د.نايف حواتمة في حوار مفتوح مع القراء والقارئات حول افاق اليسار الفلسطيني والعربي


نايف حواتمة
الحوار المتمدن - العدد: 3109 - 2010 / 8 / 29 - 13:06
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

أجرى الحوار : حميد كشكولي


تقديم:

الدكتور نايف حواتمه ، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، واحد من ابرز قادة الرعيل الأول في الثورة الفلسطينية المعاصرة ، وفي منظمة التحرير الفلسطينية ، ولد  في تشرين الثاني 1938 ،وتابع دراسته الثانوية في كلية الحسين ( عمان ، الأردن ) ، وبدأ دراسته الجامعية في كلية الطب / جامعة القاهرة وتوقفت في منتصف الطريق لاعتبارات سياسية ووطنية ، وبذا انقطعت الدراسة الجامعية نحو عشرة سنوات ، ثم تم استئنافها في الفلسفة وعلم النفس بجامعة بيروت العربية ، ثم استكملت في موسكو حتى الحصول على الدكتوراه ، وكانت أطروحته في الدكتوراه تحت عنوان :
"" التحولات في صفوف الحركة القومية، من حركة وطنية عامة إلى حركة يسارية " والدراسة في موسكو أخذت طابع الانتساب وليس طابع الدوام النظامي.
و انتمى  إلى حركة القوميين العرب التي نشأت كرد فعل مباشر على هزيمة العرب ونكبة فلسطين، وكان لا يتجاوز في عمره الستة عشر عاماً، وتحمّل المسؤولية الكاملة التنظيمية عن قيادة حركة القوميين العرب في الأردن والضفة الغربية .
وتتفق كل الآراء على أن الرفيق نايف حواتمه هو  أحد أبرز أقطاب اليسار الناشئ في الحركة القومية الحديثة  في  الشرق الأوسط  حيث قاد الجناح الديمقراطي الثوري في صفوفها ، وفي اليمن ساهم في معركة تحريره من الاحتلال البريطاني وساهم بإعداد برنامج المؤتمر الرابع لسلطة اليمن الجنوبي بعد الاستقلال مباشرة وأصدر كتاب " أزمة الثورة في الجنوب اليمني " الذي طرح برنامج جديد للثورة في مجرى الصراع الدائر بين اليسار واليمين في السلطة وحزب الجبهة القومية الذي قاد حرب التحرير من الاستعمار البريطاني ، وتحول الكتاب إلى مرجعية لليسار الوطني في اليمن الذي استلم السلطة بعد هزيمة الجناح اليميني في الجبهة القومية والجيش . وبعد هزيمة العام 1967 وانفتاح أفق الثورة الفلسطينية رداً على الاحتلال الإسرائيلي، وجواباً بديلاً عن هزيمة الأنظمة العربية، انتقل للعمل في ساحة الصراع الساخنة وفي إطار فروع الحركة القومية في فلسطين والأردن. وفي مؤتمر آب / 1968 المشترك للتيارين اليساري الديمقراطي واليميني التقليدي في ائتلاف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( فرع القوميين العرب الفلسطيني – الأردني) قدم نايف حواتمه التقرير السياسي والتنظيمي وتقرير المهمات والعمل ، حيث نجح حواتمه في لعب الدور المحوري وتطوير دور ووزن الجناح اليساري في إطار الحركة القومية . وعند الارتداد عن نتائج مؤتمر آب / 1968 واستخدام أشكال من القوة والعنف ، أعلن حواتمه استقلال التيار اليساري تحت اسم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في 22 شباط 1969 .
ومنذ ذلك الحين تحولت الجبهة الديمقراطية تحت زعامته  إلى فصيل أساسي ورئيسي في إطار ائتلاف منظمة التحرير وفي إطار الثورة والشعب الفلسطيني ، ولعبت دوراً أساسياً في صياغة برامج ومهمات الثورة والمنظمة وفي حياة الكفاح الوطني الفلسطيني ومعارك الدفاع عن الثورة والمنظمة والشعب في الأرض المحتلة كما في الأردن وفي لبنان بالمراحل الزمنية المختلفة وفي إطار الانتفاضة والعمل الجماهيري والشعبي ضد الاحتلال والاستيطان .
يعتبر حواتمه من قبل المراقبين الحياديين والمتابعين للشؤون الفلسطينية وقضايا الصراع
العربي – الإسرائيلي، حالة مبادرة، كارزمية، تقدم الحلول العملية والواقعية الجديدة للقضايا الجديدة على جدول أعمال الثورة الفلسطينية وحركة الشعب الوطنية … فهو أول من قدم لمنظمة التحرير برنامجها الوطني الواقعي المرحلي عام 1973 وخاض في إطار الشعب الفلسطيني والمنظمة والجبهة الديمقراطية معركة البرنامج الوطني الذي أصبح بعد سنوات من طرحه برنامج الشعب والثورة والمنظمة في الدورات المتتالية للمجلس الوطني منذ حزيران / جوان 1974 وأدخل مجموعة التطورات اللاحقة على الفكر السياسي الفلسطيني المعاصر [ راجع كتاب باروت المشار له، كتاب د. ماهر الشريف"البحث عن كيان"، كتاب تطور الفكر السياسي الفلسطيني/ فيصل حوراني، الكيانية الفلسطينية / عيسى الشعيبي، مذكرات خالد الفاهوم ].
كما أن حواتمه كان أول قائد فلسطيني دعا بوضوح إلى حل يقوم على أساس قرارات الأمم المتحدة والتسوية السياسية والتفاوض مع الإسرائيليين عملاً بقرارات ومرجعية الشرعية الدولية، ووجه بهذا الصدد النداء الأول من مسؤول فلسطيني لمجموع الاسرائيليين على صفحات يديعوت أحرونوت وعدد من الصحف الدولية كالواشنطن بوست، لا سوار البلجيكية، اللوموند الفرنسية، النهار البيروتية في لبنان / أبريل 1974. حيث دعاهم للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بالعودة وتقرير المصير والاستقلال ودعاهم بالعبارة التالية " تعالوا لنحول السيوف إلى مناجل ". وذلك في إطار سلام شامل متوازن يقوم بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة عاصمتها القدس وتقرير المصير وحل مشكلة اللاجئين بموجب القرار الأممي 194.
 
وقد استجاب الرفيق نايف حواتمة مشكورا لدعوة الحوار المتمدن لإجراء هذه المحاورة ، مانحا إيانا والقارئات العزيزات و القراء الأعزاء من وقته الثمين ، ليجيب على أسئلة المحاورة باسهاب و صراحة وصدق .
 


 

 

 

س1: هل من علاقة جدلية بين النضال الوطني والأممي للشعب الفلسطيني لحل القضية الفلسطينية ؟ وكيف تبرز هذه العلاقة في الواقع العملي ؟ وما مدى تأثير الفكر الماركسي على هذا النضال ؟

في البداية لا بُدَّ لي من أن أشكر "الحوار المتمدن" الذي واكبنا بداياته وانطلاقته... أشكره على دوره المتميز، ولما يقتضيه دوره التنويري من حمل أمانة وتعمق بالموضوع. وأنوّه أن انطلاقته بدأت في فترة ذروة الصعوبة لكل من يحمل رسالة "الحوار المتمدن"، وبكامل ما تقتضيه إرادة البدايات المضنية. ولا شك أن هذا دليل على الفكرة المتعمقة، فهو أعمق بكثير من مجرد صرخة تمرد واحتجاج أممية إنسانية جسورة، وخاصةً في منطقة الشرق الأوسط الآسنة؛ صرخة احتجاج في وجه هذا الهوان الذي بلغ ذروته في مشهد أوسطي، وهنا أقصد عربي مترامي في عجزه وسلبيته وإحباطاته من المحيط إلى الخليج، بينما ترتع الغطرسة الصهيونية بكل تجليات أبارتيد الدولة المنظم أمامه، وتعصف بكرامته الإنسانية فضلاً عن مقدساته وحقوقه الوطنية والثقافية على حدٍ سواء. كما تتربع الهيمنة الإمبريالية الأمريكية على عرش بحيرة النفط في الشرق الأوسط من المنابع إلى المصبات، وتقدم الحماية الإستراتيجية للتوسعية الإسرائيلية الصهيونية في فلسطين والأقطار العربية المجاورة.

اليوم أمامنا "الحوار المتمدن" لا يوجد به مناطق التباس كمشروع تنويري جدلي هام وفعال، متخطياً للحدود "المترسنة" والإضافة عليه بما يوازيه امتداد الهدف المنشود، والتداخل الأممي الإنساني والكفاحي، فكلا المشروعين قد أثبتت التجربة التي خاضها في سنوات عمره القصيرة في حساب الزمن؛ على صوابية الرد على السؤال الأول في جدلية النضال الوطني والأممي للشعب الفلسطيني، كمثال على العلاقة في الواقع العملي وفي مشروع التنوير بالذات. وتبرز هنا ضخامة العبء الذي ما زال يحتاج إلى مزيد من الجهود والدعم والانتشار، وهو مشروع يحقق نتائج إيجابية ملموسة، ودليل ملموس على الموقع الواعد والصاعد في تحقيق الأهداف الموضوعة، وعلى رأسها مهمة التنوير، في استعادة دور المتلقي ودور القراءة والجدل وتوسيع مدياتها وتعميق آفاقها، وجذب الشباب إليها من كل حدبٍ وصوب، نحو التنفس لهذا المناخ المتمدن الإيجابي في تطلعاته وطموحاته الفكرية الثقافية الطموحة، في الوقت الذي ينحسر به تأثير قراءة الكتاب، ونحو استعادته إلكترونياً، ويعزّ ثمنه على مَنْ يريده. ها نحن أمام مشروع تبادل المعرفة دون رقيب، والارتقاء بالثقافة والنشاط إلى مستوى إبداعي، والسمو الذي تتعامل به الأمم المتحضرة. وها نحن نعتمد على المتلقي الذي منحنا الثقة، ونعتمد على المثقف الذي تفاعل معنا لمواصلة السعي إلى مستوى آخر من مشروعنا الفكري، الثقافي، النضالي، وفي تمثل الدور التاريخي المطلوب، عبر البحث المحموم عن الحقيقة، الحقيقة العارية كما نراها بصدق، فهي وحدها التي تناهض الموت، الرفض لكل ما يبتذل الإنسان ويفقده إشراقه الإنساني العامر ورؤيته للحياة ... الحياة، خاصةً في العالم العربي الذي يقف على رأسه لا على قدميه.

هكذا؛ فالثقافة والمعرفة التي ننشدها لمجتمعاتنا، ليست ثقافة معلقة في الهواء، بل هي نابعة من الأرض، من أمس الاحتياجات العقلية لمجتمعاتنا، وغيابها ضعف مجتمعي سياسي واجتماعي واقتصادي، بل إستراتيجي، وهي المدخل لقهرنا واستلاب المجتمعات والأوطان، تماماً كما مثلت الشمولية بتلاوينها الإيديولوجية تلك "الوحدة" الكاذبة الخادمة باسم: "وحدة الصف من أجل الأمة ومعاركها الكبرى"، بينما الذي علا ... والتاريخ شاهد، هو صوت النبذ والإقصاء والقهر والتصفيات فازدادت الانقسامات والفرقة، وتبددت الموارد وتفتتت الأوطان، واستطاع (الآخر ـ العدو) أن يخترقنا بسهولة وبساطة، بسبب من تدني الوعي العقلي النقدي، وطغيان النقل والموروث التاريخي الشعبوي، القدري والجبري. اليوم نشهد ترويجاً للخرافات... ترويجاً للإقصاء في استخدامات عبثية هادفة للترويج للثقافات الخرافية، وصولاً إلى "ثقافات خرافية" هي في حقيقتها ثقافات عنصرية تسلط قهرها على المجتمعات وتفتتها.

في تفاصيل إجابتي المتداخلة حول جدلية العلاقة بين النضال الوطني والأممي، يبرز اليوم أكثر فأكثر الدور الأممي في الواقع السياسي العملي، بل حتى في الواقع الميداني الملموس في الضفة الفلسطينية في بلعين ونعلين في وجه الجدار العنصري، وفي قطاع غزة في نموذج النضال الأممي الإنساني لراشيل كوري شهيدة أنياب الجرافات الصهيونية العنصرية، وقد استعرضت ذلك في كتابي الأخير "اليسار العربي ورؤيا النهوض ـ نقد وتوقعات"، والذي طُبع في عموم البلدان العربية (إحدى عشر طبعة حتى الآن خلال عشرة أشهر على يد قوى ودور نشر يسارية وليبرالية تقدمية)، واتخذت من أمريكا الجنوبية نموذجاً، فهذه الذات اليسارية العربية التي خارج السيرورة التاريخية ينبغي أن تدخلها، ومغزى اختياري "الحديقة الخلفية لواشنطن" واضح، في مدلول سؤالكم حول مدى تأثير الفكر الماركسي على هذا النضال.

