انتصار ثورة 15 شباط و«مؤامرة» الناتو عليها [2/2]


جلبير الأشقر
الحوار المتمدن - العدد: 3472 - 2011 / 8 / 30 - 08:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

ما يحدث ليس أوهاماً من نسج خيال شرق أوسطي، ميّال إلى تبنّي نظرية المؤامرة، بل يستند الى وقائع على الأرض. فهي تتناسب مع «المؤامرة» المكشوفة الحقيقية التي حاكتها قوى الناتو بشأن مستقبل ليبيا. وقد كشف المخطط أندرو ميتشل، وزير التنمية الدولية البريطاني، في 28 حزيران: ملف من 50 صفحة تحت عنوان «وثيقة تحقيق الاستقرار»، أعدّه «فريق الاستجابة لتحقيق الاستقرار»، بإدارة بريطانيا ومشاركة تركيا. وترسم الوثيقة سيناريو لما بعد القذافي، على افتراض أنّ «ملك ملوك أفريقيا» سيتنحّى، أو يطاح. فعلى الرغم من المحاولات الغربية المتكررة لإقناع المجلس الوطني الانتقالي بعقد تسوية مع القذافي، بحسب ما تسرّب مراراً الى وسائل الإعلام على مدى الأشهر السابقة، أوضح المجلس أنّ إزاحة القذافي وأولاده من الحكم أمر غير قابل للتفاوض في نظر الثورة الليبية. وحتى احتمال منح القذافي تقاعداً مريحاً في ليبيا، وهو احتمال طرحه المجلس باستحياء، وعلى نحو اختباري تحت الضغط الغربي، جرى التراجع عنه سريعاً، بسبب السخط الذي أثاره في صفوف الثوار.
أحد أهم المشاركين في المحاولات الغربية لعقد صفقة مع المقرّبين من القذافي هو ابنه، سيف الإسلام، الرجل الذي اشترى لنفسه شهادة دكتوراه (تتناول أطروحته المجتمع المدني والديموقراطية!) من معهد لندن لعلم الاقتصاد (LSE)، واشترى لأبيه زيارات من قبل أمثال ريتشارد بيرل، وفرانسيس فوكوياما، وبرنارد لويس، وانتوني غيدنز، من أجل «تحسين صورة ليبيا ومعمر القذافي». وقد صرّح لجريدة «الخبر» الجزائرية (11 تموز) بأنّ الحكومة الفرنسية، خلافاً لموقفها الرسمي، قد أقامت مفاوضات مع طرابلس: «نحن الآن نتفاوض مع باريس، فتحنا اتصالات مع فرنسا. الفرنسيون قالوا لنا هذا المجلس يتبعنا، حتى إنّهم قالوا لنا عندما نصل إلى اتفاق معكم في طرابلس سنفرض على المجلس الانتقالي وقف إطلاق النار ... أنا أقول إذا أرادت فرنسا أن تبيع طائرات «رافال»، إذا أرادوا أن يوقعوا عقود نفط، إذا أرادوا أن ترجع شركاتهم، فعليهم أن يتكلموا مع الحكومة الشرعية في ليبيا، ومع الشعب الليبي، وبالطرق السلمية والرسمية».
من جهته، لا يُظهر «ملك ملوك أفريقيا» أي استعداد للانصياع. وقد كرر في 23 تموز انتقاده الشديد للشعبين التونسي والمصري على إطاحتهما حاكميهما الدكتاتوريين. ومع ذلك، اعتمد مخطط الحلف الأطلسي الذي أعلنته لندن على سيناريو «وقف إطلاق النار بين النظام و الثوار»، بما يعني أنّ أجهزة النظام ومؤسساته سوف تبقى قائمة.
