نصوص حول المجلس التأسيسي


محمد علي الماوي
2012 / 1 / 16 - 17:57     


تسعى الدوائر الامبريالية الى الحفاظ على مواقعها في المستعمرات واشباهها وتعمل جاهدة على فرض خياراتها السياسية والاقتصادية عبر العملاء المحليين .فهي تعتمد على نهب اشباه المستعمرات واستغلال ثرواتها الطبيعية واليد العاملة البخسة من اجل الخروج من ازماتها الدورية.
ويندرج التدخل الامبريالي المباشر مثل ما هو الحال في ليبيا او غير المباشر على شاكلة ما يحصل في تونس ومصر في اطار التخلص من العملاء المفضوحين وتنصيب عملاء جدد تعهد لهم مهمة تطبيق السياسات الاستعمارية الجديدة المملاة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي .ويتخذ التدخل الامبريالي حسب الاوضاع اشكالا متعددة تختلف حسب ردة فعل الشعب ويهدف هذا التدخل الى التصدي للعملاء المتنطعين او للانتفاضات الشعبية التي تهدد مصالح الاستعماريين وتحاول الامبريالية تحويل وجهة النضال الوطني الذي يستهدف وجودها وبذلك يصبح التناقض بين الامبريالية والعملاء من جهة وعموم الشعب من جهة ثانية تناقضا ثانويا مهمشا فيقع الالتفاف على الانتفاضات الشعبية ويتحول الصراع الى صراع كتل لاتخرج عن البدائل الامبريالية وتوهم الدوائر الامبريالية الشعوب بان التحول قادم وان الانتقال الديمقراطي سيقضي على النظام القديم الخ من الاكاذيب التي تهدف الى اسكات الشعب وربح الوقت من اجل اعادة ترتيب بيت العملاء بوجوه جديدة.
لقد نجح الاستعمار الفرنسي في اخماد الحركة الوطنية وتزكية بورقيبة ثم تمكنت المخابرات الامريكية من القيام بالانقلاب الابيض بالاعتماد على الجنرال الفار بعد ان استعملت الاخوانجية كورقة ضغط والان تمكنت الحكومة المؤقتة من الالتفاف على الانتفاضة بدعم امبريالي واضح من جهة وبتزكية من قبل المعارضة عامة والمعارضة اليسارية الانتهازية خاصة امثال حزب العمال وحزب العمل الوطد وحركة الوطد.
تظل الامبريالية حريصة على مصالحها في الوطن العربي بالاعتماد اساسا على العملاء المتعاملين كلهم ودون استثناء مع الكيان الصهيوني رغم بعض المزايدات لبعض الانظمة التي افتضح امرها حاليا اثر انتشار الانتفاضات الشعبية.
فقد دأب الاستعمار الجدديد على تفكيك اواصل الشعب العربي من خلال دعم امراء الخليج والملوك والعسكريين وتوصل الى شق صفوف منظمة التحرير الفلسطينية بخلق منظمة حماس ودعمها لتنافس فتح لاحقا وهكذا حولت الامبريالية كعادتها الصراع ضد الكيان الصهيوني ومن اجل تحرير كل فلسطين الى صراع بين الكتل فتح - حماس وهي كتل رجعية في الحقيقة لاعلاقة لها بحرب الشعب التحررية وهي تسعى الى تركيز دولة عميلة على شاكلة الانظمة العربية العميلة .
اعتمدت الامبريالية نفس التكتيك في تونس فقد شجعت الاخوانجية منذ الثمانينات وخاصة مع حكومة مزالي بهدف اضعاف المد اليساري الذي بدأ يهدد كيان العملاء من الاضراب العام يوم 26 جانفي 1978 الى عملية قفصة سنة1980.واعتمدت على الاخوانجية مرة ثانية لاضعاف حكم بورقيبة الذي اصبح غير قادر على ضمان الاستقرار للمصالح الامبريالية.واستعملت الاخوانجية مرة ثالثة لتزكية "التحول الديمقراطي" أي الانقلاب الابيض الذي قام به الجنرال الفار فراح زعيم الاخوانجية ينوه بالزين مثله مثل اليسار الانتهازي وعلى راسه حزب العمال الشيوعي الذي تحول الى قصر قرطاج.
وظلت الامبريالية تراقب عن كثب تطور الاوضاع في تونس خاصة بعد افتضاح اكذوبة التحول والتغيير وبعد تدهور الاوضاع في تونس وتفاقم التوتر الاجتماعي والسياسي واتصلت اكثر من مرة عبر السفارات وبصفة معلنة ومباشرة بحركة 18 اكتوبر التي تضم اخوانجية النهضة والحزب الديمقراطي التقدمي الذي قبل" رئيسه" بمنصب وزير في حكومة العمالة وحزب العمال الشيوعي ومثل هذا القطب بديلا امبرياليا واضحا الى جانب القطب المقابل والمتمثل في الائتلاف الديمقراطي الذي يضم حركة التجديد-بن ابراهيم الذي قبل هو الاخر ان يكون وزيرا في حكومة الغنوشي والحزب الاشتراكي اليساري وحزب العمل الوطني الديمقراطي.
والان بعد ان تمكنت حكومة باجي قائد السبسي من اعادة الاعتبار للتجمعيين وللدساترة وسمحت لهم بتكوين اكثر من 50 حزبا وبعد ان كسبت ثقة الامبريالية الامريكية والاوروبية واغرقت البلاد في الديون فقد ظلت البدائل الامبريالية على حالها مع بعض التغيير فنجد من جهة تحالف النهضة مع حزب العمال والمؤتمر من اجل الجمهورية وكل القوائم الاخرى المساندة لهذا التحالف ونجد من جهة اخرى القطب الحداثي وقد ينضم الشابي الى هذا القطب وفق ما ستفرزه الانتخابات من نتائج.
تراهن الامبريالية على التجمعيين الجدد وعلى التحالف بين التجمعيين والنهضة بما ان العديد من رؤساء شعب التجمع المنحل في الارياف التحقت بقوائم النهضة كما تحاول تشريك القطب الحداثي وهي في كل الحالات تسعى الى تنصيب حكومة توافقية تعتمد على الاحزاب الغنية القادرة على اشتراء الذمم بفضل المال الفاسد وتأبيد واقع الهيمنة والتخلف.وليس من قبيل الصدف ان تندلع الصراعات بين هذين القطبين في الاونة الاخيرة اثر بث فيلم يجسد الذات الالهية-برسيبوليس-
تحاول الامبريالية عن طريق العملاء ابقاء السلطة في يد هذين القطبين مع بعض التحويرات في التحالفات ان استوجب الامر ذلك.فهي تدرك ان التجمع ليس له مستقبل اما النهضة بفعل تخلف الوعي فهي قادرة على مسك الحركة الشعبية لمدة معينة مع المزايدة بقيم الحداثة والديمقراطية لذلك فان البديل الامبريالي المرتقب يتمثل في الانموذج التركي المعدل في اطار مشروع الشرق الاوسط الكبير.
