شبح - ثورة الجوع - يحلق فى سماء المحروسة !


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 2246 - 2008 / 4 / 9 - 11:01
المحور: المجتمع المدني
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

يقول تقى الدين أحمد المقريزى فى كتابه " المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار " ، ( القرن الخامس عشر ) ، أن الله " عندما خلق الدنيا أعطى لكل شيئ فيها زوجاً :
قال العقل : " سأذهب إلى سوريا " ، فقالت الفتنة : " سأذهب معك ! " .
قال الفقر : " سأذهب إلى الصحراء " ، فقالت الصحة : " سأمضى معك " .
قال الرخاء : " سأذهب إلى مصر " ، فقالت الطاعة : " سوف أصحبك ! " . "
لكن مصرالخصب والرخاء ، أو " سلطان الأرض كلها " ، و" خزائن الأرض " كما وصفها " أبو بصرة الغفارى " ، أو " شبه الجنة " ، كما وصفها " كعب الأحبار" فى كتب التراث ... " أم الدنيا " و " فريدة الزمان " ، أو " المحروسة " ، كما كانت تسمى ، لم تعد الآن كذلك ، لم تعد أرض الرخاء والنماء ، ولا أرض الطاعة والصبر ، أيضا ً ! .
فبعد أكثر من ثلاثة عقود ، قضتها تحت حكم حسنى مبارك ، ( نائبا ً للرئيس ، ثم رئيسا ً) ، أصبحت ، بعد أن تم تجريف ثرواتها ، ونهب خيراتها ، على العكس تماما ، أرض العطش والجوع ، والبؤس والمعاناة ، وموئل العنف والغضب ، تحيا على تخوم الانفجار ، ويُخيم عليها شبح حريق جديد للقاهرة ، يتضاءل بجواره ماحدث فى منتصف القرن الماضى ، وكان أحد مقدمات ثورة يوليو ( تموز ) 1952، وأبرز النذر المبشرة بزوال عصر الملكية ، وانهيار حكم الملك فاروق ، الذى ينظر إليه الكثيرون الآن نظرة تعاطف ، لأن ماكان يعيشه المصريون ، فى عهده ، من مشقةٍ ومن جهدٍ ، يهون كثيرا ً، بالقياس لما يكابدونه فى الوقت الراهن من معاناة ومهانة ، وما يواجهونه من عذابٍ وكمدٍ ، للحصول على أبسط متطلبات الوجود ، وللبقاء على الحافة الحرجة للحياة ، يستوى فى ذلك الفلاح البسيط ، والعامل الكادح ، وساكن أكواخ الصفيح وعشش العشوائيات ، أوابن الطبقة الوسطى ، التى كانت تسمى ، فى الماضى ، " الطبقة المستورة " ، فإذا بها تنحدر ـ بدون رحمة ـ إلى أسفل سافلين ! .
ولا يمكن تحديد مجال دون آخر للحديث عن التدهوره الذى شمل كل مناحى الحياة فى مصر ، البلد التى كانت سبّاقة إلى التطور، ومبادرة إلى بناء مرتكزات الدولة الحديثة ، منذ نحو القرنين ، مع بدايات القرن التاسع عشر، وتولى " محمد على " مسئولية الحكم ، عام 1805، فيها .
منذ ذلك التاريخ سعت مصرلامتلاك نظم خدمية متطورة ، حتى بالنسبة للعديد من دول أوروبا ذاتها ، فكانت من أوائل الدول التى بنت خطوط السكك الحديدية ، وأنشأت شركات للطيران والملاحة ، وعرفت السينما والصحافة والبرلمان ، والبورصة والنقابات والمستشفيات والنوادى الرياضية ، والهيئات التعليمية ، كما اهتمت بإرسال البعثات الطلابية للخارج ، وبنت مؤسسات كبرى للخدمات العامة : الصحة والنظافة والنقل والتعليم والمواصلات ( البرية والبحرية والجوية ) والاتصالات والثقافة ... إلخ ، فضلا ًعن المؤسسة الأهم والأعرق : المؤسسة العسكرية ، التى كانت فى صلب عملية التحديث المستمرة للمجتمع ، وعنصراً رئيسياً من عناصر تماسكه وتطويره .
لكن هذا الوضع أخذ فى التآكل ، بدءاً من هزيمة يونيو ( تموز ) 1967 ، ثم أخذت وتيرة التآكل فى التسارع خلال العقود الثلاثة الأخيرة ، حتى أصبحت الدولة المصرية ،" بجلالة قدرها " ، عاجزة عن أن تنظف شوارع عاصمتها التاريخية ، " القاهرة " ، من القمامة ، حتى بعد الاستعانة بشركات أجنبية ! ، وفاشلة فى تنظيم حركة انسياب السيارات فى شوارعها التى كادت تصاب بالشلل الكامل ، أو السيطرة على معدلات التلوث التى وضعتها على قمة أكثر المدن تلوثا ً فى العالم .