الهاجس الرئيسي لخارطة طريق الناتو، التي أشرفت بريطانيا على رسمها، هو تجنب تكرار الأداء الكارثي للولايات المتحدة في العراق، بعد غزوه. هناك، واجهت إدارة بوش خياراً بين احتواء الجسم الأعظم للدولة البعثية، وتفكيكها بالكامل. وتبنّت الخيار الأخير المدعوم من أحمد الجلبي والمحافظين الجدد، دعاة مخطط أبله، هدف الى خلق نظام عميل للولايات المتحدة في العراق، يقوم على جهاز دولة محدود للغاية. لذا، فإنّ خارطة الطريق الليبية الأطلسية مستوحاة من السيناريو الذي أيّدته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في العراق، ورفضته ادارة بوش في حينه.
وكما أوضح ميتشل، تعتمد خارطة الطريق على «التوصية بألا تحذو ليبيا حذو العراق في حلّ الجيش، الخطوة التي عدّها بعض المسؤولون خطأً استراتيجياً أدى الى إذكاء التمرّد في الظروف الحسّاسة والمضطربة التي تلت إطاحة صدام حسين». وقد شدّد وزير الخارجية البريطاني وليم هايغ على الهاجس نفسه، عند زيارته المجلس الوطني الانتقالي في بنغازي. فصرّح في اليوم التالي (5 حزيران): «لا اجتثاث للبعث، فبالتأكيد سيستخلص الثوار العبرة من ذلك»، مضيفاً إنّ «عليهم نشر الخبر على نحو فعال أكثر، ليتمكنوا من إقناع أعضاء في النظام الحالي بأنّه حلّ مجدٍ». ويحدد الهاجس نفسه موقف الدول الغربية من الانتفاضة السورية، إلا أنّ نفوذها في ليبيا أقوى بكثير.
إنّ توصيف ميتشل «للمساهمة القوية» للناتو وحلفائه في إدارة ليبيا بعد القذافي ـــــ بدون انتشار برّي ـــــ إنما هو مضحك حقاً: «سيقود الاتحاد الأوروبي والناتو والأمم المتحدة في مجال المهمّات المتعلقة بالأمن والعدل؛ وستقدم أوستراليا وتركيا والأمم المتحدة العون في الخدمات الأساسية؛ وتقود تركيا والولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية في حقل الاقتصاد»، لكن، أضاف ميتشل: «من المهم جداً أن تكون العملية برمتها ملكاً لليبيا. قمنا بذلك خدمة للشعب الليبي».
بيد أنّ تلك الخطة الأولية لم تغنِ عن وضع خطة ثانية، بما يشير إلى قلة ثقة الدول الغربية باحتمال «انتقال منظّم» للسلطة بعد القذافي (نستعير هنا العبارة التي رددتها إدارة أوباما مراراً وتكراراً، كتعويذة في صدد مصر). وقد كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» (29 حزيران) في تقريرها عن الخطة التي تديرها بريطانيا، أنّ مسؤولين في الأمم المتحدة يعدّون «خطط طوارئ» تتضمن «نشر قوات مسلحة متعددة الجنسيات... قد تكون من بلدان إقليمية، كتركيا والأردن وربما بعض دول الاتحاد الأفريقي». وليس مفاجئاً أن يكون أحد المتحمسين لتلك الخطة أحد أكثر الزعماء الغربيين عداوة للثوار الليبيين، الجنرال كارتر هام، المشرف الحالي على قيادة أفريقيا الأميركية (أفريكوم). وتشاطره الرأي قيادة الجيش الجزائري، التي زارها الجنرال اوائل حزيران، محذّراً من هناك من خطر وقوع الأسلحة المنتشرة في ليبيا بأيدي تنظيم القاعدة. (ولعلّ تحرّر الأمازيغ في غرب ليبيا سبب إضافي لموقف الجزائر العدائي تجاه ثوار ليبيا).
