نظم الشرعية القبائلية والتغيرات الإقليمية


لطفي حاتم
2011 / 12 / 12 - 21:52     


أصبحت الحركات الاحتجاجية جزءً من السياسة الدولية وتعكس مساراتها التي لم تتحدد بعد طبيعة الصراع الاستراتيجي الدائر بين مشروع الهيمنة الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية وبين مشروع القوى الدولية الناهضة ــ روسيا والصين ـ وبعض الدول الإقليمية الهادف لبناء أمن المنطقة على قاعدة توازن المصالح الاستراتيجية للأطراف المتنازعة .
إن ألازمة الاقتصادية المتحكمة في مسارات الصراع الاستراتيجي الدائر في الشرق الأوسط تقود الى ظهور دول قوية وأخرى ضعيفة وما ينتج عن ذلك من تأثيرات لاحقة في بناء التكتلات الاقتصادية التي يشترطها الطور الجديد من التوسع الراسمالي . وبهذا السياق تطرح ألازمة الاقتصادية الحاضنة للنزاعات الدولية / الإقليمية حزمة من الإشكالات منها ما طبيعة الترابط بين الحركات الاحتجاجية والنزاعات الإقليمية ؟ . ومنها ما هي الأسباب الكامنة وراء تبني دول الخليج العربية لدعوات التغيير والإصلاح ؟ . وقبل هذا وذلك لماذا حولت دول الخليج العربية جامعة الدول العربية الى منظمة إقليمية تتماشى والسياسة الدولية ؟ .

استناداً الى الإشكالات الفكرية السياسية المثارة أحاول حصر رؤيتي الفكرية بثلاثة عناوين أساسية أولها الحركات الاحتجاجية والنزاعات الإقليمية، وثانيها الشرعية القبائلية والبناء السياسي للدول الخليجية، وثالثها النظم السياسية القبائلية وسياساتها الوطنية .

أولا : ـ الحركات الاحتجاجية والنزاعات الإقليمية

بات معروفا ان هناك علاقة جدلية بين نشوء نظم سياسية ديمقراطية في الدول العربية وبين طبيعة الاصطفافات الإقليمية الناتجة عنها ، وبهذا المعنى شكلت المطالبات الشعبية بالديمقراطية والإصلاح السياسي أداة سياسية بيد الدول الإقليمية والدولية لغرض توظيفها بما يتناسب ومصالحها الاستراتيجية ، الأمر الذي يدعونا الى متابعة تأثيرات الحركات الاحتجاجية في مصالح القوى الإقليمية المتعارضة عبر ملاحظات مكثفة :
ـــ تتنازع منطقة الشرق الأوسط مشاريع سياسية اقتصادية مختلفة لكننا نشير الى مشروعين كبيرين الأول مشروع الهيمنة الأمريكية / الأوربية المترابط ومصالح ( الدول ) الخليجية والهادف الى إلحاق الدول العربية بالأمن الإستراتيجي للدول الكبرى تمشياً وبناء التكتلات الاقتصادية العالمية. ( * ) . أما المشروع الثاني الملتحف بأردية قومية أو دينية يسعى الى بناء علاقات اقتصادية / سياسية ترتكز على توازنات دولية / إقليمية رافضاً بذلك إشراك القوى الخارجية في إدارة الشؤون الإقليمية .

ان استعراضنا لطبيعة المشروعين المتحكمين في سير النزاعات الإقليمية يقودنا الى طرح الأسئلة الآتية : كيف تعاملت الأطراف الدولية /الإقليمية المتنازعة مع الحركات الاحتجاجية ؟ . وما هي رؤيتها إزاء مطالب الديمقراطية وإصلاح البنى السياسية ؟ .