أوضاع لاتُحتمل !
غير أن الفشل الأعظم لنظام حكم مبارك ، تجسد فى عجزه المشين عن توفير مياه الشرب والرى للمواطنين الذين خرجوا يقطعون الطرق ، غضباً ، بعدما أُجبروا على شرب المياه الملوثة ، ووقفوا يشهدون حقولهم تموت من العطش ، فى البلد الذى وصفه هيرودوت باعتباره " هبة النيل " ، والتى كانت مهمة تنظيم مد المصريين بها وضمانة استخدامها الرشيد هى مهمة حكومتها المركزية منذ فجر التاريخ ، ومبرر وجودها الأساس ... ثم انضاف إلى هذا العجز عجزاً آخرَ لا يقل خطورة ، يرج مصر رجاً ، فى الأسابيع الأخيرة ، هو العجز المزرى عن توفير الحد الأدنى من الخبز للناس .
يسمى المصريون الخبز " العيش " ، تأكيداً لنظرتهم له باعتباره مكوناً حيوياً من مكونات الحياة ذاتها ، وهم يقسمون بـ " العيش والملح " إذا احتاج الأمر للقسم !، وإذا وجد واحد منهم قطعة خبز ملقاة فى عارضة الطريق ، تحتم ثقافته الشعبية المتوارثة إبعادها عن مواطئ الأقدام ، فالخبز ـ بالنسبة للمصرى ، ليس مجرد نوع من الغذاء ، يمكن الاستغناء عنه ، أو استبداله بغيره من أنواع الطعام ، لكنه يمثل غذاءاً أساسياً يحظى باحترام يقترب من حدود التقديس ، وهو أمر مفهوم لشعب تليد ، يمتلك واحدة من أقدم الحضارات الزراعية فى التاريخ ، كانت زراعة القمح وتخزينه واستخدامه من أبرز وأهم إنجازاته ! .
ثم أن هناك أمر آخر جعل لرغيف الخبز هذا القدر من الأهمية ، فى مصر ، وبالذات فى الفترة الأخيرة ،هذا الأمرهوالارتفاع المضطرد لأسعارباقى المواد الغذائية ، وبشكل غير منطقى ، ( ولا مثيل له فى اى دولة أخرى ، حتى تلك التى تشكو من ظاهرة ارتفاع الأسعار) ، فهى تتزايد ، بشكل جنونى ، كل يوم ، وبصورة دمرت أى قدر من الاستقرار فى المجتمع ، وجعلت أغلب طبقاته تجأر بالشكوى ، وخاصة بعدما بدا عجز جهاز الحكم المهترئ ، والفاسد ، عن التدخل لوقف التدهور الشامل فى أحوال الأغلبية العظمى من المواطنين ! ، أو بالأحرى تواطؤه ، مع كبار التجار والمحتكرين ، لعدم إيقاف هذا التدهور ! .
السبب الأساس لهذا الوضع الخطير يعود إلى سيطرة نخبة من رجال الأعمال ، المحدثين ، الجشعين ، ومجموعة من الوزراء عديمى الخبرة السياسية ( درس أغلبهم فى أمريكا ! ) ، أتوا حاملين لأجندة " نيو ليبرالية " متشددة ، لا تكره ، قدر ما تكره ، إلا الحديث عن أدنى دور اجتماعى للدولة ، أوحتى للقطاع الخاص ، وتؤمن إيماناً غيبياً ، وغبياً ، بنجاعة " اقتصاد السوق " ، وضرورة " الخصخصة " الكاملة للملكية العامة ، وإطلاق يد القطاع الخاص ، فى الحركة ، دون إلزام ، أو رقيب ، أو قيود .
وقد ضاعف الفساد الهيكلى الذى وسم النظام المهترئ ، فى العقود الأخيرة ، من معاناة المواطن المصرى [ شهد جهاز الحكم ، حسب الاحصاءات الرسمية ، 164 ألف قضية انحراف مالى وإدارى ، خلال عام 2007 فقط ، تم كشفها ] ، وما خفى كان اعظم ! ، ( جريدة " نهضة مصر" ـ 20 مارس / آذار 2008 ] ، وهو ما سرّع من وتيرة افتضاح النتائج المدمرة لممارسات المجموعة الحاكمة ( التى يتزعمها جمال مبارك ، أمين " لجنة السياسات " بالحزب الوطنى ) ، وبرامجها الاقتصادية ، المتحررة من أى رقابة أو مساءلة أو مراجعة ! ، والتى تنحاز انحيازاً كلياً لفئات محدودة للغاية من نخبة المجتمع ، وتهمل إهمالاً جسيما ً مصالح عشرات الملايين من المواطنين ، وترفض رفضاً قاطعاً الالتزام بأى مسئولية تجاه الفقراء أو محدود الدخل ، أى تجاه " المواطن مصرى " ، الذى يمثل الأغلبية العظمى المصريين الآن ! .
