لماذا أقول: أنا مسلم؟


سعيد ناشيد
الحوار المتمدن - العدد: 3790 - 2012 / 7 / 16 - 22:04
المحور: بوابة التمدن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

كلّ إنسان هو جسد وحكاية قد يكتبها وقد يكتمها، وبين الجسد والحكاية يمتدّ نفق سحري اسمه الكتابة، حيث لا يعبرُ إلا القليلون.

لا يبقى بعد الموت من أثر للجسد سوى ما تخطه يد الكتابة؛ إنّما هي انتصار الإنسان، وربما انتصاره الوحيد، على فعل الموت والكتمان وتحلّل الجسد بلا أثر يُذكر. لذلك أقسم الله بهذا السحر المُبين يوم قال : ".. والقلم وما يسطرون".

حكايتي سأختصرها في بعض الأسطر :

أنا مسلم..

بوح منّي أثار سجالا ما كنت أتوقع أن يُثار حول اعتراف نابع، في المحصلة، من وجدان إجرائيّ :

فكيف أكون مناهضا للحركات الدينية والنزعات الطائفية والمذهبيّة، وأدعو إلى مغادرة النصّ الدينيّ، بل وإلى الخروج من الدين كافّة، ثم أقول عن نفسي في الأخير: أنا مسلم!؟

لكن لماذا أقولها، وبأي معنى؟ هذا هو السؤال.

أنا مسلم.. هي شهادة حق في حق نفسي؛ لأني أرفض أن أتجمّل بأي وجه مستعار، ولأنّي أفضّل أن أتحمّل وزر الانتماء لحضارة معطوبة الجسد، مكسورة الخاطر والوجدان. لستُ أستحيي من الاعتراف بانتمائي لحضارة ذابلة الجمال مرذولة الحال محبطة الآمال، لن أحجب تخلفي بخرقة تجعلني أبدو وكأنّي مجرّد إنسان في الفراغ.

على رسلكم أحبائي، فأن أكون علمانيا لا يعني أنّي إنسان معلّق في الهواء من دون امتداد في الزمان والمكان ومن غير هوية ولا انتماء؛ لأنّي ابن حضارة قد تكون مريضة وهي كذلك، قد تكون متخلفة وهي كذلك، قد تكون ملقى بها في مزبلة التاريخ، كما يتصور هواة الانسلاخ عن الذات بعد جَلدها، غير أنّي، وفي كل أحوالي، أرفض الهروب من قدري وقدرتي بل ومن قذارتي أيضا؛ فليست هناك مكنسة سحرية تحملني إلى حضارة أخرى، أو حتى إلى ديانة مختلفة ضمن الحضارة التي أنتمي إليها، فكلنا في الهمّ شرق؟

لكن ماذا عن "الإلحاد"؟ أليس هو نفق الخروج من كلّ هذا الظلام القاتم والذي يقهر العقل ويحرج الوجدان؟

لن يُخرجني أيّ "إلحاد" مزعوم من الحضارة التي قُذف بي إليها منذ ساعة الولادة؛ لن يخرجني "الإلحاد" من حضارة شهد تراثها متنا شعريّا وكلاميّا احتضن "الملحد" و"المؤمن" على حدّ السواء، بل ولن يخرجني "الإلحاد" من عقيدة الإسلام نفسها؛ لأنّها عقيدة متمحورة حول "الصمت" التشريعيّ و"الفراغ" المؤسّساتي. لا بديل لي. لا خيار لي. لا موطن آخر لي سوى أن أتحمّل البقاء تحت جلدي الذي لا يبدو الآن سالما وسليما.

نعم أنا متحرّر من الفكر الدينيّ ومن الخطاب الدينيّ ومن النصّ الديني، لكنّي أظلّ في كلّ أحوالي، ابن هذه اللعنة التي تشدّني إلى "هنا الآن"، ولن أخفي وجهي خلف أية ملامح مستعارة. أنا مسلم إذن، ولكن..

