فلاح علوان في حوار استثنائي مفتوح حول: الاحتجاج والحراك الجماهيري والعمالي في العراق واقليم كردستان


فلاح علوان
الحوار المتمدن - العدد: 3283 - 2011 / 2 / 20 - 14:43
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

 أجرى الحوار:  فواز فرحان

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 32 - سيكون مع الأستاذ فلاح علوان حول: الاحتجاج والحراك الجماهيري والعمالي في العراق واقليم كردستان.


1ــ ما هي الأسباب الواقعية التي دفعت الجماهير في مختلف محافظات العراق للتظاهر والاحتجاج في هذا الوقت ، وهل لانعدام الأفق في إيجاد حلول للواقع الاقتصادي المرزي وحده دوراً في انتفاضة هذهِ الجماهير ؟

يمكن التعرف على الاسباب والدوافع وراء الحركة الاحتجاجية الراهنة، من خلال المطالب والشعارات التي تنادي بها الجموع. انها تتركز حول البطالة، نقص الخدمات، الكهرباء، محاربة الفساد، الحريات السياسية والحريات العامة، البطاقة التموينية.
ان رفع هذه المطالب طور خلال ايام التظاهرات مجموعة من الشعارات والهتافات، وهو ما تقتضيه التعبئة والتحريض. مثلا رفع شعارات ضد تنفيذ سياسة صندوق النقد، او ضد نهب النفط كمصدر اساسي للثروة. كما تم رفع العديد من المطالب الى جانب المطالب المحورية، مثل توفير السكن، ازالة الحواجز الكونكريتية التي حولت المدن الى معسكرات او معتقلات واسعة، اطلاق سراح المعتقلين. ان اسلوب التعامل مع الجماهير وعدم الثقة بالسلطات الحالية دفعت الى الواجهة شعارات سياسية من مثل الاصلاح السياسي، انهاء الاحتلال فورا او حل البرلمان واجراء انتخابات مبكرة، ولكنها لم تتحول بعد الى الشعارات المحورية الرئيسية للحركة، الا ان السلطة في حال تجاهلها لمطالب الجماهير، ستواجه مطلب التغيير السياسي، لامحالة. علما ان الحركة هي في خطواتها الاولى فقط ومن الصعب التكهن بما سيقع.
وبالنسبة للشطر الثاني من السؤال، فان الحديث عن انعدام الافق له باعتقادي حل واحد فقط هو تغيير مجمل النظام الاقتصادي. الواقع الاقتصادي في العراق اليوم هو دافع ومحرك جبار لنقمة الجماهير، فمن جانب هناك فوائض مالية مهولة، يبتلع الفساد قسما هائلا منها وبارقام غير مسبوقة، يقابلها فقر وعوز وبطالة وبلاد بلا كهرباء كانت من دول الفائض الكهربائي، ايقاف متعمد للصناعات في البلد، انهيار الزراعة، تدمير الصناعة النفطية العريقة وتسليم النفط لشركات النهب، سيطرة المافيات المدعومة بالمليشيات على التجارة والمشاريع. كل هذه الاسباب وغيرها ايضا، تدفع بالجماهير الى الاحتجاج والمطالبة بتغيير اوضاعها الحياتية والمعيشية.

2ــ هل تعتقد بأن للثورتين المصرية والتونسية والانتفاضات الجماهيرية في الدول العربية الأخرى دوراً في تحفيز جماهير وعمال العراق للخروج إلى الشوارع والمطالبة بحقوقهم ؟ أم أن الأمر يتعلق بعدم القدرة على السكوت أكثر على الواقع المظلم للبلاد في ظل حكومة المحاصصة الطائفية والقومية المقيتة؟

فيما يخص الثورة المصرية والتونسية، فقد غيرتا ملامح المنطقة وربما الى الابد، وان زخم هاتين الثورتين في المنطقة والعالم مازال حيا، بل ان الثورتين مازالتا رهن التطور والتفاعل، وبالتالي فمن المؤكد ان تتركا اثرهما في تصعيد نضال الجماهير في العراق والتي تحلم بالثورة وتقدم التضحيات منذ عقود، وهناك اهزوجة قديمة تعود الى الخمسينيات او الاربعينيات تقول" نحلم بالثورة وعيد النا".
لقد جاء انتصار الثورة السريع في تونس ومصر وانجاز الخطوة الاولى بنجاح، كمكسب عزز ثقة الجماهير بقدراتها الى حد بعيد، وطور اساليب تنظيمية وتعبوية عصرية بسرعة مذهلة. ان الثورة في تونس ومصر لعبت دورا في تطوير ودفع الحركة المطلبية الاحتجاجية في العراق، واضافت خبرات جديدة للنضال الجماهيري.
ان الشطر الثاني من السؤال، يكاد يجيب على نفسه، فان اوضاع المجتمع الناجمة عن سيطرة السلطات القائمة على المحاصصة والعاجزة اصلا حتى عن تشكيل حكومة، هي اوضاع لا تطاق فعلا، وان الجماهير قد ضاقت ذرعا بالوعود والترقب. ان الصدام الواسع والشامل مع السلطات الحالية لما سببته من اوضاع للمجتمع، سيقع بلا ادنى شك.