يؤكد ذلك تقريرصدر عن " المجلس القومى للإنتاج والشئون الاقتصادية " ، التابع للمجالس القومية المتخصصة ، ( وهى هيئة حكومية ) ، يشير إلى أن %77 من سكان الريف المصرى يعيشون تحت حد الفقر المقدر ( بمتوسط 2500 جنيه سنويا ً ) ، أى مايوازى 7 جنيهات يوميا ً ( أى أقل من دولار ونصف ! ) ، وهذا الوضع لم يعد حكراً على الريف وحده ، بل شمل جميع المصريين ، إلى حد دفع صحفى محسوب على الحكم ، هونقيب الصحافيين ،" مكرم محمد أحمد " ، إلى الاعتراف بأن " كل فئات المجتمع المصرى تكتوى بموجة غلاء متصاعد شملت جميع السلع الغذائية بدون استثناء ، (حيث ) ترتفع كل أسعار السلع بلا تمييز بنسبة تزيد على الضعف خلال عام واحد ، كما شملت زيادات الأسعار مواد البناء ، خصوصا ً الأسمنت والحديد ( وهما احتكار مغلق لكبار قادة الحزب الوطنى وأبناء النظام ! ) ، التى ترتفع أسعارها بمعدلات أسبوعية ، إضافة إلى زيادة أسعار الوقود وخدمات النقل ".(جريدة " الأهرام " ـ 8/3/2008 ) .
لقد فجرت هذه الحالة غير المسبوقة ، ومن قبلها الصراع حول الخيار الديموقراطى للبلاد ، موجات من التظاهرات والاعتصامات والإضرابات الواسعة المدى ، شملت جميع المحافظات ومجالات العمل والطبقات : فلاحين ، عمال ، موظفين حكوميين ، أساتذة جامعيين ، أطباء ، صيادلة ، مهندسين ، صحافيين ، قضاة ، مواطنى العشوائيات والمهمشين ، أهل سيناء وبدو الصحراء الغربية وأهل النوبه... إلخ ، وهو أمر دفع " لجنة الدفاع والأمن القومى" بمجلس الشعب ، إلى التحذيرمن عواقب استمرار تدنى أجورحتى ضباط الشرطة ، وباقى العاملين بوزارة الداخلية ، وبما قد يدفعهم إلى الانضمام إلى جحافل المضربين ! ، وأشارأحد عناصر اللجنة إلى أن " الأحوال المالية المتدنية كانت وراء تورط فئة صغيرة من الضباط فى تجارة المخدرات " ، ولفتت إلى أن كل منظومة المرتبات فى الدولة تحتاج إلى إعادة نظر ، فمن" غير المقبول أن يتقاضى القاضى وضابط الشرطة والطبيب رواتب هزيلة لا تكفى الحد الأدنى من الحياة الكريمة " . ( جريدة " البديل " ـ 25/2/2008) .