الاحاطة بمضامين الأسئلة المثارة تشترط التأكيد على بعض الموضوعات التي تقودنا الى مقاربة أولية لتفسير تصادم رؤى ومعالجات كلا المشروعين المتعارضين والتي أراها في:ـ
ــ بناء أنظمة سياسية ديمقراطية يشترط نشوء محاور اقتصادية / سياسية لصالح احد المشروعين المتنازعين وما يعنيه ذلك من اختلال التوازن الاستراتيجي العسكري ـ الاقتصادي في المنطقة .
ــ الخشية من اختلال التوازنات الإستراتيجية القائمة في المنطقة دفعت أطراف المشروع الدولي لاحتواء مطالب الحركات الاحتجاجية من خلال مصالحة بينها وبين بعض التيارات الإسلامية .
ــ الهجوم الخليجي العربي المباشر على الأنظمة العربية المستهدفة نتج عن أسباب كثيرة أهمها منها الخشية من بناء نظم سياسية على اساس الشرعية الديمقراطية ، وما يعنيه ذلك من تعرض النظم الوراثية للتآكل والتبدل .ومنها خشية طائفية تثيرها طبيعة التشكيلات الاجتماعية الخليجية وما يتطلبه ذلك من مشاركة قوى طائفية أخرى في بناء السلطة السياسية. وأخرها خشية سعودية من انفراط الحلف الخليجي وما يشكله ذلك من ضياع محيط استراتيجي لمصالحها الحيوية .
ـــ الخشية الخليجية المشار إليها ترابطت وأنشطة دولية متعددة الأشكال تسعى الى محاصرة دول مشروع الممانعة الإقليمي حيث شهدت العلاقات الدولية استخداماً مكثفاً لممارسات وإجراءات قانونية وغير قانونية تحت شعارات الإصلاح والديمقراطية نشير الى البعض منها: ـ
ــ فرض عقوبات اقتصادية أمريكية / أوربية وبمستويات غير مسبوقة وصولا الى محاولة فرض العزل السياسي الدولي ضد النظامين الإيراني والسوري .
ــ إدانة حقوقية تستند الى تقارير منظمات دولية تعوزها الحيادية والموضوعية وما نتج عنها من بناء مواقف سياسية لا تلم بطبيعة النزاعات الاجتماعية الفعلية في الدول المستهدفة .
ــ ضغوطات دبلوماسية تجسدت بنقل ملفات الدول المستهدفة الى مجلس الأمن بهدف تدويل نزاعاتها الداخلية .
ـــ هيجان إعلامي تمثل بسياسة التهويل والمشاركة في صياغة التوجهات المطلبية للمحتجين وبهذا السياق شكل التحريض الإعلامي المترابط والأجهزة المخابراتية أحد الأدوات الهامة لتطوير مستلزمات التدخل الخارجي .

ان تصعيد النزاع الاقليمي المتلازم والحركات الاحتجاجية ودفعه الى حافة التدخلات العسكرية أنتج عوامل دولية إقليمية جديدة يمكن تلخيصها بالأتي ــ
1 : ـ انتقال النزاع الاقليمي من محيطه العربي الى محيطه الشرق أوسطي وذلك بعد نجاح مشروع الهيمنة الدولية في ربط السياسة التركية المرتكزة على الطموح القومي بسياسة التدخلات الأمريكية .
2 : ـ أضفى دخول تركيا الى حلبة النزاع الاقليمي وتخليها عن استراتيجية تصفير المشكلات طابعا مذهبيا حادا تمثل بمساندة حزب العدالة والتنمية للحركات الإسلامية المناهضة للنموذج الإيراني .
3 : ـ أدت المشاركة الدبلوماسية الروسية ـ الصينية في النزاع الإقليمي الدائر الى إكساب النزاع طابعاً استراتيجياً وما يشترطه ذلك من ضرورة الاحتكام لقوانين الشرعية الدولية.

بعد هذا العرض المكثف لطبيعة النزاعات الإقليمية المترابطة والحركات الاحتجاجية تطالعنا الأسئلة الآتية : لماذا عمدت الدول الخليجية الى مساندة الحركات الاحتجاجية ؟ . وهل هناك تناغم بين الأنظمة السياسية الخليجية وبين الدعوة للديمقراطية والإصلاح ؟ . وأخيرا هل ان مشاركة دول الخليج الفاعلة في حصار الأنظمة المستهدفة فرضته الرغبة في تفكيك تلك الدول وتهميش تشكيلاتها الاجتماعية ؟.