نحن في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين رواد هذه التجربة على الصعيد العربي والشرق أوسطي، ببرنامج وممارسة تجاه قضايا حق تقرير المصير والتقدم، ورايات الثلاثي الثوري "تحرير العقل، الديمقراطية التعددية، العدالة الاجتماعية"، قدمناها بجدٍ وجدّة غير مسبوقة، وبروح رسولية اشتغلت وما زالت في رحم النص الماركسي، جِدّة نابعة من رؤيتنا للمستقبل وتجذر منهجي في "توطين" المفاهيم، بسبب من العمل في مجتمعات ذات أوشام سرية، وبصمات صامتة؛ يكتظ بها اللاوعي. لم يكن موقفنا ـ وما زال ـ نابع من موقف بناء اعتباطي، بل بقدر ما نستهدف بلوغ مسقط الرأس الماركسي الوحيد والذي هو التاريخ، فالماركسية وحدها هي الفلسفة الملموسة التي تجابه نظرياً ـ وما زالت ـ هذا الواقع المحك وتضطلع به، أي بالاشتغال النقدي الضروري في تحليل الواقع، لا الاستسلام لـ "يقينيات" إيديولوجية و "مسلمات" زائفة، وهذا الاشتغال العملي في الواقع ضروري في سياقات قراءات ماركس، بالتمييز بين العلم والإيديولوجيا، وبالتفكير في اختلافهما داخل علاقتها التاريخية.

أؤكد هنا بأن العودة لقراءة ماركس قراءة منهجية أصلية، ينبغي أن تكون معرفية "ابستمولوجية" وتاريخية في آنٍ معاً، وهذه القراءة الماركسية، هي انطلاقاً من قول ماركس نفسه: "ما أعرفه هو أنني لست ماركسياً"، لأن ماركس ذاته سار عبر صيرورة معقدة من البحث العلمي والكشف السياسي والنظري، فقراءته لا تمنح "الراحة الأبدية": أي الغياب والموت وأيقوناته، بحيث تبقى في فضاء مغاير مُتخيل؛ بقدر ما هي ملحاحية الاشتغال النقدي الفعال لا غياب مُتخيل "لا رجعة عنه"، بل ولادة داخل الفكر والتفكير وعلى أرض الواقع والتاريخ، كما أن ماركس الشاب ليس هو ذاته ماركس المنهج وماركس النظرية، وذلك في تأكيد فعل الصيرورة ذاته.

بعد إعلان وفاة ماركس، ها هو اليوم يعود بقوة: "أطياف ماركس"، فالمنهج موجود في التاريخ، والفارق كبير بين وفاته البيولوجية، أو "نهاية التاريخ" أي وفاته الفكرية المنهجية ... اليوم يعود عودة جريئة وغير مسبوقة، يعود بما أنجزه نظرياً ونقدياً كثورة في المفاهيم، عودة متميّزة ينبغي الاشتغال عليها فيما يحدث بجنبات هذا العالم وقلب مراكزه الرأسمالية ... والرأسمالية ذاتها تقول اليوم بضرورة العودة إلى كتاباته، ليس حباً بقيمه في العدالة الإنسانية، بل لأن كتاباته تشكل واقعاً مادياً ينبغي منها إدراك كنْهُ مأزق الرأسمالية الراهنة، والإطلاع على تحليله، فما يدور في عالم اليوم يحمل إمضاءه الشخصي: "الماركسي" حول أنساق ومآلات الرأسمالية.

لقد كنا في الجبهة الديمقراطية رواداً في هذا الجانب، في العلاقة بـ "النحن الماركسية"، ولكن انطلاقاً من نظرية بانية ـ لا خطابية إرادوية ـ، وانطلاقاً من رغبة ملحة في امتلاك المفاهيم وتوطينها وضبط مساراتها ومنحاها التاريخي، وفي تجذير النقد وعبور الأوهام والدهون السميكة التي تخفي الواقع العربي وصولاً إلى العصب والإدراك وموقع الإحساس والألم نحو العقل، بأن يكون كل شيء معرض للمساءلة المعرفية، الضرورة الملحة لتجديد الذات جدلياً، فقط في سياق علم التاريخ وتشكيلاته الطبقية كموضوع للدراسة التاريخية، أي ضرورة إعمال النقد ... والماركسية عمرها التاريخي قصير قرابة قرن ونصف، وتجارب اشتراكية القرن العشرين بإنجازاتها وإخفاقاتها سبعة عقود، ألا يدفع هذا إلى التفكير في ترسيخ المنظومة المعرفية ومن على أرض الواقع مجدداً ... 

في مسار العلاقة الجدلية بين الوطني والأممي، تم "تدويل القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية بتقرير المصير ودولة فلسطين عاصمتها القدس وحق عودة اللاجئين وفق القرار الأممي 194"، وخاصة بعد أن بادرت الجبهة الديمقراطية إلى تقديم وبلورة البرنامج السياسي الجديد لشعبنا والعالم (آب/ أغسطس 1973) وتم إقراره بإجماع المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية (حزيران/ يونيو 1974)؛ فأصبح برنامجاً للشعب الفلسطيني داخل وخارج الأرض المحتلة، وعليه وقع التحالف التاريخي الكبير بين الثورة ومنظمة التحرير، بلدان التجارب الاشتراكية، حركة التحرر الوطني والتقدم في العالم، قوى اليسار والديمقراطية والسلام في بلدان المركز الرأسمالي العالمي، فتم "تدويل، الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، ودخولنا الأمم المتحدة (نوفمبر/ تشرين الثاني 1974) وكل المؤسسات الدولية".

 

س2: ما هي أبرز التغيرات التي جرت على أساليب نضالكم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين ؟ هل استمر مفهوم اليمين واليسار في حركة التحرر الوطني الفلسطيني ؟ كيف يبرز إن وجد التمايز بينهما سياسياً في الواقع العملي ؟

في الشق الأول من السؤال؛ وبصرف النظر عن رأينا في تجربة الاشتراكية في القرن العشرين؛ أقول لم نتأثر وحدنا بل تأثر العالم برمته، وقد تأثرنا بالغ التأثير حين نرى نصف العالم الخيّر ينهار، ونصفه المتوحش يطلق عنان وحشيته... وقد شكل الاتحاد السوفييتي وبلدان التجارب الاشتراكية سنداً للعالم الثالث، ومع انهيار نصف العالم الخيّر، شهدنا نظريات استبدال "الحروب الحضارية"... الخ، و "نهاية التاريخ" وهيمنة القطب الواحد، أي انفلات نصف العالم الشرير "الإمبريالي" الصريح والمباشر من عقاله...

بل؛ لقد جعل هذا الانهيار الاشتراكيين ينقسمون على أنفسهم، ومنهم من نقل مواقعه إلى فكر "غيبي" أو للمعسكر الآخر، ومنهم مَنْ تفاءل... ومنهم تشاءم ... لكن الواقع يفرض شروطه المتجددة على التحليلات النظرية والاستنتاجات المستقبلية، كما أسلفنا في الإجابة على السؤال السابق، عبر قراءة التجربة الاشتراكية في القرن العشرين وقراءة فكرها في آن معاً. فما الذي يبقى ؟! ...

إن نشدان الخلاص من الاستغلال بأشكاله كافة؛ هو ما يبقى في كافة الظروف، وهذا نزوع إنساني تاريخي لا يمكن إغفاله، وهذا يفترض عودة الاشتراكية، أبكرنا في هذا الاستخلاص حين كان البعض تحت هول الزلزال العالمي، وهذا يعني بالضبط العودة إلى الاشتراكية، ومرة أخرى لقد تناولت هذا في كتابي الأخير ومن مواقع تحليلية معرفية في كتاب "اليسار العربي ... رؤيا النهوض الكبير ـ نقد وتوقعات"، وأقصد هنا من العودة إلى الاشتراكية نقد تجربة اشتراكية القرن العشرين، يعني العودة إلى الاشتراكية وتجاوز الوحش الرأسمالي، وهي المهمة التاريخية التي نراها اليوم للحقبة الإنسانية القادمة، سبق وأن قلت نحن ننتمي إلى منظومة فكرية ومعرفية نسعى بها إلى إنهاء الاستغلال والاغتراب الإنساني على أرض الواقع، وفي حدود الإمكانات، فاليسار عموماً هو هوية ومشروع في تاريخ البشرية، يعمل على تقريب المسافات بين فكرة "تحرير العقل، الديمقراطية التعددية، العدالة الاجتماعية، الحرية"، وبين مفهوم الإمكان وتطوير الإمكانية، ومشروع ماركس هو علمي، وطالما أن التاريخ يتطور فعلى الاشتراكية أن تتطور من خلال نقدها لتجربة القرن العشرين، وأن تكون الاشتراكية الجديدة مقترنة بشروط الواقع والعلم الجديدين والمتطورين، لا الارتهان للحتميات والثبات، وهذا هو ما يمكّن من عودة الاشتراكية وتحقيقها، والإنسانية اليسارية محكومة بأن تتابع بحثها لتحديد طبيعة المرحلة وقواها، وللوصول إلى هذا التغيير ينبغي العودة إلى المعادلة الإستراتيجية "اشتراكية الديمقراطية وديمقراطية الاشتراكية" وسنظل نحتاج لها، أي للتاريخ، فنحن نبحث عن هذا التغيير للوصول إلى الاشتراكية.

إن"غياب معادلة اشتراكية الديمقراطية وديمقراطية الاشتراكية"، أبرز خلل في اشتراكية القرن العشرين وسقوط هذه التجربة، إنه الغياب المميت في إطار معادلة الداخل والخارج، وسياقات ومآلات الحرب الباردة المفروضة، بيد أن محددات الاشتراكية الجديدة، اشتراكية المستقبل هي في التأكيد على الديمقراطية التعددية في المجتمع الاشتراكي، التأكيد على المساواة وإزالة جميع أشكال التفاوت الاجتماعي في جنبات الحياة والملكية الاجتماعية ...

على الصعيد الفلسطيني والعربي والشرق أوسطي، ما زلنا في المرحلة التحررية الوطنية الديمقراطية، ومعها جملة من المهام التي تبدأ بإنجاز المرحلة والمهام الوطنية والديمقراطية: تحقيق المجتمع المدني، فصل الدين عن الدولة، ومتابعة الإصلاح باعتباره دعوة لتحرير الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية النسبية في توزيع الثروة الاجتماعية وعائدات الإنتاج، والأهم إنجاز ثورة ثقافية تعلي من شأن أعمال العقل والتفكير والقيم العقلانية والروح الجماعية، بما تترافق مع إصلاح جذري في السياسات التربوية والتعليمية، وإعادة بناء مناهج تدفع على البحث العلمي، بما فيه إعادة كتابة التاريخ العربي، العربي ـ الإسلامي، والإسلامي ذاته في العالمين العربي والمسلم، وكشف مستور "الانسداد التاريخي"، "الاستبداد الداخلي"، وعليه: "التخلف التاريخي" حتى يوم الناس هذا، الآن بين 57 دولة عربية ومسلمة دولة واحدة فقط (ماليزيا) دخلت عصر الثورة الصناعية ...

في الشق الثاني من السؤال حول استمرار مفهوم اليمين واليسار فلسطينياً، نعم بل وتجلى أكثر بعد انهيار التجارب الاشتراكية، وكما أسلفت فاليسار هوية، فضلاً عن منهج نقدي ازدادت ضروراته لدينا، وطالما أن اليسار هوية فكرية وثقافية، على الطرف الآخر يوجد اليمين بكل كلكله المعروف، لقد ازداد نقدنا للمسار الذي اتخذه اليمين، فبعد انهيار تحارب الاشتراكية وخاصة تجربة الاتحاد السوفييتي، وقع الانشقاق من قواه المتنفذة وبعيداً عن قانونية الوحدة الوطنية في مرحلة التحرر الوطني، حين أعلنت القيادة اليمينية المتنفذة ملكيتها "حصرياً" لقضية شعب، في نموذج أوسلو ومآلاته التي لا أرى ضرورة لشرحها وهي عارية في عين الشمس (راجع كتب حواتمة: "أوسلو والسلام الآخر المتوازن"، "أبعد من أوسلو ... فلسطين إلى أين؟"، "الانتفاضة وقضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي"، "الانتفاضة ـ الاستعصاء ـ فلسطين إلى أين ؟").

إن مَنْ يتجاوز قانونية التاريخ تحت دعاوي إيديولوجية "نهاية التاريخ" فإنه لا بد للتاريخ في زمنٍ ما، من أن ينتقم ضد إرادة خرجت على حركته، ويشمل هذا من كتبوا نهاية التاريخ على أقصى اليمين، وأولئك الاشتراكيون الذين بشروا بالحتميات "التاريخية"، فحولوا الاشتراكية إلى ملكية دولة، وسجناً كبيراً ومصدر إثراء وملذات باسم المعذبين في الأرض، وهذا ما ينبغي أن يُدرس ويمحص على الجانبين. ونحن نرى اليوم التناقضات القديمة الجديدة للرأسمالية المتوحشة تستفحل أكثر مع شعوب العالم، فالمعضلة الرأسمالية هي في توزيع الدخل على مستوى العالم، ما سميته بـ "المليار الذهبي" في كتابي الأخير، 16 بالمئة يحصل على ثروات 80% من حجم الإنتاج الإجمالي العالمي، بينما 5 مليارات من البشرية تحصل على 20% فقط، وكما الحكمة الشعبية "عايشين من قلة الموت"، فكيف لا نفكر بمأزق الرأسمالية وتناقضاتها وكيفية انهيارها، انطلاقاً من التمركز العام للملكيات على حساب شعوب بأكملها.