ثورة الجوع
على هذه الخلفية جاء تصاعد " أزمة رغيف الخبز " التى اصبحت الشغل الشاغل للجميع : حكومة ومعارضة ، صحافة وتلفزيون ، أحزاب وحركات سياسية ، فالصراع من أجل الفوز ببضعة أرغفة ، أصبح قضية بالغة الأهمية ، ليس فى العاصمة الأولى ، ( القاهرة ) ، أو العاصمة الثانية ، ( الإسكندرية ) ، فحسب ، وإنما فى جميع المحافظات ، وفى وقت متزامن ، بعد أن عض الجوع بنابه الملايين ، وسقط 12 " شهيداً من اجل لقمة العيش ! " فى الطوابير المتزاحمة ، والمتلاطمة ، حتى الآن ، كان آخرهم سيدة مسنّة من مدينة الإسكندرية ، بينما فى محافظة " المنوفية " يقف الناس منذ الثانية فجراً ، فى الطوابير، من أجل الحصول على خمسة أرغفة ، وفى " البحيرة " أنشأت المحافظة مشروعا ً لتوزيع خبز " لا يصلح للاستخدام الآدمى " ، ببطاقات التموين ، ويسميه الناس " المشروع القومى لإذلال المواطنين ! " ، أما فى محافظة " الفيوم " ، فيخرج الآلاف فى مظاهرات حاشدة فى القرى والمدن ، احتجاجا ً على اختفاء الخبز ، ويحطمون مكاتب التموين ، ( ورغم بؤس الحال ، لم يفقد المصريون حس الدعابة والسخرية ، فردّا ً على مظاهرات الحزب الوطنى التى كانت تخرج للهتاف : " بالروح .. بالدم نفديك يامبارك " أثناء حملة الانتخابات الرئاسية ، أخذ المواطنون الغاضبون يهتفون : " بالروح والدم نفديك يادقيق ! "، (جريدة " الدستور" ـ 25/2/2008) ، أما فى محافظة " المنيا "، ( بصعيد مصر ) ، فقد أنذر تقرير " الاتحاد النوعى لحماية المستهلك " : المحافظة مقبلة على " ثورة جياع " تأكل ما تجده أمامها من أخضر ويابس ! " . ( جريدة " البديل " ـ 17/3/2008 ) ، وفى محافظة الاسماعيلية ، أرسل مواطن بدرجة مدير عام ، رسالة للرئيس مبارك ، يطالب برحيل " نظيف " ( رئيس الوزراء ) ،" قبل أن تحدث ثورة جياع ويفلت الزمام ! " ، وكتب لرئيس الوزراء نفسه : " أحب أن أوضح لسيادتكم ، بعد سماع أغنية شعبان عبد الرحيم " أنا باكره إسرائيل " ، أننى أكره " نظيف " وحكومته ، فإسرائيل تجوع الفلسطينيين ، وحكومتكم تجوع الشعب المصرى بأكمله ، وسيادتكم تتحدثون عن القرية الذكية ، بينما الناس مش لاقية الفول والطعمية ! ... باكرهك... باكرهك ... باكرهك !!! " . (جريدة " المصرى اليوم " ـ 17/3/2008) .
ويصف الصحفى " سعيد عبد الخالق " ، وضع الشارع المصرى الآن : " إن الشارع يغلى ، وأصبح أشبه بالماء المغلى الذى قد يطيح يوما ً بغطاء الحلة ! . إن الشعب لن يتحمل ما تفعله الحكومة يوما ً بعد آخر ، ويقال بأن هناك أكثر من %45 من المصريين يعيش تحت خط الفقر ...وهناك الكثير من الأزمات بسبب غياب الرقابة والمحاسبة على للوزراء ، الذين راحوا يعبثون فى البلاد ، ويزيدون الطين بلة ، ويضعون مصر فوق فوهة بركان .. واحذروا انفجار... سوف يدوس وقتها الأخضر واليابس ! " ( جريدة " الوفد " ، 12/3/2006) .
الطوفان قادم !
يعترف المهندس " رشيد محمد رشيد " ، وزير الصناعة والتجارة ، بحجم الكارثة التى أطاحت بصبر الناس وقدرتهم على الاحتمال : " بلغت الزيادات فى أسعار بعض المنتجات الحيوية مابين 400% و500% ، وأسعارالأغذية زادت بنسبة 70% العام الماضى ، وبنسبة 30% خلال يناير وفبراير الماضيين ، وزادت أسعار الحبوب بنسبة 150% !! " ، وعملا ً ببيت الشعر الشهير القائل " وداونى بالتى كانت هى الداء ُ ! " ، فالطريف أن روشتة علاج هذا الوضع المتردى التى يكتبها الوزير ، لا تتضمن مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية الكارثية النتائج ، المفروضة من البنك الدولى ونظرائه ، وإنما " اتباع المزيد من سياسات " الإصلاح الاقتصادى " !! " ،( جريدة " البديل " ، 18/3/2008 ) ،وهو الأمر الذى يعنى استمرار العمل بالسياسات التى دمرت أحوال المصريين ، دون اية نوايا للتراجع او حتى المراجعة ! ، مما يقطع الطريق على أية نية لـ " التصحيح الاقتصادى " ، تماما كما حدث فى قضية " الإصلاح السياسى " ، الذى انتهى إلى غير رجعة ، وأصبح أمراً فلى ذمة التاريخ ! .
