الكتابة بالدم والدموع


نادر قريط
الحوار المتمدن - العدد: 2710 - 2009 / 7 / 17 - 09:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     


يخبرنا الأديب المغربي المبدع محمد شكري في "خبزه الحافي" أنه تعلم الكتابة والقراءة بعد سن العشرين، آنذاك شاهد أسرته وهي تنقد أحد المقرئين لقاء تلاوته القرآن في المقبرة على روح شقيقه، فلمعت له الفكرة وبدأ بالتعلم، كي يفتح باب رزق يعتاش منه.
أما الأديب السوري المعروف حنا مينا فيخبرنا أن ظروف الإملاق والفقر دفعته إلى ترك المدرسة، وإعالة أسرته، فعمل حمالا في ميناء اللاذقية.
ويسرد في أقصوصته " كتابة على الأكياس" كيف كانت سيقانه النحيلة ترتجف أثناء تسلقه وهبوطه الأدراج، تحت عبء الأكياس الثقيلة، مما أثار شفقة وعطف رب العمل، فأناط له مهمة ترقيم الأكياس بواسطة فرشاة.
وشاءت الأقدار أن يلتقيه في دمشق، حينها كان الرجل قد تجاوز الثمانين، ولما قيل له أن حنا مينا أصبح كاتبا معروفا قال: أعرف ذلك فأنا علمته الكتابة على الأكياس!

أما "كاتب السطور" فيعترف أيضا بفوائد الكتابة، وكيف ساعدته في المحن والعواصف؟ ففي منتصف الثمانييات وأثناء إشتعال الحرب العراقية الإيرانية، كنت لاأزال أعيش في العراق بدون وثائق وأوراق رسمية، وبعد أن أقفلت كل السبل بوجهي وشعرت بالإختناق، إلتقيت شاعرا معروفا "عباس جيجان" كانت له يد تطول العنب (ولاتقتل الناطور)، فسلّمته نصا قصيرا، أعجبه ونشره بجريدة "العراق" على متن عمود مهم، يتنافس عليه الكتاب، فإنتبه ذوو الشأن لحالي وحصلت على جواز سفر وتصريح مغادرة، فطفشت من بلاد النهرين على طريقة خرج ولم يعد.

وقبل هذا الحدث بأعوام طوال، شاءت الأقدار وكتبت بضعة أسطر.. كانت بالنسبة لي أعظم بكثير من رواية الدون الهادئ !! فقيمة الشيئ تكمن في ندرته وفعاليته، فالدون الهادئ رفعت رأس شولوخوف بجائزة نوبل، أما أسطري القليلة فحفظت رأسي على كتفي، وإن لم تصدقوا فهاكم الحكاية من أولها :

لا أدري كيف لمعت الفكرة ببالي، ربما بسبب الضيق وإشتعال الصيف وكثرة التعرق. طرقت باب الزنزانة برفق ووجل خشية إغضاب الحارس المتجهم ذي الوشم البدوي. سألته: لو تكرمت أريد ورقة وقلم. أضفت: سأكتب إعترافا.. رسالة .. أي شيئ؟
منذشهر تقريبا وأنا سجين هذه الزنزانة القميئة التي لا تتسع لأرجلي الممدودة. والأيام بدأت تكر كحبات المسبحة، وما عليّ إلا أن أحسبها من الكوّة الصغيرة الملاصقة للسقف، وغريزة السجن تعلم الزائر أن يخدش الحائط بأظافره كلما دارت الأرض دورتها.
لا أعرف لماذا أتيت؟ كل ما أذكره أني دخلت سيارة بيجو بيضاء، ثم عُصبت عيناي. حدث ذلك في يوم تموزي ملتهب من أيام بغداد نهاية السبعينيات، أتذكر أن أحدا من ركاب السيارة لم ينبس بكلمة .. كان صوت محرك وحركة أرجل السائق والفرامل، يقطعان حدود الصمت. على الأدراج سمعت هرجا، وأصوات إستغاثة وركلات.
في الليلة الأولى لم أنم، فرائحة الأسفنجة تدعو للتقيؤ. غفوت أحيانا لكن الصراخ كان يأتي ويتلاشي عبر الممرات قادما من أقبية التعذيب.. في الصباح إقتادني الحارس إلى المراحيض مغمضا بعصابة سوداء، لكني لمحت خلسة خزان الماء الكبير في ساحة الطيران، فعرفت أني في أحد مباني الأمن العامة بالقرب من البتاوين، وهو مبنى قديم ربما يعود للعصر الملكي، فدهان الممرات الضارب الصفرة، كان مقشرا ورطبا، وفتائله المتدلّية تنثر رائحة من العفونة التي تختلط برائحة الصرف الصحي. حينها لمحت وشما أزرقا على يد الحارس الممشوق القامة، فسألته توددا عن إسمه، لكنه إستمر صامتا كتمثال وعند باب الزنزانة قال: كاظم

