الاقتصاد العالمي: شبح أزمة اقتصادية

هنري ويلنو
2008 / 10 / 21 - 09:23     

في البدء تناول الاقتصاديون الرسميون أزمة القروض العقارية مرتفعة المخاطر «subprimes» باستخفاف. لكن النبرة تغيرت بعد ذلك. إذ بدأت ترتسم معالم أزمة اقتصادية بالولايات المتحدة الأمريكية وأعلن جورج بوش خطة إنعاش للاقتصاد.


FBCF التكون الإجمالي للرأسمال الثابت) من أقل من 31% إلى أكثر من 36% بين المرحلتين (من عام 1993 إلى عام 2000 ومن عام 2001 إلى عام 2005). إن إكراه المردود المالي للرساميل المستثمرة، وسياسة دعم الأسعار بعد انهيار البورصة عام 2001، بالنسبة للشركات المسعرة في البورصة، كانا سبب تفضيل تقسيم المداخيل (وبوجه خاص أرباح الأسهم) على الاستثمار» («فرنسا في وضع انتقالي، 2001-2005» وثيقة مجلس الشغل والمداخيل والتماسك الاجتماعي Cerc)">وقد تزايد بوضوح في السنوات الأخيرة قسم المداخيل الموجه لمالكي الأسهم. وفي الفترة بين عامي 2001 و 2005 بفرنسا، «انتقلت نسبة المداخيل الصافية الموزعة قياسا بالاستثمار (FBCF التكون الإجمالي للرأسمال الثابت) من أقل من 31% إلى أكثر من 36% بين المرحلتين (من عام 1993 إلى عام 2000 ومن عام 2001 إلى عام 2005). إن إكراه المردود المالي للرساميل المستثمرة، وسياسة دعم الأسعار بعد انهيار البورصة عام 2001، بالنسبة للشركات المسعرة في البورصة، كانا سبب تفضيل تقسيم المداخيل (وبوجه خاص أرباح الأسهم) على الاستثمار» («فرنسا في وضع انتقالي، 2001-2005» وثيقة مجلس الشغل والمداخيل والتماسك الاجتماعي Cerc) [ صفحة 2 ]





يعود سبب الأزمة إلى مؤسسات قروض عقارية أمريكية تمنح قروضا لزبائن منخفضي الدخل. تشترط تلك المؤسسات نسبة فائدة أعلى ومتغيرة ( النظام في الواقع أفسد من ذلك: قصد اجتذاب الزبون في البداية، تكون نسبة الأقساط الشهرية أحيانا ضعيفة للغاية، قبل أن ترتفع). و من شروط استمرارية تلك العمليات عدم توقف أسعار العقار عن الارتفاع، وفي حالة صعوبة التسديد، بإمكان المستَدين أو البنك بيع الملكية لامتصاص الدين.

تمتلك تلك المؤسسات المالية مقابل ما منحت من قروض سندات ديون. بيعت هذه السندات الهشة –بسبب احتمال عدم سداد قيمتها- لوكلاء ماليين آخرين باعوها بدورهم عند الاقتضاء، وأغرقت في منتجات مالية بالغة التعقيد. وترتبت عن ذلك إمكانية وجود منتجات مالية محفوفة بجزء لا ُيستهان به من المخاطر في محفظات مؤسسات غير واعية بها حقا والتي يلزمها أحيانا عدم تملك منتجات محفوفة بمخاطر. لكنها اشترت تلك السندات دون طرح تساؤلات كثيرة لأنها مربحة بوجه خاص.

والحال أن أسعار العقار الأمريكية بلغت حدها الأقصى ابتداء من عام 2005، وبعد ذلك انخفضت، وبدأ عدد المنازل الجديدة غير المشتراة يبلغ مستوى قياسيا. و كان البنك المركزي الأمريكي من جهته يرفع من نسب فائدته، مما انعكس على تكاليف التسديد (بقدر ما كانت نسبة فائدة القروض متغيرة). فباتت أسر غير قادرة على تسديد الأقساط الشهرية. و من هنا ِالصعوبات التي اعترضت مؤسسات القروض العقارية، ثم مالكي سندات الدين التي أصدرتها تلك المؤسسات. و غدت تلك السندات «أصولا سامة» حسب تعبير أستاذ جامعي أمريكي.