ثانياً : ـ الشرعية القبائلية والبناء السياسي للدول الخليجية

انطلاقا من طبيعة القوى الاجتماعية المتحكمة في دول الشرعية القبائلية يمكن القول ان غياب الدولة بمعناها المؤسساتي أدى الى ازدواجية سلطتها السياسية التي تتحكم التراتيبية القبائلية وأعرافها العشائرية في فعاليتها الاجتماعية / السياسية .
ــ ان التوصيف أعلاه يبدو واضحاً في مجال بناء الأجهزة الإدارية ( للدولة ) فضلا عن مؤسساتها ( التمثيلية ) التي لا زالت تتمتع بتعدد دوائر صنع القرار فيها ، وما يعنيه ذلك من وجود تشابه ملحوظ بين النظم الخليجية وبين الدول الاستبدادية التي تتعدد مصادر صنع قراراتها الأمنية والعسكرية والسياسية .
ــ تتمثل السلطة القبائلية المتداخلة وسلطة ( الدولة ) في سيادة الأعراف والتقاليد الأبوية الراعية والمتحكمة في حل النزاعات الناشئة بين أفراد القبيلة الحاكمة ناهيك عن نزاعاتها مع القبائل المشاركة في الهيمنة السياسية ، وبهذا المسار نرى أن سلطة القبيلة المتداخلة وسلطة ( الدولة ) تعتمد على ثلاث ركائز أساسية الأولى هيمنة قبائلية تغذيها العادات والأعراف العشائرية والثانية نجدها بسيطرة اقتصادية تتجلى بملكية الطواقم القبائلية الحاكمة لمؤسسات ( الدولة ) الاقتصادية / الخدمية ، وآخرها سيادة سياسية تتمثل بسيطرة أبناء العشائر المتنفذة على السلطة السياسية .

ــ ان غياب النزاعات الاجتماعية وتعبيراتها السياسية في دول الشرعية القبائلية يحدده موقع القبيلة الاجتماعي الحاضن للنزاعات العشائرية التي تعبر في مضامينها عن نزاعات اجتماعية بين القبائل الحاكمة، وبهذا السياق تنمو في التشكيلة الاجتماعية القبائلية وبشكل تدريجي تمايزات بين الشرائح الطبقية الجديدة الناهضة بمساعدة السلطة وبين القوى المزاحة تدريجيا من السلطة والثروة ويتجلى هذا التمايز بطموح القوى المزاحة بضرورة كسر الهيمنة العشائرية على سلطة (الدولة ) وإفساح المجال لجميع الفئات الاجتماعية بالمساهمة في صنع القرار السياسي . وهنا يمكن التأكيد على ان تلك القوى الاجتماعية ( المتمردة ) لا يرقى بنائها الطبقي الى مستوى الطبقات البرجوازية التي شكلت قوى تاريخية للدفاع عن مصالحها عبر هيمنة سياسية / اقتصادية وطنية .
ـــ تتطور شرائح الطبقة الاقتصادية المتنفذة في سلطة الشرعية القبائلية انطلاقا من علاقاتها مع مالكي القرار السياسي المساندة لأنشطتها الاقتصادية ، ولهذا فان الطبقة الاقتصادية المتسيدة تتشكل من ثلاث شرائح أساسية : ( أ ) الفئات العقارية المتنفذة في قطاعي السياحة والخدمات التي تشكل الشريحة الأكبر في الدول الخليجية . ( ب ) الشريحة التجارية المتحكمة في الاستيراد والتصدير عبر شركات الوكالة و المترابطة مع الشركات الدولية . ( ج ) الشريحة المالية التي تشكل القوة القائدة لبقية الفصائل الطبقية باعتبارها المالك الفعلي للسلطة السياسية .

ـــ تحديدنا للقوى الاجتماعية المتنفذة في التشكيلات الاجتماعية القبائلية يكتمل عند تعرضنا لقوى طبقية أخرى منها الطبقة الوسطى المدينية التي تتوزع بين الوظائف الإدارية والخدمية والمهن الحرة فضلا عن تمركزها في جهاز الدولة البيروقراطي الاداري / العسكري . ومنها القوى العاملة الناشطة في قطاعات خدمية وشركات حكومية / أهلية ، والمتشكلة من العمالة الوافدة وما يتحكم فيها من قوانين الكفالة ، الإبعاد وموسمية عقود العمل .

