الفلسفة بين الدين والعلم


هشام غصيب
2014 / 11 / 3 - 08:56     

بماذا تتميز الفلسفة عن غيرها من الممارسات والنظم الفكرية ؟ سؤال ما فتئ يشغل بال الفلسفة منذ نشوئها وحتى اليوم. وقد يتفاجأ السامع إن قلت إنها تتميز بالقحة الصارخة والجموح الفكري والحرية العقلية المطلقة. فهي لا تعرف الثبات بتاتا، بل وتنكر على غيرها أي استقرار وثبات. وهي تسعى دوما إلى تخطي الكائن، كائناً ما كان، صوب الممكن أو حتى اللاممكن. كما إنها تنبش دوما عن الأسس وتغوص صوب أسس الأسس، لا من أجل تثبيتها، وإنما من أجل تحديها ونسفها والبحث عن غيرها. إنها تسعى دوماً إلى إعادة التأسيس، كما لاحظ إدموند هوسيرل. والفلسفة تعرف تماما كيف تزدري بقحة لا حصر لها. لذلك يبغصها رجال الدين والسياسة، ويخشاها رجال العلم. فهي لا تراعي حرمات ولا خواطر، وإنما تشاغب وتكافح دوماً وبحكم طبيعتها. وهي دائمة الغوص إلى الجذور من دون أن تصل إلى قاع أو مستقر لها. كما إنها دائمة التحليق والجموح في فضاء الممكن. تغوص إلى الجذور اللانهائية العمق ، فتعجز عن العودة إلى السطح، كما في أفلاطون وهيغل وهيدغر. وتحلق في فضاء الممكنات وتجمح في أركانه، فتعجز عن العودة إلى نقطة انطلاقها. حاول كانط أن يكبح جماحها ويقيد حركتها ويحولها إلى علم، لكنه أخفق في ذلك، بل وأسس، من حيث لا يدري، لأكبر انطلاقة تأملية في تاريخ الفلسفة؛ لفخته وشلنغ وهيغل. وكرر المحاولة فتغنشتاين وهوسيرل والوضعيون المناطقة وبعض الماركسيين، ولكن من دون جدوى. فلا سبيل إلى لجم الفلسفة أو تقييدها أو تثبيتها ضمن قوالب وافتراضات ، مهما كانت منطقية. لذلك سعى هوسيرل إلى فلسفة خالية من الافتراضات. ولئن كان العلم يرتكز إلى افتراضات عامة، تتغير بين حقبة وأخرى، فإنه، في جل أوقاته، لا يفكر فيها ولا يجعلها موضوعاً لفعله. إنه قلما يفكر في ذاته وأسسه. فهو لا يعيد النظر في بعض أسسه إلا في لحظات تأزمه الجذري. عند ذاك يقترب من الفلسفة ويتماهى معها. فالفلسفة دائمة النظر في ذاتها وأسسها. بل إنها مهووسة بذاتها وبغيرها أيضاً.



وتختلف الفلسفة عن العلوم في منهجها في أنها لا تحتكم إلى منطق برهاني اشتقاقي صارم، كما الرياضيات مثلاً. كما إنها لا تحتكم إلى منطق اختباري صارم، كما الفيزياء مثلاً، وإنما ترتكز إلى فضاء لا نهائي من التسلسلات الفكرية اللانهائية الأفق. ويبدو لي أن ما قاله لودفيغ فتغنشتاين في كتابه “استقصاءات فلسفية” من أن اللغة لا يحكمها حسبان معين، وإنما تحركها ألعاب لغوية، ينطبق تماماً على الفلسفة. إن القواعد، التي تتبعها الفلسفات المتنوعة في تفكيرها وحججها، تذكرنا بقواعد الألعاب، لا بقواعد المنطق أو الرياضيات. إن الممارسة الفلسفية أشبه ما تكون بممارسة الألعاب، اللغوية أو غيرها.



