بسام الصالحي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: اليسار الفلسطيني والعربي وابرز قضايا الساعة


بسام الصالحي
الحوار المتمدن - العدد: 3206 - 2010 / 12 / 5 - 13:00
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

اجرت الحوار: هيفاء حيدر

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 17 - سيكون مع الاستاذ بسام الصالحي الامين العام لحزب الشعب الفلسطيني وعضو المجلس التشريعي حول: اليسار الفلسطيني والعربي وأبرز قضايا الساعة.


1- في ظل حالة التردي والانقسام التي وصلت إليها الحالة الفلسطينية برأيك من هو الطرف الفلسطيني الذي يعيق إنهاء هذا الانقسام ؟وكيف هي علاقة حزب الشعب بالإطراف الفلسطينية المختلفة؟

علاقة حزب الشعب بالاطراف الفلسطينية هي علاقة قائمة على الاحترام المتبادل وعلى المكاشفة والصراحة ،وهي لا تخلو من تعارضات حادة احيانا او توافق في المواقف والتوجهات في احيان اخرى ،ولكنها بالاجمال تنطلق من قناعة حزبنا بالحاجة الى نظام سياسي تعددي ومتنوع على اساس ديموقراطي ،وعليه فاننا رفضنا ونرفض حسم الخلافات بالقوة او بالعنف او اقصاء أي طرف من اطراف هذا النظام وندعو للتمسك بالاليات الديموقراطية لحسم الخلافات انطلاقا من الاقرار بتداول السلطة وباحترام التعددية وفصل السلطات وضمان الحريات وفقا لاحدث النظم العصرية.

وعلى اساس ذلك فنحن لنا صلات مفتوحة مع كافة القوى والاطراف ونجري حوارات مستمرة معها ،ولا نربط هذا التواصل بتطابق المواقف او الاتفاق بشانها وانما بضرورة هذا التواصل كحاجة لابد منها من اجل الحوار والجدل وايجاد القواسم المشتركة خاصة في ظل واقع نضال الشعب الفلسطيني المعقد ،وهي علاقة تمتد من حركة فتح التي ربطتنا بها علاقات تحالف لم تخلو من اختلافات وتباينات منذ نشاة الثورة الفلسطينية المعاصرة ،الى حركة حماس التي نتباين معها كثيرا في المنطلقات الفكرية وفي الرؤية الاجتماعية والديموقراطية والسياسية ولكننا في نفس الوقت دافعنا وندافع عن حقها في الشراكة السياسية في اطار النظام الديموقراطي التعددي ،كما انها ايضا مفتوحة مع حركة الجهاد الاسلامي التي توافقنا معها على عدد من المبادرات المشتركة خاصة في مواجهة حالة الانقسام الداخلي ،بالاضافة طبعا الى قوى اليسار الفلسطيني التي ننتمي اليها والتي نسعى لوحدتها بما يعزز من دو راليسار وحضوره كتيار فكري يهدف الى التغيير التقدمي بالترابط مع التحرر الوطني ،وكذلك الامر مع بقية القوى الوطنية والقومية الفلسطينية التي نتواصل معها بعض النطر عن المواقف السياسية والفكرية لها .

ونستطيع القول ان علاقتاتنا الوطنية هي علاقات صريحة وواضحة وان مواقف حزبنا موحدة بغض النظر عن تنوع ساحات العمل الفلسطيني ،ولا نسعى من خلالها لابتزاز اي طرف او لاستثمار حالة الانقسام من اجل بناء مكانة معينة لحزبنا ولهذا فقد كان ما نقوله للاخ الرئيس ابو مازن على طاولة القيادة هو ما نقوله في أي مكان اخر ،وهذا الامر نفسه بالنسبة للاخ خالد مشعل وقيادة حماس او الجهاد او أي من القوى الفلسطينية .

وعلى اساس ذلك فنحن نميز بين الحاجة الى تواصل العلاقات الوطنية وانفتاحها من جهة وبين دأبنا على اعلان مواقفنا من مختلف القضايا دون مجاملة او مبالغة من جهة اخرى ،ونحن نعتقد ان هذا اساس صحيح ومنطقي لعلاقات التنوع والتعددية السياسية بغض النظر عن الاختلافات الفكرية اوالسياسية او الاجتماعية وهي كبيرة.