على جانب آخر؛ وبلغة سياسية مباشرة، لقد شكل انهيار الاتحاد السوفييتي إلى تكريس دعوات إرهاب "تسييس الدين وتديين السياسة" وتحويله إلى أداة قمع حرية الفكر والإبداع والبحث العلمي، ثم اختزاله إلى وجود إقصائي للمناهج الأخرى في نزعات تسلط؛ الرحم الذي انبثقت منه التيارات التكفيرية والإقصائية، وذلك لنصره مصالح ضيقة ومتخلفة وأخرى تكتيكية في خدمات دولية. الاستخدام المغرض الذي سخرته قوى متخلفة، ارتبطت على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، بأحد قطبيّ النظام الدولي الثنائي القطبية، وفي مواجهة القيم الإنسانية والحداثة السياسية ممثلةً بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، الخطوة الأساسية التي ميّزت عصر الأنوار الأوروبي في القرن الثامن عشر، باعتبارها مذهب فلسفي يضع القيم الإنسانية فوق كل اعتبار. والتي تشكل محددات تعريف كلمة اليسار، بما تعني تحرراً من عقائد الانتماء السائدة في العصور الإقطاعية. ولم يأتِ هذا في أوروبا نتاجاً للفكر وحده، بل أيضاً نتاجاً للكفاح التاريخي المديد، وكخلاصة لحروب مديدة دامية داخلية، بسببٍ من الولاءات الإقطاعية والدينية والطائفية. لقد وضع فكر الأنوار الإنسان فوق أي اعتبار وانتماء، متقدماً نحو عقيدة إنسانية، تهدف إلى تحقيق خير الإنسانية جمعاء، فأقصى هذا الفكر استخدام الدين بقيم كوسموبوليتية وأممية، بالدعوة إلى تحرير جميع الأمم، ومن هذا الرحم الأنواري كان شعار "يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا"، إحدى محاولات ذلك الزمن في صهر الأمم نحو حقوق تقرير المصير والاستقلال والدمقرطة والتنمية المستدامة بآفاق عوالم التحولات الوطنية الديمقراطية الليبرالية، وباتجاه المرحلة الأرقى على طريق عالم اشتراكي يتوحدون به، وفي قراءة يسارية لقيم ومفاهيم الأنوار.

ونقصد من هذا الاقتضاب دور قوى التغيير، طالما أن الواقع المادي بإفرازاته هو مقدمة للأفكار السائدة والنظام العقلي المسيطر. فالوضع العربي الراهن هو نتاج الجزء المتخلف من النظام "المعرفي" المتوارث والموروث، وعبره مجموعة من الأمراض المزمنة التي تشكل فجوة جادة تراكمية أبعدته عن المعرفة العلمية والمعاصرة، ثم أفقدته توازنه أمام إعصار الحداثة، منها ما نشهده بالارتدادات السلفية التكفيرية، والتي يقصد بها العودة إلى مناخ عقلي يشابه الذي شهدته تلك القرون القديمة، التي كانت معاصرة في زمنها، لكن بالتأكيد لم تعد كذلك في زمننا المعاصر. والارتداد نحو السلف بما تعني القطع مع الصيرورة التاريخية وروح الصعود التاريخي، بالعودة القهقرية بالتاريخ واتخاذه نموذجاً معاصراً، وهو ما نشهده من سقوط وتمزق ودوغما، كمحاولات للسيطرة على مجرى الصيرورة، باستعادة رموز أحداث ووقائع وقعت في القرن الأول الهجري. أما النتيجة فالعقل يخسر معركة التطور وتقرير المصير، و"الدوغما" تدمر كل ما حولها تعبيراً عن الجمود، والنتيجة انحطاط حضاري ما بعده انحطاط.

ويطال النكوص القهقري المرأة وتحررها، فالإنسانية تعني مباشرةً الإنسان؛ أي الرجل والمرأة، وتزداد نسبة المرأة التي بلا عنوان في كبريات العواصم العربية والمسلمة، وأقصد بذلك جيوش النساء المجللات بالأكياس السوداء، بلا عنوان لأن الإنسان وجه وصورة واسم، وهن أحد الأبعاد الهامة لمعركة التحرير والتطوير، وهذا الابتلاء تنحله تيارات مزعومة باسم الدين. لقد سبق للغرب الأوروبي أن خاض نضالاً شاقاً ضد الكنيسة وسلطتها، ما ينفي أن النهضة في الغرب قد وقعت بسببٍ من الإطار الحامل أو الوعائي للدين المسيحي، وقد سبق للبابوية في القرون الوسطى أن عممت باسم المسيحية محاكم التفتيش، وصكوك الغفران، واضطهدت العلماء والمفكرين، وأقامت المجازر الطائفية الكبرى خاصة بين الكاثوليك والبروتستانت ...

وفي مطلع النصف الثاني من القرن العشرين نهض يسار الكنيسة في أمريكا اللاتينية حاملاً راية "لاهوت التحرير" وانخرط حتى يومنا مع قوى اليسار الثوري الجديد للتحرر من هيمنة الجار الشمالي الجبار (الإمبريالية الأمريكية)، والتحولات نحو اشتراكية القرن الواحد والعشرين، "اشتراكية الديمقراطية وديمقراطية الاشتراكية". في أوروبا الأنظمة الرأسمالية "رفضت طلب البابا اليميني يوحنا بولس الثاني  الإشارة إلى الجذور المسيحية للحضارة الأوروبية".

بعد هذا الضوء؛ يمكن القول أن قوى اليسار الديمقراطي في العالم العربي، وعلى رغم عمرها القصير بقياس التاريخ، قد تعرضت لقمعٍ متوالٍ وعلى مدار النصف الثاني من القرن الماضي، وتوافقت على قمعها القوى الدولية المهيمنة والنُظم الاستبدادية الطبقية الإقطاعية وشبه الرأسمالية المحلية، إثر تحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد لعبت الولايات المتحدة دوراً في استخدام الدين، بدعوى محاربة "الإلحاد" الاشتراكي، حين وجدت في استبداد الأنظمة التابعة فوائد هامة لها، فضلاً عن كونها مصدراً للطاقة ومستهلكاً كبيراً للسلاح، بحجة مواجهة العدو القومي، وتزايد الدعم الأمريكي في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، لجماعات الإسلام السياسي اليميني، وبتعاون كثيف ومع نظم عربية، لمحاصرة وضرب الطبقات والقوى الحيّة داخل البلدان العربية، المناضلة على طريق التحرر الوطني والتقدم، نحو الحداثة والعصرنة والدمقرطة، والانتقال من عالم العصور الوسطى إلى عالم القرن العشرين، وكذلك لحشد جيوش "المجاهدين" للقتال في أفغانستان والبوسنة والهرسك وألبانيا ... الخ تحت الأجندة الأمريكية، تلك الحروب التي خلفت جيوشاً جرارة، عادت إلى بلدانها العربية والمسلمة حاملةً تجربتها وقوتها التدميرية ضد بلدانها، وتحولوا "بإرهاب تسييس الدين وتديين السياسة"، إلى مشروع عبثي دموي يمكن استخدامه هنا وهناك.

وقد خاضت واشنطن معاركها في المنطقة تحت راية السلفية اليمينية الإسلامية والقوى الظلامية ضد كل ما هو يساري ديمقراطي وليبرالي وطني، وسبق لها أنها ذاتها من قضى على التغيير الديمقراطي والعلماني التقدمي في أكبر بلد إسلامي عام 1965 ألا وهي أندونيسيا، ذلك عبر انقلاب دموي ومجازر أودت بحياة أكثر من نصف مليون إنسان، تماماً كما فعلت في تشيلي عام 1973، حين وصل سفادور الليندي وحزبه الاشتراكي إلى السلطة، وعبر مسيرة التغيير الاجتماعي لصالح عدالة نسبية، فسحقها الجنرال الديكتاتور بنيوتشيه عبر مجازر دموية، في مرحلة بداية صعود النيوليبرالية.

بعد التحولات الكبرى التي وقعت في التسعينيات وانهيار تجارب المنظومة الاشتراكية، وتفكك الاتحاد السوفييتي، لا جدال حول الحاجة الماسة لدراسة التجربة، وفتح ملفات ذلك الفكر الاشتراكي، والنظر في الكثير منها ارتباطاً بالواقع الراهن، واستيعاباً لدروس الماضي، واستشرافاً لآفاق المستقبل، ومنه صياغة مفهوم راهن لليسار انطلاقاً من برنامج محدد، ينطلق من التحرر الوطني والتنمية والتقدم، والديمقراطية التعددية الفكرية والاجتماعية والسياسية، والتغيير المجتمعي، ومفاهيم العدالة الاجتماعية.

على الصعيد الفلسطيني يجري التعبير عن اليسار الديمقراطي في تيار وبرنامج يجمع قوى الحداثة الليبرالية، والمحدد في التحرر والاستقلال والتنمية ودولة القانون والمؤسسات الحديثة، التي تعمل على التخلص من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني الصهيوني والتخلف، انطلاقاً من الاقتناع العميق بالحاجة الموضوعية للاستنهاض الوطني عبر ائتلاف وطني واسع، ونحو التحول إلى تيار مؤثر في الساحة السياسية، يبدأ من ترسيم قوانين موضوعية لأزمة المؤسسات الديمقراطية والتمثيلية الفعلية. كما أن مسألة توازن قوى هذا التحالف لا يمكن حلها في إطار مقاربة برامجه، بقدر ما تعني استعادة العقل لمكانته الكبيرة في التنوير والحشد ونثر بذوره، نحو انتصار العقلانية العلمية في المجتمع، وانتصار سلطة القانون ومؤسساته. وانتصار الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان التي أصبحت قيمة كونية، وهو ما يتوفر في عموم البلدان المستنيرة. فالعقل البشري هو واحد لكن الأديان متعددة، وهي تقوم على اعتقاد إيماني تسليمي، والتنوير لا يعني أبداً القضاء على الدين، إنما أخذ مكانه داخل المجال الخاص للفرد، ورفض تسييسه أو استغلاله والخلط بين السياسة والدين، الذي أدى إلى إرهاب تسييس الدين (السعودية، العراق، اليمن، الصومال، مصر، السودان، ليبيا، الجزائر، المغرب، الانقسام المدمر في الصف الفلسطيني ...)، وفي بلدان العالم المسلم (أفغانستان، باكستان، أندونيسيا، ماليزيا، تركيا، إيران ...) أو نشر أفكار التعصب الأعمى والدفاع عنها كأنها حقائق إلهية ...

وطالما أن العلم هو حقيقة جرى برهنتها علمياً، والأمر ذاته حول الديمقراطية والتعددية وحق الاختلاف في الرأي وحرية الضمير والمعتقد، وهذه كلها صورة مخالفة للأوساط الأصولية المتزمتة بشتى تلاوينها وأطيافها من دينية وغيرها، والتي محصلة حركتها هو التشاؤم، أما التنوير فهو متفائل بتقدم الإنسان والقضاء على الفقر والجهل والأمية والمرض، والدخول في جنة الحداثة عبر العلاقات الحضارية المدنية بين المواطنين، ونشر حرية الوعي والضمير في الفكر البشري، وهذه الأقانيم كلها هي أسس حضارية ومادية ومعنوية، جرى نظمها في أوروبا عبر نظريات "العقد الاجتماعي"، قطعت مع الرؤية الغيبية الإقطاعية للعالم، لسلطة نازلة من السماء ذات حق "إلهي مقدس"، بل هي الإرادة العامة للشعب السيد المستقل، وللمساواة بين الشعوب وحقوق الإنسان والديمقراطية ...

فلسطينياً؛ إن خصوصية الحالة الفلسطينية والصراع مع احتلال استيطاني، يملي على القوى الوطنية بمختلف اتجاهاتها الفكرية والإيديولوجية والشخصيات الوطنية، والنقابات العمالية والحرفية والفلاحية والمختلفة، والجمعيات الثقافية والمهنية والنسوية، الانضواء في برنامج التحرر وحق تقرير المصير، الاستقلال الوطني ومهامه المطروحة وهي متعددة وكبيرة، وصولاً إلى التحرر الوطني والاستقلال الناجز، والديمقراطية وتحقيق التنمية المستقلة، وهذه المهام الكبيرة لا يمكن لفصيل أو حركة وحدها القيام بها بمفردها، مهما كانت الإيديولوجيا التي يرفعها أو يعمل تحت لوائها.

الآن؛ النضال يدور لإعادة بناء الكتلة التاريخية لقوى التحرر والتقدم، تحت راية برنامج التحرر الوطني والقواسم المشتركة ... برنامج الوحدة الوطنية ووثيقة الوفاق الوطني (بإجماع الفصائل والقوى والشخصيات الوطنية بلا استثناء/ غزة 27/6/2006)، فضلاً عن تجسيدها لوفاق وطني في هذه المرحلة المتعينة، فهي ليست مجرد جبهة بين فصائل، بل هي كتلة تتكون من القوى التي لها فعل في المجتمع وقادرة على ممارسة ذلك الفعل، ولا يستثني منها إلا ذلك الذي يضع نفسه خارجها، ومفتوحة لجميع الأطياف في سياق العمل المبرمج والمشروع مثلما غيرها.

