جدارية الآخرة

حكيمة الشاوي
الحوار المتمدن - العدد: 978 - 2004 / 10 / 6 - 09:31
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

أيها الشاعر المضمخ
بالزعتر والحناء
وبأحزان الوطن
أيها الشاعر المسكون
بهواجس الدنيا والآخرة
اصنع لنا قصيدة
تكون أرضها خضراء
حبلى بالورود
وقلبها حمامة بيضاء
وسماؤها زرقاء
وشعبها طيب كشعوبنا
كي نسكنها
واعبر بنا هذا اليم الحزين
إلى الشط الآخر
ستكون هذه القصيدة
لنا وحدنا
ولك أنت
مجرد من كل قوانين البشر
ومطهر من القدر
أنت لك كما تريد
أيها الشاعر العنيد
تستطيع الآن
أن تحطم الحدود
إلى شط الآخرة
ونبني لك وطنا
في عيوننا.. هناك
ويكون لك شعب
في قلوبنا .. هناك
له حق التجوال
فوق أجسادنا
حين نموت
كما تريد
لك هذا الكون كله
وهذا العشق كله
والدنيا والآخرة
لك وحدك
خذ ما تريد
واترك لنا قلبك الحديدي
وجسدك المصلوب
على أعمدة الوطن
وشعرك الفقيد
أترك لنا كلك أو بعضك
أيها الشاعر العنيد
تستطيع الآن
أن تحطم الحدود الفاصلة
بين الدنيا والآخرة
وتستطيع دخولهما
كما تشاء
دون كفن أو جواز المرور
وتستطيع الخروج منهما
متى تشاء
دون تفتيش
عند نقطة العبور
***
وحدك يا بن أمك وأحزانك
وحدك
ولاشيء بعدك
يا شاعرنا الحزين
ولا قصائد بعدك تطربنا
وتقض مضاجعنا
وتغسل دموعنا
من ملوحة البحر
وتطوف كالملائكة
على أرواحنا
وتطهرنا من ذنوبنا
وتمشي على أجسادنا
كذبذبات النمل
وحدها قصائدك
ما زالت تصرخ فينا
دون صوت
هي وطنك الذي ضاع
في الصمت
هي سرب حمام
يطهرنا من العبث
ويرفرف على أجسادنا
بعد الموت
وحدها قصائدك
تدمينا وتشفينا
وتسكننا بعشقك
وتزرع فينا
وحدها قصائدك
تغسلنا وتطهرنا من ذنوبنا
وتلبسنا أحلاما جديدة
وتستل سيفها
لتمسح على قلوبنا
ما تراكم من الحروب الصليبية
وحدها قصائدك
تبني الوطن فينا
وتبقينا في الوطن
وصية وقضية
ووحدك
أيها الشاعر العنيد
تشرب كل بحور الشعر
فتجف القصائد بعدك
وحدك
" وطنك حقيبة سفرك
تحمل فيه منامتك
فرشة أسنانك"
وآلة الحلاقة
وقصيدة أنثى لخلوتك
وحمامة بيضاء في يدك
وتشد الرحال على حصانك
وحدك
أيها الشاعر العنيد
تأخذ ما تريد
أيها الطفل المدلل
تعبث كما تريد
بالخيال والمحال
وتهزم كل الأصنام
وآلهة الأرض والرعب
وأشكال السلام
وحدك تعلق جداريتك الأخيرة
وتلملم جراحك المنتفخة
وتعبر في شرايينها إلينا
وحدها قصائدك
توقظ المواجع فينا
***
للشعر باب واحد
يطل من القلب على الشعب
ووحدها قصائدك
ما زالت تغتالنا
أجمل اغتيال
وحدها قصائدك
ما زالت تحقننا
بداء النشوة
والانتصار
أيها الشاعر المطعون
بخنجر الأحلام
سنعلق جداريتك الأخيرة
على جدران قلوبنا
وعلى الحدود الفاصلة
بين الدنيا والآخرة
فاطلب ما تريد
ستصبح الملائكة
بشرا مثلنا
تدخل دنيانا
وترفرف على قلوبنا
وتبني أعشاشها
من ورق التين والزيتون
والزعتر والحناء
كما تريد
وسنصبح نحن ملائكة
ندخل الآخرة
كما نريد
لا نرتكب ذنوبا
ولا نغتاب بعضنا البعض
ولا نمشي اختيالا
فوق رفات أجدادنا
وأجسادنا
ولا يكون بيننا
ملوك يملكوننا
ويحملون الصولة والصولجان
سنطير في جنات الخلد
ونعانق تربة الأجداد
ونستنشق أرواحهم في الهواء
ونشربها مع الماء
***
أيها الشاعر العنيد
ابق هاهنا
نمنحك ما تريد.



تعليقات الفيسبوك