لذلك، فإن الأحكام الفلسفية تدهشنا بغرابتها وبعدها عن المألوف والمنطق السائد. بل يمكن القول إن هناك قدراً كبيراً من اللامعقول في الفلسفة تجابه به باستمرار المعقول السائد أو حتى المتخيل. لقد ظن كيركغور أن الدين هو الذي يفعل ذلك. لكن الدين لا يجابه، وإنما يستتر، ثم يسعى إلى إحلال لا معقوله محل المعقول السائد أو المتخيل، بالسيف إن لزم الأمر. أما الفلسفة، فهي لا تسعى إلى إلغاء المعقول، وإنما تعمد إلى الكشف عن حدوده ومحدوديته ونواقصه بتحديه بلامعقولها وإمكانات معقولها اللامحدودة. خلاصة القول، فإنه ليس هناك نهج فلسفي، وإنما هناك فضاء لا محدود من الألعاب الفكرية تحلق فيه وتجوبه الفلسفة.

ماذا يترتب على ذلك كله ؟
أمران: (1) إن الفلسفة لا تنتج معرفة، لكنها تؤسس لمعرفة. فالفلسفة، بتحديها المعقول السائد وأسسه وبنقدها ونقضها إياه، تعمل على إزالة معوقات إنتاج معرفة جديدة، وتساهم في وضع أسس هذه المعرفة الجديدة. إنها تكنس القاذورات المتراكمة تمهيداً لفرش المنزل بأثاث جديد.

فلولا النقد الفلسفي الذي وجهه أمثال فرانسيس بيكون وجيوردانو برونو وغاليليو غاليلي ورينيه ديكارت وبيير غاسندي صوب الفكر السكولائي السائد في القرنين السادس عشر والسابع عشر لما أتيح لإسحق نيوتن بناء ماكنته الفيزيائية المريّضة بقدراتها الهائلة على إنتاج المعرفة. ولولا قحة هيوم الفلسفية وجرأة ماخ وبوانكاريه الفكرية لما أتيح لألبرت آينشتاين أن يبدع نظريته الثورية المذهلة في النسبية. لولا جنون الفلسفة، لما كان كوبرنيكوس ونيوتن وآينشتاين وبور وهايزنبيرغ. فالفلسفة إذاً هي شرط جوهري من شروط إنتاج معرفة جديدة. لذلك، فإنها تدخل جوهرياً في تركيب العقل النظري في حضارة ما. إنها ملازمة للعلم أنى وجد، ليس لأنها علم أو آلة فكرية لإنتاج المعرفة، وإنما لأنها تؤسس للعلم وإنتاج المعرفة بقحتها الصارخة وجموحها وحريتها المطلقة. لذلك، يمكن القول إن أخذ المجتمع المعرفة العلمية الدقيقة على محمل الجد هو الذي يخلق المناخ المناسب لازدهار الفلسفة. فالفلسفة هي تعبير دقيق عن مكانة المعرفة الدقيقة في المجتمع وعن جدية العناية بها. إن الفلسفة والمعرفة العلمية صنوان لا يفترقان. كما إن جدية الموقف من الفلسفة تفترض جدية الموقف من المعرفة. فالغوص في المعرفة يقود بالضرورة إلى الفلسفة. كما إن المجتمع المعني بإنتاج المعرفة الدقيقة وعلوم جديدة معني بالضرورة بإنتاج الفلسفة. فليس غريباً إذاً أن تعمد المجتمعات التابعة، التي تقع شروط إعادة إنتاجها خارجها، إلى إهمال الفلسفة، إن لم يكن محاربتها. والذي أعنيه هنا هو أن التفكير بالعقل لا يمكن في النهاية فصله عن التفكير في العقل. إن هذين النمطين من التفكير صنوان لا يفترقان، بمعنى أن العلاقة بينها جدلية، أي ضرورية وتحولية ووجودية. من ذلك ينبع تأكيدنا بأن التفكير الجدي بالعقل يقود بالضرورة إلى التفكير الجدي في العقل، أي ممارسة الفلسفة. من ثم، فإن أي مجتمع معني بإنشاء صناعة فعلية للمعرفة ينبغي أن يولي الفلسفة وممارستها وإنتاجها اهتماماً خاصاً.



لقد ربطنا إذاً الفلسفة بالمعرفة الدقيقة، أي بالعلم. والذي نريد قوله ههنا أنه لا علم بلا فلسفة ولا فلسفة بلا علم. إن لحظة العلم هي لحظة الفلسفة أيضاً. فهما يشكلان عقلاً نظرياً واحداً، ويتمايزان عن بعضهما ضمن هذا الإطار التوحيدي الواحد. وهذا ما نلحظه بجلاء في جميع الحضارات التي وصلت حدا من التطور مكنها من إنتاج عقل نظري.