ومن هذا المنطلق اعود الى الشق الاول من السؤال ،ومن الموقف الذي نتعامل معه تجاه قضية الانقسام والمسؤولية عن عدم انهائه حتى الان .

لقد حددنا منذ البداية اسسا عامة لموقفنا من ذلك ،وفي مركز ذلك دعوتنا الراي العام الفلسطيني لنزع الشرعية عن مبررات الانقسام بغض النظر عن الجهة التي تطرحها او نوع التبريرات التي تقدمها ،وهي مبررات عديدة تعلو وتخفت حسب الظروف فاحيانا يكون التبرير هو الخلاف السياسي ولكن عندما تدور الحوارات كما حصل في القاهرة ولاحقا في دمشق لا يجري بحث الخلاف السياسي ويصبح قضية ثانوية على طاولة الحوار ،وفي احيان اخرى تبرز قضية المقاومة كتبرير للانقسام ليتضح ان هذه القضية ليست اصلا على جدول اعمال الحوار وهي تظهر في ثنايا بحث القضية الامنية ،وهكذا الامر تجاه مختلف القضايا الاخرى والتي تمتد احيانا الى حد التخوين في الخطاب السياسي والاعلامي بما يظهر استحالة أي معالجة للانقسام،ثم تتحول الى اشادات متبادلة عند أي تقارب ويختفي معها اثر الخطاب السابق .

ولذلك فنحن نرفض تبريرات الانقسام والدفاع عن استمراريته بسبب اعتبارات فكرية اوسياسية ،طبعا هذا يختلف جذريا عن حقيقة ادراكنا لوجود اختلافات جوهرية وكبيرة فكرية وسياسية وديموقراطية لا يمكن اغفالها ،ولكن هذه الخلافات مع ذلك لا تبرر الانقسام بهذا الشكل ،هي بطبيعة الحال تمثل قاعدة لصراع سياسي مرير ولا يجوز التقليل منه وهو صراع سياسي جوهري مشروع وعمليا فهو يشمل كل اطياف العمل السياسي الفلسطيني وتياراته الفكرية والسياسية ورؤاها تجاه قضايا جوهرية تتعلق باولوية الهوية الوطنية و بالطبيعة الوطنية للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وكذلك الامر فيما يخص قضية المواطنة بما فيها قضية المساواة وخاصة بين المراة والرجل وقضية الدولة المدنية و العلمانية من حيث فصل الدين عن الدولة ،وقضية الديموقراطية بالاضافة طبعا الى البرنامج السياسي وتبعاته المختلفة . نحن نؤكد وجود هذه الاختلافات وغيرها وهي مصدر لصراع سياسي كبير وعلى اساسه تبنى ايضا التحالفات في الساحة الفلسطينية ولكن ما نختلف عليه هو طريقة التعامل مع هذا الصراع السياسي الفكري فنحن على قناعة بان الية ادارة هذا الصراع يجب ان تكون ديموقراطية وان تتم في اطار وحدة النظام السياسي وهو الامر الطبيعي والمنطقي ،وهو الامر الذي يختلف عن منطق حسمه بالوسائل العنيفة وانقسام النظام السياسي وتجزئته وتفكيكه نتيجة هذا الصراع.

لقد رفضنا منذ البداية استخدام العنف في الصراع السياسي الداخلي وسعينا مع قوى اخرى للحيلولة دون النتائج المأساوية والدموية التي ترتبت عليه والتي رافقها ممارسات مرفوضة كالاغتيالات والقتل في الشوارع والمحاكمات الميدانية ، كما رفضنا بوضوح بوضوح استمرار حالة الانقسام والحكم استنادا الى القوة المسلحة والعنف ، بل المطلوب اعادة الامور الى حالة طبيعية من الوحدة وطبعا لا تؤدي الى انتقامات متبادلة ا والى تكرار الظواهر السلبية المرفوضة سابقا ،ولكنها تتيح للعوامل الديموقراطية ان تفعل فعلها في النظام السياسي وبحيث يكون ما جرى هو حالة عابرة يستخلص منها الحاجة الى تعزيز الاليات الديموقراطية لمواجهة تكرار السلبيات والتغلب على الاسباب التي ادت الى هذه الحالة وكذلك الى ضمان شراكة سياسية حقيقية على اسس ديموقراطية.