نمو محدود

انطلاقا من ذلك، امتدت الأزمة عبر ثلاث قنوات: سبب التغير بسوق العقار بالولايات المتحدة الأمريكية تراجع قطاع البناء والأنشطة التابعة (التجهيز المنزلي)، وعمليات تسريح، الخ. وألغى القطاع المالي عشرات ألوف فرص العمل بالولايات المتحدة الأمريكية، و أصابت «العدوى»، بفعل انتشار سندات الدين، مؤسسات غير مرتبطة مباشرة بسوق «القروض العقارية عالية المخاطرsubprimes »، و اتخذت بعد ذلك بعدا عالميا. و ضربت الأزمة مؤسسات مالية عديدة على نحو مباشر أو غير مباشر. وراجت إشاعات في الأسواق المالية حول بنوك قد تصاب بوجه بخاص. و اضطرت بعض المؤسسات المالية إلى مناشدة مستثمرين لدعمها. هكذا اشترى صندوق استثمار مرتبط بإمارة أبو ظبي البترولية جزءا من رأسمال مجموعة سيتي غروب الأمريكية Citigroup، وحظي اتحاد البنوك السويسرية بدعم صندوق على علاقة بدولة سنغافورة. و«زينت» بعض المؤسسات صورة دفاتر حساباتها لإخفاء خسائرها.

وبصرف النظر عن البنوك، فإن حالة ساخرة بوجه خاص لمؤسسة أصابتها الأزمة متمثلة في حالة صندوق معاشات ولاية فلوريدِا الذي يدير معاشات موظفي تلك الولاية. اشترى ذاك الصندوق سندات مرهونة بديون لاسيما عقارية، دون التساؤل كثيرا لأنها سندات صنفتها الوكالات المختصة مع الجيدة. لكن تقلصت قيمة تلك السندات مؤخرا وتعذر بيعها، إلا بأثمان تسبب خسائر فادحة ( ما يناهز 2 مليار دولار). وقد تصيب الأزمة أيضا صناديق أخرى من نفس النوع مثل صندوق ولاية كاليفورنيا.

إن كان معدل النمو العالمي مرتفعا عام 2006، وواصل ارتفاعه عام 2007، فبسبب النتائج القياسية التي حققتها الصين والبلدان الآسيوية والبلدان البترولية. وفي الواقع جاءت أزمة «القروض العقارية عالية المخاطرsubprimes» على خلفية اقتصادية مطبوعة بنمو محدود ببلدان رأسمالية متطورة رئيسية عديدة، ولاسيما بلدان الاتحاد الأوربي. إن السيناريو الأكثر احتمالا هو تباطؤ إضافي لنمو اقتصاديات البلدان الرأسمالية الكبرى و بمقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ترتسم معالم ركود اقتصادي. انتقلت نسبة البطالة بالولايات المتحدة الأمريكية من 4.4% في ديسمبر/كانون الأول عام 2007 إلى 5% بعد تسعة أشهر. وفي نفس السياق أصدر بنك الأعمال غولدمان ساشس Goldman Sachs توقعا مفاده أن نسبة البطالة الأمريكية ستبلغ 6.5% عام 2009، بينما سيهبط معدل النمو إلى أقل من 1%، مع نصف سنة من نمو سلبي. بناء على ذلك، وسعيا لوضع حد للسيرورة في هذه السنة الانتخابية، أعلن بوش عن خطة دعم الاستهلاك بمبلغ 140 مليار دولار. لكن تلك الخطة، المنسجمة مع سياسته الرجعية، تضم أساسا عمليات تخفيض ضريبي، ولا تمنح الأسبقية لمن هم أكثر تأثرا بالأزمة، أي الأسر التي صودرت منازلها بسبب ثقل الاستدانة، والأجراء الذين فقدوا مناصب عملهم، والمتقاعدون في وضعية صعبة.