وعليه نفهم معارضة هذه "الاحزاب الكبيرة" الغنية بالمال الفاسد امكانية صعود فسيفساء سياسية في المجلس التأسيسي لان الفسيفساء والقوائم المتنطعة قد تعرقل تطبيق المشاريع الامبريالية المتفق عليها مسبقا وقد تفشل سياسة التوافق التي اعتمدتها الهيئات العليا المنصبة من قبل الجنرال.
اتضح ان هذه الهيئات تتناقض كليا مع مطالب الانتفاضة بل انها نصبت لضرب مطالب الانتفاضة وحذف شعار "اسقاط النظام" من جدول اعمال الحركة الشعبية وتعويضه بشعار "تونس تنتخب".
يريد النظام اكتساب الشرعية من جديد عبر صندوق الاقتراع الذي سيتحكم فيه بفضل المال السياسي الفاسد اولا وبفعل اشراف الجيش ثانيا على ضمان امن الصناديق بما ان الجيش وقع تلميع صورته وهو حسب الاعلام الرسمي فوق كل الشبهات.فان وقع اتهام وزارة الداخلية سابقا بتزييف الانتخابات فان الجيش لن يفعل ذلك,هذا ما تروج له الهيئات العليا وخاصة الهيئة المستقلة المشرفة شكليا على الانتخابات والتي رغم العديد من التجاوزات تواصل الادعاء ان الامور تسير على احسن ما يرام.
ان نجاح الامبريالية في تحويل وجهة الصراع في تونس ومصر وليبيا وسوريا الخ...من صراع ضدها وضد عملائها الى صراع كتلوي في صلب العملاء لن يصمد طويلا امام تواصل الغضب الشعبي الناتج عن تدهور الاوضاع السياسية والاجتماعية خاصة في المواقع الشعبية .ان الحل الوحيد لواقع الهيمنة والتخلف واقع الاستعمار الجديد هو مواصلة النضال واعادة الاعتبار لمطالب الانتفاضة وخاصة لشعار الشعب يريد اسقاط النظام .
ان كل من تنكر لهذا الشعار وتبنى شعار تونس تنتخب في ظل هيمنة الاحزاب التجمعية والاخوانجية والانتهازية التي لاعلاقة لها بالشعب وبتطلعاته نحو التحرر ان هؤلاء سيقع فضحهم وستنكشف حقيقتهم في القريب العاجل.
انه من الضروري دعوة كل من سيشارك في التصويت الى مقاطعة التجمعيين الجدد والاخوانجية المتحالفة مع حزب العمال الشيوعي والمؤتمر من اجل الجمهورية وكل الاحزاب الانتهازية التي تورطت مع الجنرال مثل القطب الحداثي ومن يدور في فلكه.
ان الهدف من مقاطعة هؤلاء العملاء الجدد هو المساهمة في انتخاب مجلس تاسيسي يضعف الاقطاب التي تعول عليها الامبريالية في مسك الاوضاع في تونس ويطرح من جديد شعارات الانتفاضة على جدول اعمال الحركة الشعبية. تونس 20 اكتوبر 2011

نظرتان متناقضتان للمجلس التأسيسي
محمد علي الماوي
ستجرى انتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر القادم وقد استعد النظام في تونس إلى مثل هذا الموعد أحسن استعدادا مثلما بينا ذلك في نص "المجلس التأسيسي في خدمة من؟..." فقد انتدبت وزارة الداخلية العديد من الأعوان وكثف النظام عمليات التمشيط بهدف تجنيد الشباب واستدعى فرقا خاصة من أوروبا وتحديدا من اسبانيا لتدريب اعوان الامن كما حلت البعثات الأوروبية والأمريكية بالبلاد تحت غطاء مراقبة الانتخابات. وظلت الهئية العليا "المستقلة" للانتخابات تزايد بالحياد وترفع شعار الشفافية الخ...في حين أن رئيسها تربى وترعرع في أحضان الحزب الاشتراكي الفرنسي ومنظمات المهاجرين التي كان هذا الحزب يدعمها ماليا.
ومع اقتراب موعد الانتخابات تعالت الأصوات المنادية بدعم هذه القائمة أو تلك وبلغت الإشاعات والمزايدات حد تحديد هوية الرئيس القادم . وفي ظل هذه التحضيرات وما تشهده الأحزاب من غليان وحراك داخلي(111 حزبا حسب الإحصاء الرسمي) يبقى الشارع وخاصة الأرياف خارج هذا الغليان وتفيد المعطيات الميدانية أن أكثر من 60% من الشعب لا يثق في هذه الأحزاب .و ترشّح عمليات سبر الآراء المغشوشة حصول التجمع من جهة والأصوليين الإسلاميين بكل تفرعاتهم من جهة ثانية على أغلبية مريحة. وتهدف هذه العمليات طبعا إلى التأثير في الرأي العام والتحكم في قراره الأخير عند الاقتراع.
لقد وقع تسجيل أكثر من نصف الناخبين الذي يبلغ عددهم قرابة 7 ملايين ناخب وعلى عكس الانتخابات السابقة فان الأغلبية ستشارك في الانتخابات و أقلية ستقاطع عن وعي ومن منطلقات سياسية ، دون احتساب العناصر اللامبالية والتي قد تبلغ نسبتها 30% من الناخبين. فما هي أهداف الأحزاب في هذه الانتخابات ولماذا اختارت بعض التيارات السياسية المقاطعة؟
نظرتان متعارضتان:
يمكن تبسيط الخارطة السياسة للقارئ وتقسيم القوائم كما يلي:
أ-الاحزاب المنحدرة من التجمع.
ب- الاحزاب الاسلامية.
ج- "القطب الحداثي" بما في ذلك "اليسار" علما وان القوائم المستقلة-في أغلبها- ليست في الحقيقة مستقلة ويمكن ربطها بالتقسيم المذكور أعلاه إذ نجد قوائم مدعومة من قبل التجمع وأخرى من قبل الإخوانجية وثالثة يزكيها علنا اليسار.