بكلّ وضوح في الرؤية :

أنا ابن حضارة صنعها العرب المسلمون وأنارها العرب المسيحيّون وعلّمها الفرس الساسانيّون وحماها الأتراك العثمانيون، وفي الأخير خذلها الجميع، وتنكّر الجميع للجميع؛ ربّما لأنّ "الوجه المشترك لا أحد ينظفه" كما يقول المغاربة. لكن ماذا حين يتعلّق الأمر، ليس فقط بالوجه المشترك، وإنما بالعيش المشترك؟

ثمّة ألف كيفية لكي أكون مسلماً؛ فتنوّع الحضارة الإسلامية ليس فقط في ممكناتها وإنما أيضا في متاهاتها وانسداداتها : لدينا ألف حكاية وحكاية من نسيج أكثر من ألف عام من العرفان والجواري الحسان، وهذا منبع استيهامات لسنا نواريها؛ فلا حياء في الدين. لا يوجد بين كافة الأديان خيال ديني أطنب في وصف شهوات الجنّة بسحر خيالنا الجامح حيثما الشهوات بلا حسبان، وبوازع من الحقّ في الكتمان.

ومع ذلك، هناك حكاية واحدة صارت تختزل كل المرويّات، حكاية تروى بنفس السّرد المتكرر بلا ملل، عنوانها : حضارة "ألف ليلة وليلة" و"طوق الحمامة" و"تاج العروس"، هي اليوم حضارة تفوح منها رائحة الموت العبثيّ والانتحار المجانيّ، رائحة كريهة بما يفوق ملحمة "رقصة المقابر" في أوروبا القرن الخامس عشر، وقصص مصّاصي الدماء في سينما القرن العشرين.

صور مهرّبة من إيران، التي نخاف عليها ونخاف منها في نفس الآن، عن امرأة هنا أو امرأة هناك، ملفوفة بثوب أبيض مثل الكفن، نصف جسدها في حفرة الرّجم، والنصف الظاهر يترنّح من ألم القذف بالحجارة جرّاء حكم قضائي صادر في حقها عن المحكمة. لا أحد يسمع صراخها، وبالتأكيد، لن يسمع أنينها أحد والرّأس ينزف دما إلى أن يهمد في الأخير. وبعض العالم يرى ويصيح : هذا هو الإسلام فاحذروه!

أنا مسلم.. هل ما زلت أجرؤ على قولها؟

أقولها؛ لأنّها صيغة تسمح لي بالقول بأني لا أريد أن أبرئ ذمّتي قبل تقديم كشف الحساب أصالة عن نفسي ونيابة عن حضارة لا تتحمّل الاعتراف إن سُئلت بأي ذنب أخلفت الموعد مع التاريخ.

أنا مسلم؛ صيغة لكي أقول إنّي ابن حضارة متخلّفة. فهل بقي هناك من سؤال آخر؟

نعم.. هناك سؤال أشدّ قسوة :

لماذا لا يفعلها غير المسلمين؟

إنّه السّؤال الذي يجعلنا نُطأطئ رؤوسنا أمام السّائلين، خجلين وجلين، ويُحاصر فينا بَقايا من كبرياء؛ لأننا بعد كل "جريمة شرف" أو عملية إرهابية يذهب ضحيّتها مواطنون أبرياء، بعد كل انتحار مجاني في محطة أو مستشفى أو مدرسة أو مقبرة أو حتى مزبلة، نودّ لو نخفف عنّا وزر التّهمة القاسية، فنلوذ إلى التّبرير ساعين إلى تبرئة ذمّة ديانتنا من تلك الجرائم المجانية. وعقب كل محاولة للتبرير، نجد أنفسنا في مواجهة السؤال : لماذا لا يفعلها غير المسلمين؟ أو هكذا نسمعهم يقولون!

نبدو وكأنّنا جميعنا مُدانون، ما لم نُجب عن السؤال، وما لم نكن مُقنِعين في جوابنا ومُقتنِعين. خسرنا كل شيءٍ، ويُراد لنا أن نخسر أخيراً، حتى الحياء. هل بوسعنا أن نُجيب فلا نُنكر، ونُفسر فلا نُبرّر، وبعد ذلك نكون مُقنعين في جوابنا لأنفسنا قبل غيرنا؟

انشغلنا كثيرًا بتحسين صورة الإسلام، وقليلاً ما انشغلنا بحقيقة الإسلام ذاته، كما لو كان الأمر يتعلّق بجريمة واحدة عرضية وعلى الهامش، جريمة تمّ اقترافها، عن طريق الخطأ، وليس بمُسلسل لا ندري متى وكيف سيتوقف إن قُدر له أن يتوقف في ميقات يوم مَعلومٍ؟ انشغلنا بالصّورة الافتراضية على حساب الواقع المادي والاجتماعي، ونبرر ذلك بالقول بأننا في زمن الصورة وتسويق الصور. وهذا لا يؤمننا من انتقام الواقع منا جراء نسيانه.