لم يحتج المجلس الوطني الانتقالي إلى وقت طويل، كي ينصاع لتعليمات الحلف الأطلسي، ويصوغ نسخته الخاصة من خارطة الطريق، التي من الواضح تماماً أنّها صُممت لترضي الهوس الغربي بـ«النموذج العراقي». وقد سرّبت نسخة من الخطة الليبية المؤلفة من 70 صفحة إلى صحيفة «تايمز» اللندنية، التي نشرت ملخصاً عنها في 8 آب. وتتضمن الخطة أرقاماً تفصيلية الى حد أنّها لا تصدّق، بما يوحي بأنّ مؤلفيها يسعون الى إرضاء أسيادهم في الحلف الأطلسي: «تزعم الخطة أنّ 800 مسؤول أمني في حكم القذافي يعملون سراً لمصلحة قضية الثوار، وهم مستعدون لتكوين العمود الفقري للجهاز الأمني الجديد... تدّعي الوثائق أنّ المجموعات الثائرة في طرابلس والمناطق المجاورة تتضمن 8660 مناصراً، 3255 منهم في جيش القذافي. ومن المرجّح جداً أن ينشقّ عدد كبير من المسؤولين النافذين، علماً أنّ 70% منهم يؤيدون النظام خوفاً منه، لا أكثر».
خلافات في صفوف المعارضة
وقد أبدت صحيفة «تايمز» شكّاً في شأن سيناريو المجلس الوطني الانتقالي في ضمّ أركان نظام القذافي الى النظام الذي سوف يليه: «ذلك أمر ليس محفوفاً بالخطر فحسب، بل هو مثير للجدل أيضاً، في ظل وجود ثوار مقاتلين عازمين على التخلص من كل ما بقي من النظام»، وكما أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» في تقريرها بشأن خارطة الطريق التي أشرفت عليها بريطانيا: «تحوّل الكثير من كتائب الثوار الى ميليشات، ويرفض بعضها تلقّي الأوامر من أشخاص كانوا يتولّون مناصب عسكرية او أمنية في نظام العقيد القذافي، قبل أن يلتحقوا بصفوف الثورة عند اندلاعها في شباط، بل يرفض البعض حتى العمل الى جانب هؤلاء. وقد دعا بعض زعماء الثورة البارزين الى تجريد الذين ناصروا النظام حتى النهاية من أي منصب في المستقبل، وإعطاء الأولوية لأولئك الذين حاربوا العقيد القذافي». إنّ عزم العديد من الثوار على إزاحة جميع الذين ناصروا القذافي ووقفوا ضد الثورة هو في الواقع ما يتيح فهم المفارقات في سلوك الناتو. فلم تكن أوساط الحلف الأطلسي ترغب في أن يحرر الثوار طرابلس بوسائلهم الخاصة، كما ذكرت مجلة «ذي ايكونومست» البريطانية بصراحة تامة (16 تموز): «تأمل الحكومات الغربية ألا تسقط طرابلس على أيدي الثوار بعد تقدمهم المتواصل من شرق البلاد، مع الاحتمالات الملازمة بقيام عمليات ثأر تستهدف مناصري القذافي خلال تقدمهم. بدلاً من ذلك، فإنّها تفضّل انفجار النظام من الداخل وانتفاض سكان طرابلس لإطاحة العقيد ـــــ وهو ما تظن الدوائر الحكومية الغربية أنّ موعده يقترب».
هذا وقد أفصحت صحيفة « فايننشال تايمز» عن تفضيل مماثل قبل ثلاثة أيام من بدء تحرير طرابلس (17 آب):«يجب أن يحرص قادة الثوار على عدم تعريض استقرار دولة ما بعد القذافي للخطر، من خلال شنّ هجوم شامل على طرابلس. فحتى لو نجح مثل ذاك الهجوم، سينجم عنه بشبه التأكيد حمّام من الدماء في صفوف الثوار وأنصار النظام والمدنيين... فبدل الهجوم على طرابلس، ينبغي للثوار عزل النظام بجمع متقن بين أنواع الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي. ذاك هو الطريق الأفضل ليس لإزاحة العقيد القذافي من السلطة فحسب، بل أيضاً لجعل الانتقال الى ليبيا جديدة أهدأ ما يمكن».