إن السبيل إلى تحقيق ذلك هو بإقرار قوانين ديمقراطية حقيقية، تقوم على التمثيل النسبي الكامل (في إطار الحوار الشامل في القاهرة آذار/ مارس 2005، وبمبادرة من الجبهة الديمقراطية تم الإجماع عليها)، ووضع برامج تكافل اقتصادي تلبي حاجة الجماهير الشعبية، والعمل على تنمية مستقلة إلى حد ما بفعل ظروف الاحتلال، وهذا هو فعلاً المضمون الثابت للحركة المطلبية الشعبية التي هي قوام الكتلة التاريخية التي ينبغي تفعيلها في إطار برامج اليسار الديمقراطي، الأمر الذي من شأنه العمل على تدشين الانتظام الفكري حول الأهداف، وقطع الطريق على التشرذم الفكري والسياسي الانقسامي الدموي والفراغ أو الغلو الإيديولوجي الديني الطائفي العشائري. أي ربط هذه الحركة بأهداف وطنية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، عبر جهود شعبية فاعلة، نحو المهام التاريخية المطروحة، التي لا يمكن لفصيل منفرد أن ينجزها.

حول تطور اليسار الفلسطيني، ومرحلة الخمسينيات والستينيات والتحولات العاصفة الكبرى، يمكن العودة إلى هذا الفصل من كتاب: "نايف حواتمة يتحدث"، للوقوف على تلك المرحلة التاريخية، كمرحلة معقدة ومركبة، والمناخات العربية والعالمية التي أسهمت في تأسيس وانطلاقة اليسار الثوري الفلسطيني الجديد ممثلاً في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في شباط/ فبراير 1969، حاملةً معها مفاهيمها اليسارية ومنهجها ونظام نظراتها غير المسبوق، ودورها الجامع بين "سلاح الإيديولوجيا وإيديولوجيا السلاح"، "سلاح السياسة وسياسة السلاح"، ودورها المؤثر والقوي في مراحل تلك الحقبة، وصولاً إلى الانتفاضة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت عام 1987، والتي شهدت حضوراً كثيفاً للتيار اليساري في الأطر القيادية للانتفاضة وفي الميدان، حين شكل اليسار وشكلت هذه الانتفاضة حدثاً بالغ التأثير على الوضع العالمي، وإحداثها انعكاسات كبيرة على الحركات اليسارية في العالم ...

في العودة إلى مرجع يركز على جذرية النقد وتحديد المفاهيم ومضمونها، يمكن متابعة الانتظام الفكري التحليلي والنقدي وخلاصة رؤية اليسار الديمقراطي، والأخذ بكل ما فيه من تعدد وتنوع وائتلاف واختلاف بعيداً عن الحالة الظرفية، ونحو المصلحة الموضوعية لتدشين مرحلة تاريخية جديدة، تضمن تحقيق الأهداف الوطنية والنمو والاستمرار والاستقرار، عبر إقرار ديمقراطية فعلية تقوم على التمثيل النسبي الكامل، وقد ارتأيت أن أقدم تلخيصاً وتحليلاً مقتضباً للأفكار والمنهجية، فاليسار عموماً لا ينبغي أن يكون حزباً واحداً منفرداً في الحالة الوطنية في مرحلة التحرر الوطني الراهنة، أو في مرحلة ما بعد الاستقلال، حين تتعدد مشاربه وانتماءاته تعبيراً عن التعارضات الفكرية، الطبقية، السياسية في كل مرحلة من مراحل النضال والتغيير إلى أمام، وصولاً إلى قوى الحداثة الليبرالية بالقياس على تأخر المرحلة في مجتمعاتنا العربية.

إن نظرية اليسار الماركسي أو الاشتراكي في حزب واحد نظرية ستالينية، ليست ماركسية، فرضها ستالين عام 1929، مسارها ونتائجها كارثية على الاتحاد السوفييتي وتجارب البلدان الاشتراكية، والحركة الثورية العالمية.

في كتابي: "الانتفاضة ـ الاستعصاء ـ فلسطين إلى أين؟" تناولت قضايا الانتفاضة الفلسطينية، وعوامل اندلاعها وتطوراتها وتفاعلاتها وتداعياتها الفلسطينية، الإقليمية، الدولية، والإسرائيلية. وفي فضاء فصوله المعنونة: "الانتفاضة.. تداعيات وتطورات الفرص الضائعة، مراجعة نقدية، حلول وطنية"، "القضية الفلسطينية ـ حقوق وطنية أم مشاريع إسرائيلية" "المأزق الفلسطيني ـ مخاض الولادة الخامسة" "الاستعصاء ... غياب المشروع الوطني الفلسطيني الموحد" "مطر المشاريع السياسية" والفصل السادس والأخير: "الوثائق ـ وقائع ملموسة".

تطلق الحالة اليسارية النقدية التي نمثلها سهام النظرات على المشهد الفكري ـ السياسي العام، وإن لم تفِ كمصطلح بحالة التشريح للصراع بحثاً وتحليلاً في مشهد فكري ـ سياسي عام، أو بالأحرى مشهد نقدي عام؛ ننطلق به إلى كل الآفاق الأخرى وفي سياق تاريخي قوامه المواجهة والتحرر. فبقدر ما كشفت أوسلو عن اختلال في البناء السياسي الفلسطيني ـ العربي بمجمله، فقد كشفت بالمثل عن اختلال لا يقل فداحةً في الوعي الفلسطيني والرسمي منه بالذات، وفي طريقة فهمه للمشكلات التحررية الكبـرى، وأسلوب البحث عن حلول لها. ولما كانت محنة العقل الرسمي لا تقل خطراً عن محنة الممارسة السياسية، بل لعل الأولى سبباً رئيسياً للثانية، فمن المفيد أن نرصد معاً معالجة مظاهر الاختلال الفكري والذهني الذي كشف عنه في السياق التاريخي بوضوح صارخ، في فضاء أرحب من «روح النقد»، فهو فضاء مكونات فلسفية محددة يمكن تسميته بـ «الوعي النقدي»، والذي يفضي إلى مصب الاتجاه النقدي ...

لقد بدأت البدايات التطبيقية العملية لدينا في الجبهة الديمقراطية ومع بداية عمر الثورة الفلسطينية المعاصرة ومنذ ما قبل سبعينيات القرن الماضي، والتي شهدت دور هذا التيار في سياق مناخ يثور بالتحرر والتمرد على كل أنظمة المركز الواحد. أما منجزات مطلع السبعينيات فكانت هي التعددية الفلسطينية الراهنة،الائتلاف الوطني العريض تحت سقف منظمة التحرير الفلسطينية، تعبيراً عن ائتلاف الكتلة التاريخية بين طبقات الشعب الوطنية، على برنامج القواسم المشتركة في مرحلة التحرر الوطني، البـرنامج المرحلي الفلسطيني، وفي تأكيد حق الاختلاف في المركزية ونقدها. ومنذ ذلك التاريخ المتعين وحتى الراهن والخطاب النقدي الذي لازمه شهد تطوره مع حركة الواقع وعلى امتداد مراحلها وعمرها، وقد مثّل هذا التيار تمرد دائم على ما يحجر على أدوات إنتاج التاريخ، أدوات إنتاج المجتمع وعلاقاته في قيود الإستتباع التي تعني التخلف، ووعياً بالمستقبل الذي يعد بمتوالية التقدم اللانهائي.

أما القاسم المشترك للماضي ـ الحاضر ـ المستقبل، فهو جوهر الخطاب والتحليل الذي يتعرض بالمواجهة لكل أشكال الهيمنة الاستعمارية الجديدة، ودوغما الفئوية المتنفذة وهيمنتها ومركزيتها. وبالمقابل يعريها من أوهامها الأيديولوجية والسياسية الملازمة لها، بـرحابة النفس الكفاحية اللامحدودة لبلوغ اللازمة الهاجسة: أغلى شيء يسمو إليه، كلمة «التحرير»، وعليها يصفي بالنقد حساباته مع الواقع نحو التحرر الوطني الديمقراطي ...

إن المنهج النقدي هنا أرحب من أن تحتويه نظرية بسياقاتها المحددة، أو أن يسيطر عليه عقل، فهو معنى التحرر من كل ما يعيق حركة الفكر النقدي ـ التاريخ ـ بشكلٍ عام. فالعقل الناقد بمعناه الفلسفي يتعامل مع معطى متاح، الأمر الذي أتاح له بناء صيغة أكثر جذرية في تعامله مع الواقع، طالما أن الواقع هو كيانه وعبـره الخروج من الخاص إلى العام، على قاعدة "التحليل الملموس للواقع الملموس".

وأبـرزت هذا الأمر في الفصلين الرابع والخامس من الكتاب "المأزق الفلسطيني ـ مخاض الولادة الخامسة ـ، والاستعصاء.. غياب المشروع الوطني الفلسطيني الموحد ـ مطر المشاريع السياسية ـ"، ويمكن القول تلخيصاً للنقد بالتركيز على عدم الخلط بين الأسباب والنتائج، إضافةً على ما هو أهم؛ وهو القدرة على إثارة القضايا الكبـرى في توقيتها المطلوب وبإلحاح وسياق تاريخي.

وبلغة سياسية: إلى حلول وطنية، ومشروع وطني فلسطيني موحد، خلاصة البحث عن العلة والداء، واستنباطاً لحلول ممكنة من حركة الواقع، وطرحاً لأسئلة وتطلعاً إلى إجابات، ولكن من منظور يتطلع إلى المستقبل، لا يكفُّ من الحلم والإيمان به ومراكمة تحقيقه، وهي تنويعات ديدنها لحن واحد في سياق تاريخي هو هدف: المواجهة والتحرر. أما المستقبل فلا بد أن يكون «المتوازن» ومنه «المستقبل التاريخي» أي «الحل التاريخي» وكما ورد بالكتاب: «دولة ديمقراطية موحدة لكل سكانها من العرب الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين» (..) «ولذلك ندفع مرحلة بعد مرحلة نحو دولة ديمقراطية موحدة لكل سكانها على قاعدة «المساواة في المواطنة» بدون تمييز في العرق والجنس والدين، أو بين الرجل والمرأة».

 

 

س3: كيف تتعاطون اليوم مع اليسار الإسرائيلي، الحزب الشيوعي الإسرائيلي مثلاً؟ وأين هي أوجه الخلاف والاتفاق بينكم وبين اليسار الإسرائيلي ؟ هل هناك آليات للتنسيق والعمل المشترك بين اليسار الفلسطيني والإسرائيلي ؟

 

اليسار الإسرائيلي عموماً يتمثل بشكلٍ أساسي في إطارين: الأول الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة برئاسة محمد بركة النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي (أغلبية واسعة فلسطينيين وأقلية يهود)، والثاني: الحزب الشيوعي الإسرائيلي (الأمين العام محمد نفاع). كلاهما هياكل مؤطرة لأحزاب وتنظيمات عربية فلسطينية ويهودية إسرائيلية، وثمة اتفاق واسع فيما بيننا حول أهداف هذه المرحلة تتمثل بالأهداف التالية:

إزالة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة بعدوان عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة فوق أراضي 4 حزيران/ يونيو وعاصمتها القدس المحتلة عام 1967، عبر حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، وصون حق العودة للاجئين الفلسطينيين بإحياء الإجماع على القرار الأممي 194. وتحقيق الهدف المطروح لليسار الماركسي الإسرائيلي وهو المساواة في المواطنة، فالعرب في "إسرائيل" يعتبرونهم في النظرة الصهيونية العنصرية: هم فائض حمولة بشرية لأنهم ما تبقى من حملة التطهير العرقي للنكبة عام 1948، كما أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية، فالنظرة العنصرية ترى بهم حالة نفي لتطور "إسرائيل" كدولة "يهودية نقية"، وعليه تتكثف نضالاتهم عبر مطلبهم التاريخي لمواجهة العنصرية البغيضة؛ بدولة يتساوى فيها المواطنون على أساس من المواطنة وهي فكرة إنسانية حقوقية تنصّ عليها شرائع حقوق الإنسان.

وبشأن "اليسار الصهيوني" ممثلاً بحزب العمل برئاسة باراك فقد انحسر، تراجع كثيراً في حضوره ونفوذه، لديه الآن 13 نائباً من 120 في الكنيست، منقسم أيضاً بين فريق أقرب إلى حزب الليكود بزعامة نتنياهو، والآخر أقرب إلى يسار الوسط الصهيوني. والحزب له أطماع توسعية في القدس والضفة الفلسطينية وكان مبادراً في بناء المستعمرات الاستيطانية، وضد حق الشتات الفلسطيني بالعودة إلى دياره عملاً بالقرار الأممي 194، لا أفق لعلاقات إيجابية معه. الحزب الآخر ميرتس انحسر إلى 3 نواب على يسار حزب العمل، لليسار الفلسطيني علاقات ونضالات متعددة ضد الاستيطان في القدس العربية والضفة، مع دولة فلسطينية مستقلة، ضد الجدار العنصري التوسعي في الضفة.