يريد التجمع أو التحالف تجمع- إخوان إعادة بناء دولة نظام العمالة وليس من قبيل الصدف أن يزور الباجي قائد السبسي اوباما قبيل الانتخابات فهو يذهب إلى معقل الامبريالية ليتلقى الأوامر فيما يخص الوضع العربي عامة و القطر خاصة وليس من قبيل الصدف أيضا أن يصرح مورو الاخوانجي بأن أمريكا تزكي الائتلاف بين التجمعيين والاخوانجية. أما الاخوانجية الذين يتاجرون بالدين فهدفهم هو تمهيد الأوضاع من اجل فرض الشريعة كقانون بما أن تونس دينها الإسلام.
بالنسبة للواعين سياسيا من ضمن الجماهير الشعبية ،تعتبر هذه القوى الرجعية منتهية على الورق وقد اتضحت عمالتها أكثر من مرة. في حين تظل قوى اليسار الانتهازي تزايد بالدفاع عن الشعب ولم يقع فضح نواياها بما فيه الكفاية إذا استثنينا الأحزاب المتورطة مع الجنرال الفار والتي شاركت في جل الانتخابات المزورة مثل مجموعة الطريق الجديد ووزيرها احمد إبراهيم ومجموعة الحزب الاشتراكي اليساري وحزب العمل الوطني الديمقراطي.
تنادي أحزاب اليسار الإنتهازي الحالية بالنضال عبر المجلس التأسيسي من أجل جمهورية ديمقراطية – مدنية – اجتماعية الخ وهي تبث الأوهام وتغالط الشعب وتدّعي انه بالإمكان إيجاد الديمقراطية الشعبية في ظل دولة الإستعمار الجديد يحكمها ائتلاف طبقي رجعي يطبق أوامر النظام الامبريالي على حساب مصالح الشعب. وقد بينت الأحداث أن أحفاد خروتشوف وأحفاد كاوتسكي و خوجا و غيرهم من التحريفيين يقفون دوما إلى جانب السلطة بتعلة النضال من اجل الحرية السياسية والقبول بما هو ممكن باسم الواقعية واختلال موازين القوى... فقد رفع التحرفيون والانتهازيون عموما- دعاة وطنية النظام- شعار إستكمال الاستقلال منذ سنة 1956 ولم يكن هناك استقلال بل استعمار جديد وصفقة بين الاستعمار الفرنسي وبورقيبة الذي حافظ دوما على صورة مانديس فرانس على مكتبه. و زكى اليسار الانتهازي معزوفة "التغيير والتحول المبارك" وزار زعيم حزب العمّال قصر قرطاج لمقابلة الجنرال الفار فغالط الشعب بهدف واحد ووحيد هو تشريع حزبه بحيث اصبحت معركة التشريع مهمة اساسية بالنسبة لهذا الحزب.
والآن وللمرة الثالثة يتصرف اليسار الانتهازي بنفس الطريقة فهو يرفع شعار" إستكمال مهام الثورة " . بعد استكمال الاستقلال و إستكمال تحول 7 نوفمبر نجد أنفسنا أمام استكمال الثورة. ويتناسى هذا اليسار الانتهازي أن الاستقلال الذي يريد استكماله هو استعمار جديد كما يتناسى أن التحول هو في الحقيقة استمرار لنفس النظام بوجوه جديدة وان الثورة التي يتحدث عنها ويدعي استكمال مهامها هي في الحقيقة انتفاضة شعبية وقع الالتفاف عليها من قبل الرجعية وركوبها من قبل اليسار الانتهازي. يريد "اليسار" جمهورية ديمقراطية – مدنية – اجتماعية ... في ظل نظام عميل .ورغم ان التجربة العملية دحضت هذه الأوهام المتناقضة كليا وعلم الثورة فان "اليسار" اليميني يصر على مغالطة الشعب جريا وراء الكراسي .
وقد حذّر الشيوعيون الماويون فى أكثر من مناسبة من خطر الثالوث الذي يهدد الانتفاضة: التجمع والإخوان والانتهازية.وينفق هذا الثالوث المليارات لخوض حملته الانتخابية التي تسير وفق قانون الغاب-قانون المال السياسي الفاسد- ففضلا عن المليارات التي ستدفعها الدولة-من المال العام- فان الاحزاب يمينا ويسارا اشترت المواقع الاجتماعية و العديد من الفضاءات من اجل القيام بالاعلانات المنادية الى دعم هذه القائمة او تلك.
مشروع الديمقراطية الشعبية :
ينطلق البديل الوطني الديمقراطي الثوري مما حققته الثورات الظافرة من ايجابيات ومما توصلت إليه النظرية الثورية من تطور لا يتناقض بتاتا مع ما أفرزته الانتفاضة في تونس ومصر واليمن وسوريا من دروس على المستوى السياسي والتنظيمي.
عبّرت الانتفاضة الشعبية فى تونس منذ اندلاعها عن رفضها الكلي للسلطة الرجعية القائمة واتجهت ولو بصفة عفوية نحو إيجاد سلطة شعبية متكونة من شباب مندفع ومتحسم ضد السلطة الرجعية ومستعد إلى الدفاع عن الحي والقرية ومواجهة عصابات النظام العميل . وفي هذا الإطار، تشّكلت لجان الدفاع الشعبي أو لجان حماية الانتفاضة في المدن والقرى وتسلحت بالعزيمة أولا وبالهراوات والأسلحة البيضاء والحجارة ثانيا وتصدت لكل العصابات التي حاولت ترويع الجماهير. غير أن اليسار نظرا لتركيبته الطبقية ولجوهر برامجه الإصلاحية لم يحتضن هذه الأشكال التنظيمية التي تهدد كيانه وتسلبه حق القيادة فسارع بإحداث لجان حماية الثورة بصفة فوقية شارك فيها النقابيون والمتحزبون من اليمين إلى اليسار ...وأزاحوا بذلك المعنيين المباشرين بحماية الانتفاضة أي العمال والفلاحين والمعطلين عن العمل وكل الحرفيين المهمشين والمضطهدين.
ينطلق مشروع الديمقراطية الشعبية إذن من كل المكاسب التي حققها الطرح الوطني الديمقراطي الثوري و من تجربة الجماهير خلال الانتفاضة و يحاول تقديم الحلول العملية من أجل حماية الانتفاضة من الثالوث المتربص بها والذي يريد الانخراط في سياسة الوفاق الطبقي والمساهمة في إدارة أزمة النظام الامبريالي وعملائه.. وانطلاقا من الوقائع الملموسة طرح الشيوعيون الماويون قضية لجان الدفاع الشعبي في أهم القرى والأحياء الشعبية ولم يكتب لهذا المشروع النجاح بفعل ميزان القوى وبفعل الصراعات الداخلية التي عرفها الخط ونظرا لمحدودية التجربة التنظيمية للجماهير المنتفضة ولمناورات الرجعية والانتهازية التي ظلت تبث الأوهام وتنشر الوعود الكاذبة.
