وماذا عن – طغاة – اليسار!! ؟


رزكار عقراوي
الحوار المتمدن - العدد: 3387 - 2011 / 6 / 5 - 21:17
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

العالم العربي يعيش في المرحلة الراهنة أوضاعاً ثورية, وان كانت بدرجات متفاوتة، سقطت بعض أنظمة الحكم الدكتاتورية، والبعض الأخرى يصارع للبقاء باستخدام العنف والقمع الوحشي أو إجراء إصلاحات بطيئة. إلا إن السمة المميزة للوضع تؤكد أن بقاء النظم الشمولية والفاسدة أصبح مرفوضاً من جانب الجماهير الشعبية وموضع استهجانها, وهو تأكيد لتطور وعيها السياسي والاجتماعي بشكل كبير كنتيجة منطقية للثورة المعلوماتية والتفاعل السريع الذي أتاح ووفر أنواع جديدة من التواصل والتحشيد والتحرك الجماهيري من جهة, إضافة إلى فساد و قباحة ووقاحة تلك النظم في تعاملها الاستبدادي مع شعوبها من جهة أخرى.
الربيع الثوري الذي يعم المنطقة لم يهز الأنظمة الدكتاتورية فحسب, بل ووضع كل فكر ونمط تنظيم شمولي تحت تساؤل كبير, بما فيها قوى وأحزاب اليسار، حيث نشهد أجيالاً جديدة وخاصة من الشباب تستند في تفاعلها اليومي إلى التقنيات الحديثة والانترنت ويمكنها الوصول إلى المعلومات بسهوله وإلى التواصل الاجتماعي والتفاعل والحوار بشفافية عالية لم تعرفها البشرية من قبل.

البارحة كنت استمع إلى حوار سكرتير حزب يساري عربي مع إحدى الفضائيات من خلال اليوتيوب، وعندما سؤل حول سبب بقاءه في كرسي القيادة لما يقارب من عشرين عاماً ولم يتغير حتى الآن، أجاب انه لم يفرض نفسه بقوة أو باستخدام آليات خاصة وإنها استجابة لرغبة وقناعة أعضاء الحزب. ولا بد لنا من الإشارة, ومن خلال الواقع و المعطيات المتوفرة إلى إن الرفيق سكرتير هذا الحزب اليساري قد أوصل حزبه من خلال قيادته إلى مستويات قياسية في التراجع و الفشل السياسي بعد أن كان أحد أهم أحزاب ذلك البلد في القرن المنصرم. هذه الإجابة عن ذلك السؤال لم تكن غريبة وقد سمعتها من عدد كبير من الدكتاتوريين في العالم العربي, إذ كان جميعهم يدعي وجوده على رأس الحكم أو على قيادة هذا الحزب أو ذاك نتيجة خيار طوعي أو أنهم منتخبون من جماهير الشعب الواسعة أو من أعضاء أحزابهم, فالمسؤولية لا يتحملها الحاكم أو المسؤول, بل يلقون اللائمة على الذين لا يريدون تغييرهم !!.
مع انه لا يجوز بأي حال مقارنة بعض قادة اليسار الذين يتربعون على كرسي القيادة لعشرات السنين مع دكتاتوري المنطقة, حيث نعلم جيداً بأن الكثير منهم قد ضحي بالكثير واعتقل وعذب، ومنهم من استشهد. إلا إن المشكلة تكمن في مكان آخر, في حقيقة أن الكثير من المفاهيم وآليات التنظيم والإدارة متشابهة, سواء أكانت في نظام حكم دكتاتوري أم في حزب سياسي بغض النظر عن الاتجاه الفكري. ومن الطبيعي جدا أن يتحول هذا القائد الحزبي أو ذاك في حالة تسلم حزبه السلطة على مستبد بأمره ويتحول نظامه السياسي إلى نظام حكم شمولي دكتاتوري. ولنا في الدول العربية – الاشتراكية التوجه - وبلدان المعسكر الاشتراكي السابق تجارب كثيرة ومريرة في هذا الصدد.

ومما يؤسف له أن الكثير من فصائل اليسار في العالم العربي ما زالت ذات نمط تنظيم شمولي إلى ألان وتستند إلى آليات عمل وإدارة تعود إلى بدايات القرن المنصرم وفق - المركزية الديمقراطية بمفهومها اللينيني وتطويرات ستالين !- وان تم إجراء بعض الدمقرطة والشفافية هنا وهناك, فإنها في المحصلة النهائية لم تتغير في الجوهر. ويمكن أن أوجزها بما يلي:

1. ضعف الديمقراطية داخل الأحزاب وان وجدت فهي داخلية محدودة ومحتكرة ومسيطر عليها من قبل قيادات الأحزاب، وهذا النموذج يتناقض تماماً مع ضرورات خوض حوارات واسعة وعلنية ومؤثرة التي يفترض أن تجري حول مختلف الأمور في المواقع الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعية مثل الفيسبوك والتويتر والتى أصبحت احد أسس الحوار الديمقراطي الحديث.
2. الكثير من قادة اليسار في العالم العربي ينافسون حكام وملوك العالم العربي في البقاء في كرسي القيادة، بل إن البعض منهم قدس إلى مرتبة – الآلهة – تحت ذريعة القيادات التاريخية، ظروف القمع والعمل السري، عدم وجود بديل لهم وحب الرفاق لهم!!.... الخ، وتبرر كل سياساتهم الفاشلة تحت ذريعة قوة الأعداء والمتربصين بالحزب وأي نقد جدي لهم يعني الوقوف مع – العدو وخيانة الحزب والقضية-.
3. مؤتمرات هذه الأحزاب ضعيفة التنظيم ولا يسبقها تحضير جيد، وهي بشكل عام تعقد لإدامة القيادات والسياسات السابقة ماعدا حالات محدودة جدا تكون القاعدة فيها ذات قوة وضغط كبيرين ترفض مواصلة العمل على النهج السابق في الخطاب السياسي والتنظيم أو إدارة شؤون هذه الأحزاب ومؤتمراتها.
4. رفض تعدد المنابر الفكرية والسياسية داخل الحزب الواحد ويفرض خط فكري واحد وفي العادة هو خط السكرتير – الأمين العام.... الخ مع مجموعة من القيادة, إذ يعاق وأحيانا يقصى وبطرق مختلفة أي طرح أخر ينتقد ذلك الخط أو يختلف معه. وهناك الكثير من الأمثلة التي يمكن إيرادها في هذا المجال.
5. عدم التفاعل مع الخارج وقلة القليلة من مواقع قوى اليسار العربي تسمح بنشر الرأي الأخر أو التعليقات والتصويت.
6. حق التكتل ممنوع بشكل عام ولا يحق للأقلية الحزبية طرح أرائها أو إصدار إعلام خاص بها.
7. تطبيق العقوبات الحزبية القاسية ابتداءً من التنبيه فالتجميد إلى الطرد أو الدفع باتجاه الاستقالة بسبب الاختلاف في الرأي وعدم الاتفاق مع القيادة الحزبية حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف الحزب وهناك أمثلة كثيرة على مثل هذه الممارسات السلبية.
8. ضعف الشفافية في الأنشطة الداخلية والخارجية.
9. التعصب التنظيمي الحاد تجاه القوى اليسارية الأخرى ورفض التنسيق والعمل المشترك، وافتعال خلافات ليس لها أي علاقة بالواقع المادي للمجتمع وإنما صراعات نخبوية تحت ستار فكري- سياسي ضعيف لقيادات تهمها الشخصنة والإبراز التنظيمي والتكتلي وتنقل إلى الأعضاء طوعا أو قسرا، على حساب مصالح الحركة الاجتماعية الواسعة للفئات الكادحة ودور ومكانة اليسار في المجتمع.
10. معظم قيادات الأحزاب من الرجال ومعدل الأعمار 50 فما فوق، أي ضعف كبير جدا في وجود النساء والشباب في أحزاب سياسية يسارية تعرف نفسها في إنها الممثل الصادق والحقيقي لتطلعاتهم.
11. وللأسباب أعلاه فإنها تعاني من الجمود الفكري والتنظيمي وضعف العمل السياسي وبعيدة عن استخدام التقنيات والمفاهيم الحديثة وتكرر خطابا سياسيا ضعيفا هو نفسه يعاد إنتاجه منذ عشرات السنين. وأدى ذلك إلى تراجع شعبيتها بشكل متواصل ما عدا في حالات محدودة هنا وهناك، ومن المثير للاشمئزاز والاستهجان إننا نرى أن بعض من قيادات تلك الأحزاب ما زالت تتحالف وتؤيد وتدعم الأنظمة الدكتاتورية مثل النظامين السوري والليبي وتعتبر انتفاضة الجماهير ضدهم عمل تخريبي مدسوس من أعداء دول المقاومة, دول الصمود والتصدي!!، والبعض منها أيد في السابق النظام ألبعثي في العراق لكونه نظاماً معادياً – للامبريالية – رغم طبيعته الفاشية.

من مواقع اليسار نطرح دوما أهمية وضرورة ممارسة مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة واحترام حق الاختلاف في الرأي واحترام الرأي الأخر, إذ نعتبر هذه المبادئ وغيرها جزءاً أساسياً من أهداف نضالنا الديمقراطي بمفهوم اليسار. و لذلك وعلينا قبل كل شيء أن نسأل أنفسنا هل هذه الأمور موجودة في الأحزاب والمنظمات التي ننتمي إليها أو نعمل معها، قبل النضال من اجلها على صعيد المجتمع.

منظمات اليسار هي جزء من المجتمع وانعكاس لدرجة تطوره الديمقراطي والمعرفي ووعيه, ونشهد ألان حالة ثورية ايجابية تهز كل البنيان الشمولي في المنطقة، ولا بد لهذه الحركة أن تهز أحزاب اليسار أيضاً وتدفع بها إلى التغيير والتجديد. لذلك اعتقد انه عليها أن تمارس عملية تحديث ذاتية فعلية ودمقرطة وشفافية على مختلف المستويات الفكرية والتنظيمية, لابد إن نغير ونحدث بيتنا الداخلي – أحزابنا ومنظماتنا – وخارجيا بعلاقاتنا بفئات المجتمع وخاصة الكادحة، ودفاعنا عن مصالحهم وان نكون جزءا منهم, وهي الضمانة الفعلية والأساسية لكي نستطيع أن نلعب الدور المؤثر والمواكب لتطور الأحداث ومزاج الجماهير وحاجاته.