كنت مطمئنا ومسترخيا أمام شعور بالعدمية، إنها لحظات إستسلام الخروف للسكين، وكما يقول المثل العراقي " إذا وقع الحرّ في الشبك فإنه لا يلبط"

مجرد إشتباه!! أكيد. لا أتذكر أني أتيت مكروها، ولا خطوت بقدمي على نملة. ولم أنتم لحزب سياسي ولا منظمة، كل ما أفعله هو معاكسة الطالبات الحلوات اللواتي يصرعن ذا اللبّ، وهذا كان يحدث يوميا أثناء تأدية المناسك والطواف حول كلية الآداب والسكن الداخلي لطالبات كلية الصيدلة (خلف باب المعظم) وأغلبهن تعوّد على رشاقة الكلمات وطراوتها، فأصبحن يبتسمن بخفر العذارى، بعد أن كن يتلبكن بمشيهن وتحمر وجوهن..
مجرد إشتباه، فكل ما في الأمر أن لساني مهذار، لايقاوم لذة السخرية والتهكم ..ولا أظن أنهم تافهون لدرجة عدم تقدير هذا الفن الخلاّق، ففي البلاد المنعم عليها، تدفع الناس نقودا لرؤية السيرك، ونجوم التوك شو والكباريه، فهؤلاء يملكون قلوب الناس.. ربما لأن بلادنا متجهمة لا تفهم المزاح، وتتجنب الإبتسام خشية أن تُفسد وضوءها ، لا. لا الشمس الحارقة والجنس والسلطة العنيفة والذكورة المُنتصبة، تتحكم بالشارع وتحركه بصورة فصامية. فالعراق كان دائما موطن التمرد والشك والزندقة والبكاء والنكتة الملفعة بسواد الحسينينيات، أتذكر أحدهم وقف أمامي في طابور "الاورزدي باك" لشراء سلعة، ويعد أن تصببنا عرقا لأكثر من ساعة نفذت السلعة، فتطلع صاحبنا حوله مشدوها، ثم رفع رأسه للسماء وتفلّ برفق وقال: تلقاها بجاه حبيبك محمد؟
تذكرت "علي اللعنة" قبل أسبوع سألني المحقق عن "س" وهو طالب سوري يدرس الهندسة المعمارية.. قلت له: إنه شاب موهوب ورسام مدهش، وأجده ظريفا وذكيا؟ لم أكن حينها أعلم أن "س" قد إختفى أثره منذ مدة.
أخذت أقلّب الذاكرة عما إقترفته يداي عسى أجد تبريرا أستحق عليه الزنزانة... هيه وجدتها لقد أخبرني المحقق بأنهم في أحس الأحوال سيرمونني في الصحراء على الحدود السورية ـ العراقية.. هناك علي تدبّر الأمر، فإما أن أصبح طعما للوحوش الشرهة، أو نزيلا "في سجن تدمر أو صيدنايا"!!
قلت في نفسي عليّ أن أعترف بكل شيئ فالصدق كما قالت العرب منجاة.
أخذت أعدد الموبقات والجرائم والفظائع التي إرتكبتها في غفلة عن الدولة! سأعترف حتى بما حلمّت به في الليل، فربما يلجؤون لفرويد لتفسير تلك الإحلام وتقدير خطورتها على أمنهم القومي. فهم أدرى مني بذلك. أجل منذ مدة سمعت خلسة كاسيتا مهربا لمظفر النوّاب (شاءت الظروف أن تشرفت بلقائه عام 1998، والنص هو سرد من الذاكرة) :

وأطرق بحار البحارين وخبّأ في الصدف الحيّ حكايته
فالعثّة في بلد العسكر تفقس بين الإنسان وثوب النوم وزوجته
وتقرر صنف المولود وأين سيكوي ختم السلطان على إلّيته
فإن آمن بالحزب الحاكم فالجنّة مأواه
وويل للمارق تشنقه كلّ الأنظمة العربية قدام الفنية قاطبة
من منكم لاحظ أن الصمت تكائر والجرذان وسيارات الشرطة تحبل في الطرقات بشكل لا شرعي وسخ..
لهذا أطرق بحار البحارين وخبّأ في الصدف الحيّ حكايته