لقد راهنت بعض القوى الاصطلاحية على "لجان حماية الثورة" باعتبارها سلطة مضادة غير أن اغلب مكونات هذه اللجان انجرت وراء مقترحات النظام وانخرطت في الهيئة العليا وفي مسار التسوية والتطبيع مع حكومة السبسي . وتراهن القوى الثورية عموما على الفئات الشعبية التي انتفضت وضحت بأبنائها من اجل غد أفضل كما تراهن على أكثر المناطق تفجرا وأكثر الأحياء تحركا واحتجاجا على ما تقوم به الحكومة الحالية من مراوغات تهدف إلى فرض واقع "الدسترة " والخونجة والعسكرة من جديد.
وفي خضم هذا الصراع لا يمكن لمشروع الديمقراطية الشعبية أن يرى نور لبناته الأولى دون لجان الدفاع الشعبي والعمل على إيجاد مناطق شبه محررة تلعب دور السلطة المضادة وتحبط مناورات الرجعية والانتهازية . وتمثل لجان الدفاع الشعبي آو لجان حماية الانتفاضة آو لجان تجسيد شعار إسقاط النظام – ولاتهم التسمية – تمثل جنين السلطة الديمقراطية الشعبية في أهم الأرياف واكبر الأحياء الشعبية في المدن وتسهر على ضبط خطط نضالية من اجل إحباط عمليات الالتفاف على الانتفاضة. وبتطور الصراع تفرز هذه اللجان قيادات جهوية فقيادة وطنية تطرح التحقيق الفعلي لشعارات الإنتفاضة وكيفية التقدم عمليا وفق تطور الصراع ضد السلطة الرجعية العميلة و أذنابها من صراع سلمي مثل الاضراب والاعتصام والتظاهر... إلى صراع عنيف آو مسلح لان العنف الرجعي وقتل أبناء و بنات الشعب يؤدي حتما إلى العنف الثوري الذي يأخذ أشكالا متعددة حسب درجة تطور وعي الجماهير وقدرتها التنظيمية على مواجهة الجيوش الرجعية.
لقد اثبت التاريخ ان عملية التحرر الوطني الديمقراطي عملية ثورية طويلة الأمد تفرز القيادة البروليتارية والجبهة الوطنية المتحدة و جنين الجيش الشعبي الذي سيلحق الهزيمة بالطبقات الحاكمة الحالية و يفكّك السلطة وتنتهي عملية التحرر بفرز حكومة مؤقتة تمهد الظروف لانتخاب جمعية تأسيسية تشرف على إيجاد دستور الجمهورية الديمقراطية الشعبية وهو دستور في تعارض مع الدستور المزمع تحريره من قبل المجلس التأسيسي المرتقب لان دستور السلطة الشعبية سيطرح مفهوم المسألة الوطنية في علاقة بالنضال ضد الاستعمار الجديد والتخلص من الهيمنة الامبريالية والرجعية والصهيونية كما سيطرح جوهر المسألة الديمقراطية المتمثل في القضاء التام على بقايا الإقطاع وتحرير الريف والمرأة والجماهير الشعبية من عقلية التخلف وإطلاق الحريات العامة والفردية للطبقات الشعبية دون قيد أو شرط.
وعليه فان الدستور الذي تفرزه النضالات الشعبية وتحديدا الحرب الشعبية فى المستعمرات و أشباه المستعمرات و المستعمرات الجديدة يختلف عن الدستور الذي ستفرزه الهيئات العليا التي نصبها الجنرال الفار ولن يحيد المجلس التأسيسي المرتقب عما سطرته هذه الهيئات بصفة مسبقة بما ان الطبقات الشعبية الفاعلة لن تكون ممثلة بما فيه الكفاية وسيظل الائتلاف الطبقي الحاكم على حاله دون تغيير جوهري و ستتمّ إعادة هيكلة دولة الإستعمار الجديد واستبعاد كل من يرفع شعار اسقاط النظام باتفاق تام بين النظام والمعارضة الكرتونية الجديدة.
لقد ادعى الجنرال الفار انه سينجز التغيير وطبل له الجميع يمينا ويسارا والتاريخ شاهد على ذلك وتدعي الان الحكومة المؤقتة والهيئات العليا انها ستصنع الانتقال الديمقراطي على الطريقة الاروبية الامريكية –بعد ان وقع رهن البلاد لدى البنوك – فهل يمكن تحقيق الانتقال اللديمقراطي بنفس الطبقات الرجعية الحاكمة والموالية للاستعمار الجديد؟وهل يمكن انجاز التحول او استكمال مهام الثورة كما يغنّي حزب العمال "الشيوعي" الذي اشترى المواقع بالمال الاوروبي؟ وهل يمكن تحقيق الديمقراطية بالحزب الحاكم المنحل او بالاخوانجية والمعارضة الكرتونية التي تنكرت للشعار المركزي الا وهو " الشعب يريد اسقاط النظام"؟
أنجز شعبنا إنتفاضة في تونس ومصر واليمن وسوريا والصراع مازال متواصلا رغم المناورات الامبريالية والرجعية . وحقّق شعبنا العربي مكاسب ثمينة وحدد الاصدقاء والاعداء.ولكن هذه المكاسب و التضحيات الجسام التى قدّمتها جماهير شعبنا قابلة للذوبان و حاليّا يتمّ الإلتفاف عليها و إبتلاعها شيئا فشيئا -في كل من تونس ومصر-غير ان النضالات متواصلة وهي في حاجة الى تأطير ثوري ينير الطريق ويرسم تكتيكات الخلاص من الهيمنة الامبريالية الرجعية الصهونية .
لذلك يصرخ الشيوعيون الماويون عاليا "ان الطريق صعب وشاق لكن المستقبل وضّاء "فانبذوا الاوهام واستعدوا للنضال" .


المجلس التأسيسي في خدمة من؟ او من سيقطف ثمار الانتفاضة في تونس؟
محمد علي الماوي

انتفض الشعب العربي في تونس عديد المرات وحقق مكاسب لا يستهان بها لا سيما فى الإنتفاضة الأخيرة غير أن النظام العميل من بورقيبة الى الحكومة المؤقتة الحالية مرورا بالجنرال الهارب تمكن بفعل عفوية الانتفاضات وفقدانها لقيادة ثورية ملتزمة بمصالح الشعب ووفية للمطالب التى يرفعها، تمكن من الالتفاف على هذه الانتفاضات والتراجع في كل المكاسب التي حققتها الجماهير المنتفضة فأعاد ترتيب البيت الرجعي بوجوه مختلفة مع تشريك بعض المعارضين الكرتونيين وفرض سياسة النهب والتفقير في خدمة أسياده الامبرياليين الذين يقدمون له كل أنواع الدعم.