 

 

س4: هناك كثيرون من بينهم المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي؛ كانوا يرون سابقاً في حل الدولة الواحدة الديمقراطية للفلسطينيين واليهود الحل الناجع والأمثل، لكنهم اليوم غيروا مواقفهم، فيطرحون حل الدولتين (إسرائيل ودولة فلسطينية) لأسباب منها ـ كما يقولون ـ: ازدياد شقة الخلاف من كل النواحي بين المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني، وقد كنتم من دعاة "حل الدولة الواحدة"، فهل تطالبون اليوم بحل الدولتين ولماذا ؟

 

الدولة الفلسطينية المستقلة هي الممر لفلسطين ديمقراطية موحدة كما أسلفت في الإجابة السابقة. وانطلاقاً من عدم واقعية (الدولة الموحدة) راهناً، وهذا هو الهدف التاريخي النهائي، وفي ظل موازين القوى والصراع، نرى نموذجه عبر الحالة الفلسطينية في مناطق 1948، لا فقط احتلال عام 1967، حيث يشاهد العالم سياسة التمييز العنصري، ومنها مصادرة مخصصات البطالة، من الطبقة العاملة العربية، وعمليات مصادرة ما تبقى من أرضهم (17% عام 1948 إلى 4% فقط الآن)، التي ما زالت تجري وبشكلٍ منهجي في إرهاب الدولة الصهيونية. وعلى قدم وساق في صراع كفاحي قَلَّ نظيره في التاريخ بالتمسك والإصرار على الحقوق، فضلاً عما هو مرسوم صهيونياً من تدهور منهجي في مستوى التعليم للعرب، والتمييز في العمل، وهجمات متواصلة على هويتهم الوطنية ... الخ.

نحن نرى أن "الدولة المستقلة"؛ هي الممر نحو فلسطين ديمقراطية واحدة، فهي الحلقة الجوهرية التي تفتح مباشرةً على معادلات جديدة في الصراع نحو الهدف النهائي، فالكيان الصهيوني ليس أكثر من رأس رمح في المشروع الإمبريالي الذي ابتدأ بريطانياً وفرنسياً، وامتداداً راهناً أمريكياً. والوجود والهدف للكيان الصهيوني كان وما يزال يُرسم له؛ أن يبقى من أجل هذا المشروع الإمبريالي، بل وسلسلة مشاريعه في الشرق الأوسط الكبير. نعيد التأكيد على هذه الحقائق البديهية، من أجل تبيان تشابكات وحجم الصراع، فهو ليس كأي نظام استيطاني عنصري في هذا العالم ...

وعليه؛ إن تحقيق الهدف النهائي يتطلب بالضرورة تحولاً كاملاً في العلاقات "الإسرائيلية" الدولية الخدمية الوظيفية والاقتصادية ـ الاجتماعية، وليس عمليات "تجميل" طفيفة شكلية وهامشية، بل بالجوهر بما يلغي التعبيرات الصهيونية في وضع الكيان القائم. ويتطلب هذا الأمر برنامجاً عملياً للتغيير، يبرز عموده الفقري في البرنامج المرحلي الذي طرحته الجبهة الديمقراطية عام 1973، ثم أصبح البرنامج النضالي الوطني المرحلي للشعب الفلسطيني، والذي يتلخص بهدفين "أولهما: إزالة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي استولت عليها "إسرائيل" بعدوان 1967. وثانيهما: صون حق العودة للاجئين الفلسطينيين بإحياء الإجماع الدولي على القرار 194، واستطراداً كان البرنامج المرحلي ينطوي على دعوة المجتمع الدولي للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بحرية على  أرضه، بما يعني إقامة دولته المستقلة على أراضي 1967".

ويتمثل ذلك في تجسيد البرنامج العملي للتغيير في الموازين القائمة نحو هذا الهدف ـ الدولة الموحدة ـ. وهذا وحده، طالما أن التعريف العلمي السالف للكيان الصهيوني تقاطعاً بالمصالح وربطاً بأهداف الإمبريالية في المنطقة، لن يتحقق إلا بإرادة ووحدة الشغيلة على هذا البرنامج في سياق سقف البناء الديمقراطي، وهذه المحصلة غير متوفرة الآن، وليست مضمونة، ولا تشير أبداً لها المعطيات على المديّات الزمنية المرئية بالأفق العملي المباشر القريب أو المتوسط، دون تحقيق الهدف المرحلي، أي انكفاء المشروع الصهيوني عن وظيفته الخدمية الإمبريالية، والتوسعية الإسرائيلية الصهيونية في المنطقة.

فالجوهر هو أن "إسرائيل" هي من الأنظمة الاستيطانية العنصرية التي سعى المشروع الاستعماري الصهيوني مع الغرب الإمبريالي لفرضها في فلسطين وعلى المنطقة، وهي نتاج لذلك المرسى العميق لما نسبه ونسجه المشروع الصهيوني والغرب من أكاذيب "أرض بلا شعب" و "الحق الطبيعي في التملك" وعموم الافتراءات التي أسقطها الكفاح والتضحيات الفلسطينية، التي قلَّ نظيرها في تاريخ حركات التحرر الوطني المعاصر.

فالعنصرية هي في أعتى صورها التي تجسدها الصهيونية، وهي أيضاً ترتبط مصيرياً بوحدانية التطور الرأسمالي الراهن، ومن إدماج "إسرائيل" في شبكة خدمات الرأسمالية الدولية ـ الإمبريالية في المنطقة، مفارقة شعاراتها ومُثلها العليا "الديمقراطية، المساواة، الحرية" فهي مفاهيم معادية للعنصرية الصهيونية، وتملك سمات وثيقة الارتباط ببعضها، لتشمل كافة نواحي الحياة في أي مجتمع. فالمساواة تعني العدالة الاجتماعية، وهي هدف من أهداف الاشتراكية، يعني أولاً إزالة الفوارق الفاحشة في الدخل والثروة والفرص المتاحة، بينما العنصرية الصهيونية والأبارتيد، هي نتاج الرأسمالية المسؤولة عن تقييد تفرد الإنسان، بما تسببه من عدم مساواة وتهميش وتسليع للبشر، واضطهاد عرقي وطبقي ...

إن نفي المفارقة الصهيونية هي في شروطها وتعبيراتها المنافية للواقع، يتطلب قيام بدائل شاملة عنها وعن نسيجها الإيديولوجي. وفي هذه العناوين تكمن مفصلية وأهمية البرنامج الوطني المرحلي، والعمل على إنجازه وتحقيقه؛ وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على أرض الرابع من حزيران/ يونيو 1967، وعودة اللاجئين الفلسطينيين.

إن العلة ذاتها تُستعاد؛ كيف أن المثقف العربي والشرق أوسطي قد أوقع ذاته سجين تفكير دائرة ضيقة خانقة، تحدد نطاق حركة فكره واتجاهه وإنتاج خطابه، الوعود المُبهرة التي تسبب بالعمى، وترسم صورة مضللة للطريق لفلسطين ديمقراطية موحدة، وهي الهدف النهائي والتاريخي ... مضللة بديلاً لموازين القوى والعمل على تغييرها، ومضللة بما تحتوي على طاقة "سحرية" كأنها ستقلب الدنيا على رأس العدو، وستحرر الأرض، وتنبت الزرع، وتزهق الباطل، وتحقق العدالة والحرية، أسوةً بسلطة الإيديولوجيات الراديكالية بتلاوينها الشيوعية والقومية والدينية من إسلام سياسي يميني، التي تفقد ديناميتها، ويتحول محتواها إلى مجموعة من المقولات الجاهزة، حالة من الدرّوشة والرقص في العتمة على مقاس الاستذهان والإيديولوجيا. لكن التاريخ سبق له مراراً وتكراراً أن كشف اهترائها ومزّق رداءها الضيق ومحدوديتها، باعتبارها حالة استبطان وإسقاط للشعور الذاتي، والناجم عن طغيان الإحساس بالعجز والخذلان، ومن ثم الافتتان بالجدل البيزنطي.

أما العمل العقلاني العملي والجاد فهو مُضني، لأنه هو الذي يغيّر الواقع وبما يتطلب من جهد وكفاح مباشر ومرئي وعملي وملموس، على ضوء إستراتيجية تاريخية، تستند إلى العلم والتطور والصراع القومي الوطني والطبقي الديمقراطي، وموازين القوى الذاتية والإقليمية والدولية. وطالما أن التاريخ في نتائجه هو من صنع البشر أنفسهم، وطالما أن الحتمية والضرورة مرتبطتان بالإرادة الفاعلة والتخطيط السليم والعمل المنظم، فإن هذه المهمة يقودها أولاً؛ وعلى مستوى تجارب الشعوب التحررية عموماً، تلك القوى العقلانية التي تدرس موازين الصراع وتشابكاته بدقة متناهية، وتحولها برنامجاً لشعوبها، وفي وحدة وطنية ديمقراطية راسخة، ومن منظور تشابكات الصراع وتداخلاته والقوى الفاعلة فيه، ومن منظور درجة تماسك الجبهة الداخلية والرأي العام الصهيوني ومؤسساته ودرجة استقراره، أمام صراع طويل غير متناظر يقوده شعب تحت الاحتلال، يحقق هدفه ببرنامج مرحلي ...

ومن منظور منهجي ورؤية تحليلية موضوعية للموازين، محملة هَمّ القضية الفلسطينية بعزم، وكخلاصة لقراءة ثوراتها ونكباتها، وقد فرضت استخلاص أمرين: الأول: رؤية برنامجية مرحلية للصراع تواجه المشروع الصهيوني ـ الأمريكي، لتفرض معادلات تراكمية جديدة على موازين الصراع، والتي ينبغي أن تكون حاصل جمع إنجازات وانتصارات على كل المستويات. الأمر الثاني: أنها تعني أن "الدولة الواحدة" وفي ظل الموازين الراهنة؛ أن لا تحصل على شيء، بدلاً من أن تفرض معادلات تطورية جديدة لصالح الشعب الفلسطيني، ونحو قلب الصراع ألا وهو جوهر الصهيونية وتعبيراتها.

إن ضعف الصلة بالواقع الحيّ، يدفع إلى الانفصال عن حركة التاريخ وعن الرؤية العلمية الجدلية، وهو ما ينبغي تبيانه وتوضيحه وإعلان مأزقه، لأنه ذاته هو ما يدفع بعض المثقفين من ذات الوسط إلى تكوين صورة مسطحة ساكنة سرعان ما تقع بمفاجآت الواقع، لتنقل بسببٍ من "الخذلان" نحو التسويغات الإيديولوجية، بدلاً من النقد والنقد والمراجعة وإعادة التقويم، فمن تغيير الواقع وتغيير مجرى التاريخ واستعادته بضربة واحدة، تطيح بالأعداء الداخليين والخارجيين، سرعان ما نرى منه سوى بقايا خائبة وشبه يائسة، بدلاً من برنامجاً وطنياً برؤية عقلانية واقعية عملية.

 

س5: جبهة اليسار الفلسطيني المتكونة من الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية، حزب الشعب هي أحد أهم أطر العمل المشترك الناجح بين قوى اليسار الفلسطينية، ما الذي يعيق اندماج الأحزاب الثلاثة المكونة للجبهة في حزب يساري موحد ؟

إن ما يميّز الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين؛ هي أنها بالجوهر وحدوية على المستوى الوطني، فمنذ انطلاقتها قدمت برنامج تطوير منظمة التحرير الفلسطينية إلى ائتلاف عريض بين مكونات الكتلة التاريخية البشرية في مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي، بل يتحدد موقفنا مباشرة من أي طرف؛ بالموقف من بناء الوحدة الوطنية، وتفعيل منظمة التحرير الكيان والجبهة الوطنية الجامعة، أي من العملية الديمقراطية ذاتها، لا من هذا الطرف أو ذاك، وتاريخ الجبهة الديمقراطية منذ تأسيسها هو تاريخ نظام الوحدة الوطنية والمعروفة بدورها ومبادراتها على امتداد أربع عقود. وعلى هذا الباروميتر يمكن السؤال والإجابة: كيف سيكون موقفنا مع مكونات اليسار مع الرفاق في الجبهة الشعبية وحزب الشعب، نحن ننسق معاً في كافة تفاصيل السياسة اليومية الفلسطينية والإستراتيجية، نحو توحيد المواقف في ائتلاف يعالج الأمور بشكل واقعي، مقدمةً للارتقاء في هذا التكوين وعلى أرض الواقع العملي والميدان في الداخل والخارج (الشتات). وهنا أقول: من المبكر جداً الحديث عن حزب يساري موحد ولكن من الممكن إن نشكل جبهة يسار ائتلافية على برنامج مشترك، ونشكل ائتلاف وطني عريض راهناً، كناية عن صمام أمان في القضايا الإستراتيجية، بما فيها موضوعة "المفاوضات المباشرة" المطروحة الآن، أو "الانقسام الفلسطيني" على سبيل المثال، وهنا أكرر ما قلته أعلاه: لسنا من أسرى شعار حزب يساري واحد، بل إن الأطياف المتعددة للمشارب اليسارية ـ الطبقية وقراءاتها وخطاباتها، يمكن أن تشكل ائتلاف يساري ديمقراطي، على برنامج قواسم محدد، سياسي، برنامجي، ومجتمعي ديمقراطي.