وقد علّق توم دايل على مسألة تفضيل الناتو «انفجار النظام من الداخل»، كما جاء في «ذي إيكونومست»، كاتباً على موقع صحيفة «ذي غارديان» اللندنية (4 تموز): «لماذا تفضل القوى الغربية انقلاباً على القذافي من الداخل على انتصار جيش الثوار؟ إنّ انقلاباً كهذا يفترض حصول تسوية ما بين أركان النظام القديم الذين لا يزالون يحيطون بالقذافي، وقيادة الثوار التي تتضمن بدورها العديد من رجال النظام السابقين. ترغب الحكومات الغربية في تحقيق الاستقرار وممارسة النفوذ، وترى أنّ رجال النظام القديم بدون القذافي وعائلته، يمثّلون الحل الأفضل لضمان ما تشاء». ما جاء في الجملة السابقة يحتاج الى التدقيق، ولا سيما لتأكيد التمييز بين رجال النظام الذين انشقوا عنه منذ بداية الثورة، والذين لا يزالون مع القذافي. فلنأخذ اللواء عبد الفتاح يونس ـــــ الذي اغتيل أخيراً ـــــ على سبيل المثال، وهو أحد أهم رجال نظام القذافي السابقين الذين انضموا الى الثورة في أيامها الأولى. كان القائد العسكري للثوار الليبيين من أشد المنتقدين لأداء الحلف الأطلسي، وتطوّرت علاقة عدائية للغاية بينه وبين العقيد خليفة حفتر، المقرب من وكالة الاستخبارات المركزية. عاش الأخير في المنفى مدة تقارب ربع قرن، قضى معظمها في الولايات التحدة عاملاً مع الوكالة. وقد عيّنه المجلس الوطني الانتقالي في منصب عسكري رفيع المستوى لمّا عاد الى ليبيا، وذلك بضغط من واشنطن. إنّ حفتر رجل يكرهه كثيرون في المعارضة الليبية، كما نقل من بنغازي الصحافي شاشنك بنغالي على شبكة «ريل نيوز نتوورك» اليسارية (14 نيسان):«ثمة بعض التوجس هنا حيال إمضاء حفتر وقتاً طويلاً في الولايات المتحدة، وحيال علاقاته المزعومة بوكالة الاستخبارات المركزية ومسؤولين أميركيين آخرين، ما يجعل منه شخصاً مثيراً للجدل لدى الليبيين، الذين يشعرون بأنّ انتفاضتهم انتفاضة محلية بحق. إنّهم يريدون الدعم الأجنبي على نحو الأسلحة والاعتراف بالحكومة الليبية المعارضة فقط. وعليه يرغبون أيضاً في ألا تستولي على الثورة قوى خارجية كوكالة الاستخبارات المركزية».
وقد دفع العداء بين يونس وحفتر الى اعتقاد البعض أنّ اغتيال الأول جرى على أيدي الوكالة لتمهيد الطريق للأخير، لكن حفتر لم يحلّ محل يونس، بل حلّ محلّه رجل آخر انشق مبكّراً عن نظام القذافي، هو اللواء سليمان محمود العبيدي، الذي شغل منصب قائد المنطقة الشرقية في طبرق قبل انشقاقه. على العموم، لا تبدو الظروف مؤاتية للرجال ذوي الارتباطات الأمتن بالخارج، ويشير الى ذلك تعليق «نيويورك تايمز» (8 آب) بشأن حلّ المجلس الانتقالي لمجلس الوزراء المؤقت، عقب اغتيال يونس:«بدت مسألة التغيير الوزاري على أنّها تمثّل مجهوداً من المجموعات النافذة في حركة الثورة، بمن فيهم الزعماء المحليون، الذين ساهموا في تنظيم الانتفاضة، يرمي الى فرض سلطتهم وتهميش الزعماء الذين عادوا من المنفى وتسلّموا مناصب أساسية. لأشهر عديدة، وردت شكاوى كثيرة بشأن عدم معرفة معظم اللبيبيين بالوزراء الذين يقضون معظم وقتهم خارج البلاد ـــــ في قطر على الأخص، وهي الدولة التي برزت بوصفها الراعي الأكثر حماسة للثوار. وقال متحدث باسم الثوار إنّ السيد محمود جبريل [وهو الاقتصادي الذي عيّنه المجلس الانتقالي رئيساً للوزراء، بعدما أشرف على إصلاحات نظام القذافي النيوليبرالية منذ 2007 حتى الانتفاضة]، الذي نادراً ما يشاهد في بنغازي، سوف يُطلب منه أن يمضي وقتاً أكثر في ليبيا».