لقد تمكن بورقيبة من ترويض المعارضين بما في ذلك الحزب "الشيوعي" التحريفي ونصّب نفسه ملكا مدى الحياة كما تمكّن الجنرال الهارب من تحييد المعارضين الذين طبلوا له وللسابع من نوفمبر من الاخوانجي امثال الغنوشي الى الهمامي حزب العمال فنصّب نفسه رئيسا وكان من المنتظر أن يتقدم سنة 2014 وهوالذي ادّعى في بيانه" لا رئاسة مدى الحياة ". و الآن تسعى الحكومة المؤقتة بعد أن تبنت مطلب المجلس التأسيسي وبعد أن ضمنت دعم الإخوان من جهة والمعارضة اليسارية من جهة أخرى، تسعى إلى إعادة هيكلة دولة الإستعمار الجديد و إعادة ترتيب البيت الداخلي وإرجاع الدساترة-التجمعيين- إلى السلطة ومن الباب الواسع والقانوني بعد أن تشكلوا من جديد في أحزاب تجاوز عددها 40 حزبا وسيخوضون الانتخابات وكأن شيئا لم يكن.
لقد خال لليسار الانتهازي انه بمجرد قبول الحكومة المؤقتة لمطلب المجلس التأسيسي أن الأمور ستسير على أحسن ما يرام فشرع يتحدث عن الجمهورية الديمقراطية والجمهورية المدنية والجمهورية الثانية وجمهورية عادلة واجتماعية الخ من التسميات التي بلغت حد استعمال الجمهورية الديمقراطية الشعبية وبذلك ساهم هذا اليسار الانتهازي في تشويه مضمون المجلس التأسيسي كما سبق له أن شوّه مدلول الاشتراكية والشيوعية والوطنية الديمقراطية فهو يستعمل هذه التسميات بعد أن يجرّدها من محتواها الطبقي والسياسي ليجعل منها تسميات مبتذلة لا تعكس محتوى التسمية التي أفرزتها نضالات شعبية محددة.
وفي هذا الإطار، لم ترفع الرجعية بما في ذلك الاخوانجية شعار المجلس التأسيسي كما لم ترفع الانتفاضة في البداية هذا الشعار لكن المجلس التأسيسي أو الجمعية التأسيسية والحكومة المؤقتة الخ...هي مطالب مرفوعة منذ أكثر من خمس عقود من قبل اليسار بمختلف مكوناته ويكفي الرجوع إلى برامج هذه التنظيمات في بداية السبعينات للتثبت من ذلك. وقد ظل المجلس التأسيسي محل خلافات في مستوى الشكل والمضمون ففي حين يرى الاصلاحيون الانتهازيون انه بالإمكان إيجاد مجلس تأسيسي في ظل الأنظمة العميلة، يرى الشيوعيون عامة أن المجلس التأسيسي هو ثمرة نضالات شعبية وتتويج لمسار ثوري يقع من خلاله إزاحة الائتلاف الطبقي الحاكم وتعويضه بممثلين فعليين عن الشعب شاركوا بصفة مباشرة وفعلية في هذا المسار الثوري وقدموا العديد من الشهداء والتضحيات الجسام من اجل إسقاط النظام القديم.
فنحن الآن أمام نظرتين متناقضتين للمجلس التأسيسي نظرة تبنت إستراتيجية الحكومة المؤقتة ودخلت في لعبة الحسابات النيابية تحت رعاية النظام الذي يمسك بكل خيوط اللعبة رغم مزايدته بوجود لجان محايدة وهي نظرة ترفع شعار "المعارضة تريد إصلاح النظام أو ترميمه" و "المعارضة تريد المشاركة في نظام فاسد وعميل" ونظرة ثورية ملتزمة بما رفعته الانتفاضة- وليست الثورة مثلما يدّعي مضلّلو الشعب من اليمين و اليسار - من مطالب لم يقع حتى النظرفيها بصفة جدية وعملية و الدليل على ذلك أن المشاكل لم تعالج وموجة الانتحارات والاعتصامات مازالت متواصلة.وتستمد هذه النظرة شرعيتها من شعار "الشعب يريد اسقاط النظام"وهو شعار رفعته الجماهير العربية في كل من تونس وليبيا واليمن وسوريا.
فكيف تمكّنت الر جعية العميلة من استعادة القيادة وكيف انهار اليسار الانتهازي وسال لعابه أمام الفتات مقارنة بنصيب الأسد الذي ستسترجعه الرجعية. وما هو موقف اليسار المناضل والثوري في مواجهة هذه المسرحية التي تذكّرنا بالانتخابات زمن الجنرال الفار؟
استراتيجية قوى الثوة المضادة:
يهدف النظام الحالي إلى إعادة هيكلة دولة الإستعمار الجديد، دولة الكمبرادور و الإقطاع المدعومة من الإمبريالية العالمية مع تقديم بعض التنازلات السياسية و الإقتصادية التى لا تمسّ من جوهر المصالح الطبقية للائتلاف الحاكمة.واتخذت التكتيكات الرامية لبلوغ هذه الإستراتيجيا الرجعية بدعم مفضوح من القوى الامبريالية واعتمادا على نصائح مستشاري الأطلسي وتقارير أوكار الجوسسة ثلاثة مراحل:
-أ- مسايرة الانتفاضة وتوخي أسلوب الاندساس والجوسسة حتى في اعتصام القصبة 1 و2 بحيث تواجدت المخابرات العسكرية في ثوب بعض المعتصمين كما تواجدت الشعب الدستورية في شكل معتصمين والبوليس السياسي من خلال العنصر النسوي خاصة وقد كشفنا هذا الاندساس من جهات عدة مثل تالة وصفاقس وقابس والكاف الخ...
ب- القبول بالمجلس التأسيسي لفك التعبئة التي نجحت في إسقاط حكومة الغنوشي-الاولى والثانية- واستمالة جل أطراف المعارضة بما في ذلك اليسار الذي هرول نحو الهيئة العليا.
. ت- اعتماد خطة الانفلات الأمني أو الفوضى البناءة – le chaos constructif كما خطط لذلك خبراء الاطلسي- من اجل تهميش الانتفاضة وتشويهها
- ث- تبرير تكتيك العودة إلى تطبيق قانون حالة الطوارئ وفرض واقع التمشيط والرافل تحت غطاء " تكثيف الحملات الأمنية " بما أن "المواطن" يطالب بضرورة عودة الأمن وبذلك يتحوّل الجيش والبوليس من جهاز لقمع الشعب وحماية مصالح الائتلاف الحاكم إلى جهاز وطني كما يصرّح بذلك الناطق الرسمي باسم حركة الوطنيين الديمقراطيين أو الناطق باسم حزب العمل الوطني الديمقراطي.