مِن نيويورك إلى مدريد، من لندن إلى مُومباي، نَنحني ليس فقط أمام أرواح الضّحايا الأبرياء، وقد كَبُر علينا مثل هذا الرياء، وإنّما ننحني وَجَلاً، أمام أعين ناظرة إلينا ولنا سائلة : أيّها المسلمون لماذا لا يفعلها غيركم؟ لماذا ما عاد اليوم من يفعلها غيركم؟

هذه الجرائم! لو كانت بسبب الفقر أو التهميش أو الأمية أو التخلّف… لفعلها آخرون غير المسلمين، هكذا يُقال لنا، وهكذا صِرنا جميعُنا في قفص الاتهام، بصرف النظر عن معتقدنا. وأصبح كلّ تفسير نتقدم به لدرء التهمة عن الإسلام، فنَتذرّع بالفقر أو الجهل أو الأمية أو الظلم، مجرّد قول مردود عليه بعبارة قاسية : ولماذا لا يفعلها آخرون ليسوا أقلنا فقرًا، تهميشاً، أمية أو تخلفاً…؟

لم يكن انتحاريّو نيويورك فقراء، لم يكن انتحاريّو لندن أميين، لم يكن انتحاريّو مومباي مهمّشين، ومع ذلك فقد فعلوا ما فعلوا! لا وطن يجمعهم، لا لغة يشتركون فيها، لا عرق يوحّدهم، لا أعراف يتقاسمونها، سوى شيء واحد هو الإسلام.

إن لم يكن أصل الجريمة في الفقر أو التهميش أو الأمية أو التخلف، فأين يوجد إذن؟ إن لم يكن مُستودع الجريمة في الوطن أو الحضارة أو اللغة… فأين يستوطن هذا الوحش الأمَمِيّ والذي ارتدى فجأة قناع اللحية ورداء العمامة؟ وما الذي يجمع فرسان الرّعب الجديد، هل هو الدين أم قِناع الدين؟

هل بَقي من احتمال آخر غير أن نُردد الخلاصة التبسيطية والاختزالية، والتي تزعم بأنّ أصل الجريمة هو الإسلام؟ أم أنّ ثمّة في الواقع، مستويات أخرى للتّحليل، غير هذه وغير تلك، لابدّ من استحضارها، قصد استكمال معطيات التحليل؟

حين نَودّ التفكير في أصُول هذا النّمط الجديد من الجريمة، فهل يحقّ لنا أن نَستبعد العقيدة لمجرّد أن الجريمة لا يقترفها سوى قلّة قليلة جدّاً من المسلمين، أو يجب علينا أن نستحضر العقيدة بسبب أنّ لا أحد يفعلها غير المسلمين؟

لا تبدو الإجابة سَهلة، ولعلّها تستدعي منّا نوعاً من التروي بدون مُواربة، بل إنّها تتطلب منا نوعاً من القدرة على التّحكم في المشاعر والانفعالات، وهل يَسهل موقف كهذا في موضع كهذا!؟

نحن أمام جرائم غير عادية، فالمُجرمون معروفون بالذّات والصفات، سواء ظلوا أحياء أو قضوا في ساحة الجريمة، لكننا حين نطرح السّؤال الموالي بحسب منهجية علم الجريمة : من المستفيد من الجريمة؟ فإنّنا لا نحصل على الإجابة الكافية والشافية، وهو ما يجعل معطيات التّحليل ناقصة.

تقول حكمة عربية معاصرة : إذا ضاعت بوصلة المثقفين، ففتشوا عنها عند عامة الناس.

لنختبر هذه الحكمة :

شابة أمريكية بدينة الجسد، تسكن في مدينة شيكاغو الأمريكية، متزوجة من شاب مغربي يعمل سائق طاكسي، سعيدة بأن المسلمين لا ينفرون من النساء البدينات، ولأجل ذلك صارت مسلمة، وهي مبتهجة بهذا التحول.

ولأنّ كل إنسان، كما سبق أن قلنا، جسد وحكاية، فحكايتها واضحة الآن : لقد قادها النظام الغدائي الأمريكي إلى بدانة الجسد، وقادتها بدانة الجسد إلى الإسلام.

للحكاية تفاصيل أخرى سأرويها بالنيابة :

تهزأ بكل المعجزات ولا تكترث بخلاص المسيح ولا بشفاعة محمد، لا تفضل أن تضيع حياتها في رهان باسكال، ولا هي ترغب في أي حج أو قداس، غير السفر وطقوس الحب مع زوجها. إنها فقط تحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلا.