3ـ أين دور نقابات العمال من انتفاضة الجماهير ؟ وهل تمتلك القدرة في موازاة الدور الذي لعبهُ الاتحاد التونسي للشغل في الثورة التونسية من خلال تنظيم الجماهير وإبعادها مؤقتاً عن الأحزاب حتى تتحق المطالب؟

قبل الحديث عن دور نقابات العمال، علينا الحديث عن مكانة العمال ومطالبهم ومدى تمركز حركتهم، في خضم الحركة الجماهيرية الراهنة. ان اوضاع العمال هي جزء من الاوضاع العامة للمجتمع، ولكن كونهم في حالة تجمع دائم في مواقع العمل، ومواجهتهم الاستغلال ومخاطر التسريح والخصخصة مباشرة، وكونهم يواجهون صناع القرار من ادارات او ارباب عمل يوميا ووجها لوجه، يجعل الاحتجاج والاعتراض عمل شبه يومي، يستدعي وجود الرقباء والمخبرين عليهم من قبل السلطات او ارباب العمل، وبنفس الوقت منعهم من التجمع ومعاقبتهم.
طيلة السنوات المنصرمة لم يتوقف الاعتراض العمالي حتى خلال الحرب الطائفية والاقتتال والمذابح اليومية. وبالنسبة للعاطلين عن العمل فانهم مخزون ثورة كامنة عبرت عن نفسها في العديد من المناسبات.
ان خوف السلطات من الاعتراض العمالي يدفعها لمنع العمال من حق التنظيم وتشكيل اتحاداتهم بانفسهم. ان خوف السلطات يدفعها للتمسك بقوانين وقرارات النظام السابق التي اصدرها عام 1987 التي تمنع التنظيم في القطاع العام، وتفرض اتحادا سلطويا، في نفس الوقت الذي تدعي فيه الديمقراطية وتسن قرارات اجتثاث البعث.
ان تاريخ التنظيم النقابي في العراق بعد الاحتلال، هو في الجزء الاكبر منه، تاريخ من الصراع مع السلطات حول حرية التنظيم، وهو صراع يبدو نقابي الشكل وتنظيمي، الا انه سياسي المحتوى وبتركيز شديد من طرف السلطة. فالتنظيم العمالي ورفع مطالب العمال المعبرة عن مصالحهم الطبقية هو في جوهره احباط لمشروع الاستقطاب الطائفي والقومي والديني في البلاد، وبالتالي فرض التراجع ومن ثم الافلاس على القوى السياسية المسيطرة، والتي تسعى لادامة هيمنتها عن طريق تفتيت المجتمع وفرض هويات وتعريف للمجتمع حسب اجندتها السياسية، لتفرض نفسها كسيد على الجماهير.
ان بامكان العمال لعب دور محوري في انتفاضة الجماهير، سواء عبر تنظيماتهم النقابية او من خلال القادة والناشطين. خصوصا وان العمال لديهم شعارات ومطالب محورية تضرب صميم السياسة الاقتصادية للسلطات الحالية والمتمثلة بتنفيذ اوامر صندوق النقد والبنك الدولي، مثل النضال ضد الخصخصة، وضد قانون النفط والغاز، وتصفية الصناعات.
فيما يخص لعب دور مماثل لدور الاتحاد التونسي للشغل، فيمكن الاجابة على السؤال من زاويتين، الاولى دور الاتحاد التونسي للشغل نفسه، والثانية مكانة النقابات في العراق وقدرتها التنظيمية.