هذا وأعطى محمد عجوري، أحد معاوني عبد الفتاح يونس، رواية معقولة لحادثة اغتيال اللواء، متهماً أعضاءً في «كتيبة شهداء 17 فبراير» بالاغتيال. ( وفقاً لمصدر آخر، ينتمي الجناة الى مجموعة إسلامية متشددة تطلق على نفسها اسم كتيبة أبو عبيدة بن الجراح). وتعطي شهادة عجوري لمحة عن تركيبة الثوار الهجينة والمعقدة: ««كتيبة شهداء 17 فبراير» هي مجموعة تتألف من مئات المدنيين الذين حملوا السلاح للانضمام الى الثورة. يقف مقاتلوهم في المعارك على خط المواجهة مع قوات القذافي، لكنّهم يعملون أيضاً كقوة أمن داخلي شبه رسمية للمعارضة. كان بعض قادتها أعضاءً في الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية، وهي ميليشيا إسلامية شنّت حملة عنف ضد نظام القذافي في التسعينات ....، لا يثقون بأي شخص كان مع نظام القذافي، وأرادوا الانتقام»، أضاف عجوري».
وكان «مؤتمر الحوار الوطني» الذي عُقد في بنغازي يوم 28 تموز، مثالاً آخر عن عدم تجانس صفوف المعارضة. فقد حضره 350 مشاركاً، منهم أعضاء في «كتيبة شهداء 17 فبراير»، وأعضاء سابقون في فرع حركة الإخوان المسلمين في ليبيا (وقد نفت الحركة أن تكون لها علاقة بالمؤتمر حسب رواية «الجزيرة. نت» في 28 تموز). شدد المشاركون في المؤتمر على وحدة ليبيا، وطابعها الإسلامي، وعلى أهمية إطلاق حوار وطني شامل، فيما صرّح عضو المجلس الانتقالي المشارك، الأمين بلحج، بأنّ القذافي وأبناءه لا يمكنهم أن يبقوا في السلطة، بل يمكنهم البقاء في ليبيا تحت الحماية. ويبدو أنّ بعض المشاركين كانوا على صلة بسيف الإسلام القذافي، بما يتجانس مع تصريحات الأخير لصحيفة «نيويورك تايمز» (3 آب): «لقد أطلقت إسلاميين ليبيين من السجن، وأنا على معرفة شخصية بهم، إنّهم أصدقائي».
وجرت تظاهرة خارج الفندق الذي عُقد فيه المؤتمر تندد به. ويُظهر تقرير «الجزيرة. نت» صورة لشاب يرفع لافتة باسم «شباب الثورة» كُتب عليها: «المؤتمر الوطني لا يمثل إلا نفسه». وقد أعرب المتظاهرون عن رفضهم لأي حوار مع سيف الإسلام وشركائه، واتهموا منظمي المؤتمر باستخدام الميليشيات للسيطرة على ليبيا قبل تحريرها بالكامل. أما نعيمة جبريل، وهي قانونية وعضوة في «هيئة دعم مشاركة المرأة في صنع القرار» في بنغازي، فعبّرت لموقع الجزيرة عن احتجاجها على إقصاء النساء عن المؤتمر.