تبتهج بأنها مسلمة وتحمل عطفا على القضايا العربية، وكثيراً ما تتقاسم بيتها مع أسر عربية مهاجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتعترف للمثقفين منهم، بأنها لا تشعر بأي تناقض بين انتمائها الافتراضي إلى الإسلام ونزعتها اللاّأدرية أو حتى اللادينية، إنها تدرك بأن إسلامها الإفتراضي لا يحتاج لأي اعتراف أو تأشيرة للإقامة من طرف أية جهة وصية ولا من طرف أي شخص مزعوم. بل إنها تشعر بأن نزعتها اللاأدرية، الراسخة فيها والسابقة عن إسلامها، تنسجم مع ديانتها الجديدة بنحو أفضل. زوجها سائق طاكسي في مدينة شيكاغو الأمريكية، حين يسأله أي راكب : هل أنت مسلم؟ يأتي رده هادئا : "لا؛ أنا سائق طاكسي". ولا بأس بمثل هذا الذكاء الأنطولوجي لبشر لم تفسد الثقافة فطرتهم وبداهتهم.

هذه الزّوجة الأمريكية وهذا الزوج المغربي، يعيشان معا في مدينة شيكاغو بعيداً عن حرّاس المعبد، يعيشان إسلاما افتراضيا مفتوحا على إمكانية الخروج الهادئ والسلس من الدين، من دون أي توثر إلا قليلا؛ لأن ديانتهما هي بنت الصحراء، لا تشترط قواعد للدخول أو الخروج، ولا إشارات للمرور أو العبور.

الإسلام الذي أنافح عنه هو أيضا إسلام هذين الزّوجين المخلصين.

لكن ماذا عن الإرهاب العالمي؟ ألا يمكن أن يفسد هذا الرهان؟

خلف كل جريمة مجرمون ربما اجتمعوا داخل بيئة ثقافية، دينية أو عرقية محدّدة، وهكذا هو الإرهاب العالمي في علاقته بالإسلام، لكن ليست هناك بيئة محصورة في الزّمان والمكان بوسعها أن تجيبنا عن أصول جريمة كونية، في زمن أمسى فيه كلّ شيء يتأثر بكل شيء. لا يكفي أن نقول بأنّ النّازية هي ثمرة الحضارة الألمانية حتى نكون قد أحطنا علما بأصول النازية؛ لأنّ الثقافة الألمانية لا تقود بالضّرورة والصّيرورة إلى ظهور النازية، تماماً كما أنّ الثقافة الرّوسية لن تُمكننا من فهم الظاهرة الستالينية، ولا تكفي معرفة تاريخ فرنسا لفهم ظاهرة جان ماري لوبين. لابدّ من التّفكير في طبيعة القيم الكونية والمناخ الثقافي العالمي الذي أفرز أمثال هتلر وستالين ولوبين وغيرهم، وهو نفس العمل الذي ينتظرنا إزاء مظاهر القتل العبثي والانتحار المجاني والجريمة بتفويض إلهي.

فإذا كان القتل باسم الحداثة، في بعض المجتمعات الغربية، قد استدعى إصلاحا جذريا في منظومة الحداثة داخل كافة المجتمعات، فإن القتل باسم الله اليوم، حتى ولو كان نابعا من مجتمعات إسلامية، فإنه يقتضي تغييراً في منظومة اللاهوت داخل كافة المجتمعات، إنه يحتاج إلى تعديل شامل في وظائف الإله، يحتاج إذن إلى إصلاح لاهوتي جديد.

في حواره مع صحيفة السفير(23/07/2010)، يردّ طرابيشي عن سؤال حول آفاق مشروعه :

"أمضي إلى الخيار المتاح لنا اليوم، برأيي، وهو التمييز بين الخروج من الدين والخروج على الدين. لا ضرورة لنزع الإيمان؛ لأنه طالما هناك موت، وطالما أن الإنسان لم يقهر الموت، فسيبقى الله موجودا، إنما، في كل ما يتعلق بالعلم والبحث العلمي، لابد من الخروج من الدين".

هل بقي لي ما أقول؟

رهاني أن أختبر هذه البوصلة لأستشرف هذا الخيار المتاح : خيار الخروج من الدين دون التعويل على "موت الله"؛ طالما أنّ اختفاء الله لن يحدث قريبا وربّما لن يحدث أبداً.



تعليقات الفيسبوك