ورغم تداخل هذه التكتيكات الرجعية وتحوّلها من موقع دفاعي إلى موقع هجومي حسب الأوضاع السائدة وبقاء الحكومة ظاهريا خارج هذه الصراعات فإنها اعتمدت على ثلاث عناصر واضحة تحركها الأيادي الخفية وهي الحكومة المؤقتة طبعا ومن يقف وراءها من استعماريين جدد وعملاء خليجيين ومحليين: أولا الهيئات العليا والمستقلة واللجان المتفرعة عنها ومن يساندها، ثانيا حزب التجمع المنحل على الورق والذي وقعت إعادة تشكيله في أكثر من 40 حزبا. وثالثا الجيش والبوليس.
أ‌- الهيئات "المستقلة":
التنويه بمجهودات الهيئة العليا ( انظرتركيبة هذه الهيئة واهدافها- الحوار المتمدن-) التي توصلت في النهاية إلى إلزام ممثلي الاثنى عشر حزبا ب"اعلان المسار الانتقالي" الذي يزكي في الحقيقة سياسة الحكومة المؤقتة ويمنحها حق مواصلة " تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة "... وتجدر الإشارة إلى أن هذه الهيئات وقع بعثها من قبل الجنرال الفار لكنها عرفت تحولا في تركيباتها ودورها في مسك الرأي العام وتلميع وجه النظام والتظاهر باحترام القانون والديمقراطية –(وشهدت هذه الهيئة العليا العديد من الصراعات نذكر منها انسحاب الإخوان وبعض الأحزاب الاخرى وتأخير موعد الانتخابات من جويلية إلى أكتوبر...)
وفي اطار شد الراي العام شهدت المحاكمات لبن علي واتباعه تطوراتا مريبة طرحت اكثر من تساؤل في اذهان الشعب.فأين هي مصلحة الشعب من محاكمة بن علي وعصابته من أجل استهلاك المخدرات وترويجها أمام الجرائم من النوع الثقيل كالخيانة العظمى والتخابر على أمن البلاد مع العدو بما في ذلك العدو الصهيوني والاذن باطلاق الرصاص على الشعب المنتفض والقتل المتعمد والفساد والافساد والاستيلاء على اموال الشعب وتهريب خيرات البلاد وحضارتها وكنوزها وتاريخها؟ وما الفائدة من اصدار احكام تبقى حبرا على ورق دون تنفيذ وبن علي وعائلته تنعم بما سرقته في حصن آل سعود-معقل العمالة والرجعية العربية المتاجرة بالدين وبمعتقدات المسلمين؟
ثم من يحاكم بن علي وعصابته؟ ان القضاة الفاسدين المنتمين الى العصابة هم الذين يحاكمون بن علي في حين انه كان من الاجدر محاكمة هولاء كذلك وليس ترقيتهم في مناصبهم –كما ورد ذلك في بيانات جمعية القضاة- وهل شملت المحاسبة المحامين التجمعيين الفاسدين الذي عوّل عليهم قصر بن علي في حبك الدسائس وتغطية الفساد وابتزاز اموال الشعب والمؤسسات العمومية؟(وقد وقع العثور على القوائم الاسمية بقصر قرطاج وبدار التجمع غير ان عصابة بن علي الموجودة على رأس كل المؤسسات تكتمت على ذلك)
ان النظام لم يسقط ولايمكن الحديث عن ثورة كما تفعل الرجعية بما في ذلك الاخواجية طبعا واليسار الانتهازي الذليل بل ان النظام حافظ على جميع ركائزه ومؤسساته من وزارات سيادة –الدفاع والداخلية والخارجية والعدل- او رؤساء المؤسسات العمومية وإدارات جهوية ومحلية وكذلك المطبلين لبن علي من هياكل "المجتمع المدني" من بينها اتحاد الاعراف واتحاد الفلاحين واتحاد الشغل بزعامة عبد السلام جراد-المناشد لبن علي الى آخر لحظة- او عمادة المحامين بزعامة الكيلاني وغيرهم.
ب- الحزب الحاكم المنحل : لقد وقع حل الحزب الحاكم التجمع الدستوري الديمقراطي تحت الضغط الشعبي غير أن وزارة الداخلية والحكومة المؤقتة منحت التجمعيين حق التنظم في أحزاب جديدة وبذلك وقعت إعادة تشكيل التجمع وخلط الأوراق في انتظار الانتخابات والبروز كقوة مهيكلة مجددا بعد أن يقع الإعلان عن اندماج العديد من الأحزاب التجمعية في اكبر الأحزاب المدعومة بالمال السياسي الفاسد وبأوكار الفساد التي مازالت ماسكة بزمام الأمور وتتحكم حتى في قرارات الهيئات المستقلة.لقد بعثت الانتفاضة الرعب في صفوف العملاء الذين اجبروا على تقديم العديد من التنازلات فوقع حل الهياكل الصورية ظرفيا لامتصاص نقمة الجماهير ( البرلمان –مجلس المستشارين ...)ووقع الاحتفاظ طبعا بمراكز القرار في انتظار فك التعبئة الشعبية.
لقد تفطن الشعب إلى الدور القذر الذي يلعبه حزب التجمع المنحل خاصة فيما يتعلق بتأجيج الصراعات العروشية وبث الفوضى وافتعال المعارك الجانبية بغية زرع الرعب في نفوس الجماهير وجعلها تطالب بالأمن والأمان.وقد أوقفت فرق الشرطة العدلية بباب بحر بتونس وبمواقع أخرى العديد من الشباب الذين اعترفوا بتلقّى أموال تصل إلى 50 دينارا للفرد الواحد مقابل رشق البوليس بالحجارة ورفع شعارات ضد الأمن الخ... كما افتضحت رموز هذا الحزب المنحل والوجوه الجديدة التي يدعمها سرا في تورطها في المال السياسي المتدفق من السماسرة المحليين والخليجيين ...وقد شرعت الأحزاب التجمعية الجديدة في حملاتها الانتخابية منذ زمان وتركزت هذه الحملات أساسا على المال الفاسد لشراء الضمائر وتشكيل القائمات من عناصر قابلة للبيع و الشراء ....وحاولت هذه الأحزاب في مناسبات عدة التشكيك في المجلس التأسيسي وطرح قضية الاستفتاء وتمكنت من تنظيم تظاهرة في قبة المنزه – موقع الوصوليين- والقيام بالعديد من التحركات من اجل تمرير خطة الاستفتاء التي تهدف في الحقيقة إلى بث البلبلة.