أقول لكم بتكثيف: إن دورنا التاريخي في هذا الجانب؛ ومن البدايات حرصت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مع انطلاقتها أن تكون من بين الركائز الأساسية في أول ائتلاف وطني لتوحيد العمل الفدائي بقيادة "الكفاح المسلح"، وفي عضوية المجلس الوطني واللجنة التنفيذية المنبثقة عنه (الدورة السادسة في أيلول/ سبتمبر 1969)، وتقدمت إلى هذه الدورة "بمشروع لتحقيق وحدة القوى والفئات الوطنية الفلسطينية في جبهة تحرير وطني موحدة". وحفزت الظروف الصعبة التي تجمعت عن أحداث أيلول/ سبتمبر 1970، على إدراك ضرورة الارتقاء بصيغة الوحدة الوطنية، وأبرزت أن "الجبهة المتحدة" المطلوبة هي في الواقع تلك التي تضم جميع مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، والمطلوب بناؤها على أسس أكثر تنظيماً ومتانة، وعلى قاعدة التمثيل النسبي، وتبلورت هذه الصيغة في المشروع الذي تقدمت به الجبهة إلى الدورة التاسعة للمجلس الوطني بدخول فصائل المقاومة لمنظمة التحرير لأول مرّة (تموز/ يوليو 1971) لبناء "جبهة تحرير وطنية فلسطينية متحدة"، وفي المشروع السياسي والتنظيمي المتكامل لإنجاز الوحدة الوطنية في إطار جبهة متحدة على أسس ديمقراطية الذي تقدمت به لاحقاً إلى الدورة العاشرة للمجلس الوطني (نيسان/ إبريل 1972). وواصلت الجبهة السياسة الوحدوية الديمقراطية التعددية بقوانين التمثيل النسبي في قرارات إعلان القاهرة (آذار/ مارس 2005) ووثيقة الوفاق الوطني (غزة ـ يونيو/ حزيران 2006) ودورات المجلس المركزي لمنظمة التحرير (حزيران/ يونيو ـ تموز/ يوليو 2007، كانون الثاني/ يناير 2008، ديسمبر/ كانون أول 2009).

تجربة الجبهة الديمقراطية في استقلالها الفكري والسياسي والتنظيمي، وفي حفاظها على الوحدة الوطنية، نضالها لتطوير منظمة التحرير الائتلافية، صراعها لدمقرطة المؤسسات التشريعية والتنفيذية لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، ومؤسسات المجتمع الأهلية والنقابية في الوطن والشتات (بلديات، نقابات عمالية، مهنية، جامعية، نسائية، شبابية ... الخ) وعلى قوانين توحيدية انتخابية لا انقسامية بالتمثيل النسبي الكامل، بنفس الوقت، تؤكد العلاقة الحية لليسار الديمقراطي الثوري الفلسطيني في قلب الحركة الوطنية الفلسطينية، فهذا اليسار لم يستقل لينعزل، إنما ليندمج في الوحدة الوطنية اندماجاً ثورياً وديمقراطياً صحيحاً، وليلعب دوره في إطار هذه الوحدة كطليعة مناضلة تملك الخط السياسي الصحيح الذي من خلاله تتحدد الشعارات الوطنية والمهام المرحلية التي تنسجم مع المصلحة الجماعية للشعب الفلسطيني بأسره.

الموقع المركزي الذي احتلته مسألة الوحدة الوطنية في الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية وممارستها لم تبرز وتتقدم فقط في السنوات الأولى أثناء فترة العمل العلني في الأردن وعلى امتداد تجربة الثورة في مخيمات الشتات في لبنان وسوريا حتى اجتياح العام 82، بل برزت بشكل واضح في زمن الانقسامات الحادة التي اجتاحت الساحة الفلسطينية بعد هذه الحرب ضمن تداعيات الغزو الإسرائيلي وصراع المحاور الإقليمية للتأثير بقرار منظمة التحرير الفلسطينية، ومحاولات الجناح اليميني المتنفذ في قيادتها الرسمية البحث عن نقاط تلاقي في منتصف الطريق مع مشاريع التسوية التي طرحت في مطلع الثمانينات لا سيما مشروع ريغان (1/9/82) .

اتخذت الجبهة الديمقراطية موقفاً حاسماً ضد الانقسام الفلسطيني على امتداد السنوات 83 ـ 87، ولعبت دوراً مبادراً في التحالف الديمقراطي الذي وقع مع قيادات اللجنة المركزية لحركة فتح على اتفاق اليمن (عدن) ـ الجزائر (28/6 و 9/7/84)، هذا الاتفاق الذي وإن لم ينجح في إعادة الوحدة ومنع انفراد الجناح الرسمي المتنفذ في م. ت. ف. بالدعوة للدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني في عمان (17/11/84). حيث عارضت الجبهة نتائج مجلس عمان السياسية  التي شكلت انقلاباً على برنامج حق تقرير المصير والدولة المستقلة والعودة وحق تمثيل م.ت.ف للشعب الفلسطيني وما انبثق عنه من صيغ تنظيمية انقسامية، لكنها في الوقت نفسه تصدت بحزم لمحاولات الطعن بشرعيته خوفاً مِنْ ودرءاً لمخاطر انقسام لا رجعة عنها داخل م. ت. ف. تزجها على نحو غير مسبوق في حقل التجاذبات العربية وصراعات محاورها، وتزيل بفعل ذلك العقبة الأهم أمام تقدم الحلول المنقوصة للحقوق الوطنية برعاية الولايات المتحدة. لهذا شكل المجلس التوحيدي الذي انعقد في الجزائر (نيسان/ابريل 1987) محطة فائقة الأهمية وطنياً حققت انتصاراً لسياسة الجبهة الوحدوية، وتوفرت معها إحدى العوامل الرئيسية لانعقاد شروط انطلاقة الانتفاضة الشعبية الكبرى في ك1 / ديسمبر 1987 وتشكيل "القيادة الوطنية الموحدة" للانتفاضة بمبادرة من الجبهة الديمقراطية وضمت فتح، ديمقراطية، شعبية، حزب شيوعي، وقدمت الجبهة الديمقراطية برنامجها الموحّد (البيان رقم 2 من القيادة الوطنية الموحدة/ راجع كتاب "أوسلو والسلام الآخر المتوازن")، برنامج "الحرية والاستقلال".

الاختبار الثاني الذي تعرضت له الوحدة الوطنية أتى على يد اتفاق أوسلو عندما أطاح بالإطار السياسي لائتلاف م.ت.ف. فواصلت الجبهة سياستها التوحيدية بثبات وأطلقت عدداً من المبادرات في سياقها السياسي الملموس دارت بمجملها حول الحوار الوطني الشامل من أجل استعادة الإجماع الوطني حول القضايا الراهنة ومفاوضات الوضع الدائم وإعلان استقلال دولة فلسطين على حدود 4 حزيران/ يونيو 1967 بعد أن وصل أوسلو إلى نهايته القانونية في أيار/ مايو 99 (2/97، 5/97، 4/99، 2/2000). هذه المبادرات انطلقت من حقيقة أن السمة الأساس للحركة الفلسطينية باعتبارها ما زالت تقف أمام مهام التحرر الوطني، رغم تداخلها بعد تطبيقات اتفاق أوسلو مع مهام النضال الديمقراطي السياسي والاجتماعي، تملي ـ موضوعياً ـ صون الائتلاف الوطني والنضال من أجل استعادة الوحدة الوطنية في إطار م. ت. ف. والانقسام القائم بين "السلطة الفلسطينية" والمعارضة لا يلغي من حيث الجوهر هذه الحقيقة وأن طبعها بخصائص معينة.

الاختبار الثالث يتواصل حتى يومنا بعد سلسلة الانقلابات والتراجعات السياسية والتنظيمية الانقسامية بين فتح وحماس عن إعلان القاهرة (آذار / مارس 2005)، وجولات الاقتتال والانقلابات السياسية والعسكرية عن برنامج وثيقة الأسرى وثيقة الوفاق الوطني (حزيران / يونيو 2006 في غزة) والتي قادت إلى انهيار اتفاق المحاصصة الثنائي بين فتح وحماس وهيمنة حماس بالقوة العسكرية على قطاع غزة (14 حزيران / جوان 2007)، فقد أطلقت الجبهة المبادرة "لإنهاء الانقسام" و "إعادة بناء الوحدة الوطنية وكسر حصار قطاع غزة" في 4/7/2007، وعليها تم بناء مبادرة الجبهتين الديمقراطية والشعبية بـ 27/10/2007، والمبادرة الثلاثية بالتنسيق بين الجبهتين والجهاد الإسلامي في 6/12/2007، وإعلان المبادرة الموحدة لتسعة فصائل مقاومة والشبكات الأهلية للمجتمع المدني وشخصيات مستقلة سياسية وأكاديمية وازنة في 10/4/2008 للضغط على فتح وحماس لإنهاء الانقسام والعودة لتطبيق وثيقة الوفاق الوطني الوحدوية الائتلافية الشاملة.

أما اليوم وانطلاقاً من فكرنا السياسي ورؤيتنا الواقعية، رأينا بالورقة المصرية "اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني/ القاهرة (تشرين الثاني/ نوفمبر 2009)" خطوة في طريق مسدود، نتيجة التفاف حماس وفتح على الحوار الوطني الشامل، وتعطيله منذ آذار/ مارس 2009 حتى الآن.

وإننا إذ قيّمنا جولات حوار المحاصصة في القاهرة، بأنها لم تلتزم بنتائج الحوار الشامل وقراراته في 19 آذار/ مارس 2009، وتراجعت وارتدت إلى الخلف بحثاً عن توافقات محاصصة ثنائية لتقاسم السلطة والمال والنفوذ بين فتح وحماس، وهذا الذي أدى إلى تعطيل توقيع "اتفاق الوفاق الوطني".

وإننا إذ ندعو إلى استئناف الحوار الوطني الشامل، والبناء على نتائج وقرارات 26 شباط/ فبراير و 10 ـ 19 آذار/ مارس 2009 باعتباره الطريق الرئيسي للتطوير الديمقراطي التوحيدي للورقة المصرية، وتحديداً رفض اللجنة المشتركة كما وردت في الورقة، باعتبارها تكريس للانقسام و "صوملة" بين قطاع غزة والضفة "كيانين، حكومتين"، بدلاً عن حكومة وفاق وطني واحدة كما دعا الحوار الشامل بالقاهرة (آذار/ مارس 2009).

كما ندعو إلى حل التناقض في قوانين الانتخابات، كما وردت في الورقة لصالح قانون واحد بالتمثيل النسبي الكامل، وبدون عتبة حسم لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية (المجلس الوطني الجديد الموحد) والسلطة (المجلس التشريعي) لبناء الوحدة والشراكة الوطنية الشاملة، لأن القانون المختلط الذي يسعى له طرفي المحاصصة (فتح وحماس) يعيد إنتاج الانقسام والصراع على المحاصصة الاحتكارية الثنائية.

 

 

س6: ما هي برأيكم أهم أسباب انحسار دور اليسار الفلسطيني بشكل خاص واليسار العربي بشكل عام ؟

 

كي أجيب على هذا السؤال، ولأن مضمونه هي جميع معالجاتنا في كتابي النقدي الأخير "اليسار العربي ـ رؤيا النهوض الكبير ـ نقد وتوقعات"، وفي خلفية الإجابة تبيان أن الخيار الاشتراكي هو المدخل للنهوض بـ "الأمة العربية"؛ اضطرت أن أدخل بدراستي إلى التاريخ المقارن؛ واتخذت من اليسار في أمريكا الجنوبية اللاتينية نموذجاً، بالنظر إلى حلم الشعوب بحياة إنسانية تتقدم نحو الديمقراطية التعددية، العدالة الاجتماعية والاشتراكية، ويمكن لي في الإجابة الآن عرض الجانب المقارن للواقع والقيم، حيث ندخل في مفهوم و"فلسفة" الدولة العربية، وأُوجز الآن بالتالي:

تعود أفكار الاشتراكية والعدالة في أمريكا الجنوبية إلى الثورة البوليفارية في القرن التاسع عشر، وتفسيراتها الاشتراكية الديمقراطية، فضلاً عن دور سيمون بوليفار في ثورات أمريكا الجنوبية من أجل التحرر والاستقلال، حيث انحازت له النخب والحركات الشعبية آنذاك.

هذا الحلم الإنساني لم يتوقف للحظة في أمريكا الجنوبية، على الرغم من مبدأ وعقيدة جيمس مونرو الرئيس الأمريكي خامس رؤساء الولايات المتحدة 1817 ـ 1825، والتي تعتبر أمريكا الجنوبية حديقة خلفية لواشنطن لها الحق في السيطرة عليها، تحت دعوى أنها تشكل إمكانات لتهديد محتملة، وخيبة أمل الشعوب من حالة النهب لخيراتها، وانكشاف شعارات حقوق الإنسان، وانقضاض واشنطن على الديمقراطية التمثيلية منذ مطلع السبعينيات في القرن الماضي "الانقلاب الدموي في تشيلي الليندي"، وبدء سياسات النيو ليبرالية المتوحشة، وصولاً إلى السياسات الأحادية الجانب والتي تنطوي على استخفاف واشنطن بالمؤسسات والأعراف الدولية، ما شهده العالم في سجن أبو غريب وغوانتانامو، هذه المعضلات دفعت شعوب القارة إلى اليسار، واستبقت بمواقفها أحزابها، حيث يوجد يساران هناك كلاهما نشأ من التقاليد النبيلة لمبادئ الحركة الشعبية، "يبرز هنا الرئيس البرازيلي أناسيو لولا دي لا سيلفا (حزب العمال)، رئيسة تشيلي ميشيل باكليت، الرئيس البوليفي ايفو موراليس، نيكاراغوا، الباراغواي، الأورغواي والسلفادور، اليسار البيروني في الأرجنتين، وكل هذه التحولات معطوفة على صمود كوبا فيديل كاسترو الثورة بوجه الحصار الغاشم، أليست هذه عودة شاملة لمبادئ الحركة الشعبية، وصولاً إلى فنزويلا شافيز الذي يتزعم النزاع مع واشنطن بسبب من أداء شركاتها ووصفات البنك الدولي المعولمة بما يعني من توحش مضاد لأي عملية أداء اقتصادي وقيم ديمقراطية، وعلى حد تعبير الأديب الكولومبي ماركيز: "وضع حد لمئات السنوات من العزلة"، هذه هي وجهة القارة الجنوبية، وأين منها العرب من الماء إلى الماء، ما قبل الحرب الباردة يقرون وما بعدها، التي أقامت مؤسساتها الأهلية ونقاباتها، منذ الولاية الأولى لرونالد ريغان في الثمانينيات، في الوقت الذي تورطت به الإدارة ذاتها في فضيحة "ايران غيت" في العام 1986 "بيع أسلحة إلى إيران ـ التي تعتبر بنظر واشنطن عدوة ـ لتستخدم العائدات في صفقات تمويل الكونتراس (الثورة المضادّة). في نيكاراغوا ... والعديد مما هو مشابه.