ثالثاً : ـ النظم السياسية القبائلية وسياساتها الخارجية

ــ بداية نشير الى أن الاقتصاد ألريعي لدول الخليج العربية وتحالف شرائحها المالية والعقارية مع الرأسمال الدولي أفضى الى إعاقة انتقال بناءها السياسي الى الدولة الوطنية ، وما نتج عن ذلك من إعاقة بناء هوية وطنية تخدم مصالح تطورها الاقتصادي / السياسي اللاحق .
ــ ترابط البناء السياسي القبائلي مع النزعات الكسموبولوتية الرأسمالية تلازم وتحالف آخر تمثل بتشابك مصالح السلفية الإسلامية مع الرأسمال الخليجي وما نتج عن ذلك من دعم القوى السلفية بالمال والفتاوى الجهادية .
ان تحالف الرأسمال الخليجي القبائلي مع الحركات السلفية الإسلامية أنتج حزمة من التأثيرات الكارثية على الأمن الإقليمي نحاول حصرها بالموضوعات التالية : ـ
الموضوعة الأولى ــ تسلح السياسة الدولية بمبادئ قانونية تعني بمكافحة الإرهاب وما نتج عن ذلك من سياسة التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى وشن الحروب وفرض الحصارات الاقتصادية عليها.
الموضوعة الثانية: ــ أدت النزعة الإرهابية للسلفية الإسلامية المباركة خليجيا الى انتشار الأساليب الإرهابية البديلة عن الكفاح الوطني الاجتماعي ، وما رافق ذلك من تحول المطالبات الديمقراطية الى نزاعات طائفية.
الموضوعة الثالثة: ــ تشابك النزعات الدينية مع البنى السياسية العربية ترافق وانتشار الأحزاب الإسلامية الطائفية الامر الذي أضعف قدرة الأحزاب العلمانية الديمقراطية على المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية.

ان الموضوعات الفكرية / السياسية المشار إليها تكتسب نشاطاً سياسيا فاعلا تجسد بهجوم الدول الخليجية المتحالفة وبنية الشركات الاحتكارية الدولية على الحركات الاحتجاجية بهدف عزلها واحتواءها عبر ثلاثة محاور رئيسية محور المساعدات الاقتصادية الخليجية الهادفة الى بناء تحالفات بين القوى الاقتصادية المتنفذة في الدول العربية الساعية الى الإصلاح وبين الرأسمال الخليجي المترابط وسياسة الشركات الدولية . المحور الثاني تقوية التيارات السلفية والتأثير على التيارات الإسلامية ودعم تأثيرهم السياسي . المحور الثالث هيمنة سياسية على قرارات الجامعة العربية وجعلها منظمة عقابية ضد الدول العربية المستهدفة .

تكثيفا لمضامين وبنية التحليل الأساسية لا بد من إيراد الاستنتاجات المكثفة الآتية :

أولا : ـ أصبحت الحركات الشعبية المطالبة بالديمقراطية والإصلاح جزءاً من السياسة الدولية الهادفة الى صياغة اصطفافات إقليمية جديدة تخدم المصالح الاستراتيجية للمشاريع المتنازعة .
ثانياً : ـ أدت النزاعات الإقليمية بين مشروعي الهيمنة الدولية ومشروع الممانعة الإقليمية الى تبلور اصطفافات دولية تتبلور تجلياتها في السياسة الدولية .
ثالثاً: ـ يسعى الرأسمال القبائلي المتحالف والقوى السلفية الى تفكيك التشكيلات الاجتماعية وتوزيعها على المنظمات الأهلية الامر الذي يعني تراجعا في بناء الدولة الوطنية وربطها بسياسة الإلحاق الكولونيالية .

الهوامش
* : ـ يسعى مشروع الهيمنة الدولية الى إجراء إصلاحات سياسية لا تتضمن تغيرات ديمقراطية حقيقية تقود الى بناء اقتصادات وطنية على قاعدة المساواة والموازنة الدولية .



تعليقات الفيسبوك