ان من لعب الدور المحوري في قيادة النضال العمالي في الثورة التونسية، هم القادة واللجان العمالية القاعدية والجهوية كما تسمى في تونس، في حين اعلنت قيادة الاتحاد الانضمام الى الثورة تحت ضغط المشاركة الفعالة للعمال والقادة العماليين، ولا اريد هنا ان اقلل من مكانة الاتحاد ودوره، ولكني اود القول بان دور النقابات العمالية في التحولات التاريخية والقرارات الستراتيجية التي تخص المصالح العليا للطبقات والسياسات العامة للبلدان، لا يختلف عن دور الاحزاب السياسية. وتلعب التيارات السائدة داخل هذه الاتحادات الدور الحاسم في الموقف والسياسة الفعلية.
ففي الحرب العالمية الاولى على سبيل المثال، اتخذ زعماء الاتحادات النقابية الكبيرة نفس مواقف زعماء الاشتراكية الديمقراطية المؤيدة للحرب وبالتالي المؤيدة لبرجوازية بلدانها، ووقفت النقابات الايطالية الواقعة تحت تاثير نفوذ الفاشيين مع سياسة موسوليني، كما استطاع النقابي البولندي ليخ فاليسا الموالي للغرب، جر الحركة العمالية وراء سياسة الغرب المعادية لنظام الحكم البولوني انذاك، واصبح جزءا من السياسة النيوليبرالية في مواجهة المعسكر الشرقي. ان الكَومبرسية اي النقابية الخالصة قد اثبت التاريخ ان لا مكان واقعي لها. وبالتالي فاذا غابت الاحزاب كتنظيمات فستبرز كاتجاهات وميول وتقاليد.
ان الاتحاد التونسي للشغل هو اتحاد عريق وله بنية راسخة وله تاريخ في حرب التحرير والاستقلال، كما ان فيه العديد من التيارات السياسية والقيادات الكفوءة. ومع الاهمية التاريخية لدوره في الثورة، الا ان مواقفه اللاحقة لم تكن معبرة عن سياسة عمالية منسجمة، وهي اقل بكثير مما متوقع منه.
اما عن مكانة النقابات في العراق وقدرتها التنظيمية، فالتنظيم النقابي مضيق عليه بشدة وهو عمليا شبه ممنوع، ففي القطاع العام مازالت قوانين النظام السابق سارية، وهجمة الشهرستاني على النقابات في قطاع الكهرباء والنفط منذ بضعة شهور خير دليل، وفي القطاع الخاص شبه المعطل والمختلط، فالتنظيم "الرسمي" مقصور على اتحاد واحد تعتبره الحكومة اتحادا رسميا. ما عدا هذا فالنقابات تعمل على التنظيم بالتعارض المباشر مع قرارات السلطة.
ان ما سيميز مشاركة الاتحادات العراقية في الاحتجاجات، هو كوننا لن ندعو فقط للاضراب والتظاهر ورفع المطالب الاقتصادية، ان شكل تنظيمنا يمكننا من طرح نموذج للسلطة هو المجالس، ولدينا خبرة مجالس كردستان 91 رغم محدودية الفترة التي انتشرت فيها خلال انتفاضة اذار. كما ان مفهوم السلطة المجالسية مالوف في ادبياتنا طوال الاعوام المنصرمة، واعتماد الاسلوب المجالسي في التنظيم العمالي، ومطلب الحكومة العمالية هي ممارسات وطروحات معروفة، رغم نواقصها وضعفها. انها نواتات مشجعة يمكن الانطلاق منها.