بشأن اليسار العربي؛ أبرزت هذه الخلاصة: وهي الحل الإنساني، والحلم الإنساني، والحل العربي نحو التقدم والعدالة الاجتماعية، كما أنه لن تتوقف الإنسانية عن بحث الصيغ الأفضل للتطبيق، ونحن نرى ما يدور في أمريكا اللاتينية من توجهات نحو اليسار، فضلاً عن اشتراكية دول الضمان الاجتماعي؛ الصحي، التعليمي، الوظيفي والتقاعدي في مجموعة دول الإسكندناف.

وينبغي علينا أولاً إدراك الجدران العازلة المانعة للتطور العربي والتي ينبغي تفكيكها، فالأهداف الراهنة على المستوى العربي، تختلف عن تلك الدول المتطورة، خاصةً إذا ما أخذنا أدوات القياس للنهوض والتقدم وتحديد التخلف، الممثل على أساس النسبة الثلاثية وقد غدت شهيرة عربياً: "الأمية والجهل؛ الفقر والمرض"، ومعها ومصحوبة بها درجة التنمية وحال المرأة وحقوق الإنسان، ومدى التسامح السياسي والاجتماعي والاعتقادي وحرية الرأي. نابذاً أية ذرائع تدعي "خصوصيات ثقافية ـ ايديولوجية": العراقيل الكأداء الصماء لسطوة التخلف والطغيان، على حساب تقدير العلم واحترامه ودعمه في الفكر العربي، وفي التضاعيف المعرفة غائبة. بل هي الغائب الأوحد، وعلى اختلاف المذاهب التي تنبذ التأسيس العلمي ـ المعرفي، وذوات "النقل على العقل" في التعميم الطاغي والظاهر، فالعقل في إجازة تاريخية مديدة منذ: "انهيار دار الحكمة وتقديم العقل على النقل، وطغيان النقل على العقل بحرب أهلية شاملة زمن الخليفة المأمون عام 813 ـ 833 م، أدت إلى الإطاحة به وقتله، وتفكيك الدولة والمجتمع إلى ممالك وإقطاعات على يد المرتزقة والانكشارية: المماليك السلاجقة والأتابكة من آسيا الوسطى والمماليك الزنكيين التركمان، ومماليك القوقاز البرجية والبحرية، القازاح، الجورجية ... الخ، تقاسموا السلطان والبلاد والعباد، وصولاً إلى هيمنة الإمبراطورية العثمانية الإقطاعية، والتخلف التاريخي الطويل الأمد حتى مطلع القرن العشرين ..." (ص 15).

منذ ذلك الزمن والعرب يودعون قرناً ويستقبلون آخر دون أن تتحرك بهم عربة التاريخ، فهم أمام الجدران العازلة للمعرفة، العازلة للعقل الجمعي، في إجازة تاريخية مفتوحة مديدة، جدران أمام الانطلاق نحو المستقبل، والمطلوب تثوير الفكر العربي بعد أن خرج من خانة العلم والبحث؛ إلى ذاكرة "شيوخ الزوايا" وعاهة التضخم الإيديولوجي على حساب الابستمولوجيا مما سبب في عاهات الإعاقة المديدة.

وهكذا لا نقف عند حدود الراهن في معالجة ثلاثية التخلف البنيوي "الجهل والفقر والمرض"، فهي ظواهر ناجمة عن العلة الأساس الأكثر خطورة وأعمق أثراً موغلاً في العقل العربي، وهو يشير إلى التخلف المجتمعي الناجم عن تكلّس البنى المجتمعية التقليدية، وتكلّس ذهنيتها وفكرها، من عشائر وقبائل وجهوية وسمَّت "الدولة" والأدق؛ السلطة العربية وبنائها، وبما تحمل من انحطاط بنى تحتية، رغم قشرة "حداثة" عواصمها، وفي جوهرها بوادٍ وأرياف لم تتمكن من الذوبان في المجتمع المدني. هذه البنى الانحطاطية تعيد إنتاج ذاتها إنساناً وتنظيماً وسلوكاً وفكراً. في مقاومة المعرفة وحرية الفكر، ناهيك عن تحطيم شامل لحقوق المرأة.

تحدق ملياً هذه المعالجات الجريئة في مشهد الظلام، والارتطام بالواقع المعاصر، وبعضها يهرب بتبريراته نحو "مقاومة الإمبريالية والصهيونية"، على حساب الأسباب الموجبة لهذه المقاومة، فالمواجهة المدعاة لا يتقنها سوى مجتمع سيد حر ديمقراطي؛ كي تكون هذه المواجهة فاعلة ومثمرة .. لا سلسلة هزائم. وتبرز الدعوة هنا موجهة لقوى الإصلاح والتغيير من صف اليسار، حيث لا يمكن لها أن تنجح في مسيرتها دون معالجة الظواهر المزمنة، ولا يمكن لها أن تنجح دون تلاقيها مع الشعوب تحت هدف بناء المجتمع المدني ـ الوطني كقاعدة للدولة والنظام الديمقراطي المؤسس والقائم على المشاركة الشعبية الأصيلة، المثقفة بروح الدستور وسلطة القانون العام الذي يعيشون في ظله، التثقيف الكافي الذي يؤهل للمشاركة في الحياة السياسية المتفاعلة سلمياً، لتجاوز الوضع المتأزم على الصعيدين النُظم العربية ومعارضاتها، نحو الاندماج الاجتماعي الوطني، وحل إشكالية الإثنيات والقوميات (وفق حق الشعوب بتقرير المصير)، والبنى التحتية المتكلسة العشائرية، الطائفية والمذهبية، لصالح مفاهيم فكرة المواطنة الملموسة عملياً، باعتبارها البنية الأساسية للدولة التي ينبغي أن يكون دستورها المُنظم الأساسي للاجتماع السياسي، حين تُنتج السلطة من الدستور ذاته، وبالإدراك هنا أن الأحزاب هي المكون الرئيسي للعملية الديمقراطية.

يحسن بنا أن نقف متعمقين إزاء الهدف، فالهدف الذي نبتغيه هو إنشاء مجتمعات مدنية حديثة، متحررة من القيود الإقطاعية الموروثة والراهنة، قيود "إرهاب تسييس الدين وتديين السياسة"، السيكولوجيا الشعبوية القدرية، الجبرية ... الخ (راجع كتاب "اليسار العربي ـ نقد وتوقعات). مجتمع الإنتاج بعيداً عن سطوة الايديولوجيا والتراث، مجتمع القاعدة المادية لفكرة المواطنة والديمقراطية. هنا يرتطم الهدف بصخرة واقع المجتمعات العربية. أما حول العدالة الاجتماعية مرة أخرى فالرؤيا هي أن "الخلاصة التاريخية تشير أن الاشتراكية تجسد أماني ومعاني نبيلة في وجدان الناس، ولهذا عليهم ابتكارها من جديد، كضرورة للعمران الديمقراطي داخل الشعب الواحد، وبين الأمم والدول في الإطار الكوني الكبير، فالعدالة الاجتماعية مستقبل البشرية، أمامنا وليست خلفنا". (ص 64).

في النموذج التطبيقي للإصلاح والتغيير ونموذج المجتمع المدني ومفهوم الدولة الديمقراطية، يفتح الكتاب الأبواب على التاريخ مستنداً على علمه، على خلاصات تجارب الشعوب، وخلاصات التجربة الإنسانية، ويمكن تتبع نموذجه التطبيقي الذي يبدأ من الثورة الفرنسية وصولاً إلى التغييرات اليسارية المعاصرة في أمريكا اللاتينية، التي كانت تسمى "الحديقة الخلفية لواشنطن"، وهو يؤكد أن كل شيء ينبع من المجتمع ـ مِنْ وعبر ـ علاقات الإنتاج والوعي المجتمعي، ويبرز هنا النموذج الأمريكي اللاتيني؛ ونضالات شعوبها خير تعبير عن استقرار الدولة، مع تسليط ضغوط قوية من المجتمع على الدولة والسلطة ذاتها، دفعاً بتطوير دورها وموقعها بالنسبة للعلاقات والمصالح الاجتماعية والطبقية المتباينة، فالتجربة الفذة في أمريكا اللاتينية هي أن الضغوط الشعبية هناك؛ قد مورست على السلطة ـ الدولة وعلى الأحزاب اليسارية عموماً والديمقراطية خصوصاً ـ في المعارضة ـ لتأخذ زمام دورها التاريخي، أي أن الجماهير استبقت في مواقفها أحزابها، الأمر الذي يؤكد المنحى العملي الذي رسمه حول النهوض بوعي المجتمع، والقائم على تطور الفكر السياسي حول الدولة وتطوير وظائفها نحو التقدم الإنساني.

لنقول بعد هذا النموذج التطبيقي: أليست هذه فكرة غرامشي البديلة عن صراع الطبقات في شكله الأساسي ونموذج التغيير العنيف ؟ نحو التغيير السلمي عبر مفهومه عن "الكتلة التاريخية"، ذاتها الشعوب هي مَنْ منع الارتداد الرجعي الدموي في فنزويلا لدى تنفيذ مؤامرة الانقلاب على القائد اليساري أوغو تشافير والمرسومة بدقة من واشنطن.

إن المضمون هو العدالة الاجتماعية والرفاه الاجتماعي، وهنا نوجه الدعوة عربياً ولمن يعنيه الأمر؛ إلى أن نتفاعل مع الهدف لا أن تتنبأ به فقط؛ والعالم يعيش الثورة العلمية والمعلوماتية والعولمة، بعد أن سقطت الجدران السياسية والايديولوجية، فالمجتمعات العربية أمام مرحلة جديدة من التحولات، خاصةً وأن الأزمة المالية (أزمة الرأسمالية الجديدة) التي تأثرت بها الشعوب العربية تضغط بقوة في سبيل تطوير القوانين للنمو والتنمية وثقافة حقوق الإنسان وتوسيع هامش الحريات، حيث إذا غاب الإصلاح وقعت الثورات.

حول اليسار الفلسطيني؛ وفضلاً عما ذكرنا من تأثيرات، نعيد القول: اليسار الفلسطيني يعاني منذ انتهاء الحرب الباردة، نوعاً من التراجع هو ناتج برأينا عن تراجع المشروع الوطني لصالح مشاريع خاصة وجزئية لقوى طبقية اجتماعية فلسطينية وعربية لها امتداداتها السياسية، فالتوقيع على اتفاق أوسلو، شكل بداية تراجع، واليسار في هذا السياق دوره محورياً لجهة عدم تمكين هذه القوى من تحويل مشروعها الخاص إلى مشروع عام، تماماً كما فعلت قوى عدمية انتظارية؛ عندما طرحت مشروعها الخاص البديل عبر "شعاراتية" عامة في مواجهة مشروع أوسلو، بديلاً عن تمسكها بالمشروع الوطني التحرري الديمقراطي.

إن المشاريع الخاصة التي لم تولد سوى الإحباط والتراجع في همة الشعب، كما لم تولد سوى الانقسام والتشرذم وتراجع الدور الخاص للشعب الفلسطيني على مستوى التأثير على المستويين العربي والدولي.

إن أصحاب المشاريع الخاصة المتحصنين بأوراق قوة، أهمها السلطة والمال السياسي ودائرة تحالفات عربية وإقليمية ودولية، لم ولن يستطيعوا من أخذ الشعب الفلسطيني إلى مشاريعهم الخاصة، على العكس تماماً فإن مشاريعهم الخاصة القائمة على المحاصصة الاحتكارية الأحادية والثنائية (فتح وحماس) وصلت إلى طريق مسدود، ثبت فشلها ومخاطرها على القضية الوطنية، لا بد من عودة الجميع إلى رحاب المشروع الوطني والوحدة الوطنية، وهذه هي نقطة الانطلاق، وبداية الانعطاف لإعادة زمام المبادرة من قبل اليسار فرض بمبادراته على جميع الفصائل والقوى والشخصيات العودة إلى الحوار الوطني الشامل، التوقيع بالإجماع على ثلاثة برامج وحدة وطنية ديمقراطية بالقواسم المشتركة وانتخابات التمثيل النسبي الكامل (آذار/ مارس 2005، حزيران/ يونيو 2006، 26 شباط/ فبراير ـ 19 آذار/ مارس 2009). ولكن سياسة تقاسم السلطة والمال والنفوذ بين فتح وحماس، وبدعم وتمويل من المحاور الإقليمية العربية والشرق أوسطية، أدت إلى ارتداد فتح وحماس عن برامج الوحدة الوطنية الثلاث، في خدمة المصالح الفئوية الخاصة الضيّقة ومصالح المحاور الحاكمة الإقليمية. وعليه أقول: تراجع الدور المؤقت لقوى اليسار الديمقراطي هو تراجع فرضته ظروف دولية وإقليمية، والمليارات من المال السياسي التي تتدخل بالحياة السياسية الفلسطينية، وفي المعدة الفلسطينية.