ت- الجيش والبوليس : تمتع أعوان البوليس بزيادة محترمة مقارنة بقطاع الوظيفة العمومية وتحصلوا على العديد من المكاسب بل قدمت نقابتهم المتشكلة أخيرا مطالب أخرى تتضمن إطلاق سراح زملائهم بما فيهم من ارتكب الجرائم في حق الأبرياء كما لعب البوليس بأوامر من وزارة الداخلية والحكومة دورا واضحا في الانفلات الأمني وتغذية الصراعات العروشية وعدم التدخل بل الانسحاب المنظم وترك الأطراف المتصارعة تفعل ما تشاء واستعملت الحكومة المؤقتة الصراعات التي تشق جهاز الأمن لتصفية الخصوم ووصل الأمر إلى استفزاز البوليس من قبل الوزير الأول الذي نعتهم بالقردة وهدد بحل نقابات الأمن الخ...واعتمدت الحكومة هذه المسرحية لتمرير الإجراءات القمعية ودعوة الجيش والبوليس إلى تطبيق قانون الطوارئ ومنع أي تحرك يخل بالنظام العام وأصبحت وزارة الداخلية في نشرتها الإعلامية تتبجح بالحملات الأمنية وبعدد الموقوفين يوميا ولا تذكر طبعا مداهمة المناضلين وافتكاك حواسيبهم الخ...كما انتدبت وزارة الداخلية اكثر من 10الاف عونا وقررت وزارة الدفاع "الابقاء على افراد الحصة الثالثة من سنة 2010 في الخدمة الوطنية الى ما بعد المدة القانونية" استعدادا لتكثيف ما يسمى بالحملات الامنية-افهم التمشيط للشباب العاطل وتجنيده -
لم يعد الصراع واضحا بين الحكومة والانتفاضة أو بين الفئات الشعبية المتضررة والمطالبة بحقها في العيش الكريم وبين العصابات المأجورة التي يقف وراءها التجمعيون والبوليس السياسي...وتهدف هذه الخطة إلى خلط الأوراق وتهميش المطالب الشعبية وتشويهها بربطها بقطاع الطرق وعصابات النهب والاعتداء على الجماهير.وهي خطة أتت أكلها في بعض الأوساط الشعبية- الشرائح العليا من البرجوازية الصغيرة...- التي أصبحت تطالب بالأمن وبحضور البوليس والجيش في كل مكان غير أن هذه الأجهزة مجعولة لحماية الأغنياء وليس الفقراء وبينت التجارب المتعددة أن هذه الأجهزة لا تتدخل عندما يتعلق الأمر بحماية الشعب ومكتسباته لكنها تتدخل طبعا لحماية البنوك ومؤسسات السماسرة ورموز النظام.
وبفعل هذا الخلط بين النضالات الشرعية والمشروعة وبين العصابات المأجورة والمرتزقة المتسببة في بث الفوضى والرعب فقد أطلقت بعض الشرائح الشعبية صيحة فزع تطالب من خلالها بعودة البوليس وهذه بالذات خطة الحكومة المؤقتة كما أن انتهازية العديد من الأحزاب ولهثها وراء المواقع وتزكيتها لجوهر سياسة النظام التي يقع تمريرها عبر الهيئة العليا والهيئات العليا الأخرى واللجان الفرعية ,ان مواقف هذه الأحزاب ساهم في ضبابية المشهد السياسي وأصبح "المواطن" العادي غير قادر على التفريق بين من هو مع الشعب ومن يزايد باسم الشعب لتحقيق أغراض حزبية ضيقة.
- استراتيجية القوى الثورية:
أكد الشيوعيون الماويون في كل النداءات الى الشعب-انظر الحوار المتمدن- والكتابات أن الانتفاضة التي اشتعلت نيرانها يوم 17 ديسمبر 2010 هي انتفاضة عفوية وشعبية وعنيفة,وهي اعنف الانتفاضات منذ 1956 اذا استثنينا الحركة الوطنية اليوسفية التي وقع تصفيتها من قبل البروقيبية وهي انتفاضة دون قيادة سياسية ودون قيادات محلية قارة لذلك حاولت كل الأحزاب يمينا ويسارا الركوب على النضالات ومحاولة التأثير فيها وهو أمر مشروع ولكل طرف سياسي غير مورط مع النظام العميل حق التحرك والنشاط السياسي. و طرح الشيوعيون الماويون تصورهم حول مفهوم الحكومة المؤقتة والمجلس التأسيسي وحددوا تركيبة هذه الهيئات ومهامها العاجلة والآجلة وفضحوا مجالس حماية الثورة التي كانت مسقطة على شاكلة المؤتمرات النقابية المفبركة والتي تم تشكيلها بمعزل عن القواعد وبتنسيق فوقي بين أطراف و تم تنصيب هذا العنصر أو ذاك حتى وإن كان لا ينتمي إلى الجهة وتم تشكيل معظم مجالس حماية الثورة على الطريقة البيروقراطية النقابية واستبعاد المعنيين بالانتفاضة وبالنضال الوطني الديمقراطي . وقد فشلت هذه اللجان في مواجهة مراوغات النظام ولم تصمد أمام الهيئة العليا وأمام الوعود التي قدمها الوزير الأول البورقيبي – قائد السبسي-
و أثار الشيوعيون الماويون ضرورة ايجاد قطب يساري مستقل عن البيروقراطية النقابية الخائنة لمطالب العمال والشعب و أكدوا على ضرورة عدم تشريك الإخوان فيما سمي بمجالس حماية "الثورة" وكل من تعامل مع نظام الجنرال غير أن اليسار الانتهازي جلس إلى جانب البيروقراطية النقابية-وتحت رعايتها- والى جانب ممثل النهضة –الجبالي- . هذا من ناحية و من ناحية أخرى فشل اليسار في إيجاد جبهة يسارية مستقلة بما أن جبهة 14 المتكونة من تروتسكيين-3أطراف- ووطنيين ديمقراطيين-3اطراف- وقوميين-3اطراف- لم تصمد أمام مناورات النظام وهرول شكري بلعيد – حركة الوطنيين الديمقراطيين ومحمد جمور، حزب العمل الوطني الديمقراطي نحو هذه الهيئة ولحقت البقية ودفع حزب العمال عناصر متعاطفة للتواجد في الهيئة.