كما اننا نرفض بوضوح تنامي فرض القيود على الحريات بما فيها الحريات الشخصية والسعي لفرض المفاهيم السلوكية لسلطة حماس في غزة على جمهور الناس وهو امر يخالف الحقوق الشخصية التي كفلها القانون الفلسطيني للمواطنين بالاضافة طبعا الى الحقوق السياسية والتنظيمية المكفولة ايضا بالقانون.

كما اننا نرفض غلبة الطابع الانتقامي على الوضع في الضفة وانتهاك الحريات المكفولة بالقانون والاعتماد بصورة مباشرة او غير مباشرة على تعظيم دور اجهزة الامن ومؤسسات السلطة على حساب تعزيز الديموقراطية وتوسيع قاعدة الضغط الشعبي لانهاء الانقسام ،ولذلك فان الضحية الاكبر للانفسام هي جماهير الشعب والحقوق والحريات والمؤسسات التي باتت مشلولة وخاصة المجلس التشريعي.

ان المحطة الاخيرة لحوارات القوى الفلسطينية خلصت الى صياغة ما يعرف بالورقة المصرية ،وهي رغم ما فيها من تعقيدات وما لدينا عليها من ملاحظات ،الا انها باتت تشكل مفتاح الدخول الى عملية مصالحة طويلة ومعقدة ،ولذلك فقد دعمنا ولا نزال التوقيع على هذه الورقة من اجل المباشرة في عملية المصالحة ،وضرورة ان يجري اسناد هذه الورقة بالاتفاق على شراكة سياسية حفيقية بما فيها الاتفاق مسبقا على تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الجميع كمظهر للشراكة السياسية وبما يضمن عدم اقصاء او استبعاد أي مكون من مكونات النظام السياسي الديموقراطي .

اننا نعتقد ان عدم توقيع حركة حماس على الورقة المصرية حتى الان يحملها مسؤولية اعاقة انهاء الانقسام خاصة بعد ان وقعتها حركة فتح وبعد ان ابدت غالبية الفصائل الفلسطينية دعمها للتوقيع على هذه الورقة. ، رغم اننا كما قلت ندرك التعقيدات في هذه الورقة كما ندرك ضرورة الشراكة السياسية من اجل التقدم في انهاء الانقسام ،الا ان كل ذلك يمكن ان يعالج ايضا في اطار ما، بعد توقيع الورقة المصرية في حال تعذر بلورة التفاهمات التي اتفق على بحثها قبل هذا التوقيع.
 

2- هل تعتقد بإمكانية تحقيق تسوية سياسية سلمية مع الحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية ؟وكيف ترى أفاق الحل العادل بين الطرفين؟

نحن لا نتوقع انجاز عملية سباسية مع حكومة اسرائيل بل على العكس فان تصعيد الاعتداءات اليومية ضد جماهير شعبنا خاصة في مدينة القدس وتوسيع العدوانية الكولنيالية الاستيطانية في كافة ارجاء الضفة الغربية نعني ان اسرائيل تسابق الزمن من اجل رسم حدود الحل النهائي من طرف واحد تمهيدا لكسب الاعتراف بذلك من قبل الولايات المتحدة وغيرها من الدول المساندة لاسرائيل.
ان العملية السياسية تعاني من خلل بنيوي خطير واكب عملية المفاوضات منذ بدايتها وما لم يجري تعديل هذا الخلل فان المفاوضات محكوم عليها بالفشل.