وحول مفهوم اليسار عموماً؛ لا بدّ من التأكيد هنا بأن تعبير اليسار هو تعبير فضفاض، فلا يمكن الحديث بدقة عن "اليسار العربي والفلسطيني" دون تناول تاريخه وتاريخ المجتمعات العربية تناولاً نقدياً. كما أن مصطلح اليسار يحتاج إلى تحديد في البلد والمجتمع الواحد، وبين مجتمع عربي وآخر في المشرق والمغرب العربي، وكذلك بين مجتمعات المشرق العربي ومجتمعات المغرب العربي، وفي مجتمعات العالم المسلم، في ظروفها الذاتية والموضوعية المحلية، الإقليمية، والدولية المحيطة، في حركة تطورها الإيجابية والسلبية، ودون هذه اللوحة من التناقض نقع في أخطاء، نأخذ "اليسار" بالجملة وكتلة واحدة، ودون تبيان الحركة ذاتها والصراع الطبقي، التشكيلات الإثنية والاجتماعية، دور الأديان والفكر الديني الشعبوي القدري/ الجبري، الطائفي والمذهبي، والتاريخي وفي حاضر المجتمعات العربية، التكوين والتركيب الثقافي السيكولوجي، تداعيات التطور المتفاوت بين مجتمع وآخر ... الخ.

انطلاقاً من هذه اللوحة، لا يمكننا الحديث بالعموميات عن اليسار العربي والفلسطيني وفي البلدان المحيطة المسلمة، إلا في سياق ما هو مشترك وتحديداً المواجهة الموضوعية للتناقض الأساسي بين الشعوب بمجملها والتوحش الرأسمالي الإمبريالي ـ التوسعي الصهيوني ـ قوى التخلف والظلام في داخل البلدان العربية والمسلمة، أدوار وتقاطعات هذه الأطراف، دون استعراض مجال العلاقات الدولية الراهن، ومن خلال دراسة منهجية لما يحدث في عالم اليوم، والذي يتسم بالترابط المتناهي بين الدول وفي ظل نظام دولي محكوم عالمياً، يمكن لملمة تفاصيله تحت عنوان بارز عريض اسمه "العولمة".

أزمة النظام المالي الرأسمالي العالمي اجتاحت اقتصاد بلدان المركز الرأسمالي العالي التطوّر، وامتدت على مساحة العالم، إنها الأزمة الكبرى في الرأسمالية، ولا أقول أزمة الرأسمالية الطاحنة، فالبديل الديمقراطي التقدمي ليس حاضراً بعد في الميدان، ليس مكتملاً على يد عشرات الملايين المناضلين نحو "العولمة الشعبية البديلة"، عولمة "ديمقراطية الاشتراكية واشتراكية الديمقراطية"، ووصولاً لعولمة المُثل الإنسانية النبيلة وعلى المستوى الأممي.

على المستوى العالمي حيث تمر البشرية بمرحلة انتقال جديدة وربما طويلة الأمد بفعل التناقض الجديد بين "المليار الذهبي" ومليارات الأطراف، إن تجليات هذا التناقض على الجماهير المنتجة في دول المركز الرأسمالي قد عكست نفسها على تراجع الأداء بمواجهة العولمة المتوحشة، كما أدت إلى تعزيز التناقض بين شعوب هذه البلدان، وشعوب دول العالم الثالث والشرق.

وفي هذا السياق؛ فإن شعوبنا العربية "بمعزل عن سائر الشعوب" تعيش تناقضات ثلاثية الأبعاد، مما يجعل وعلى الرغم من تنوع واتساع البنية الطبقية والاجتماعية لليسار ولقوى التغيير، فالمجتمعات تعيش تناقضات تؤخر أو تعيق ائتلافها. في هذا السياق إننا نفتقد أن الظروف الموضوعية الناضجة لإطلاق حركة يسارية فاعلة ومؤثرة في معظم البلدان العربية، خاصة وأن الظروف الذاتية لا زالت قاصرة عن رؤية وتحليل الواقع بعلمية وملموسية تجعل منها صاحبة برنامج حقيقي للتغيير، فكثيراً ما نرى لدى العديد من القوى اليسارية برامج أحادية الجانب، مما يجعلها قاصرة عن احتضان حركة شعبية فاعلة ومؤثرة.

في الحالة العربية يحيل البعض تراجع اليسار إلى البنى المختلفة بنيوياً وتاريخياً، التي ولدتها الأنظمة الطبقية الاستبدادية على مساحة عشرات القرون بما فيها الإمبراطورية العثمانية، وما بعدها أنظمة التحالف الطبقي الإقطاعي ـ الكمبرادوري من تخلف اجتماعي سياسي واقتصادي، أخلاقي ومعرفي برعاية الاستعمار القديم والجديد. كما يحيل آخرون التراجع إلى اغتصاب فلسطين وتجزئة بلدان وشعوب المشرق والمغرب بتقطيرها.

لسنا هنا بصدد البحث في مصداقية هذه الخلاصات، لأن المشهد أبعد وأعمق من هذه الاستخلاصات وإن فعلت فعلها الكبير وتفاعلت بمجملها مع أخرى بقدر ما، المسؤولية الأولى هي النخب الطبقية الاجتماعية والسياسية الحاكمة المتعاقبة في تاريخنا وتراثها القائم على "طغيان النقل على العقل"، وإلى عدم مبادرة اليسار بطرح برنامج واضح وملموس يستجيب لرؤية شاملة للتناقضات المركبة التي يعيشها العالم العربي والمسلم، وإلى منهج علمي في صياغة التحالفات واستشراف أساليب وأشكال العمل والنضال، على قاعدة تحرير وتقديم "العقل على النقل".

في هذا السياق يبرز أيضاً البعد الثالث من التناقضات، فعلى امتداد ستين عاماً من الحرب العالمية الباردة وقع استخدام الإمبريالية للأديان على المستوى الكوني لدفع الأحداث التاريخية نحو اليمين واليمين المتطرف، ضد حركات التحرر والثورات الوطنية الديمقراطية والتحولات بآفاق الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.

على الطرفين يبرز تحالف نقيضين: النيوليبرالية المتوحشة بإفرازاتها والثقافة القدرية وثقافة "إن الله يرزق من يشاء" "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" ... الخ. وكل ما تفرز السفسطة الغيبية الأصولية والفتاوي الإرادوية الأوامرية الصادرة عن فكر اجتماعي متخلف، منتحلاً ومتلحفاً باسم "الدين" وعلى أرضية الحالة العربية المزرية، والتي سبق واستخدمتها حروباً ضد قوى الحداثة والتيارات القومية الوطنية والتقدمية في المنطقة العربية، خاضتها تحت راية الأصولية الغيبية الدينية والمذهبية الإقصائية تحت راية "إرهاب تديين السياسة وتسييس الدين" ومعها مختلف نظم الديكتاتوريات التيوتارليتارية العربية (البيروقراطية والثيوقراطية).

إن الدواء الناجع لقوى اليسار الوطني، الديمقراطي الثوري لن يتمثل فقط في المشاركة السياسية على أهميتها، نظراً لاستفحال الداء، بل في إعادة بناء حركة شعبية تحررية تقدمية متنورة، بما يتطلب من جهود شاقة وضخمة، لأن السلفية القدرية والدينية السياسية اليمينية الغيبية، والنيوليبرالية ومدرسة المحافظين الجدد، ستصل في النهاية إلى الجدار المسدود، لا تملك حلولاً لمشكلات المجتمع الثقافية والاقتصادية الاجتماعية والسياسية.

 

س7: ما مدى تأثير الحكومات العربية على سياسات الفصائل الفلسطينية وقراراتها ؟ الجبهة الديمقراطية نموذجاً ...

 

منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية، والنهوض الكبير للمقاومة رداً على وبديلاً عن هزيمة الأنظمة الطبقية العربية في حزيران/ يونيو 1967، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين (22/2/1969) كان هناك ثلاث وجهات نظر بالنسبة إلى العلاقات العربية ـ الفلسطينية، فقد أطلقت حركة فتح شعار "عدم التدخل بالشؤون العربية الداخلية"، وقد تعرضت ذاتها إلى تدخل فظ من قبل الحكومات والدول بالشؤون التفصيلية للوضع الفلسطيني.

كما كان هناك وجهة نظر تحت شعارات قومية والحاضنة العربية: تقول بتذويب الشخصية الوطنية الفلسطينية في إطار العمل العربي الرسمي المشترك لتحرير فلسطين.

نحن في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين؛ قدمنا البديل الواقعي الثوري، وجهة نظر تقول بالترابط الجدلي بين العام العربي والخاص الفلسطيني. أساساً شكل عدوان حرب حزيران/ يونيو 1967 وعموم نتائجه المأساوية، مؤشراً هاماً على المخاطر الإسرائيلية والصهيونية على معظم دول وشعوب العالم العربي، وبالتالي فإن العرب حكومات وشعوب باتوا معنيين بشكل مباشر بالصراع وباتوا أحد المستهدفين منه.

ونرى نحن بأن الدور الخاص الوطني الفلسطيني هو دور أساسي يشكل الأرضية لعملية المجابهة، ولتعزيز هذا الدور رفضنا سياسة إدارة الظهر لقوى وأحزاب ونقابات حركة التحرر والتقدم العربية، رفضنا هيمنة الشعار القومي وطمس الدور والخصوصية الوطنية، قدمنا معادلة الترابط المتبادل بين الوطني والقومي والأممي، قدمنا البرنامج المرحلي 1973، والذي أصبح برنامج الشعب وائتلاف منظمة التحرير بإجماع المجلس الوطني الفلسطيني (حزيران/ يونيو 1974)، وحتى يومنا هذا يدور الصراع مع الاحتلال تحت سقف هذا البرنامج، برنامج الأهداف والمصالح الوطنية للجغرافيات المختلفة للشعب الفلسطيني وفي الشتات وعلى أرض الوطن، وانصهارها بحق تقرير المصير لكل هذه التجمعات، والعودة إلى الوطن باعتبارها تعبيراً مكثفاً عن حركة اللاجئين والمساواة القومية والمواطنية الكاملة لجماهير شعبنا داخل الأراضي المحتلة عام 1948، ودحر الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة باعتبارها تعبيراً عن مصلحة أهلنا في المناطق المحتلة. يمتاز البرنامج المرحلي بخاصية أنه برنامج واضح وملموس، يضع كل طبقات وفئات شعبنا وتجمعاته الجغرافية المختلفة أمام مهمات واضحة وملموسة، هذه المهمات التي ترتبط بين النضال الوطني العام والنضال الديمقراطي، بمعنى آخر كانت هذه المهمات عبارة عن توأمة بين المهام اليومية والمهام الإستراتيجية. كما حدد البرنامج المرحلي دور الشعوب العربية، وجميع قوى حركات التحرر والتقدم في البلدان الاشتراكية وقوى الديمقراطية والسلام وحق تقرير المصير في العالم، وانخراطها بالنضال من أجل إقرار حقوق الشعب الفلسطيني وحقوق الشعوب العربية (الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة)، هذا النضال الذي يتوجب بالأساس في إحداث تحضيرات ديمقراطية داخل مجتمعاتها العربية، فالمواجهة مع الإمبريالية ليست عسكرية فقط، بل ينبغي النهوض بمجمل نواحي الحياة العربية لبناء مجتمعات قوية ومتطورة، وصولاً إلى القدرة على الإسهام في معركة دعم ومناصرة الشعب الفلسطيني.

إننا اليوم نواجه بكل صلابة أي تدخلات عربية أو إقليمية أو دولية بشؤوننا الداخلية الفلسطينية، أي تحويلنا إلى أوراق بيد هذه الأنظمة الحاكمة، واستخدامنا لصالحها بعيداً عن حقوق شعبنا.

 

 

س8: ما مدى تأثير سياسيات وتدخل الدول الإقليمية على واقع الصراع السياسي الجاري في فلسطين ؟

 

إن العديد من الدول على المستوى الدولي أو الإقليمي وانطلاقاً من مصالحها، تسعى جاهدة لاحتواء الحالة الفلسطينية. فعلى المستوى الدولي يجهد لإقرار حل للمسألة الوطنية الفلسطينية يتجاوز أو يتناقض مع الحقوق الوطنية. كما أن العديد من الدول الإقليمية تسعى إلى احتواء الورقة الفلسطينية لإثبات حضورها على المسرح السياسي الإقليمي والدولي، وتحويل الورقة الفلسطينية ذاتها إلى ورقة مساومة ...

نحن في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نفتح قلوبنا إلى جميع الدول التي تساند قضية شعبنا وحقوقه الوطنية، ومستعدين لتقديم كل ما يلزم لتطوير وتعميق التحالفات، لكننا بالتأكيد سنحافظ على استقلالية قرارنا واستقلالية طروحاتنا، فالمرجعية بالنسبة لنا هي مصالح شعبنا، وقوى التحرر والديمقراطية والتقدم والسلام في الشرق الأوسط والعالم.

 




تعليقات الفيسبوك