والحديث عن " الانفجار الاجتماعى " ، أو " الزلزال " المرتقب ، أصبح حديث الجميع الآن ، فهاهو نائب مجلس الشعب ، الصحفى" مصطفى بكرى " ، يحذر من أن " مصر مُعـرّضة لانفجار خطير قد يحدث فى الفترة المقبلة ، لأن هناك بركانا ً داخل المصريين لما وصلت إليه الأوضاع الاقتصادية المتردية والوضع السياسى المتدهور ، إضافة إلى تقزم سياسات مصر الخارجية ، وفقدها لدورها القيادى " ، ( جريدة " المصرى اليوم " ، 11/3/2008) ، ...
والمؤسف أن الحكم واجه هذا الوضع الصعب ، بالتهديد بالضرب على أيدى من يعتصمون أو يتظاهرون احتجاجا ً على تدهور الأوضاع ، بدلاً من تفهم الأسباب و الدواعى ، .. ورغم ذلك استمرت وقائع الاحتجاج والغضب ، ذلك أن " الموشك على الموت جوعا ً، كما يقول الصحفى " عزت القمحاوى " ، " لن يستمع إلى تحذيرات الدكتور نظيف ( رئيس الوزراء ) ، من عواقب الإضرابات والاعتصامات ...ولا يمكن أن تستمر الحياة فى بلد وصل فيه سعر كيلو العدس إلى عشرة جنيهات ، بينما يتقاضى الطبيب خمسمائة جنيه بعد خمس عشرة أو عشرين سنة خدمة ...ولا أن تستمر الاستثمارات التى يحاولون مراكمتها لدى قلة من المحتكرين ( الذين سدد سبعة عشرة منهم فقط حقوق الدولة من الضرائب هذا العام ! ) ... ولايمكن للنشاط الاقتصادى الخاص أن يتوسع إلى الأبد وسط شعب سقطت غالبيته فى الفقر المذل ... إن هناك أيدى خفية تدفع الأمور باتجاه الفوضى ... وهذا احتمال غير مستبعد ! " ، ( جريدة " المصرى اليوم " ، 11/3/2008) .
بل أنه ، حتى الصحف الأجنبية ، لفت أنظارها ، بشدة ، " مدخلات " هذا الوضع الخطر، الذى تتجمع نذره ‘ فى فضاء " المحروسة " ، ويشم مقدماته كل صاحب حواس متيقظة ، فتوقعت جريدة " لوس أنجلوس تايمز " الأمريكية : " أن تشهد مصر ربيعا ً ساخنا ً من المظاهرات والاعتصامات ، حيث ينوى الأطباء تنظيم إضراب يوم 15 مارس ( آذار) ، ( أجل لفترة لاحقة ) ، يتبعه إضراب لأساتذة الجامعات فى 23 مارس ( آذار)، ومن بعده عمال النسيج فى 6 أبريل ( نيسان ) .
وتقول الصحيفة : " إن هذا الانتشار والتمدد للمظاهرات والإضرابات ، من القطاعات العمالية إلى القطاعات المهنية ، يكشف عن أن الارتفاع المتوالى فى أسعار الغذاء والوقود قد ألقى بقطاعات عديدة فى محرقة الفقر ! ، وهناك إحصائية تقول أن أسعار المواد الغذائية زادت بمقدار 122% مرة واحدة ، فى الآونة الأخيرة ، وتشكل كل هذه التطورات تحديات لنظام حسنى مبارك الذى يقبع فى السلطة منذ 27 عاما ً ، وقد تعيد مرة أخرى انفجار مظاهرات الخبز التى اندلعت فى 1977" . (جريدة " العربى " ، 9/3/2008 ) .
أما النائب حمدين صباحى ، فيكتب فى جريدة " الكرامة " ، ( 17/3/2008) ، صارخاً فى آذان أصابها الصمــــم : " ستنفجر مصر ... لن يبقى المواطن ، رجلا ً أو امرأة ً ، واقفاً فى طابور المذلة وامتهان الكرامة وإهدار الحقوق ، إلى الأبد .. سيخرج المذلون المهانون يوما ، أراه قريبا ً ، من الطــابور إلى الانفجــار ، وعندها لــن يصـدّ الجـيـاع فى انفــجارهــم أحد : لا الرئيس ، ولا الوريث ، ولا أحمد عز [ الملياردير ، وصاحب أكبر احتكارات حديد البناء ، وأمين تنظيم الحزب الوطنى ، ورجله القوى ! ] ، ولا " الأغلبية " البرلمانية ، ولا المحليات المزورة ، ولا صحف النفاق ، ولا الحزب الوهمى ( الحاكم ) ، ولا الحكومة الفاشلة .. لا سلطة ، ولا قوة ، ولا أمن مركزى ، ولا قوات خاصة ، ولا حرس جمهورى ، ولا جيش !! ... سيأتى الطوفان ... ويجرف كل شئ ! " .



تعليقات الفيسبوك