لقد قامت استراتيجية اسرائيل بشان المفاوضات منذ انطلاقتها على امرين ،الاول ان تكون المفاوضات ثنائية مباشرة وان تكون غير مشروطة،واستنادا الى هذه الاستراتيجية فقد تم تحييد كافة الاطراف الدولية ومؤسساتها ،وقصر امر التدخل في العملية التفاوضية على الادارة الامريكية وفي حدود لا تتجاوز مستوى القبول الاسرائيلي بحجم هذا التدخل والاتفاق المسبق على المقترحات الامريكية التي يمكن ان تنتج عنه .
ان المفاوضات الثنائية كانت تضع الطرف الفلسطيني على الدوام مجردا من مساندة المؤسسات الدولية وقراراتها ومن قوة القانون الدولي كناظم للعلاقات الدولية ،وكانت تستبدل ذلك بصلافة واقع الخلل في ميزان القوى القائم على الارض ،وكانت ايضا تمنح الطرف الاسرائيلي حق الفيتو على اية قضية تتناول جوهر واقعه كاحتلال وتجعلها قضية تفاوضية استنادا الى واقع الاحتلال وليس مرجعية القرارات الدولية.
ان هذا الخلل الجوهري يجعل واقع التفاوض الثنائي المباشر هو عمليا واقع تفاوض ارغام بين قوة الاحتلال والطرف الواقع تحت الاحتلال وهو امر مخالف للمواثيق الدولية ،ويشجع اسرائيل على الاستمرار في ذلك رفض الولايات المتحدة تغيير هذه الالية وعدم السماح حتى للجنة الرباعية بلعب دور فعلي في عملية المفاوضات بالاضافة الى صد المطالب الفلسطينية بتغيير هذه الالية وتحقيق تدخل دولي حقيقي من اجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية ، وقد ترافق كل ذلك مع خلل جوهري اخر يتمثل في مواصلة اسرائيل لعملية التوسع الكولنيالي الاستيطاني وفرض الوقائع على الارض دون اعتبار لعملية المفاوضات ،بل و من اجل جعل هذه الوقائع شروطا للحل النهائي.

اما بالنسبة لافاق الحل العادل فنحن لا نتحدث هنا عن حل عادل بل عن حل واقعي ممكن في اطار السقف الذي قررته قرارات الامم المتحدة وهو برغم حالة الاجحاف التي تعرض لها الشعب الفلسطيني الا انه يضمن العناصر الاساسية لحقوق شعبنا غير القابلة للتصرف وهي حقه في تقرير المصير واقامة الدولة المستقلة ذات السيادة على كامل الارض التي احتلت عام 1967 وعاصمتها القدس ،وكذلك ضمان حل قضية اللاجئين الفلسطينيين تنفيذا للقرار 194 والذي ينص على حق العودة.

ولذلك تقوم الاستراتيجية التي ندعو لتبنيها على استعادة مكانة الامم المتحدة والمؤسسات الدولية تجاه القضية الفلسطينية بكل ابعادها والخروج من قفص الرعاية الامريكية المنفردة لعملية السلام ومن المسار المحكوم بالفشل للمفاوضات الثنائية ،وهذا يعني اولا التمسك باجراء المفاوضات تحت رعاية الامم المتحدة ومن اجل تطبيق قراراتها بما يعني رفض مواصلة مسار المفاوضات الثنائية على الشاكلة القائمة،وهذا يعني ايضا دعوة الدول السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لتفعيل انطباق هذه الاتفاقية على الارض الفلسطينية المحتلة ،خاصة وان وجود السلطة الفلسطينية ذاتها لايغير هذه الحقيقة بما فيها حقيقة ان السلطة ذاتها هي ايضا تحت الاحتلال وهذا ما يتطلب ايضا اعادة النظر في التزامات السلطة الفلسطينية تجاه اسرائيل وفي مقدمتها ما يعرف بالتنسيق الامني،وفي نفس الوقت التوجه الى الامم المتحدة من اجل الاعتراف بدولة فلسطين وحدودها على كامل الارض المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس وعدم رهن قيام الدولة بالمفاوضات او بالموقف الاسرائيلي ،والىجانب ذلك ملاحقة اسرائيل في كافة المؤسسات الدولية لادانتها على ممارساتها المختلفة والتي تضمنها تقرير القاضي جولدستون وفتوى محكمة لاهاي وغيرهما ،وهذا طبعا الى جانب توسيع حملة مقاطعة اسرائيل وحملات التضامن مع الشعب الفلسطيني لوقف الاستيطان وفك الحصار عن غزة وغير ذلك من مظاهر التضامن الدولي واولا واخيرا طبعا بناء جبهة موحدة للمفاومة الشعبية لتعزيز نضال شعبنا ضد الاحتلال.