ومقابل هذا التهافت الانتهازي والهرولة وراء المواقع على حساب مصالح الشعب ومطالب الانتفاضة طرح الشيوعيون الماويون تشكيل لجان الدفاع الشعبي عوض لجان حماية الثورة التي ضمت اخوانجية ودساترة جدد وبيروقراطية نقابية وفي تعارض كلي مع حكومة الغنوشي ثم حكومة السبسي. لقد طرحنا الحاجة إلى ايجاد حكومة "محايدة " أي حكومة متكونة من وزراء لم يتورطوا مع النظام السابق ,أي شخصيات وطنية مستقلة ومختصة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحقوقي يقع متابعة نشاطها ومراقبته من قبل لجان الدفاع الشعبي الوطنية المتشكلة أساسا من ممثلي العمال والعاطلين ومن ممثلي الفلاحين الفقراء وأصحاب الحرف الصغرى وصغار التجار والموظفين .وهي لجنة يقع انتخابها من المستوى المحلي إلى الجهوي فالوطني.واقترحنا عدة تسميات نذكر من بينها لجان حماية الانتفاضة- لجان الدفاع عن الانتفاضة-...كما اقترحنا عمليا التركيبة الطبقية للحكومة المؤقتة وكيفية انتخاب المسؤولين في المؤسسات العمومية عوض التعيين حسب الولاءات... ومضمون الدستور الواجب صياغته بهدف حماية مصالح الشعب الكادح الخ...
غير أن موازين القوى الحالية لم تسمح بنجاح هذه المقترحات نظرا لواقع التشتت التي تشكو منه القوى الثورية عموما ومستوى تطور التجربة التنظيمية لدى الجماهير وعدم فرز سلطة مضادة في بعض الجهات آو على مستوى قطري قادرة على تعديل الكفة والتقدم في تحقيق جل المطالب المرفوعة خلال الانتفاضة.
وعليه تمكّن النظام من إعادة تشكيل الحزب الحاكم في أحزاب أخرى وعزز موقع الأجهزة القمعية التي فقدت كل شرعيتها مثل البوليس والجيش بل ان البوليس السياسي الذي قيل انه وقع حله مازال ينشط بصفة عادية ولم يحصل أي تغيير طبقي في صفوف الائتلاف الحاكم وتلكأ النظام القائم في مصادرة أموال السرقة ومحاسبة المتورطين في قتل الأبرياء واسترجاع الأموال المهربة كما شوّه الحركات الاحتجاجية الهادفة إلى تطهير المؤسسات وسلك القضاء والمحاماة والإعلام الخ
وبايجاز فان انتخاب المجلس التأسيسي سيحصل في وضع رتّب له النظام واستعد لمواجهة أي طارئ فعزز حالة الطوارئ وفتح المجال واسعا أمام التجمعيين الجدد وسكت أمام المال السياسي الفاسد والإشهار السياسي الهادف إلى شراء الذمم كما سمح للإخوان وللسلفيين بالتحرك وبث البلبلة في صفوف الجماهير وتهميش النضال الوطني وجعل من محور الحجاب والنقاب الخ...الهدف من كل تحرك مع تجنب طرح المشاكل الحقيقية التي افرزنها الجماهير المنتفضة. وتحكم النظام كذلك في عمليات سبر الآراء من اجل توجيه الرأي العام الوجهة التي تخدم مصالحه...
إن الأوضاع التي ستتم فيها الانتخابات لا تخدم مصالح الجماهير المنتفضة لان النظام تمكّن من فك التعبئة ومحاصرة البؤر المنتفضة وتشويهها كما تمكّن من خلال الوعود الكاذبة من شق وحدة الصفوف.وساهمت المعارضة في بث الأوهام حول ما بعد الانتخابات بحيث أصبحت عدة شرائح اجتماعية تترقب الانتخابات لحلول التنمية والتشغيل والأمن والآمان الخ...
و عليه ، سيخدم المجلس التأسيسي القادم نفس دولة الإستعمار الجديد و ذات التحالف الطبقي الحاكم و إن جرى فيه تشريك لبعض القوى أو الأحزاب السياسية التى لا غاية لها سوى ترميم النظام القادم و ليس القضاء عليه.
لن يكون المجلس التأسيسي ممثلا فعليا لمصالح الطبقات التي انتفضت ولا للشباب المهمش لذلك لا بد من تذكير الفئات الشعبية بأهم المطالب التي يستوجب النضال من اجلها من جديد
- استرجاع الأموال المنهوبة والمهربة والأملاك المغتصبة- استرجاع الممتلكات العمومية التي وقع التفويت فيها لفائدة اقارب الجنرال- محاكمة رموز الفساد من سياسيين تجمعيين وقضاة واداريين ومحاميين الخ...ومحاسبة المجرمين والقناصة- مصادرة اموال العائلة الحاكمة وكل من يجلبه البحث – حل البوليس السياسي بصفة فعلية ومحاكمة المسؤولين على تعذيب المناضلين وقتلهم- تطهير كل المؤسسات الوطنية والجهوية والمحلية من العناصر الفاسدة والمورطة مع نظام بن علي: القضاء- التربية والتعليم- الاعلام –الداخلية- الخارجية ...حل كل الاحزاب المنحدرة من التجمع والتي وقع الاعتراف بها قانونيا واسنادها تاشيرة العمل السياسي ومنع كل من انتمى إلى التجمع وناشد الجنرال من الترشح الى المجلس التأسيسي-عدم استخلاص الديون؛ رفع حالة الطوارئ- تحرير حق التعبير والتظاهر والاعتصام-تحسين المقدرة الشرائية للشعب من خلال دعم المواد الاساسية والتخفيض في الاسعار-تمكين العاطلين عن العمل من منحة في انتظار تشغيلهم في اقرب الاجال ومراجعة مقاييس الانتداب-
وفي هذا السياق ندعو العمال والفلاحين والشباب العاطل واصحاب الحرف وصغار التجار... إلى عدم التصويت الى القوائم التجمعية والاخوانجية والانتهازية وكل القوائم المورطة في الفساد المالي والسياسي وكل من تعامل سابقا مع الجنرال الفار وناشده واستجدى تأشيرته للنشاط السياسي...كما ندعو كل من يصر على المشاركة في هذه الانتخابات بمقاطعة الخطر الداهم والمتمثل في عودة التجمعيين او في تحالف التجمعيين مع النهضة او مع الشابي-الحزب الديمقر اطي التقدمي- وعدم التصويت الى كل الاطراف الانتهازية اللاهثة وراء المقاعد على حساب شعارات الانتفاضة ونخص بالذكر شعار "اسقاط النظام" لذلك من الضروري مواصلة النضال من أجل تحقيق المطالب التي كانت السبب المباشر في اندلاع انتفاضة الحرية والكرامة.



تعليقات الفيسبوك