والنقطة الجوهرية هنا هي أن قوى اجتماعية تبرز في بعض المجتمعات وتشعر بالحاجة إلى إنتاج المعرفة بوصفها عنصراً أساسيا من عناصر الإنتاج، التي تهمين عليه، أو تسعى إلى الهيمنة عليه. وتدفعها روحها الوثابة إلى خوض كل حقل من حقول المعرفة. كما إنها تدرك الطبيعة اللانهائية المتشابكة للمعرفة، الأمر الذي يدفعها إلى صرف المليارات دعما لأكثر البحوث تجريدية. إن العقل النظري هو تعبير دقيق عن قوى الإنتاج في المجتمع. فحاجة المجتمع إلى العقل النظري بوصفه قوة رئيسية من قوى الإنتاج هي في حد ذاتها تعبير عن تطور المجتمع. إن المجتمعات الناهضة تنتج العقل النظري بوصفه قوة إنتاج رئيسية. ولما كانت الفلسفة جزءاً لا يتجزأ من العقل النظري، فإنه يمكن اعتبارها قوة رئيسية من قوى الإنتاج. فالتقانة، التي تجسد العلم عمليا وإنتاجيا، تحمل في باطنها فلسفة، لا بل فلسفات. إنها، بمعنى من المعاني، تجسيد للفلسفة أو الميتافيزيقا، كما لاحظ هيدغر.



أما الأمر الثاني، فهو أن هذا البركان العاصف الذي نسميه الفلسفة لا يسعى إلى خلقه وحمله سوى قوى تاريخية تملك جرأة التغيير الجذري وتسعى إلى نسف السائد والقائم والكائن من أساسه صوب نمط حضاري جديد وفضاء من الممكنات وروحية ثقافية جديدة. فهي تبتكر الفلسفة وتسخرها معول هدم من أجل إقامة صروح جديدة على أنقاض القديم. هذا ما نلحظه بجلاء في اللحظات الحاسمة في تاريخ الفلسفة: لحظة الفلسفة الإغريقية، ولحظة الفلسفة العربية الإسلامية في العصر العباسي، ولحظة الفلسفة الأندلسية، ولحظة الديكارتية، ولحظة الفلسفة الألمانية الكلاسيكية، ولحظة ماركس، ولحظة راسل وفتغنشتاين، ولحظة نيتشه، ولحظة ما بعد الحداثة. إنها بالفعل تعبير عن قوى تاريخية لا تخاف المجهول، وإنما تسعى إلى تملكه تاريخيا ومعرفيا.



إن المقولة الأساسية في هذه الورقة هي أن الفلسفة لا تنتج معرفة لكنها تؤسس لمعرفة، أي للعلم. وهي مقولة تحتاج إلى مزيد من التوضيح والتفصيل والتسويغ. ولنبدأ بمقارنة الحجج، التي قادت غاليليو إلى دحض قانون أرسطو في السقوط الحر واكتشاف قانون جديد لهذه الظاهرة، بالحجج الفلسفية، التي قادت باركلي إلى نفي وجود المادة وإحالة الوجود إلى ثلة من الأفكار والعقول. إن منظومة الحجج الأولى قادتنا إلى معرفة حقيقية بصدد العالم أثبتت الأيام صحتها وأدت إلى مزيد من المعرفة الكونية (نيوتن تحديداً). أما المنظومة الثانية، فإنها بالتأكيد لم تقد إلى معرفة جديدة بصدد العالم، لكنها فتحت آفاقاً جديدة للتفكير فيه والتعامل معه. كذلك، فإن المنظومة الأولى ليست معنية بالإقناع في المقام الأول، وإنما بالاكتشاف والتعبير الدقيق عن سيرورات الوجود. أما الثانية، فلا تنطوي على أي اكتشاف ولا تفيدنا في شيء في معرفة سيرورات الوجود، لكنها معنية بالفعل بالإقناع والتأثير في الممارسة البشرية وزعزعة الوعي السائد. لكنها لا تلجأ إلى ذلك بالترهيب والتخويف والترغيب والتهديد والوعيد، كما يفعل الدين، وإنما بالعقل والألعاب العقلية الذكية. وبهذا المعنى، فإن الفلسفة أقرب إلى العلم بأساليبها، لكنها أقرب إلى الدين بأهدافها.