تدابير جائرة وغير ملائمة

كما سيؤثر ركود استهلاك الأسر الأمريكية سلبيا على البلدان المصدرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية (بلدان أوربا واليابان والصين...). و ستتأثر بعض المؤسسات المالية بالبلدان الأوربية وباليابان بعواقب أزمة «القروض العقارية عالية المخاطر» (مثل بنك القرض الزراعي والشركة العامة بفرنسا). ويلاحظ منذ الآن تشديد البنوك الأوربية معايير منح قروض للمقاولات و للإفراد. و علاوة على ذلك، تعاني بلدان العملة الأوربية الموحدة من ارتفاع مستوى قيمة نقدها قياسا مع الدولار والين الياباني، مما يجعل المنتجات الأوربية أقل منافسة. و أخيرا، ينشغل البنك المركزي الأوربي بمخاطر الارتفاع المفاجئ للأسعار (في سياق ارتفاع أسعار البترول والمواد الأولية) ومطالب الأجراء المدافعين عن القدرة الشرائية، أكثر من انشغاله بما يهدد النمو والتشغيل. هكذا ترتسم بأوربا معالم تباطؤ نمو هش أصلا، مع شروع بلدان عديدة في مراجعة توقعاتها لعام 2008.

سيكون عام 2008 صعبا، لكن من المحتمل بروز سيناريو أكثر سلبية: ركود اقتصادي شديد بأمريكا، قد يصيب بلدان أخرى. و تتفاقم أزمة العقار بالولايات المتحدة الأمريكية، وامتدادها إلى قطاعات اقتصادية أخرى وانخفاض قوي لاستثمارات المقاولات. ويصبح النمو سلبيا خلال أشهر عديدة، ويشتد تباطؤ نمو اقتصاديات بلدان العالم الأخرى، بدرجات متفاوتة، بسبب انخفاض الطلب القادم من الولايات المتحدة الأمريكية واستمرار مصاعب النظام البنكي، الذي سيزيد تقليص منح القروض. بينما ستحد الأسر من نفقاتها بفعل تشككها، ومن الوارد بروز أزمة ثقة إزاء الدولار.

إنه من السابق لأوانه الحسم، لكن ثمة مسألة جلية: إن السياسات، الساعية لإنعاش الاستهلاك عبر تخفيض الضرائب (أو إجراءات كالساعات الإضافية...) مثل سياسات بوش وساركوزي، ليست جائرة اجتماعيا وحسب، لكنها غير ملائمة للوضع. إن الحفاظ على الاستهلاك يستدعي وقف تقليص الأجور وتعويضات العاطلين.

انعدام استقرار

تزودت رأسمالية ما بعد الحرب العالمية الثانية بآليات إضفاء استقرار: تدخل الدول، وتحكم في حركات الرساميل، و نظام حماية اجتماعية. ولم تكن في سياق ما بعد الحرب (قوة الحركات العمالية وتنافس مع الاتحاد السوفيتي)، قادرة على تحمل أزمة مماثلة لأزمة عام 1929. وقد فككت النيوليبرالية قسما هاما من هكذا تدابير ضبط، ويسير نظامها المالي من هزة إلى أخرى. وباتت الرأسمالية تشمل العالم برمته: فما يحدث ببلد ( وبالمقام الأول الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة الاقتصادية الأولى بالعالم) يطال البلدان الأخرى...

هكذا بات توازن النظام عرضة أكثر فأكثر لعدم الاستقرار. ليست المؤسسات التي أطلقت «القروض العقارية عالية المخاطر» مارسا للغش على نحو هامشي، بل مؤسسات مالية تعمل في مجال نشاطها كما تعمل مثيلاتها بالبنوك المحترمة: انتهاز جميع فرص الربح بالتحايل على القوانين. و بالطبع عند كل اهتزاز يشهده النمو، يقع دفع ثمن دناءة مقتنصي الربح على عمال وفقراء العالم أساسا.