في تلك الأجواء المضطربة، ظهرت تفاصيل إضافية عن خطة المجلس الانتقالي، نقلتها صحيفة «وول ستريت جورنال» (12 آب)، وهي تظهر إقراراً مطَمئناً إلى تعقيدات الوضع الليبي وسعياً إلى معالجتها بطريقة ديموقراطية: «تعترف الخطة بأنّ القيادة في بنغازي لا تتمتع بعد بدعم رسمي من المناطق التي لا تزال تحت سيطرة القذافي، ويطلق سيرورة لملء المناصب الـ25 الشاغرة التي تمثل المناطق المذكورة في الهيئة المؤلفة من 65 مقعداً. بموجب الخطة، يُحظر على أعضاء المجلس الحاليين الترشّح للانتخابات الوطنية في أول دورتين لها، كما يحظر عليهم القبول بتعيينات سياسية في الحكومات الناجمة عنها... وفقاً للوثيقة، سيحكم مجلس وطني انتقالي موسّع ـــــ يضم ممثلين جدد عن المناطق الواقعة تحت سيطرة القذافي ـــــ لمدة ثمانية أشهر بعد سقوط العقيد القذافي، تُجرى خلالها انتخابات لإنشاء لجنة دستورية واختيار 200 عضواً لتأليف مجلس وطني مؤقت. وسيعتمد تمثيل المحافظات في مجلس النواب على إحصاء للسكان أجري في 2010. يحكم مجلس النواب فترة مؤقتة تمتد إلى أقل من سنة، يجري خلالها تبني دستور جديد عن طريق استفتاء وطني، ثم تُنتخَب حكومة ليبية جديدة وثابتة بموجب الأطر المنصوصة في الدستور الجديد».
ليت الواقع يتطابق مع الخطة، لكن احتمال تنفيذها على نحو سلس ضعيف جداً في الحقيقة، نظراً إلى تشابك القوى القبلية والإثنية والسياسية الفريد من نوعه، التي يتكوّن منها المجتمع الليبي، وهو خارج لتوه من أحد أكثر الأنظمة الدكتاتورية جنوناً، الذي دام أكثر من أربعة عقود. فقد أدى الإعلان الدستوري الذي صدر في بداية آب عن المجلس الانتقالي، والمستند الى الخطة المذكورة اعلاه، الى نشوب خلافات في بنغازي، إذ يتّهم بعض الثوار المجلس الانتقالي بالعمل خلف أبواب مغلقة. ويذكّرنا الاضطراب السياسي في ليبيا بالوضع السائد في مصر، حيث تحتدم المعركة السياسة بين شتى أطياف المعارضة، بعضها، ولا سيما بين القوى الإسلامية، على استعداد للتساوم مع مؤسسات النظام، وخصوصاً الجيش، بينما آخرون، ولا سيما في أوساط الشباب، يرفضون ذاك التساوم ويريدون إحداث تغيير جذري في مؤسسات بلدهم.
إنّ الوضع في ليبيا ـــــ كما في تونس ومصر وسائر دول المنطقة التي تتطوّر فيها السيرورة الثورية الحالية ـــــ لا يزال في بداية مسار تطور طويل ومضطرب، هو المصير الطبيعي للتحوّلات الثورية. وسيكون من بالغ الصعوبة على القوى الغربية أن تسيطر على السيرورة في ليبيا، حيث لا قوات على الأرض لديها ـــــ فضلاً عن فشلها أصلاً في السيطرة على أوضاع البلدان التي نشرت فيها قواتها، كالعراق وأفغانستان.
إنّ عملية تحرّر الشعوب وتقرير مصيرها بأنفسها عملية معقدة، ويمكنها أن تمر بمراحل شنيعة، لكن، بدون هذه العملية ولو لم يكن ثمة استعداد لدفع الثمن الملازم الذي قد يكون باهظاً بلا شك، لكان العالم بأسره لا يزال خاضعاً لأنظمة استبدادية.
* أستاذ في«معهد الدراسات الشرقية والأفريقية» في لندن (ترجمة: كوثر فحص)



تعليقات الفيسبوك