هذيان الرسل


رندا قسيس
الحوار المتمدن - العدد: 2943 - 2010 / 3 / 13 - 20:14
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

يتواصل الانسان مع محيطه من خلال تجربتين ادراكيتين يعيشهما، الاولى تتجلى بادراك داخلي يتعاطى فيها مع الخارج من خلال التجربة الحسية و الممزوجة بواقع تأثر مع مرور الزمن بالتركيبة الجماعية و بالمؤثرات المحيطية و بدورها هذه التجربة الاولى انشأت تجربة داخلية مبنية على قواعد تخصها، نستطيع تلقيبها بالتجربة الداخلية الجماعية و المتمثلة بثقافة الجماعة، اما التجربة الخارجية فهي مجموعة ثقافات جماعية عديدة تراكمت مع الزمن و اكتسبت خصائص عدة من افراد الجماعات المختلفة و التي (التجربة الخارجية) تطورت و تغيرت مع الزمن من خلال الملاحظة و الدراسة لظواهر عديدة طبيعية.
و بدوره ينقسم الادراك الداخلي الى تجارب ادراكية فردية داخل ادراك جماعي، لينشأ تبادل ما بين الافراد و الكتلة الجماعية، في بعض الاحيان تغني التجارب الادراكية الفردية الجماعة كما تضفي عليها قوانيناً و معاييراً جديدة، الا انها في احيان اخرى تخلق هذه التجارب بعض الاثار النفسية التي تؤثر سلباً على مجتمعاتها في حال تغلغلها بشكل لاواعي في الافراد لتصبح افكاراً و اعمالاً تلقائية غير قادرة على اكتساب صفات اخرى، كما ان جمودها يسجن الفرد ضمن معطيات ثابتة متشنجة عاجزة عن ابداء اية مرونة، مثل الاديان المتشبثة بأخلاقيات بدائية لم تعد تصلح لعصرنا الحالي مع استحالة استمرارها بشكلها الراهن و المناقض للعلم و المعرفة.
لكن قبل التطرق الى البعد الديني عند الافراد و المجتمعات، ارغب بالكلام عن التجارب الادراكية الداخلية للافراد و الصور العقلية الواهية التي سيطرت على افرادها و دعونا نخص بالتحديد الرسل و الانبياء و علاقة النبوة مع المرتفعات العالية (الصعود الى اعلى الجبل) و الصيام، كموسى الذي صعد الى الجبل للحصول على وصاياه العشرة، و لتوضيح هذه الحالة، علينا ربطها مع حالة الهايبوكسيميا (نقص التأكسج) فنرى ان المرتفعات العالية تؤثر في نقصان كمية الاوكسجين في الدم، و التي تشكل عاملاً اساسياً في تغيير نشاط الفص الصدغي الدماغي و من العوامل المؤثرة لحالة الهايبوكسيميا هي: المرتفعات العالية، الصعود السريع، النشاط الجسدي المكثف...
عند دراسة بعض الحالات كحالات الهلوسة و الهذيان لبعض متسلقي الجبال وهي اعراض جانبية ناتجة عن العلو المرتفع، نستطيع تفسير ضرورة الصعود الى مرتفعات عالية عند الافراد الراغبين في بدء الاتصال مع الله، و لا ننسى ايضاً ان الصيام ضروري قبل الخوض في هذه التجربة، و لهذا نرى على سبيل المثال صيام موسى عند بدء احتكاكه بالاله، فتجويع النفس يساهم الى حد بعيد في تغيير النشاط الدماغي ليخلق عند الانسان حالة من الهذيان، لهذا نلاحظ ان فرض الصيام و تجويع النفس تواجدت عند كثير من القبائل الهندية و غيرها للخوض في تجربة الاله كما صنفها "برسينجر"، و التي تغيرت مع الايام الى تجويع جزئي (الصيام) و اصبحت فرضاً من الفروض الاجبارية لمؤمني الديانات الاخرى.
ميز "برسينجر" تجربة الاله عن مفهوم الاله، فأعتبر ان الاولى تأتي من تجارب ادراكية داخلية فردية تعتري الافراد لتنتابهم مشاعر فياضة و احساس داخلي بالمعرفة مع امكانية سماع صوت داخلي ينسب الى الاله.
و اذا تمعنا قليلاً في ظواهر الادراك الداخلي و المتجلية بتصورات و تخيلات انسانية تقمصت في صور عدة؛ منها الطاقة الكونية، او الوعي الكوني، او الاله الخالق... نجدها ناجمة عن تغيير في النشاط الكهربائي الدماغي، هذه النشاطات تطرأ على الانسان اما في مرحلة النضوج، او في حالة ورطة شخصية، او عند حالة التعب مع تداخلها في عدة ظروف نفسية منوعة تهيئ انتاج او خلق معاني مكثفة من المشاعر الدافئة كالامتلاء و العمق النفسي، و نجدها اشبه بحالات الهلوسة او الاخطاء الادراكية المسجلة في الدماغ من دون وجود اية علاقة مترابطة ما بين هذه الصور الهذيانية و بين الواقع، فالهلوسات هي تمثيلات عقلية واعية خالية او مفرغة من الغرض الخارجي، اي ان هذه الصور ما هي الا ادراك داخلي لا ينطبق على واقع خارجي، مثلها مثل تجربة الاله الذي يدركه البعض من خلال داخلهم من دون الاستناد الى واقع خارجي معين.
لا شك ان الادراك الداخلي للاله عند البعض قد تم بشكل لا ارادي، فهؤلاء تعرضوا الى ظروف نفسية داخلية تمازجت مع ارادة صلبة للخروج من واقعها الداخلي.
نعود قليلاً الى الرسل و الانبياء و لعملية ادعاء الوحي و الاحساس الداخلي بها و الانجراف الى فخ الادراك الداخلي و الاصابة بالهذيان و الهلوسات طويلة المدى و المقترنة بارادة و رغبة شديدة منهم بالتفرد عن الاخرين من دون تخطيط مسبق من ناحيتهم او بمعنى اخر من دون وجود مخطط واعي مسبق، الا ان امتلاكهم لحس قوي جعلهم اكثر فطنة لانتهاز الفرص المناسبة، و لشرح عملية الاحساس المسبقة و التي تسمى احياناً ب(الحاسة السادسة) و هي عبارة عن تراكم تجاربي فردي و جماعي مسجل في الذاكرة الطويلة و التي تساعدنا في استباق الاحداث او توقعها، كما ان الارضية الخصبة بالالهة و الاعجازات الاسطورية انذاك مهدت لبعض الافراد التميز و الابداع في اضافة اسطورات جديدة.
لنتخيل لو اتانا احد منهم في عصرنا الحالي، نستطيع الجزم بما سيؤول اليه وضعهم فمأواهم لن يكون الا مشفى الامراض العصبية او زنزانة منعزلة و ذلك لشدة خطورة افكارهم على المجتمعات و الافراد.