3- كيف تنظرون إلى دور ومكانة اليسار الفلسطيني ألان, وهل من الممكن إن يتحول إلى خط ثالث بين قطبي حماس وفتح؟

لعب اليسار دوراً هاماً في مسيرة الكفاح الوطني والاجتماعي الديموقراطي الفلسطيني، وهذا الدور لا يزال مطلوبا،من اجل انجاز الاهداف الوطنية من جهة وتحقيق التغير الاجتماعي الديموقراطي والتقدمي المطلوب من الجهة الاخرى.
و اليسار له مقوماته الفكرية والاجتماعية والسياسية المستقلة التي لا تعبر عنها التيارات السياسية القائمة في الساحة الفلسطينية ،ولانه تيار يطمح الى التغيير بافق ثوري تقدمي وفق رؤيته هذه فنحن نتمسك به ونثق بالدور الذي يجب ان يضطلع به، وبعبارات موجزة فان اليسار هو يسارتحرري يناضل من أجل تحقيق برنامج التحرر والاستقلال الوطني، وهو يسار اجتماعي منحاز للفئات الفقيرة والشعبية، ويناضل معها ضد الفقر والبطالة والاستغلال والاحتكارات ومن أجل تعزيز مكتسباتها وحقوقها ومن اجل العدالة الاجتماعية، وهو يسار ديمقراطي، يناضل من أجل تطوير التجربة الديمقراطية في فلسطين على اساس التعددية وفصل السلطات وتعزيز سيادة القانون وضمان الحريات ومشاركة الجميع في النظام السياسي على أسس ديمقراطية، وهو يسار تقدمي يناضل من أجل التغيير الى الامام، على أساس فكر التنوير والجدل المادي العلمي والمساواة والتقدم وفي مقدمة ذلك في موقفه من المرأة ، وهو يسار علماني يناضل من أجل دولة مدنية، تقوم على الفصل بين الدين والدولة.

ورغم ان جذور هذا اليسار تراوحت بين الجذور الشيوعية التي مثلها حزب الشعب الفلسطيني كامتداد للتراث الشيوعي الفلسطيني، والجذور القومية التي مثلتها كل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية وتنظيمات اليسار الأخرى، الا ان كل هذه التيارات، تقاربت الى حد كبير خلال مسيرة الكفاح المشترك، وخاصة في ملامستها للقضايا الاجتماعية – الديمقراطية التي باتت على تداخل عميق مع قضايا التحرر الوطني، بعد نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية.

ولذلك ليس من الصعب رؤية الخصائص المشتركة التي تميز اليسار الفلسطيني عن التيارات الاخرى ،ولكن الصعب والذي يحتاج الى ابداع وتطوير هو تجديد هذا اليسار وتآصيل مفاهيمه ومضمونه في الساحة الفلسطينية والنضال مع القوى الاجتماعية التي يدافع عن مصالحها من اجل تحقيق هذه المصالح، وفي سياق هذه العملية نحن واثقون من ان الجدل والتجربة واستحقاقات الواقع ستسهم في بلورة معالجات مبتكرة لقضايا الواقع الفلسطيني انطلاقا من مضامين وقيم اليسار الهادف الى التغيير التقدمي والى تحقيق قيم المساواة والعدالة الاجتماعية والتحرر، وفي هذه العملية هناك مساحة كبيرة كي تنخرط اوساط واسعة في مشروع اليسار ونضالاته.

لقد بات النجاح في ذلك هو العلامة الابرز في قدرة اليسار الفلسطيني على توسيع مساحة حضوره كخط ثالث اضافة الى حركتي حماس وفتح ،وحيث لم يعد كافيا استهلاك الرصيد السابق لدور اليسار في الساحة الفلسطينية ،بل بات مطلوبا اكثر تعزيز حضوره في الدفاع عن القضية الديموقراطية والاجتماعية بالاضافة الى دوره الوطني والسياسي

ان قوى اليسار الفلسطيني ,ومن موقع ادراكها لواقع التداخل العميق بين مهام النضال الوطني من جهة والاجتماعي الديمقراطي من جهة اخرى يمكن ان عزز حضورها كتيار مركزي في الحركة الفلسطينية.
ولكل ذلك فان حزبنا يسعى بكل جد من اجل بناء جبهة موحدة لليسار ولا يزال ذلك هدفا راسخا لنا رغم ما يعترضه من صعوبات .