أما المثال الثاني في هذا الصدد فهو رينيه ديكارت والأنطولوجيا الديكارتية. لقد أحدث ديكارت ثورة كبرى في الفكر بفصله التام بين المادة والروح. وكانت نتيجة هذه الثورة بروز فكرة أن الكون مادة وحركة. فبهذا الفصل استطاع ديكارت أن يطهر كونه من العناصر المثالية واللاهوتية والفيثاغورية والغنوصية والروحية، وأن يبدع تصور كون مادي تام المادية. فجوهر المادة هو الامتداد. وعليه، فإن كل ما هو ممتد مادي. أما الروحي، فهو بطبعه غير ممتد ولا يمكن أن يكون ممتدا. إن كون ديكارت مادي وميكانيكي ويخلو من العناصر الروحية وتحكمه مبادئ كونية رياضية الجوهر وخالية من الذاتية والعناصر الروحية، وإن كانت مستمدة من طبيعة الله. ماذا أضاف ديكارت إلى المعرفة بهذه الأنطولوجيا، التي يغلب فيها المادي على الروحي، بل والتي يكاد أن يتلاشى فيها الروحي تماماً؟ لا شيء في الواقع. إنه يزعزع الوعي السائد بلا شك. كما إنه يعبر عن روحية حضارية جديدة ؛ يقنع بعض الناس ويستفز آخرين. لكنه بالتأكيد لا يعبر عن معرفة جديدة. ومع ذلك، فهو يؤسس لنيوتن وفيزياء نيوتن، تلك الماكنة الرياضية المذهلة لإنتاج المعرفة بصدد الكون المادي. فقد انطلق نيوتن في بناء نظريته في الحركة والجاذبية من أنطولوجيا ديكارت المادية. وما كان له أن ينتج ماكنته الجهنمية لولا هذه الأنطولوجيا. إذ إنه اعتمدها أساساً لكل أبحاثه العلمية، وحاول أن يحولها إلى نظرية علمية شاملة بترييضها (من رياضيات). وعندما عجز عن تحقيق ذلك، أدرك أنها في جوهرها فلسفة وليست علماً، ومن ثم أدرك ضرورة نقدها بصورة جذرية إذا أراد أن يحولها إلى علم مريّض. وبالفعل، فقد سلط عليها نصل نقده الحاد حوالي عام 1683، وذلك في عمل له لم ينشر إلا مؤخراً، وهو بعنوان “الجاذبية واتزان الموائع”. وقد أبقى هذا النقد على فكرة مادية الكون الديكارتية، لكنه تخلص من فكرتي ضرورة الملاء (عكس الخلاء) وربط مبادئ الحركة بطبيعة الله، وقاد نيوتن إلى فكرتي المكان المطلق والفعل عن بعد أو المجال اللحظي. وشكل هذا التصور الجديد أساس الفيزياء الكلاسيكية، ذلك الصرح المعرفي الأنموذج.

وبكيفية مشابهة، فقد شكلت إمبريقية هيوم ووضعية ماخ وبوانكاريه أساساً غير معرفي لثورة آينشتاين المنهجية، التي أوصلته إلى نظرية النسبية الخاصة عام 1905 ونظرية النسبية العامة عام 1915.