4- هل تعتقد بقدرة الحكومة الشبه إسلامية في بغداد والقومية في اربيل على التجاوب مع مطالب الشعب أم أنها ستتعامل معها بتعالي وفوقية في رد الفعل وبقمع وحشي وعنف مفرط ؟ وكيف تقييم دور ومكانة المرأة في الاحتجاجات والمظاهرات الجماهيرية والإضرابات العمالية؟

ان السلطة وتحت ضغط الاحتجاجات الجماهيرية، قد بدات بالفعل ببعض التنازلات لاسترضاء المجتمع، ولكنها تنازلات شكلية ووعود لا ترقى لابسط شكل من اشكال الاصلاح. ومن المشكوك فيه ان تبادر الحكومة غير المشكلة اصلا، للاجابة على مطالب الجماهير، ولكنها ستجد نفسها مرغمة على احداث تغييرات واصلاحات واسعة، والا فستواجه الثورة عاجلا ام اجلا. اما من جانب التعامل مع مطالب الجماهير فانها بدات القمع الدموي مبكرا جدا، ولا تكاد تخلو تظاهرة، رغم محدوديتها، من سقوط ضحايا برصاص القوات المسلحة، فقد اطلقوا النار وقتلوا المتظاهرين في الديوانية، وبعدها بايام في الكوت ثم السليمانية، فضلا عن تهديد باختطاف واعتقال الناشطين او نشر الاشاعات عن كون التظاهرات ستاخذ طابعا دمويا.. الخ. ان السلطات في العراق تهتدي باساليب النظام السابق الفاشي في التعامل مع الاحتجاجات.
بالنسبة لدور ومكانة المراة فباستثناء مشاركة ناشطات من منظمات نسوية في التظاهرات، الا ان مشاركة واسعة وحركة باتجاه بلورة اهداف ومطالب جذرية للمراة ما زالت بحاجة للكثير. ان دخول المراة الميدان وبثقل سيضرب بالصميم العديد من مرتكزات واسس المجتمع الذكوري القائم، والعديد من الحركات التي تعتاش من تكريس قيم استعباد المراة وفرض التهميش عليها، ولكن هذا النهوض الجماهيري هو فرصة تاريخية لتطوير نضال المراة ودخولها الحياة السياسية بقوة. ان التجربة التونسية والمصرية والبحرينية الى حد ما، قدمت نموذجا حيا لمشاركة المراة في الثورة، وسيكون لهذا تاثير في مشاركة المراة في الاحتجاجات في العراق، كما ان ميراث نضال المراة التحرري في العراق هو ذخيرة واداة بيدها لتقوية مواقعها. وبالنسبة للاضرابات العمالية فالمراة العاملة طرف فيه كاي عامل، وقد شهدنا خلال عام 2009 قيادة امراة لاضراب واسع، قامت الوزارة بمعاقبتها على اثره. ومن المتوقع مشاركة واسعة للعاملات في الاحتجاجات والاعتصامات المخطط لها.

5ــ المظاهرات شملت حتى مدن إقليم كردستان وهذا يعني وحدة المطالب والظروف الاقتصادية القاسية، ومناهضة الاستبداد والفساد؟ كيف ترى الاحتجاجات الجماهيرية في كردستان وآفاقها ؟ وهل تشكل حافزاً معنوياً ايجابيا للمدن الأخرى في الوسط والجنوب ؟

لقد شهدت كردستان وخاصة مدينة السليمانية، موجة عارمة من الاحتجاجات ضد البطالة صيف عام 2007واجهتها السلطات بالقمع والبطش، ان اضرابا سلميا لعمال سمنت سرجنار، واجهته السلطات بالنار وجرحت 13 عاملا، اصيب اربعة منهم بعوق دائمي. كما ان السلطات في اربيل قتلت بوحشية العام الماضي صحفيا يتحدث عن احلام الفقراء وعن الفساد في كردستان، وبالتالي فان كردستان هي ميدان لمواجهة بين الجماهير والسلطات وليست واحة غنَاء للرفاه والامان والاعمار كما تحب ان تصورها القوى الحاكمة.
ان الاحداث الاخيرة في السليمانية برهنت بطلان ادعاءات الاحزاب الحاكمة في كردستان حول الرفاه والاستقرار والديمقراطية، ان القمع الدموي لتظاهرة سلمية يكشف انعزال السلطات عن الجماهير وسعيها للحفاظ على سلطتها باي ثمن. ان حكم الاحزاب العشائرية في كردستان شاخ ولم يعد امامه اي افق، وحتى تخويف الجماهير من شبح عودة الماضي، لم يعد له تاثير كبير على الجماهير.
ان التباين الطبقي الفاحش الذي كرسته الاحزاب الحاكمة وتحول السلطة الى وسيلة للثراء، والفساد والاستبداد ومصادرة الحريات، يعمق اكثر فاكثر اضطهاد الجماهير ويضعها امام خيارين، اما استمرار الظلم والفساد وهو محال، او الثورة على الاوضاع القائمة.
ان كون مصير مجتمع كردستان هو بشكل او باخر معلق، بين الارتباط بالعراق، وبين الانفصال القائم فعليا منذ عشرين عاما، يشكل وسيلة بيد القوى السياسية الحاكمة لترهيب الجماهير والتلويح بالماضي القمعي للحكومات العراقية، ولكن اتساع موجة الانتفاضات الشعبية في المنطقة بتاثير الثورة في تونس ومصر، يدفعان راديكالية المجتمع اكثر فاكثر الى الامام، ويفرضان العزلة اكثر على الاحزاب الحاكمة. ان الطابع الاجتماعي للحركة في كردستان ضد الاحزاب القومية الحاكمة، ستعمق الطابع الطبقي للاحتجاجات في العراق عموما، وتشكل دفعا معنويا كبيرا جدا في الجنوب والوسط.




تعليقات الفيسبوك