4- كيف تقيمون اللقاء اليساري العربي الأخير في بيروت, وكيف يمكن تطوير التنسيق والعمل المشترك بين القوى اليسارية في المنطقة بما فيها مع اليسار الإسرائيلي؟

لقاء اليسار في بيروت كان لقاء هاما ،فمن ناحية كانت هناك مشاركة من قبل اطياف متعددة من اليسار والذي يشكل اليسار الماركسي قاعدته الاوسع ،ومن ناحية اخرى فانه اكد على ضرورة تمييز الرؤية المستقلة لليسار بوصفه تيارا فكريا وسياسيا يسعى للتغيير التقدمي من منطلق رؤيته للواقع الاجتماعي والسياسي وضرورة تغيير هذا الواقع ،وبذلك يميز اليسار نفسه عن التماهي مع الانظمة وكذلك عن الاندماج والتماهي مع حركات المعارضة الاخرى او تياراتها السياسية بما في ذلك تيارات الاسلام السياسي .
ويمكن القول ان الاتفاق على متابعة لقاءات اليسار والسعي لتنسيق العمل المشترك ضروري ،خاصة وان نقاشات المؤتمر توزعت بين نقاشات عامة فرضها واقع الغياب الطويل عن الحوار الجماعي والحاجة لاعادة بلورة القضايا واحيانا المفاهيم ،وبين نقاش اكثر تحديدا عند تناول القضايا المباشرة سواء ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي او قضايا الديموقرطية ،ولذلك فقد تم الاتفاق على اغناء هذه النقاشات بتركيز اكبر من خلال عقد لقاء تخصصي يبحث في الشان الاقتصادي ويبلور رؤية مشتركة تقوم على نقد السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تكرس التبعية وتطرح برنامجا للتغيير والنضال المجتمعي على ضوء ذلك .
كما يمكن القول ان القضية الفلسطينية لا تزال حاضرا محوريا في القضايا العربية وفي رؤية اليسار في البلدان العربية ،وهو مدعاة لتطوير اليات التنسيق والعمل المشترك بما يحقق الدعم السياسي والشعبي والمادي للشعب الفلسطيني سواء في سعيه من اجل حقوقه الوطنية في التحرر والاستقلال او تجاه قضايا مباشرة ضد الاستيطان والتوسع وضد الهجمة المتصاعدة في القدس او من اجل فك الحصار عن قطاع غزة او غير ذلك من تنظيم حملات التضامن لمقاطعة اسرائيل ورفض التطبيع واسثمار علاقات اليسار العربي الدولية لتطوير التضامن مع الشعب الفلسطيني ،هذا بالاضافة طبعا الى توثيق علاقات اليسار العربي مع حركة التحرر الفلسطينية .
ولكن يجب الاعتراف ايضا ان لقاء اليسار في بيروت لم يخلو من تباينات تجاه قضايا معينة ،وان هناك حاجة لتطوير اليات الحوار المتبادل وتعميقه بعيدا عن الاحكام الجاهزة والكليشيهات التقليدية خاصة وان هناك تعقيدات محلية كبيرة لقوى اليسار كل في بلده تحتاج الى معالجة تسمح بتطوير قدرة اليسار على الاطضلاع بدور متميز على الصعيد العربي ،ولا شك ان تنمية الجدل النظري والفكري والسياسي عامل هام في ذلك .
اما بالنسبة لليسار الاسرائيلي فهذه قصة مختلفة تماما ،نحن في حزب الشعب نميز تماما في علاقاتنا بين الحزب الشيوعي الاسرائيلي والجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة وبقية التجمعات السياسية العربية داخل اسرائيل ،والتي يقوم برنامجها بوضوح على رفض الصهيونية والاحتلال والمطالبة باقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الارض المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس ،وكذلك على المساواة الكاملة للجماهير العربية الفلسطينية داخل اسرائيل ،والتي تشاركها هذا الموقف من الاحتلال تجمعات يسارية يهودية مثل كتلة السلام وغيرها ممن يشاركون في انشطة مقاومة الجدار في بلعين ونعلين والقدس وغيرها ،وبين ما يسمى باليسار الصهيوني والذي تراجع دوره في ظل زيادة التطرف اليميني من جهة وفي ظل تقاطع هذا اليسار مع برامج ومشاريع احزاب اليمين الاسرائيلي السياسية والتي لا يشكل بديلا حقيقيا لها بل انه يوفر الغطاء لها في المحطات الهامة.

وفي اعتقادنا ان هذا التمييز ضروري وحاسم في علاقات اليسار العربي حاضرا ومستقبلا.




تعليقات الفيسبوك