ويقودنا ذلك إلى مسألة المنهج في العلم وعلاقتها بالفلسفة. هناك أسطورة رائجة بصدد العلم مفادها أن هناك منهجاً علمياً محدداً، بخطوات محددة أيضاً، يحكم الممارسة العلمية بأوجهها المتنوعة. لكن الدراسة المعمقة لتاريخ العلم تظهر أن الأمر ليس بهذه البساطة. إنها تظهر أهمية المنهج في مسيرة العلم، لكنها تظهر أيضاً أنه ليس هناك منهج علمي محدد وبخطوات محددة، وإنما هناك عائلة لانهائية من المناهج العلمية. وينبع ذلك من طبيعة المنتوج المعرفي، الذي لا يمكن تصوره مسبقاً بحكم طبيعته. ويمكن القول إن لكل شيخ في العلم طريقته. فعلمية الممارسة العلمية لا تكمن في منهج محدد، وإنما بعقلانية عامة وبأسس معينة. وعلى هذا الأساس، فإنه يمكن تصور تاريخ العلم على أنه ساحة لصراع المناهج، بمعنى أن صراع المناهج هو محرك تاريخ العلم. وهذه المناهج ليست معزولة عن بعضها، وإنما تترابط وتتداخل معاً، ويقود بعضها إلى بعضها الآخر. وكل منها يشكل مفتاحاً لجانب من الواقع، وليس للواقع برمته. لذلك تتعدد المناهج. ويعتمد منهج ما طالما كان مثمراً في إضاءة جوانب جديدة للواقع. وعندما يصل منهج ما إلى طريق مسدودة، يتم تطويره أو تخطيه إلى مناهج جديدة. لذلك يمكن القول إن نوعا من الانتقاء الطبيعي الدارويني يحكم المناهج وتطورها. وهناك علاقة جدلية بين المنهج والنظرية. فكل فتح نظري ينطوي على فتح منهجي. وكل فتح منهجي يتجسد في فتح نظري. فالمنهج والنظرية وجهان لعملة واحدة.



وهذا لا يعني بالطبع أن الفوضى تحكم الممارسة العلمية، أو أنه لا يمكن تمييز هذه الممارسة عن غيرها من الممارسات، كالممارسة الفلسفية واللاهوتية والصوفية والسحرية والأدبية. كلا! فالممارسة العلمية تنطوي على أربعة أصناف من الأسس: الأسس الإيبستمولوجية، والأسس الأنطولوجية، والأسس الأخلاقية، والأسس السوسيولوجية. وهذه الأسس تميز بالتأكد الممارسة العلمية عن غيرها من الممارسات البشرية.

وهكذا نرى: (1) أن المنهج، الذي يشكل عضوية متنامية ومتعددة الجوانب، يؤدي دوراً محورياً في إنتاج المعرفة العلمية؛ (2) أن الممارسة العلمية تفترض أسساً يمكن وصفها بأنها فلسفية. وتدل الدراسة المعمقة لتاريخ العلم أن الفلسفة تدخل جوهرياً في تشكيل المنهج، كما رأينا في حال نيوتن وحال آينشتاين. كذلك، فلما كانت الممارسة العلمية ترتكز إلى أسس يمكن وصفها بأنها فلسفية، فإنه يمكن القول إن العلم بمعنى من المعاني يرتكز إلى الفلسفة. وعلى أي حال، فإن الفلسفة معنية جدياً بهذه الأسس ونقدها أو تسويغها أو مناقشتها وربما تطويرها. كل ذلك يبين تفصيلياً دور الفلسفة في التأسيس للعلم وتحريكه. وبهذا المعنى، فإن الفلسفة هي العلم المتعالي للخبرة والممارسة البشريتين.

ومن جهة أخرى، فإن الأنساق الجديدة الخارقة للمألوف، والتي لا يني العلم يبتكرها من أجل تملك الواقع معرفياً، تنعكس على أساس العلم، ومن ثم على الفلسفة، بأكثر من وجه. وكثيراً ما تسعى الفلسفة إلى الاستفادة من هذه الأنساق في توسيع آفاقها وتطوير أساليبها وألعابها العقلية، كما في هوبز واسبينوزا وليبنتز ولوك وهيوم وكانط وهوسيرل وفوكو ودريدا. يتضح إذاً أن العلاقة بين العلم والفلسفة عميقة ومتعددة الجوانب. وما طرحناه أعلاه لا يشكل سوى خطوة صغيرة على درب دراسة هذه العلاقة. وإني لأقترح على الأساتذة وطلبة الدراسات العليا الكرام أن يفكروا في وضع رسائل دكتوراه مفصلة تعنى بهذا الموضوع المهم، الذي يعد مفتاحاً لفهم طبيعة العلم والفلسفة كليهما فهماً معمقاً نحن أحوج ما نكون إليه اليوم في ظل المأزق الحضاري الذي نعانيه اليوم.



تعليقات الفيسبوك