هل ما تزال لدى الرأسمال هوامش؟

لا جدل في أن الرأسماليين سيبذلون ما بالوسع لإلقاء عبء الأزمة على الأجراء، لكن يجب ألا يدفع هذا إلى اعتقاد أن الصعوبات الحالية تمنع الرأسمال من تلبية المطالب.

نسبة الأرباح تظل عالية

ينبغي استحضار العنصرين التاليين: تظل معدلات ربح المقاولات في المتوسط في مستوى عال، وقد فضلت المقاولات في السنوات الأخيرة مكافأة مالكي الأسهم على الاستثمار. يجب تقسيم الأرباح بين الرساميل المعاد استثمارها في المقاولة، والفوائد المسددة مقابل الاستدانة والأرباح الموزعة على مالكي الأسهم.



--------------------------------------------------------------------------------


وقد تزايد بوضوح في السنوات الأخيرة قسم المداخيل الموجه لمالكي الأسهم. وفي الفترة بين عامي 2001 و 2005 بفرنسا، «انتقلت نسبة المداخيل الصافية الموزعة قياسا بالاستثمار (FBCF التكون الإجمالي للرأسمال الثابت) من أقل من 31% إلى أكثر من 36% بين المرحلتين (من عام 1993 إلى عام 2000 ومن عام 2001 إلى عام 2005). إن إكراه المردود المالي للرساميل المستثمرة، وسياسة دعم الأسعار بعد انهيار البورصة عام 2001، بالنسبة للشركات المسعرة في البورصة، كانا سبب تفضيل تقسيم المداخيل (وبوجه خاص أرباح الأسهم) على الاستثمار» («فرنسا في وضع انتقالي، 2001-2005» وثيقة مجلس الشغل والمداخيل والتماسك الاجتماعي Cerc)

2. الرأسمال يطلب دخلا مضمونا

بات المنطق الرأسمالي يقضي بأن تصبح الأجور والاستخدام [التشغيل] هما المطالَــب على نحو دائم بالتكيف مع التقلبات الاقتصادية وليس مكافأة الرأسمال.

بات مالكو الرأسمال يفكرون وفقا لمعيار دخل، بمعزل عن مميزات المقاولة أو نشاطها. وكما كتب الاقتصادي فرديريك لوردون: «تقليديا كانت شرعية استيلاء الرأسمالي على فائض القيمة قائمة على تحمل الخطر الاقتصادي. [..] طبعا لم ينتف الخطر [...] وأصبح الأجراء هدفا لتركز جميع المخاطر [...].»

وبوجه انخفاض قيمة الدولار، وبالنسبة لبعض المقاولات التي تواجه مصاعب حقيقية، سيواصل مالكو الأسهم المطالبة بهذا الدخل المضمون. وبالتالي تحميل الثمن للأجراء بإلغاء فرص عمل، وتمديد ساعات العمل وترحيل وحدات الإنتاج. ويمثل إلغاء 8000 فرصة عمل في متم ديسمبر 2007 لدى شركة BMW بألمانيا توضيحا بالغا لذاك المنطق. وقد كانت 2007 سنة نتائج قياسية من حيث مبيعات المجموعة (+8.3% خلال الأشهر الإحدى عشر مقابل 1.9% بالنسبة لشركة ميرسديس المنافسة). أما الهامش، فيناهز 6%. انه ليس عديم الأهمية لكنه اقل ما لدى الشركات الأخرى، ومن ثمة تقليص عدد الأجراء قصد رفع الهامش إلى 8-10%.

جريدة روج 24 يناير/كانون الثاني 2008
تعريب: جريدة المناضل-ة





تعليقات الفيسبوك