أجل الصدق منجاة ولن أخبئ حكايتي في الصدف، فليذهب بحار البحارين لجهنم، سأخبرهم، أن الميول اللعينة والهوى، دفعتني للتعاطف مع شذاذ الآفاق كأنصار الجبهة الشعبية، وحاملي جريدة "طريق الشعب" سأقول لهم بأن الحلوات اللواتي تعرفت عليهن في دار الطالبات، هن من كويسنجق والسليمانية، ومن المتيّمات بعيون الملا مصطفى، ويحلمن بحمل السلاح وإنتعال "الكيوة" وتسلق الجبال. سأخبرهم أن "ن " النجفية ذات الضحكة الصاهلة والجرس الحلو والعيون التي ترمي أقوى الرجال، تعود لأسرة دينية "طباطبائي" وتمقت النظام كالطاعون، ولا يغرنّكم أنها تنتمي للحزب الحاكم.
بعد مدة عاد " كاظم " ووقف سيلان الأفكار والإعترافات، ووفى بوعده، وناولني قلم رصاص وبضعة أوراق ملفوفة ومنزوعة من أحد الدفاتر برعونة، ثم أغلق الباب.
تكومت في جديد في الزاوية، وبدأت لحظة طويلة من التأمل.. لحظة من الشبق والفانتازيا والحلم، إنها لحظة تتسع لعمر آدمي.. لا لا لن أكتب إعترافا بهذه الصيغة، فهذا يلزمه وقت طويل وتفاصيل، وقد يؤدي الأمر لمتاهة فكما يقال: السلام يجرّ الكلام والكلام يجرّ البطيخ.
وأنا مستعجل دائما، لا. لا. قال بعضي لبعضي: العجلة من الشيطان، خذ وقتك يا ولد وأشعل واحدة من سكاير "بغداد" الثمانية التي توزع يوميا على عباد الله المدخنين.

أخيرا لمعت الفكرة .. إنها بسيطة ويلزمها بضعة أسطر.. ربما تكون مقامرة لكنها تستحق، فقد سمعت قبل مدة أقصوصة من طالب سوري، أدمن التباهي بتاريخ أسرته البعثية وماضيها البطولي، فقد روى أن أسرته إستضافت يوما صدام حسين بعد هربه من العراق أعقاب إشتراكه في محاولة إغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1959، في شارع الرشيد، تلك العملية التي نفدها عبدالوهاب الغريري وسليم الزيبق، وقيل أن صدام إشترك فيها، وأصيب ثم عبر الفرات هاربا إلى سوريا فمصر.
أتذكر جيدا أن صديقي أخبرني بإسم شخص آخر إستضافته عائلته وكان إبن شيخ قبلي " كنعان الصديد" .. وهكذا إكتملت خيوط الفانتازيا الأدبية.. أجل إنها الفرصة إذا لأمتشق القلم وأحوّله إلى سيف دونكيشوتي أصارع به طواحين الوهم، وأي وهم مميت ذلك الذي يمنعنا من الحلم والحرية:

سيادة نائب مجلس قيادة الثورة صدام حسين رعاه الله:
في يوم شتوي بارد، تشرفت عائلة "ص" بإستضافتكم في ربوعها، يومها كنت طريدا هائما في الأرض، فوجدت عندهم المأوى. لقد فرشوا لك في المضيف وسط أبنائهم، وتقاسمت معهم الزاد والملح . يا سيادة النائب أهكذا يكون رد الجميل؟ أهكذا تستقبلون ضيوفكم؟ ... (إنتهى)

طرقت الباب ثانية .. نظر كاظم بالورقة مستغربا، فالإعتراف المكتوب بدا له تافها وقليلا.. بضعة أسطر .. ولم يمض المساء حتى سمعت بجلبة في الممرات. فتحوا الباب بعصبية. يا للهول! كبير الضباط الذي رأيته أثناء التحقيق، وعديد من المرافقين الذين برزت مسدساتهم بإستفزاز من تحت ملابسهم ، قال لي: أنت فلان .. قلت: أجل .. أنت تعرف عائلة "ص" هززت رأسي بالإيجاب!! (أجل كنت أعرفهم كما أعرف بحار حنا مينا، أو زوربا كازانتزاكي) .. إبتسم وقال: أشكرك.

ذهب الجميع، حتى كاظم الذي فغر فاه من فرط الدهشة، ترك حزمة المفاتيح تتدلى بالباب .. يا إلهي ماذا سيفعلون.. لماذا أتوا بتلك الكائنات الآدمية المدججة بالسلاح، أسئلة هطلت كالمطر.. لماذا ترك الباب مفتوحا على مصراعيه؟ بعد عشر دقائق عاد كاظم، يحمل مناشف ودشداشة وملابس داخلية نظيفة !! أضاف بإبتسامة ماكرة: أستاذ سوف ننقلك إلى غرفة واسعة فيها تلفزيون ملوّن؟
تبعته في تلك الممرات بدون عصابة العين وتلقيت تحيات البعض "الله يساعدك".. اللعنة قال لي: تفضل أستاذ؟ ثم ألقى الأغراض على حافة السرير وأدار جهاز التبريد "الكوندشن" وترك باكيت روثمان على الطاولة.. وقبل أن يهم بالمغادرة تقدم وسألني همسا: أستاذ يرحم والديك، ماذا كتبت لهم؟

ملاحظة: هذا النص جزء من محتوى مادة طويلة كتبتها في التسعينيات، وأهديه لمن يرسل لي الشتائم المقذعة بإسم Fiamma Azzurra
[email protected] وأعلمه بأن الكتابة بالدم تختلف عن الكتابة بالبترول وشكرا