي. و حسب الظروف يمكن أن يتم هذا المسار بالتعاون مع قطاعات من البرجوازية التقليدية . و قد أعطى هذا التيار التحريفي الجديد دفعا حيويا بتركيز أنظمة راسمالية الدولة ( و حتى إمبريالية كما هو الحال بالنسبة للإتحاد السوفياتي ) فى بلدان كانت البروليتاريا قد إفتكّت فيها السلطة. و ساهمت ثانويا فى هذا التحويل للإشتراكية إلى دولة رأسمالية جملة من الأخطاء الإيديولوجية التى حصلت أثناء البناء الإشتراكي و فى دور الحزب الطلائعي و فى علاقة الحزب بالبروليتاريا و الجماهير الشعبية عموما .

إننا مقتنعون بأن تجربة الثورة الثقافية و أفكار و ماو تاسى تونغ و خطه الذى ألهمها ، تمثل تطبيقا خلاقا للماركسية -اللينينية على واقع الصين و تطورها وهي تنطوى على دروس غاية فى الأهمية من أجل الصراع ضد التيار التحريفي المعاصر و التحليل العميق للأسباب الكامنة وراء إعادة تركيز الرأسمالية فى مجموع البلدان الإشتراكية السابقة و للحيلولة دون إعادة تركيز الرأسمالية مستقبلا . و نعتقد ان تأكيد ماو تسى تونغ على أهمية تطبيق الماركسية - اللينينية و مبادئها العالمية على الواقع الملموس لكل بلد و تجنب الدغمائية و التحريفية و التجريبية جد قيم ، و نرى ذات قيمة كبيرة مفهومه الجدلي للحزب و طريقته فى التفريق بين طبيعة التناقضات صلب الحزب و منهجه فى التعاطي معها ،و نعتبر فى أقصى الأهمية مفهومه أن على القيادة تيسير السيرورة و ليس "حلها" حلا من فوق أو حلا أبويا و على كافة عناصر الحزب أن تساهم فى النضال و أن تتعلم عبر مساهمتها النشيطة فى مكافحة الأخطاء التى تظهر فى الحزب و ان يساعدوا على إصلاحها و فى مكافحة الكتل المعادية للحزب و القضاء عليها .

و من الأهمية بمكان عظمة فكرة ماو حول تطوير النضال فى صفوف الجماهير الشعبية لا سيما البروليتاريا ، فى ظل قيادة الحزب الإيديولوجية بطريقة تجعل الجماهير تتعلم كيفية التمييز بين الأصدقاء و الأعداء و النضال ضد أعدائها فتتحررمن تأثيرهم عليها ، و نعتبر ذات دلالة كبرى فهم ماو أن على الجماهير فى ظل قيادة الحزب أن تمسك أكثر فأكثر بين أيديها شؤون الدولة و الدفاع و الإقتصاد و التخطيط و الصحة و إدارة المؤسسات و التعليم و الفن و الثقافة و كافة مجالات المجتمع ، و نعتبر مصيرية الأهمية التى أولاها ماو تسى تونغ لدورالإيديولوجيا فى الإنتقال من الإشتراكية إلى الشيوعية و لدور الوعي الثوري و إجراءات الصراع ضد بقرطة الكوادر و إنعزالهم عن الجماهير و معارضتهم لها ، على غرار الحاجة للجماهير لا سيما البروليتاريا فى بناء الحزب و إصلاح الأخطاء التى يرتكبها أعضاؤه . و نقدر حيوية فكرة ماو القائلة بضرورة تحديد و محاصرة بقايا الحق البرجوازي فى ظل الإشتراكية ، هذا الحق البرجوازي الذى يمثّل أرضية تغذى نموّ الشرائح الجديدة من البرجوازية و التحريفية بما فى ذلك فى صفوف الحزب الشيوعي .

و ختاما ، نعتقد أن فى أفكار ماو تسى تونغ و ممارسته طوال حياته ثمة مفاهيم أخرى ذات أهمية ثورية و منها بالأساس معالجته المادية الجدلية الصحيحة للمشاكل . و لا نقول إن ماو أوجد جميع هذه الصياغات ، رغم إسهاماته القيمة هو ذاته ، لكنه دون أدنى شك، طورها و طبقها على أرقى مستوى بما سمح له ، فى الواقع المعقد للغاية فى الصين ، بقيادة مئات الملايين من الناس و حزب يعد أعضاؤه بعشرات الملايين و التقدم بحزم فى البناء الإشتراكي إيديولوجيا و سياسيا فاضحا التحريفية المعاصرة على الصعيد الأممي و مقاتلا بلا هوادة فى الصين أعداء الثورة لما يناهز العشرين سنة بعد إعادة تركيز الرأسمالية فى الإتحاد السوفياتي و بلدان إشتراكية أخرى سابقا .

بطريق الحتم أن ماو إرتكب أخطاء فيما يتصل بفهمه الملموس بيد أنه لم ينحرف أبدا عن مبادئ الماركسية -اللينينية شأنه فى ذلك شأن كبار القادة الماركسيين . و يتحمل جميع الماركسيين-اللينينيين مسؤولية الهزيمة المؤقتة طالما أننا لم نعرف كيف نكشف و نفضح خصوصيات التحريفية المعاصرة التى هيمنت تقريبا على كافة الأحزاب الشيوعية القديمة. بحكم تركيبته الطبقية التى ورثها عن المجتمع الصيني و صعاب موضوعية جمة أخرى أمام بلترته الإيديولوجية و المادية، لم يقدر الحزب الشيوعي الصيني أن يكون إستثناءا فى السيرورة التى شهدها العالم قاطبة. و السياسات المغرقة فى الرجعية لقيادات الصين اليوم هي مثال عن شراسة الأعداء الذين كان على ماو تسى تونغ مواجهتهم حتى وفاته مما يزيد فى التأكيد على شمائله و جرئته الثورية .

نحن على يقين من أن النضال المستمر و الذى أطلقه الماركسيون- اللينينيون الصينيون بقيادة ماو تسى تونغ ضد التحريفية المعاصرة عالميا و فى بلادهم بذرة ستعطى أكلها فى المستقبل و ان الماركسيين - اللينينيين الصينيين سينظمون صفوفهم و يقودون الشعب الصيني العظيم و المناضل و مستلهمين أفكار الماركسية - اللينينية و ماو تسى تونغ سيكنسون مرة واحدة الزبالة التحريفية ./.



تعليقات الفيسبوك